وفيه ثلاثة أبواب:
الباب الأول: في أركان المساقاة، وهي أربعة
الأول: متعلق العقد، وهي الأشجار، وسائر الأصول المشتملة على الشروط التي يأتي بيانها، إذ عليها يستعمل العامل بجزء مما تخرج كما يستعمل عامل القراض، إلا أن المساقاة لازمة موقتة، وتستحق الثمار فيها بمجرد الظهور قولًا واحدًا بخلاف القراض.
وأصلها ما روي أن رسول الله ﷺ ساقى أهل خيبر على شطر ما أخرجت من ثمر أو حب. قال مالك: "وكان بياض خيبر يسيرًا بين أضعاف السواد" وللأصول شروط:
الأول: أن تكون مما تجني ثمرته ولا تخلف.
واحترزنا بقولنا: لا تخلف، عن الموز والقضب والقرط والبقل، لأنه بطن بعد بطن، وجزة بعد جزة.
الشرط الثاني: أن تكون مما لا يحل بيعها، فكل ما (لا يحل) بيعه (تجوز) المساقاة فيه، فإذا حل بيع ثمار النخل وغيرها أو المقاثي لم تجز المساقاة عليها، وإن عجز عنها ربها.
وقال سحنون: تجوز مساقاة ما جاز بيعه، وهي إجارة بنصفه.
[ ٣ / ٩١٣ ]
الشرط الثالث: وهو مختص بالزرع والمقاثي، وغير ذلك مما عدا الكرم والنخل وسائر الأصول المثمرة أن يعجز ربه عنه، على أشهر القولين:
ويشترط أيضًا فيه أن يكون ظاهرًا فلا تجوز المساقاة عليه قبل ظهوره من الأرض.
فرع: إذا ساقى حائطًا فيه بياض، فإن كان البياض اكثر من الثلث لم يجز أن يدخل في المساقاة، ولا أن يلغي للعامل، بل يبقى لربه. وإن كان أقل من ذلك، فإن سكتا عنه، فقال مالك: "هو ملغي للعامل". وقاله محمد وابن حبيب. إلا أن ابن حبيب اشترط ألا تزيد قيمته على ثلث نصيب العامل خاصة. وقاله ابن عبدوس. وظاهر قول مالك في كتاب محمد: أن المعتبر ألا تزيد قيمته على ثلث الجميع. وروي في كتاب ابن سحنون: أنه لربه إذا سكت عنه.
وإن شرط أن يكون داخلًا في حكم المساقاة فقال ابن القاسم: "لا بأس أن يشترط في المساقاة يزرعه العامل من عنده ويعمله، وما خرج منه فبينهما. ولا يجوز أن يشترط نصف البذر على العامل. وأحب إلي أن يلغى للعامل"
وشرط في جواز ذلك أن يكون سهم العامل فيه كسهمه في المساقاة سواء.
وقال أصبغ: يجوز أن يشترط ثلاثة أراعه وإن كان سهمه في المساقاة النصف. قال: وإنما الذي يكره أن يكون لصاحب الأصل أكثر من النصف. وقال مالك: أحله أن يلغي العامل، وأن شرط لربه يعمله لنفسه جاز. قال ابن حبيب: إلا أن يكون يناله سقي الحائط، إن كان الحائط يسقى فلا يجوز كاشتراط زيادة. ولا يجوز أن يتشرط على العامل أن يزرعه ببذره أو ببذر ربه، ويعمل فيه العامل على أن ما حصل فيه فلرب النخل كزيادة يسيرة تشترط على العامل.
ولو ساقاه زرعًا فيه بياض، وهو تبع له، جاز (أن يشترطه العامل ليزرعه لنفسه خاصة، كبياض النخل. ولو كان في الزرع شجر متفرقة، وهي تبع له)، جاز أن يشترط على ما شرطنا في الزرع، ولا ينبغي أن يشترطها العامل لنفسه إن قلت، بخلاف البياض.
ولا يجوز على أن ثمرتها لأحدهما دون الآخر. قال الشيخ أبو محمد: "قوله: هي تبع له يعني وإن كانت تبعًا فلا يشترطها العامل لنفسه بخلاف البياض، وكذلك زرع تبع للأصول، إلا
[ ٣ / ٩١٤ ]
أن المساقاة فيها جائزة على جزء واحد، كان أحدهما تبعًا أو غير تبع".
