وفيه بابان:
الباب الأول: في أركانه ومصححاته، وهي أربعة:
الركن الأول الموقوف:
ولا شك في صحة وقف العقار: الأراضي وما يتعلق بها كالديار والحوانيت والحوائط والمساجد والمصانع والآبار والقناطر والطرق ونحو ذلك. ويصح منها في الشائع و(المفروز).
(فأما وقف المنقول كالحيوان والعروض، فمهب الكتاب صحته أيضًا. وحكى القاضيان أبو الحسن وأبو محمد في ذلك رواتين. ثم قال القاضي أبو محمد: "ومن أصحابنا من يقول: إن حبس الخيل جائز وإنما الخلاف في تحبيس غيرها". وقال ابن القاسم في كتاب محمد: استثقل مالك حبس الحيوان، وقال في رجل حبس غلامًا على رجل وعقبه: أكرهه لأنه ضيق على العبد
[ ٣ / ٩٦١ ]
قال أبو الحسن اللخمي: "يريد لما كان يرجى له من العتق. وظاهر هذا أنه يكره في العبيد والإماء، دون غيرهم".
التفريع: إن قلنا بجواز حبس الحيوان وقع لازمًا. وإن قلنا بالكراهة ففي الجواز واللزوم روايتان حكاهما القاضي أبو الوليد.
ويجوز وقف الأشجار لثمارها، والحيوان لمنافعها: ألبانها وأصوافها واستعمالها، والأراضي لمنافعها.
ولا يجوز وقف الدار المستأجرة، ولا يجوز وقف الطعام، فإن منفعته في استهلاكه.
الركن الثاني: الموقوف عليه.
ولا يشترط في صحة الوقف عليه قبوله إلا إذا كان معينًا، وكان مع ذلك أهلًا للرد والقبول. ثم اختلف هل قبوله شرط في اختصاصه به خاصة أو في أصل الوقفية، فقال في كتاب محمد فيمن قال: أعطوا فرسي رجلًا سماه، فلم يقبله، قال مالك: إن كان حبسًا أعطي لغيره. وقال مطرف، في كتاب ابن حبيب، فيمن حبس حجرًا، فلم يقبلها المحبس علهي لأجل نفقتها: ترجع ميراثًا.
ويصح الوقف على الجنين، بل على من سيولد لزيد، وإن لم يكن حملًا حالة الوقف.
ولا يشترط كون الموقوف عليه مسلمًا، بل يجوز الوقف على الذمي.
قال القاضي أبو الوليد: "والأظهر عندي أنه لا يجوز الوقف على الكنيسة، لا، هـ صرف (صدقته) إلى وجه معصية محضة، كما لو صرفها إلى شراء الخمر وإعطائها لأهل الفسق".
ولا يجوز الوقف على الوارث في مرض الموت، فإن شرك بينه وبين معين ليس بوارث، بطل نصيب الوارث خاصة فإن شرك معه غير معين مع التعقيب أو المرجع، فماخص من ليس بوارث، فهو حبس عليه، وإن كانوا جماعة، فهو بينهم، وما خص الوارث فهو بين جميع
[ ٣ / ٩٦٢ ]
الورثة على فرائض الله (﷿)، إلا إنه موقوف بأيديهم ما دام المحبس عليه من الورثة حيًا، فإذا انقرض خلص الجميع حبسًا لمن معهم في الحبس من غير الورثة.
فرع: قال في الكتاب: "٠إذا حبس في مرض هدارًا على ولده وولد ولده، والثلث يحملها، ثم مات وترك أمًا وزوجة وولده، فإنها تقسم على عدد الولد ولد الولد، فما صار لولد الولد نفذ لهم بالحبس، وما صار للأعيان كان بينهم وبين الأم والزوجة على الفرائض موقوفًا بأيديهم حتى ينقرض ولد الأعيان، فتخلص الدار كلها لولد الولد حبسًا". ولو ماتت الأم أو الزوجة كان ما بيدها لورثتها موقوفًا.
وكذلك يورث نفع ذلك عن وارثها أبدًا، ما بقى أحد من ولد الأعيان. قال: وإذا مات أحد ولد الأعيان قسم نصيبه بالتحبيس على باقي ولد الأعيان، وولد الولد على عدتهم، فما أصاب ولد الأعيان دخلت فيه أم الميت الأول وزوجته بحق الميراث عنه، وكذلك ورثة ورثتهما بمثابتهما.
