وفيه بابان
الباب الأول: في الالتقاط وحكمه
(وهو عبارة عن) كل صبي ضائع لا كافل له فالتقاطه من فروض الكفايات. فمن وجده وخاف عليه الهلاك إن تركه لزمه أخذه (و) لم يحل له تركه. (ومن أخذه بنية أنه يربيه لم يحل له رده، قاله أشهب. قال: وأما إن أخذه ليرفعه إلى السلطان فلم يقبله منه فلا شيء عليه في رده إلى موضع (أخذه).
قال القاضي أبو الوليد: "ومعنى ذلك عندي أن يكون موضعًا لا يخاف عليه فيه الهلاك لكثرة الناس فيه، ويوقن أنه سيسارع الناس إلى أخذه. ومن أخذ لقيطًا فليشهد عليه خوف الاسترقاق.
وولاية اللقيط لجماعة المسلمين، لا يختص بها الملتقط إلا بتخصيص الإمام. وليس للعبد ولا للمكاتب الالتقاط بغير إذن السيد، فإن فعلًا لم يكن لهما ذلك، إذ الحضانة تبرع، وليسا من أهله.
[ ٣ / ٩٩٧ ]
ولو التقط الذمي نزع اللقيط منه لئلا ينصره، أو يدرس أمره فيسترقه. قاله مطرف وأصبغ. (وسئل سحنون عن نصرانية التقطت صبية فربتها حتى بلغت على دينها فقال: إن ثبت أنها لقطة فترد إلى الإسلام، وهي حرة).
ولو ازدحم اثنان كل (واحد) منهما أهل، قدم من سبق، فإن استويا قدم الإمام من هو أصلح للصبي، فإن استويا في ذلك أقرع بينهما.
ثم من التقط لزمته الحضانة ولم تلزمه النفقة من ماله إن وجد ما ينفق على الصبي، فإن عجز عن الحضانة سلم اللقيط للقاضي، فإن تبرم مع القدرة لم يكن له تركه إذا كان أخذه ليحضنه كما تقدم.
وأما نفقة اللقيط ففي ماله، وهو ما وقف على اللقطاء أو وهب لهم أو أوصى لهم به، (أو) ما وجد تحت يد اللقيط عند التقاطه بكونه ملفوفًا عليه أو (مشكوكًا) على ثوبه، أو موضوعًا عليه، أو كان هوو عليه من فراش أو ثوب، أو دابة، أو كان معه كيس مال مشدود أو قوم على مال موضوع ونحو ذلك.
وأما ما هو مدفون في الأرض تحته فيس هو له، إلا أن يوجد معه رقعة مكتوبة بأنه له، فيكون حينئذ له.
ولو كان بالقرب منه مال موضوع أو دابة مشدودة، فذلك لقطة وضالة. فإن عدمت هذه الجهات كلها في حقه ولم يكن له مال، فإن تبرع أحد بالإنفاق عليه، وإلا أنفق عليه الإمام من بيت المال. (فإن تعذر الإنفاق عليه من بيت المال) فروى في كتاب محمد: " (من التقط لقيطًا فعليه نفقته حتى يبلغ ويستغني، وليس له أن (يطرحه)، وذلك أنه أخذه ملتقطًا له فقد لزمه أمره وحفظه".
[ ٣ / ٩٩٨ ]
ثم حيت لم يكن للقيط مال، فمن أنفق (عليه) حينئذ فلا رجوع له عليه إلا أن يأتي رجل فيقيم البينة أنه إبنه فيتبعه بنفقة إن كان طرحه متعمدًا، إلا أن يكون قد أنفق عليه حسبة فلا رجوع له عليه بحال. وقال أشهب: لا شيء على الأب بحاله، لا، المنفق (محتسب). وقال سحنون: إن أنفق ليتبعه، فطرأ له أب تعمد طرحه أتبعه، وإن أنفق حسبة لم يرجع. وكذلك لو ضل صبي من أبيه، فأنفق عليه إنسان، فلا يتبع أباه بشيء، إذ هو من باب الاحتساب.
وحيث أشكل الأمر ولم تظهر علامة تدل على الحسبة أو التبرع، فالقول قول المنفق مع يمينه في أن ما أنفق إلا ليرجع.