الركن الثاني: المشروط للعامل، وهو الثمار.
ولتكن مشروطة على الاستفهام معلومة بالجزئية لا بالنقدين كما في القراض. ولا بأس أن يساقي الحائط على جزء واحد وإن كان مختلف الثمرة من جيد وردئ.
ولا يجوز أن يساقي حائطه أربع سنين في عقد واحد، سنتين على النصف، وسنتين على الربع.
ولا يجوز أن يساقيه حائطًا [بموضع] مرغوبًا فيه على أن ساقاه معه حائطًا له آخر بموضع غير ذلك الموضع، إلا أن يساقيهما على سقاء واحد، كما فعل النبي ﷺ حين ساقى خيبر، وفيها أصناف كثيرة.
وبالجملة: فتجوز مساقاة حوائط عدة في صفقات متعددة بجزء متفق أو مختلف، فأما في صفقة واحدة فبجزء متفق لا غير.
ويجوز جمع الحائطين في السقا، وإن كان أحدهما نخلًا وفي الآخر أصناف الشجر، ما لم يكن من ذلك شيء طاب، إلا أن يكون ما طاب يسيرًا. وكذلك لو كان أحدهما بعلًا والآخر غير بعل لجاز.
الركن الثالث: العمل.
وشرطه أن يقتصر على عمل المساقاة، ولا يشترط عليه ضم عمل آخر ليس منها. وأن يستبد العامل باليد، فلا تشترط مشاركة المالك له فيها، ولا يعمل معه، بل ينفرد هو بالعمل.
وقال سحنون: إذا كان الحائط كبيرًا بحيث يجوز اشتراط الغلام فيه جاز اشتراط عمل رب الحائط فيه.
قال أبو محمد عبد الحق: "ليس وضع يد المالك كوضع يد غلامه، لأن يد المالك إذا بقيت معه فكأنه لم يسلم له ولا رضي بأمانته، بخلاف الغلام".
ويجوز أن يشترط أن يعمل معه غلام المالك، ويصح إذا كان الحائط كبيرًا واشترط بقاءه مدة المساقاة، وأنه إن مات قبل انقضائها أخلفهم مالكه.
ثم النفقة على العامل لنفسه ولدواب الحائط ورقيقه، كانوا له أو لرب الحائط. ولا يجوز
[ ٣ / ٩١٥ ]
اشتراط شيء من ذلك على رب الحائط. وقال في مختصر ما ليس في المختصر: هي على رب الحائط.
ويتشرط تأقيت المساقاة لأنها لازمة. قال ابن القاسم في الكتاب: "والشأن في المساقاة إلى الجداد، لا تجوز شهرًا ولا سنة محدودة، وهي إلى الجداد إذا لم يؤجلا، بسنين فيلزمه العمل إلى آخرها، ويعتبر في السنة الأخيرة بالجداد".
وكذلك لو ساقاه سنة واحدة لكان منتهاها (الجداد)، فإن كانت تطعم في العام مرتين فهي إلى الأولى حتى تشترط الثانية.
ويجوز أن يساقيه سنين ما لم تكثر جدًا، قيل: عشرة؟ قال: لا أدري تحديد عشرة، ولا ثلاثين، ولا خمسين.
الركن الرابع: ما به تنعقد المساقاة.
وهو إما الصيغة فيقول: ساقيتك على هذا النخل بالنصف أو غيره، أو عاملتك فيقول: قبلت: أو ما يقوم مقام ذلك من القول والفعل.
واختل إذا عقد بلفظ الإجارة، فأبطله ابن القاسم وصححه سحنون، (وروى) محمد مثله. ولا يشترط تفصيل الأعمال فإن العرف يعرفه.
الباب الثاني: في (حكمها) في [حالتي] الصحة والفساد، وفيه فصلان:
الفصل الأول: إذا وقعت صحيحة
فحكمها وجوب العمل والكف والنفقة في ما تحتاج إليه الثمرة المساقى عليها، وجميع المؤن على العامل، مثل السقي، والآبار وهو التلقيح، وسرو الشرب، وهي تنقية الحياض التي حول أصول الشجر، وتحصين خروقها، ومجرى الماء إليها، والجداد، وعلوفة الدواب، ونفقات الغلمان، وما يتعلق بمصلحة الثمر مما لا يبقى بعد انصراف العامل، ولا يجب عليه حفر بئر ابتداء، أو إنشاء غراس، أو بناء بيت تجنى فيه الثمرة، وشبه ذلك. ولا يجوز اشتراطها عليه.
