وفيه بابان:
الباب الأول: في أركان الهبة وشرطها
أما الأركان فثلاثة:
الركن الأول: السبب الناقل للملك، وهو صيغة الإيجاب والقبول الدالة على التمليك بغير عوض، أو ما يقوم مقامها في الدلالة على ذلك من قول أو فعل. ويتصل بالصيغة حكم العمرى والرقى.
أما العمري: فصورتها أن يقول: أعمرتك داري أو ضيعتي، فإنه قد وهب له الانتفاع بذلك مدة حياته. وحكمها: الجواز والصحة والنفوذ.
(فإذا) مات رجعت الرقبة إلى المالك الذي هو المعمر، وإن قال: أعمرتك وعقبك، فإنه قد وهب له ولعقبه الانتفاع ما بقي منهم إنسان، فإذا لم يبق منهم أحد رجعت الرقبة إلى المالك الذي هو المعمر، لأنه وهب له المنفعة. ولم يهب الرقبة.
وكذلك لو قال: أسكنتك هذه الدار عمرك، أو وهبتك سكناها عمرك. أو قال: هي لك سكنى، أو لك ولعقبك سكنى. فإذا مات المعمر أو انقرض العقب المعمر بعد وفاة المعمر (الواهب)، رجعت الرقبة إلى وارث المعمر يوم مات.
[ ٣ / ٩٧٨ ]
وأما الرقبى: فصورتها أن يقول إنسان لآخر: إن مت قبلك فداري لك، وإن مت قبلي فدارك لي، وحكمها عدم الجواز، لان كل واحد منهما يقصد إلى عوض لا يدري هل يحصل له أو [يحصل] عليه، ويتمنى كل واحد منهما موت صاحبه. وليس كذلك العمرى، لأن المعمر لا يقصد عوضًا عن الذي أخرج عن يده.
قال القاضي أبو الحسن: "وأما لو قال: إن مت قبلك فداري لك، وإن مت قبلي فهي لي، فهذا عند (لا يجوز، لأنها) وصية، إن مات الموصي فهي للموصي له من الثلث، وإن مات الموصي له قبل موت الموصي بطلت الوصية، قال: وهذه صفة الوصايا".
الركن الثاني: الموهوب. وهو كل مملوك يقبل النقل، ولا يمتنع بالشيوع وإن قبل القسمة.
وتصح هبة المجهول والآبق والكلب، وهبة المرهون تفيد الملك، ويجبر الواهب على افتكاكه له. وقيل: ليس عليه أن يجعل الدين إذا حلف أنه لم يرد التعجيل، ويكون المرتهن بالخيار بين أن يرضى بخروجه من الرهن، ويمضي هبته، أو يبقيه إلى الأجل، فإن حل والواهب موسر قضي الدين وأخذ الموهوب له الرهن. وإن كان مم يجهل أن الهبة لا تتم إلا بعد تعجيل الدين حلف على ذلك، ولم يجبر على التعجيل قولًا واحدًا.
وهبة الدين تصح كما يصح رهنه، ثم قبضه كقبضه في الرهن مع إعلام المديان بالهبة.
الركن الثالث: الوهب. (وهو) كل من له أهلية التبرع، فلا هبة لمحجور، وتصح هبة المريض من ثلثه، إذ لا حجر عليه فيه.
وأما الشرط فهو الحوز، وقد روى ابن وهب: أن أبا بكر وعمر وعثمان وابن عمر وابن عباس ﵃ قالوا: لا تجوز صدقة ولا عطية إلا بحوز قبض، إلا الصغير من ولد المتصدق فإن إباه يحوز له. وإنما الحوز شرط في التمام والاستقرار، لا في الصحة واللزوم إذا ثبتا بوجود السبب.
وكذلك يجبر الواهب عليه ويحصل من غير تحويزه، بل لا يعتبر علمه به، فضلًا عن إذنه فيه، ولو علم لم يشترط رضاه، لأنه لو منعه قضي عليه به وكذلك لو قهره عليه لصح له بذلك، نعم يشترط حصول الحوز مقارنًا لصحة جسمه وعقله وقيامه وجهه، كما يأتي تفصيل ذلك وعقود المرافق، مثل العارية والقرض، كالهبة في ذلك.
[ ٣ / ٩٧٩ ]
ثم النظر فيما يحصل به الحوز، وحكم ما يصدر عن الواهب مقارنًا له، أو متقدمًا عليه، أو متأخرًا عنه، مما يمنع منه أو لا يمنع.