وما بقي من نصيب ولد الأعيان من ذلك قسم بين من بقي من ولد الأعيان وبين الميت منهم، ف ماوقع للميت، فهو الذي يجب لورثته عنه يكون لهم بالميراث موقوفًا بأيديهم حتى ينقرض ولد الأعيان، فإن انقرض (ولد الأعيان وولد) الولد، رجعت إلى أقرب الناس بالمحبس.
وقال سحنون في مسألة ولد الأعيان هذه: إذا مات أحد ولد الأعيان انتقض القسم.
وقاله محمد في موت أحد ولد الولد، أو في ولد يحدث للوالد: ينتقض القسم.
وكذلك إن شرط أن من تزوجت فلا حق لها، وأنها إن رجعت عادت فيه، فينتقض لرجوعها أو لتزويجها القسم.
قال الشيخ أبو محمد: "ومن الزيادة في تقسيم هذه المسألة مستخرج أكثره من الأمهات: أنه إذا مات أحد من ولد الأعيان وهم ثلاثة وولد الولد أربعة، أخذ السبع من أصل الحبس من يده، ومن يد الأم والزوجة ما بأيديهم من ذلك السبع، فيقسم ذلك على من بقي من ولد الأعيان وولد الولد، فما ناب ولد الأعيان دخلت فيه الأم والزوجة، ويحيي الميت بالذكر، فيجعل له نصيبه من ذلك، ومما بأيدي الولدين الباقيين يجمع فيقسم ذلك على ثلاثة، سهمان للحيين وسهم للميت، فيكون سهمه لورثته من كانوا، وينال منه ولده ميراثه".
[ ٣ / ٩٦٣ ]
ثم إن مات ولده هذا كان ما بيده من أصل الحبس عن جده، وما أخذ من أبيه بمعنى التحبيس مقسوم على من ذكر من قسمة نصيب ولد الولد. وأما السهم الذي في يده عن أبيه بمعنى الميراث، فهو لورثته ميراثًا ما بقي أحد من ولد الأعيان.
ولو مات أولًا واحد من ولد الولد، أخذ ما بيده فقط، فقسم على ستة، ولا يؤخذ ههنا من الأم والزوجة شيء، لأن السبع كاملًا بيد ولد الولد الذي مات، فما ناب ولد الأعيان ههنا دخلت فيه الأم والزوجة. وكذلك في انقراضهم عند ابن القاسم.
وقال سحنون: إذا انقرضوا لم تدخل الأم والزوجة فيما كان بأيديهم، وذلك أنه رجع إلى ولد الأعيان بأنهم أولى الناس بالمحبس من حبس أنفذ بأمر جائز.
قال أبو إسحاق التونسي: والذي قال ابن القاسم صواب، لأن مرجع الأحباس لا يصح أن يرجع مع وجود المحبس عليهم، فإن انقرض ولد الأعيان وولد الولد، رجع المحبس إلى أقرب الناس بالمحبس. ولا يصح وقف الإنسان على نفسه.
وقال الشيخ أبو إسحاق: إن حبس على نفسه وغيره صح ودخل معهم. وإن أفرد نفسه بالوقف بطل.
[وإذا] كان [الوقف] على جهة عامة، فإن كانت فيه قربة الوقف على الفقراء والعلماء والمساكين، فهو صحيح. وإن كان معصية، كالوقف على عمارة البيع، ونفقة قطاع الطريق، فباطل. وإن لم يشتمل على معصية، ولاظهرت فيه قربة، فهو صحيح أيضًا.
وكره مالك، في رواية علي بن زياد، إخراج البنات من الحبس إذا تزوجن. وروى عنه ابن القاسم في كتاب محمد والعتبية: "ذلك من عمل الجاهلية".
فرع: فإن وقع ذلك، ففي رواية ابن القاسم: "الشأن أن يبطل".وقال الشيخ أبو
[ ٣ / ٩٦٤ ]
إسحاق: من أخرجهن عنه بطل وقفه، وكذلك من شرط أن من تزوجت منهن بطل حقها، إلا أن يردها راد ينقض ذلك حتى يرد إلى الفرائض.
وقال ابن القاسم: "أرى إن فات (ذلك) أن يمضي على ما شرط، وإن كان حيًا لم يجز عنه أن يرده ويدخل فيه البنات".