[ ٣ / ٩١٦ ]
فأما سد الحظار، وهو تحصين الجدر وتزريبها؛ وخم العين، وهو كنسها؛ ورم القف، وهو الحوض الذي يسقط فيه الماء من الدلو، ثم يجري منه إلى الضفيرة، وهي مجرى محبس الماء كالصهريج، فلا تجب على العامل، إن جاز اشتراطها عليه. فإن لم يشترط فهو على رب الحائط.
وعلى العامل جميع المؤن، والأدوات من الآلات والأجزاء والدواب والدلاء والأداة من حديد وغيره، إلا أن يكون شيء من ذلك في الحائط يوم السقاء فللعامل الاستعانة به وإن لم يشترطه.
وأجرة من كان من الأجراء على ربه دون العامل. ولا يجوز اشتراط أجرتهم على العامل، بخلاف نفقتهم وكسوتهم.
ثم للعامل خلف من مات أو مرض من جميع ذلك على رب الحائط إذا كان مما هو فيه يوم السقاء وإن لم يشترطهم العامل. ولو شرط خلفهم على العامل لم يجز، ولا تنتقض المساقاة به.
وأما ما رث أو خلق من دلو وحبل وغيره، فقيل: خلفها على العامل وقيل: على رب الحائط. وإن سرق ذلك فعلى رب الحائط الخلف.
قال أبو الحسن اللخمي تفريعًا على القول بأن الخلف على العامل في حال التلف؛ ثم إذا أخلف ذلك تجديدًا استعمله العامل إلى ما يرى أنه بقي من زمن استعمال المسروق، ثم يأخذه رب الحائط ويأتي العامل بما يستعمله.
وإذا مات العامل (تمم) الوارث العمل من تركته، فإن لم يكن من الورثة أمين أتوا بآمين.
ولو ادعى المالك سرقة أو (خيانة) على العامل لكان القول قول العامل (لأنه) أمين. فإن ثبتت خيانته فليتحفظ منه.
[ ٣ / ٩١٧ ]
وللعامل أن يساقي غيره على جزء موافق للجزء الذي ساقى عليه أو أقل منه، عجز عن العمل أو لم يعجز. ولكن من يساقيه أمينًا. فلو لم يجد من يساقيه عند عجزه أسلم الحائط إلى ربه، ثم لا شيء عليه ولا له، لأنه إن ساقاه إياه جاز كالأجنبي، إلا أن يكون الثمر قد حل بيعه فلا تجوز المساقاة وليستأجر. فإن لم يجد إلا أن يبيع نصيبه وهو أجرته فعل، فإن كان فيه فضل فله، وإن نقص فعليه، إلا أن يرضى رب الحائط أخذه وإعفاءه من العمل فذلك له، ولهما أن يتقايلا على غير شيء يأخذه أحدهما من الآخر.
ولا تنفسخ المساقاة بفلس رب الحائط، ولكن يباع الحائط وتبقى المساقاة على حالها.
وقيل: ذلك في السنة و(شبهها) دون ما زاد على ذلك. وقيل: لا يجوز بيعه أصلًا ويوقف، إلا أن يرضي العامل بتركه فيعجل بيعه.
ولو ساقى المريض حائطه لجاز، فإن حابى فالمحاباة في ثلثه.
الفصل الثاني: فيما إذا وقعت المساقاة فاسدة، ولها ثلاثة أحوال:
الأول: قبل الشروع في العمل فتفسخ.
الحال [الثاني]: بعد الفوت بانتهاء العمل وفراغه، ويختلف في الواجب حينئذٍ على أربعة أقوال:
أحدها: إجازة المثل جملة من غير تفصيل.
الثاني: مساقاة المثل مطلقًا أيضًا.
الثالث: إن العامل يرد إلى مساقاة مثله ما لم يكن أكثر من الجزء الذي شرط عليه إن كان الشرط لمساقي، أو أقل إن كان للمساقي.