ولنذكر فروع النوعين متوجهة كما ذكرها الأصحاب، ونورد ألفاظهم في ذلك طالت لمسيس الحاجة إلى استيعابها، وذكر ما فيها من الوفاق الخلاف فنقول: إذا مات الواهب قبل الحوز بطلت الهبة بشاهد أو شاهدين حتى يزكيا، فمات الواهب، فقال ابن لقاسم ومطرف وأصبغ: هذا حوز، وقد صحت الهبة. وقال ابن الماجشون: ليس هذا بحوز وقد بطلت.
وأما إن مرض فيبطل القبض ولا تبطل الهبة إلا أن يموت من مرضه ذلك، فإن أفاق صحت ولزمت وأجبر الواهب على الإقباض. وأما إن جن فقال ابن القاسم في العتبية: "بطلت الهبة".
قال الأصحاب: معناه إذا اتصل بالموت، فأما لو أفاق، فالصدقة صحيحة. وقال أشهب: إن وقع القبض في حال مرض الموت، أو في (حال) ذهاب عقل الواهب، قضي له الآن بثلثها، فإن صح قضي له بباقيها. ولا أرى قول من قال: يحوز كلها من الثلث، ولا يقول من أبطل جميعها.
فأما إن استحدث دينًا ففلس، بطلت، والغرماء أحق. ولو بقي في الدار الموهوبة باكتراء أو بإرفاق أو إعمار أو نحوه حتى مات، فليست هذه حيازة وقد بطلت الهبة.
قال ابن القاسم: إلا أن تكون الواهبة زوجة الموهوب له، فيتماديان على السكنى، فإن ذلك حيازة.
ولو وهب الزوج لزوجته ثم (تماديا) على السكنى، لم تصح هذه الحيازة، لأن اليد في السكنى للزوج.
فأما لو وهب أحد الزوجين للآخر خادمًا أو متاعًا من متاع البيت، فروى ابن القاسم فيمن تصدق على امرأته بخادمة وهي معه في البيت تخدمها بحال ما كانت، فذلك جائز.
[ ٣ / ٩٨٠ ]
وقال ابن المواز عن ابن عبد الحكم وابن القاسم وأصبغ: وكذلك متاع البيت.
وروى أشهب: إذا أشهد لها بهذه الخادمة فتكون عندها كما هي في خدمتها، فهذا ضعيف، وما هذا بالبين.
وكذلك لو وهبته هي خادمها أو متاعًا في البيت، فأقام ذلك على حاله بأيديهما، فهو ضعيف.
وإذا حاز المتصدق عليه بالدار، ثم رجع المتصدق إليها بعد أن خرج منها، حازها الموهوب له باكتراء أو بإرفاق، فإن كان بعد مدة قريبة، فحكى الأستاذ أبو بكر اتفاق علماء أهل المدينة على أنها باطلة. وإن كان بعد طول المدة، فروى محمد عن مالك وأصحابه: إن رجع إليها بعد السنة لم تبطل الهبة.
وروى ابن حبيب عن مطرف وابن الماجشون أنها تبطل وإن طالت المدة إذا مات فيها.
فأما لو خاف الواهب، فاختفى عند الموهوب له في الدار وأضافه وأكرمه فمرض فيها فمات، فالصدقة صحيحة ولو كان ذلك بعد الحيازة بيوم. قاله مطرف وابن الماجشون.
وأما إذا باع الواهب الهبة، فقال في الكتاب: "إذا علم الموهوب له فلم يقبضها حتى باعها المتصدق نفذ البيع، والثمن للمتصدق عليه، وإن لم يعلم فالبيع مردود ما دام المتصدق حيًا، فإن مات قبل أن يعلم فلا شيء له، والبيع ماض".
قال أبو محمد: اضطرب فهيا قول ابن القاسم، فروى عنه أبو زيد" يرد البيع، ويأخذ الموهوب له صدقته.
وكذلك لو وهبها وقال أشهب: بل البيع أولى وتبطل الصدقة. وأما إن وهبها الواهب لرجل آخر قبل القبض، فإن حازها الثاني فروى محمد عن ابن القاسم: الأول أولى، قال: وليس هذا ب شيء، بل الحائز عندي أولى. وهو قول الغير في الكتاب.
فإن أعتق الواهب الأمة قبل القبض أو استولدها، فقال ابن القاسم: ينفذ العتق والاستيلاد، ولا شيء للمتصدق عليه. وقال ابن وهب: يرد العتق، وعليه قيمة الأمة المستولدة.
وأما لو رهنها الواهب ثم مات، فقال ابن القاسم: يثبت الرهن وتبطل الهبة.