الباب الثاني: في أحكام اللقيط، وهي أربعة:
الحكم الأول: إسلامه.
والإسلام يحصل استقلالًا بمباشرة البالغ، وبمباشرة المميز أيضًا في ظاهر المذهب ظاهرًا وباطنًا. ويجبر عليه إن رجع عنه، حتى أنه إن بلغ وأقام على رجوعه كان مرتدًا يقتل.
فأما إذا ارتد صغيرًا فتصح ردته عند ابن القاسم، ولا تؤكل ذبيحته ولا يصلي عليه.
وقال سحنون: لا تصح ردته، وتؤكل ذبيحته، ويصلى عليه والاتفاق على أنه لا يقتل بردته صبيًا. وروي أنه لا يصير مسلمًا إلا بعد البلوغ.
وأما الصبي الذي لم يميز والمجنون، فلا يتصور إسلامها إلا تابعًا. وللتبعية ثلاث جهات:
الجهة الأولى: إسلام الأب، فيتبعه ولده، ولا يتبع أمه. وقال ابن وهب: يتبع من أسلم من أبويه. وحيث حكمنا بالتبعية فبلغ وأعرب عن نفسه بالكفر، فهو مرتد.
الجهة الثانية: تبعية السابي المسلم، فمتى استرق طفلًا دون أبيه حكم بإسلامه، وإن استرقه ذمي. لم يحكم بإسلامه. ثم حكم هذا الصبي المسترق حكم من قضي بإسلامه تبعًا لأبيه إذا بلغ.
[ ٣ / ٩٩٩ ]
الجهة الثالثة: تبعية الدار، وهي المقصود، فكل لقيط وجد في قرى الإسلام ومواضعهم فهو مسلم، وإن كان في قرى الشرك وأهل الذمة وموضعهم فهو مشرك. وقال أشهب: إن التقطه مسلم فهو مسلم].
(ولو وجد في قرية ليس فيها إلا الاثنان والثلاثة من المسلمين فهو مشرك، ولا يعرض له إلا أن يلتقطه مسلم فيجعله على دينه). وقال أشهب: حكمه في هذه، أيضًا، الإسلام، التقطه مسلم أو ذمي، لاحتمال أن يكون لمن فيها من المسلمين، كما أجعله حرًا، وإن كنت لم أعلم أحر هو أم عبد، لاحتمال الحرية، لأن الشرع رجح جانبها.
الحكم الثاني: نسب اللقيط.
وإن استلحقه الملتقط أو غيره، فلا يلحق إلا ببينة، أو يكون لدعواه وجه، كرجل عرف أنه لا يعيش له ولد، فزعم أنه رماه لأنه سمع: إذا طرح عاش. ونحو ذلك مما يدل على صدقه. وقيل: لا تثبت فيه دعوى إلا ببينة. وقال أشهب: يلحق بمجرد الدعوى. وإن لم يكن هذا ادعاه ملتقطه أو غيره، إلا أن يتبين كذبه. قال الشيخ أبو إسحاق: وهو الاختيار، قال: وربما طرح الناس أولادهم من الإملاق وغيره.
وإذا استلحق الذمي لقيطًا وأقام بينة على تصديقه لحق به وكان على دينه، إلا أن يسلم قبل ذلك ويعقل الإسلام، فيكون مسلمًا.
وإن استلحقت اللقيط امرأة ادعت أنه ولدها، فقال ابن القاسم: لا يقبل منها، وإن جاءت بما يشبه من العذر. وقال أشهب: يقبل قولها وإن قالت: من زنى، حتى يعلم كذبها. وقال محمد: تصدق في الزنى وتحد، وأما من زوج لها فلا، إلا أن يدعيه فيلحق به.
الحكم الثالث: حريته ورقه.
وهو على الحرية، لا يقبل فيه دعوى (الرق) من أحد إلا ببينة. قال مالك: ولا يقبل إقراره هو على نفسه بالرق، وليس له أن يرق نفسه. قال الشيخ أبو عمرو: "لم يختلف في ذلك أصحاب مالك".
الحكم الرابع: جنايته وأرش خطئه على بيت المال.
وإن جنى عليه فالأرش له.
[ ٣ / ١٠٠٠ ]