الرابع: قول ابن القاسم، وهو التفصيل: فترد بعض الصور إلى أجرة المثل، كما إذا خرجا فيها عن حكمها إلى حكم الإجازة الفاسدة أو إلى بيع الثمرة قبل بدو صلاحها، مثل أن يشترط أحدهما على صاحبه زيادة من عين أو عرض أو غيرهما، فيكون رب المال مستأجرًا بما يزيده مع جزء من الثمرة، أو العامل مشتريًا بجزء الثمرة قبل بدو صلاحها بما زاده ويعمله، ويرد في بعضها إلى مساقاة المثل، كما إذا لم يخرجا عن حكمها وإنما عقداها على غرر، مثل أن يساقيه حائطًا على النصف وحائطًا على الثلث، أو مثل أن يشترط أحدهما على الآخر من عمل الحائط ما لا يلزمه مما لا يبقى لرب الحائط منفعة مؤبدة وشبه ذلك.
[ ٣ / ٩١٨ ]
الشيخ أبو الويد: "المساقاة مع البيع في صفقة واحدة، والمساقاة سنة على الثلث وسنة على النصف.
الحد [الثالث]: أن يعثر عليها في أضعاف العمل بعد الشروع وقبل الفراغ. وحكم هذه الحال أن يفسخ ما كان الواجب فيه إذا انتهى أجرة المثل على ما سبق من تفصيل ابن القاسم، ثم يكون للعامل أجرة مثله فيما عمل إلى حين العثور عليه. وأما ما كان الواجب فيه مساقاة المثل فلا يفسخ بل يمضي وتكون فيه مساقاة المثل.
ولو كانالعقد على أعوام وبقي منها شيء بعد العثور عليه لبقي على مسافاته فيها وكان الواجب (فيها) مساقاة المثل دون المسمى.
[ ٣ / ٩١٩ ]
الباب الثالث: في المزارعة والنظر في (شرطها) وحكمها
النظر الأول: الشرط، ولها شرطان:
الشرط الأول: السلامة عن مقابلة منفعة الأرض أو بعضها بما لا يجوز كراء الأرض به، وسنرسم فيه مسألة في آخر الباب إن شاء الله تعالى.
فلو كان البذر من عند أحدهما والأرض من عند الآخر، وما سوى ذلك بينهما أو من عند أحدهما، لم تجز لمقابلة الأرض البذر.
فإذا كانت الأرض بينهما، يملكان رقبتها أو منفعتها، جاز أن يكون البذر من عندهما أو من عند أحدهما، لم تجز لمقابلة الأرض البذر.
فإذا كانت الأرض بينهما، يملكان رقبتها أو منفعتها، جاز أن يكون البذر من عندهما أو من عند أحدهما، إذا كان في مقابلة ما يساويه من العمل والبقر.
وكذلك لو كان البذر من عندهما جاز، وإن كانت الأرض من عند أحدهما، إذا قابلها ما يساويها من العمل والبقر. وأولى بالجواز إذا كانت من عندهما.
وبالجملة: فمتى كانت المزارعة على أن البذر أو جزءًا منه في مقابلة منفعة الأرض أو جزء منها فسدت المزارعة.
"وفي كتاب ابن سحنون وكتاب ابن حبيب: إذا اشترك اثنان فأخرج أحدهما الأرض وثلثي الزريعة والآخر ثلثها والعمل، على أن يكون الزرع بينهما نصفين، قال ابن حبيب: أو على الثلث والثلثين، قالا: فذلك جائز.
قال سحنون: إذا كافأ عمله كراء ال أرض وما فضله من الزريعة. قال ابن حبيب: لأن زيادة الزريعة، بإجارة عمل العامل، قالا: فإن أخرج العامل ثلثي الزريعة وصاحب الأرض ثلثها، على أن الزرع بينهما نصفان، لم يجز. (قالا) لأن زيادة الزريعة ها هنا كراء الأرض.
وإن أخرج أحدهما ثلثي الأرض وثلث البذر، والآخر ثلث الأرض وثلثي البذر والعمل والزرع بينهما نصفان لم يجز. قال سحنون: وكأنه أكرى سدس أرض بسدس بذر صاحبه".