ولو باعها الموهوب له فلم يقبضها المشتري حتى مات الواهب، فروى ابن وهب: إن البيع حيازة. وقاله مطرف وابن الماجشون. وقال أصبغ: ليس البيع حيازة ولا غير ذلك، إلا العتق وحده.
[ ٣ / ٩٨١ ]
ولو وهبها الموهوب له، ثم مات الواهب، (فروى) ابن حبيب عن مالك ومطرف: أن الهبة حوز. وقال ابن القاسم وابن الماجشون: الهبة لا تكون حوزًا، لأنها محتاجة إلى حيازة.
ومن حبس دارًا فسكن في بيت صغير أو شيء يسير منها، أو دورًا عدة فسكن دارًا منها يسيرة فيما بقي، حاز الكل، ما سكنه وما لم يكن، ويبطل ما سكن، ولم يفرق في الموضعين بين القليل والكثير. وقيل: يبطل الجميع.
فروع: في هبة ما تحت يد الغير، ومقصودها النظر في أنه هل يقوم استمرار قبضه مقام قبض الموهوب له في حصول الحوز، أم لا؟
الفرع الأول:: إذا وهب ما تحت يد الغاصب، فقال ابن القاسم وأصبغ: لا تكون حيازته حيازة للموهوب له. وقال أشهب: بل هي حيازة. قال محمد: وهو أحسن، لأن الغاصب ضامن، فهو كدين عليه، فإن حوزه بالإشهاد. واختاره سحنون. وأنكره يحيي.
فأما إن وهب المودع ما تحت يده، فلم يقل: قبلت، حتى مات الواهب، فقال ابن القاسم: القياس أن تبطل. وقال أشهب: بل هي جائزة، وهي حيازة، لأن كونها بيده أحوز الحوز. قال في كتاب محمد: إلا أن يقول: لا أقبل. قال محمد: وهو أحب إلي.
وكذلك من وهبته هبة، فلم يقل: قبلت، وقد قبضها لينظر رأيه، فمات الواهب، فهي ماضية إن رضيها، وله ردها.
وروى عيسى عن ابن القاسم "في امرأة تصدقت بمهرها على زوجها، فأعطته كتابها، فقبله، ثم تسخط بعد أيام فرد عليها الكتاب فقبلته بشهادة بينة، فلا شيء لها عليه، بمنزلة عطية منه لم تقبض". قال: "وإن تصدقت عليه بصداقها فقبله، ثم منت عليه، فجدد لها كتابًا يكون عليه حالًا أو إلى موته، فهذا إن لم تقبضه في صحته فهو باطل".
وروى عنه، أيضًا، "فيمن سأل زوجته في مرضه أن تضع عنه مهرها، ففعلت، ثم رجعت بعد صحته أو موته: فليس لها ذلك، بخلاف وضع ميراثها. وقاله مالك".
[ ٣ / ٩٨٢ ]
الفرع الثاني: إذا وهبه ما تحت يد المودع، ثم مات الواهب، فهي حيازة إن علم المودع. قال: ولو كتب إلى وكيله: يدفع له مائة، فأعطاه خمسين، ثم مات الواهب، لم يكن له شيء غير ما قبض. ورواه ابن حبيب عن مطرف وأصبغ.
والفرق أن الوكيل مأمور بالدفع، فهو فيه نائب عن المعطي، ويده كيده، والمودع ليس بمأمور بذلك وإنما هو مأمور بحفظ الوديعة، فإذا علم أنها صارت له صار حافظًا له، صارت يده كيده.
الفرع (الثالث): المخدم والمستعير، وحيازتهما حيازة للموهوب له إذا أشهد. قال أبو إسحاق التونسي: وقد رأى (ابن القاسم) أنهما حائزان للموهوب، ولم يشترط علمهما بذلك كما شرط علم المودع.
وقال عبد الملك: إذا تقدمت الخدمة لم يكن المخدم حائزًا للموهوب، ولم يشترط علمهما بذلك كما شرط علم المودع.
وقال عبد الملك: إذا تقدمت الخدمة لم يكن المخدم حائزًا للموهوب، وإن أخدم ووهب في مرة واحدة كان ذلك حيازة للموهوب.
قال أبو إسحاق: وقد لا يحتاج ابن القاسم إلى علم المخدم والمستعير لأنهما إنما حازا الرقاب لمنافعهما.