وروى عيسى عن ابن القاسم: "أكره ذلك، فإن كان المحبس حيًا فليفسخه ويجعله مسجلًا. وإن مات لم يفسخ. وأنكر هذه الرواية سحنون) وفي مختصر الوقار: وجائز أن يحبس على الذكور دون الإناث، وعلى الإناث دون الذكور، وأن يساوي فيه بين الإناث والذكور. وجائز أن يقطع البنات بعد التزويج. وما شرط فيه من شرط مضى على شروطه.
قال القاضي أبو الوليد: "والخلاف في هذه المسألة مبني على الخلاف فيمن وهب لبعض بنيه دون بعض".
الركن الثالث: الصيغة.
أو ما يقوم مقامها في الدلالة على الوقفية، إذ ليست بمتعينة، بل يقوم مقامها ما يدل في العرف على معناها، كالإذن المطلق في الانتفاع على الإطلاق، كما لو أذن في الصلاة في المكان الذي بناه للصلاة إذنًا مطلقًا لا يتخصص بشخص ولا زمان لكان كاللفظ في الدلالة على الوقفية.
فأما الألفاظ التي يطلقها الواقف فضربان:
أحدهما: ألفاظ مجردة، وهي قوله: وقفت وحبست، وتصدقت. والآخر: ألفاظ يقترن بها ما يقتضي التأبيد. وهي أن يقول: محرم لا يباع ولا يوهب، أو أن يكون على مجهولين أو موصوفين كالعلماء والفقراء، فيجري مجرى المحرم باللفظ. ولفظ الوقف يفيد بمجرده التحريم.
وأما الحبس أو الصدقة بمعناه، ففيهما روايتان. وكذلك في ضم أحدهما إلى الآخر خلاف أيضًا. إلا أن يريد بالصدقة هبة رقبة العين، فتخرج عن هذا.
[ ٣ / ٩٦٥ ]
التفريع:
حيث قلنا: لا يتأبد، فإنه يرجع بعد انقراض الوجه الذي جعل فيه ملكًا لمالكه المحبس له، ثم ينتقل لورثته كسائر أملاكه. وقيل: لا يرجع إليه إذا سماه باسم الحبس. وحيث قلنا: يتأبد، فإذا انقرض الوجه الذي عين له رجع حبسًا على أقرب الناس إليهم من الفقراء.
فرعان:
الفرع الأول: قال عيسى عن ابن القاسم: "كل ما يرجع ميراثًا يراعى فيه من يرث المحبس يوم مات. وأما ما يرجع حبسًا فلأولاهم به يوم يرجع".
الفرع الثاني: إن القرابة الذين يرجع إليهم هم عصبة المحبس، رواه ابن القاسم في العتبية. وروى عن ابن القاسم يرجع إلى أقرب الناس من ولد وعصبة. وقاله مالك في كتاب محمد.
واختلف بعد القول برجوعه إلى العصبة، هل للنساء فيه مدخل، أم لا؟ فروى في كتاب محمد دخولهن فيه.
وروى عيسى عن ابن القاسم في العتبية: "يرجع إلى عصبة المحبس. قيل له: إنها ابنة واحدة، قال: ليس النساء عصبة، إنما يرجع إلى الرجال". وقال أصبغ: هي كالعصبة، لأنها لو كانت رجلًا، لكانت عصبة، ورأى ذلك كله لها. وفي كتاب محمد عن مالك: كل امرأة لو كانت رجلًا كان عصبة للمحبس فهي ممن يرجع إليها الحبس.
فرع مرتب:
إذا قلنا بدخول النساء، فكان أهل المرجع بنات وعصبة، فهو بينهم إن كان فيه سعة، وإلا فالبنات أولى من العصبة، ويدخل مع البنات الأم والجدة للأب دون الزوجة والجدة للأم. قاله ابن حبيب عن ابن القاسم. فإن انقرض جميع أصحاب المرجع صار حبسًا على الفقراء والمساكين.
الركن الرابع: في شرط الوقف:
وشرطه: خروجه عن يد الواقف؛ وتركه الانتفاع به قبل فلسه وموته ومرض الموت. فإن حبس في صحته، ثم أبقاه في يده مدة حياته أو إلى أن أفلس، أو إلى مرض موته،
[ ٣ / ٩٦٦ ]
بطل الوقف، وعاد الموقوف ميراثًا إذا لم تكن منفعته تصرف في مصرفه، فإن كان يصرفها فيه، في صحته ففي بطلانه وصحته ثلاث روايات، بفرق في الثالث وهو مذهب الكتاب بين أن يكون إنما يخرج الغلة، مثل أن يكون حائطًا أو أرضًا أو ما يشبهها مما يستغل، وكان يقبض الغلة ويصرفها فيالوجه الذي حبس عليه، فيكون الحبس باطلًا، وبين أن يكون إنما يخرج الأصل المحبس في نفسه مثل أن يكون فرسًا أو سلاحًا أو ما أشبههما، فيكون الحبس صحيحًا.