[ ٣ / ٩٢٠ ]
فروع ثلاثة:
الفرع الأول: قال سحنون: إنما يجوز في الشركة الصحيحة اشتراط العمل على أحدهما في عمل الحرث فقط لا في الحصاد والدراس، لأنه لا يدري هل يتم وكيف يكون؟
قال أبو إسحاق التونسي: هذا هو الصواب، لأنه إنما يعمل عملًا معلومًا، وما كان لا يدري كما يعمل ولا كيف المعمول؟ فلا يجوز.
قال أبو إسحاق: وقد وقع في التعبية لابن القاسم في شرط الحصاد والدراس، خلاف هذا، وما قدمناه أولى.
الفرع الثاني: إذا أخرج الشريكان في الشركة الصحيحة البذر من عندهما جميعًا، فقال سحنون: إنما تتم الشركة إذا خلطا ما أخرجا من الزريعة، أو جمعاها في بيت، أو حملاها جميعًا إلى الفدان، وبذر كل واحد في ظرفه، فزرعها واحدة ثم زرعا الأخرى، فهو كما لو جمعاها في بيت، وتصح الشركة.
وروي عن سحنون أيضًا، أنه قال: إذا زرع كل واحد منهما بذرة في ناحية معلومة لم تجز الشركة، وإن لم يكن ذلك بشرط، ولكل واحد منهما ما أنبت بذره، ويتراجعان في الأكرية والعمل، وإنما تجوز الشركة إذا خلطا الزريعة كالشركة بالمال، وقاله أصبغ.
قال: فأما لو لم يخلطاهما، فزرعا بذر هذا في فدان أو في بعضه، وبذر الآخر في الناحية الأخرى، ولم يعملا على ذلك، فإن الشركة لا تنعقد، ولكل واحد ما أنبت حبه، ويتراجعان في الأكرية والعمل، وإنما تجوز الشركة إذا خلطا الزريعة كالشركة بالمال، وقاله أصبغ.
قال: فأما لو لم يخلطاهما، فزرعا بذر هذا في فدان أو في بعضه، وبذر الآخر في الناحية الأخرى، ولم يعملا على ذلك، فإن الشركة لا تنعقد، ولكل واحد ما أنبت حبه، ويتراجعا فضل الأكرية، ويتقاصان.
الفرع الثالث: إذا حملاهما جميعًا إلى الفدان، فزرعا واحدة، ثم زرعا الأخرى، فصححنا الشركة، فنبت بذر أحدهما، ولم ينبت بذر الآخر، ف إن غر منه صاحبه وقد علم أنه لا ينبت، فعليه مثل نصف بذر صاحبه له والزرع بينهما، ولا عوض له في بذره، وإن لم يعلم أنه لا ينبتولم يغر، فإن على الذي ينبت بذره أن يغرم للآخر مثل نصف بذره على أنه لا ينبت، ويأخذ منه مثل نصف بذره الذي ينبت، والزرع بينهما على الشركة، غره أو لم يغره.
الشرط الثاني: التعادل بين الأشراك في قدر المخرج أو قيمته بحسب حصص الأشراك. فلا تجوز على أن يكون لأحدهما الثلث أو الربع أو غيرهما من الأجزاء، على أن يخرج ما لا يكون قيمة ذلك الجزء من جميع المخرج، إلا أن يكون التفاوت يسيرًا لا قدر له فلا يفسد المزارعة وإن تعمد.
وكذلك لو عقدت على التساوي لم تفسد بما فضل به أحدهم بعد ذلك وإن كثر.
[ ٣ / ٩٢١ ]
النظر الثاني: في حكمها.
ولا خفاء بأن حكم المزارعة الصحيحة التوزيع بينهم على الشرط المقدور. وأما حكم الفاسدة فالفسح إن عثر عليها قبل الفوات (بالعمل)، فإن فاتت به اختلف حكمها باختلاف صورها.
فإن دفع له الأرضش، والعمل على الآخر، وقال الآخر: أخرج أنت جميع البذر على أن على نصفه، لم يجز لشرط السلف، فإن وقع ذلك فالزرع بينهما نصفان، لأنهما ضمنًا الزريعة وتكافأ في العمل وكراء الأرض، ويرجع مخرج الزريعة بنصفها معجلًا على الآخر.