ولو قالا: لا تجوز للموهوب ما التفت إلى قولهما، إلا أن يبطلا ما لهما من المنافع، وهما غير قادرين على ذلك لتقدم قبولهما، فلا يقدران على رد ما قبلاه، فصار علمهما غير مفيد والمودع لو شاء قال: خذ ما أودعتني لا أحوز لهذا، فله ذلك.
الفرع الرابع: المترهن والمستأجر.
ولا تكون حيازتهما حيازة للموهوب له، إلا أن يشترط أن الإجازة له مع الرقبة فيحوز. واختار أشهب حوز المستأجر وإن لم يهب الواهب الإجارة.
الفرع الخامس: الرسول، مثل أن يرسل معه هدية أو صلة إلى غائب، فيموت المرسل أو المرسل إليه قبل وصول ما أرسل به، فإن أشهد على ما أرسل فهو للمعطي، وإن لم يشهد بذلك، ففي الكتاب: "إن مات أحدهما رجع المرسل به إلى الذي أعطاه أو لورثته.
[ ٣ / ٩٨٣ ]
وعلل ذلك بفوات الحوز أو عدم القبول. وروى يحي بين يحيي عن ابن القاسم أنه قال: إنما هو إذا اشتراه لصغار ولده وأبكار بناته ممن يجوز حوزه لهم، فهذا إن أشهد عليه وأعمله جاز.
وفي كتاب ابن حبيب: من ما منهما رجعت إلى ورثته، ومعنى ذلك أنه إن مات المعطي بطلت العطية فرجعت إلى ورثته، وإن مات المعطي لم تبطل العطية وكانت لورثته.
وأجرى الأصحاب مجرى هذا ما يستصحبه الحاج أو غيره من الهدية لأهله أو غيرهم.
الباب الثاني: في حكمها، وهي قسمان:
القسم الأول:
ما قيد بنفي الثواب، وحكمه أن يلزم بالقبول، ويستقر بالقبض كما تقدم.
ثم هذا القسم ضربان: ضرب يراد به المودة والمحبة. وض ب يراد به وجه الله تعالى من صلة الرحم والهبة للفقير واليتيم، ونحو ذلك.
فأما الضرب الأول، فلا رجوع فيه، إلا للوالد فيما وهبه لولده، وفي معناه الوالدة.
وقال ابن الماجشون في كتاب ابن حبيب: إن حازها الأب لم تعتصرها الأم، لأنها لا تعتصر ما ولايته إلى غيرها. وكذلك إن لم يكن له أب، ولم يكن في ولايتها.
قال أبو الحسن اللخمي: وإنما نوى ذلك لها إذا لم تخرج العطية عن يدها والولد في ولايتها، ولا يلحق بهما الجد ولا الجدة. وروى أشهب: أنهما في معناهما. وقال به ابن عبد الحكم.
وأما الضرب الثاني، فلا اعتصار فيه، ولا رجوع لأب ولا أم ولا غيرهما، وكون (الولد) صغيرًا عديم الأب في حال الهبة يمنع (الأم) من الاعتصار ولو بعد البلوغ. قال القاضي أبو الوليد: ("هذا قول جل أصحاب مالك". قال: "وروى محمد عن أشهب: إلا
[ ٣ / ٩٨٤ ]
أن يكون موسرًا، فلها أن تعتصر منه كما (تعتصر) من الكبير".
ولو كان الأب موجودًا يوم العطية، فلم تعتصر الأم حتى مات الأب، كان لها أن تعتصر، لأنها لم تكن عل وجه الصدقة. وفي كتاب محمد: لا تعتصر إذا مات الأب قبل بلوغ الولد. قال أبو الحسن اللخمي: "والأول أحسن، لأن المراعي وقت العطية، هل كانت هبة أو صدقة؟ ".
فروع متتالية: في الرجوع.
ومهما تلف الموهوب أو زال ملك (المتهب)، أو تزوجت البنت، أو أدان الابن لأجل الهبة، أو مرض أحدهما، فات الرجوع. وروى أشهب في كتاب محمد: أن للأب أن يعتصر وإن كان مريضًا. وقال أيضًا: لا يعتصر لأنه حينئذ يعتصر لغيره، وإن كان الابن هو المريض فلا أدري.
ولو وهب له وهو على حال من هذه الحالات، فقال ابن الماجشون: لا يعتصر كما لو تقدمت العطية على هذه الحوادث. وقال أصبغ: إذا كانت الحال واحدة، كالحال يوم العطية فله الاعتصار. وحيث منعنا الرجوع للدين، فلو قضاه لم يعد له حق الرجوع. (وهل يعتبر كونه كثيرًا يداين لمثله، قال ابن الماجشون: لا يعتبر ذلك. وروى مطرف اعتباره. وقاله ابن القاسم في العتبية.