وقال ابن سحنون عن أبيه: الزرع لمسلف الزريعة وعليه كراء الأرض، قبض (رب) الأرض حصته من الزريعة أو لم يقبضها إذا وقعت الشركة على شرط السلف، إلا أن يكون أسفله على غير شرط بعد صحة العقد.
وإن قال له: خذ بذري فازرعه في أرضك على النصف؛ ففي قول سحنون: الزرع لرب البذر، ولهذا أجر عمله وكراء أرضه. وفي قول ابن القاسم: الزرع للعامل وعليه مكيلة البذر لربع.
وإن أخرج هذا البذر، وأخرج الآخر الأرض، ووليا جميعًا العمل، وتكافأ في ما سوى البذر والأرض على أن يكون الزرع بينهما نصفين، فهو بينهما على ما شرطا، وعلى صاحب البذر نصف كراء الأرض، وعلى صاحب الأرض نصف مكيلة البذر، ولا تراجع بينهما فيما سوى ذلك إذ قد تكافأ فيه.
وحكى الشيخ أبو الوليد إذا وقعت فاسدة وفاتت بالعمل ستة أقوال، ولم يخص وجهًا من وجوه الفساد دون غيره. وقال:
"الأول: إن الزرع لصاحب البذر ويؤدي لأصحابه كراء ما أخرجوه.
الثاني: إن الزرع لصاحب العمل.
الثالث: إنه لمن اجتمع له شيءان من ثلاث أصول: البذر، والأرض، والعمل. فإن كانوا
[ ٣ / ٩٢٢ ]
ثلاثة، واجتمع لكل واحد شيءان منها، أو انفرد كل واحد منهم بشيء واحد منها، كان الزرع بينهم أثلاثًا، وإن اجتمع لأحدهم شيءان منها دون صاحبيه، كان له الزرع دونهما، وهو مذهب ابن القاسم، واختاره محمد، على ما تأول أبو إسحاق التونسي.
الرابع: أن يكون لمن اجتمع له شيءان من ثلاثة أشياء على هذا الترتيب وهي: الأرض والبقر والعمل.
السادس: قال ابن حبيب: إن سلمت المزارعة من كراء الأرض بما يخرج منها كان الزرع بينهم على ما اشترطوه، وتعادلوا فيما أخرجوه، فإن دخله كراء الأرض بما يخرج منها كان الزرع لصاحب البذر". ولنختم الباب برسم المسألة الموعودة في كراء الأرض.
مسألة: المشهور من المذهب أنه لا يجوز كراء الأرض بشيء من الطعام، كان مما تنبته أو مما لا تنبته، ولا ببعض ما تنبته من غير الطعام كالقطن والكتان والعصفر والزعفران، ويجوز بالقصب والخشب. (وقال ابن كنانة: لا تكري بشيء إن أعيد فهيا نبت، ولا بأس أن تكري بغير ذلك من جميع الأشياء، أكل أو لم يؤكل، خرج منها أو لم يخرج. به قال يحيي بن يحيي، وقال: إنه من قول مالك. وقال به ابن مزين. وقال ابن نافع: تكرى به خلاف ما يزرع فيها ما عدا الحنطة وأخواتها.
قال عيسى بن دينار: فمن أكراها على أحد هذه الأقاويل الثلاثة أجزت كراءه ولم أفسخه. قال: وأما مذهب الليث في تجويزه كراء ها بالثلث أو بالربع مما تنبت، فإن وقع
[ ٣ / ٩٢٣ ]
فسخته، وإن فات أوجبت عليه كراء مثلها بالدراهم.
قال الشيخ أبو محمد: "وشدد في كرائها بجزء مما يخرج منها فقال: قد قال قائل وأنا أيضًا أقوله، إن من فعل ذلك فهو جرحة في حقه. قال: يريد إن كان عالمًا إنه لا يجوز، إما لأنه مذهبه، أن اتبع فيه غيره ممن قلده من العلماء. قال سحنون: ولا يؤكل طعامه، ولا يشتري من ذلك الطعام الذي أخذ في كرائها".
وقال اشيخ أبو إسحاق في استئجار الأرض بالعروض التي تتولد عنها، مثل الكتان والعصفر والخضر وما أشبه ذلك: قولان لأصحابنا، أحدهما: إنه لا يجوز، والآخر: إنه يجوز ولو بالحنطة والشعير والحبوب.
[ ٣ / ٩٢٤ ]