(وإذا منعنا الرجوع للمرض، فزال المرض، عاد حق الرجوع عند ابن القاسم. وقال أصبغ: ما زال به الاعتصار من مرض أو غيره يومًا واحدًا فلا يعود بزواله).
وقال ابن الماجشون: من قول مالك جملة، إن العصرة إذا امتنعت ساعة لم ترجع.
[ ٣ / ٩٨٥ ]
وقال المغيرة وابن دينار: إذا صح المعطي أو المعطي رجعت العصرة، كما تنطلق يده من ماله فيماكان ممنوعًا منه.
وتغير الهبة في قيمتها بتغير الأسواق لا يمنع من الرجوع فيها. ولو زادت في عينها أو نقصت منع ذلك من [الرجوع فيها]. وقال مطرف وابن الماجشون: لا يمنع ذلك من اعتصارها.
ولو ولدت الأمة كان له أن يرتجعها دون الولد.
قال أبو الحسن اللخمي: "إلا أن يعتصره بفور الولادة". ووطء الابن الجارية الموهوبة له من أبيه يفيتها عن الاسترجاع وإن كانت ثيبًا ولم تحمل. والقول قوله في وطئها إذا غاب عليها. وقال المغيرة: لا يمنع الوطء الاعتصار. وبه قال ابن الماجشون. وقال: توقف تستبرأ، فإن حملت بطل الاعتصار).
فرع: قال ابن القاسم: "من تصدق بصدقة، لم ينبغ له أن يرتجعها بعوض أو بغير عوض، وإن كانت نخلًا فلا يأكل من تمرها، أو دابة فلا يركبها، إلا أن ترجع إليه بميراث وذلك للنهي عن ارتجاعها، ولأنه ضرب من الرجوع فيها، لأن المعطي يستحيي منه، فيحط عنه من ثمنها ما لا يحط لغيره، فيكون رجوعًا عن ذلك القدر".
القسم الثاني: الهبة المطلقة
وهي على ما اتفقا عليه من اقتضاء الثواب أو عدمه، فإن اختلفا في مقتضاها نظر إلى شواهد الحال، فإن كانت بين غني وفقير، فالقول قول الفقير مع يمينه لشهادة العرف له، وكذلك الحكم حيث شهد لأحدهما، فإن استوت نسبتهما إليه،، فالقول قول الواهب مع يمينه.
[ ٣ / ٩٨٦ ]
فرعان:
الفرع الأول: في نوع الثواب وقدره.
أما نوعه الذي يلزم قبوله باتفاق فالدنانير والدراهم، ورأى أشهب انحصاره فيهما، إلا أن يتراضيا على غيرهما لأنهما أصول الأثمان وقيم المتلفات عند التشاح.
وروى سحنون أن كل ما يتمول يصح أن يكون ثوابًا، ويلزم الواهب قبوله إذا كان فيه وفاء بقيمة هبته، لأن الغرض الثمن. ووافقه ابن لقاسم في عدم الاقتصار على العين، إلا أنه استثنى منها الحطب والتبن وشبههما مما لا يثاب في العادة بمثله.
وأما قدر الثواب فمبلغ قيمة الموهوب. ولا يلزم الواهب قبول دونها، ولا الموهوب له بذل زائد عليها.
وفي كتاب ابن حبيب عن مطرف من قوله وروايته، أن للواهب أن يأبى وإن أثابه أكثر من قيمة الهبة إذا كانت العين الموهوبة قائمة.
قال مطرف: لأنه لو أراد قيمتها لباعها في السوق ولم يتعرض بها أحدًا، وإنما أهداها رجاء الفضل وعظم المثوبة. وقال ابن الماجشون: إذا أثابه القيمة لزمه ذلك على ما أحب أو كره، وإن لم تفت الهبة كالأول، وهو المشهور. ثم إذا أثابت فليس له الرجوع في الثواب بعد تعينه وإن لم يقبضه الواهب.
الفرع الثاني: في التصريح بشرط الثواب. وإذا صرح به وكان معلومًا، فهو بيع، وتثبت فيه أحكامه. فإن كان لعوض غير معلوم مع التصريح باشتراطه، فصححه ابن القاسم، ومنعه ابن الماجشون في رواية ابن حبيب عنه، وأخذ به سحنون، وعلل بأنه يصير بيعًا فاسدًا للجهل، بثمنه، إذ هو كبيع سلعة بقيمتها.
[ ٣ / ٩٨٧ ]