ويستثنى عن هذا الشرط حكم ما وقفه الواقف على من يلي عليه ممن لا يلي بنفسه، إذ قبضه له كقبضة لنفسه وحيازته إذا أشهد على ذلك، وكان يصرف الغلة في منافعه لا في منافع نفسه.
ثم يشترط في الشهادة بالحوز أن تكون على معاينته، ولا تكفي الشهادة على الإقرار بالحوز.
ولا يحتاج الوقف إلى شرط اللزوم، بل لا يقع إلا لازمًا، فلو قال: على أني بالخيار في الرجوع عنه وإبطال شرطه؛ لزم الوقف، وبطل الشرط.
ولا يشترط فيه التأبيد، بل لو قال: على أن من احتاج منهم باع، أو أن العين المحبسة تصير لأحدهم ملكًا؛ صح واتبع الشرط. وكذلك لو حبس على معين حياته، أو أطلق ولم يقل حياته، صح.
ولا يشترط أيضًا التخيير، بل لو قال: إذا جاء رأس الشهر فقد وقفت، صح إن بيت العين المشار إليها بالوقف إلى رأس الشهر. وكذلك لو قال: وقفت على من سيولد من أولادي، صح وانتظروا. ولو قال: على أولادي، ولا أولاد له يومئذ، فله البيع ما لم يولد له. وقال ابن القاسم: ليس له أن يبيع حتى يأس له من الولد.
(وقال ابن الماجشون: هو حبس يخرج من يده إلى يد ثقة، و(ثمرته) بعد ذلك حبس، فإن مات قبل أن يولد له رجع المحبس وغلته إلى أولى الناس بالمحبس يوم حبسها.
قال القاضي أبو الوليد: "ووجه ذلك أنه لما كان عقد الحبس لازمًا، وقد يتعلق بمن لا يجوز له، لزم إخراجه من يده ليصح الحوز فيه. فإن حدث له بعد ذلك ولد رد إليه، لأنه يصبح حوزه له.
قال غير ابن الماجشون: ولا يضر ذلك من مرجعه إليه لأن الحوز فيه قد تم". ولا
[ ٣ / ٩٦٧ ]
يشترط في الوقف إعلام المصرف، بل لو قال: وقفت، ولم يعين له مصرفًا، صرف إلى الفقراء، قاله مالك في الكتاب. وقال القاضي أبو محمد: "يصرف في وجوه الخير والبر".
ومهما شرط الواقف في تخصيص الوقف أو إجارته أو مصارفه اتبع شرطه، فلو شرط تخصيص المدرسة أو الرابط أو المقبرة بأصحاب مذهب مخصوص، أو بأقوام مخصوصين لزم واتبع. ولو اشترط ألا يؤاجر الوقف، صح واتبع الشرط. ولو قال: على ألا يؤاجر إلا سنة سنة، أو شهرًا شهرًا، أو يومًا يومًا أو ما زاد على ذلك أو نقص، صح واتبع شرطه
ولو قال: حبست على زيد وعمرو، ثم على المساكين بعدهما، فمات أحدهما، فإن كان ذلك الشيء الموقوف مما ينقسم ويتجزأ كغلة دار أو غلة عبد أو ثمرة، في حصته بعد موته للمساكين، وإن كان مما لا ينقسم كالعبد يختدم والدابة تركب، ففيها روايتان:
إحداهما: أنه كالذي ينقسم، ترجع حصة الميت إلى الوجه الذي بعده.
والأخرى: أنها ترجع على الحي منهما، فإذا انقرضا صارت إلى الوجه الذي بعدهما.
الباب الثاني: في حكم الوقف الصحيح، وفيه فصلان:
الفصل الأول: في أمور لفظية
وهي تشتمل على مقتضى ألفاظ الواقف التي يعبر بها عن الموقوف عليهم، كالولد والعقب وغيرهما. ولنفرد كل لفظ منها ونبين حكمه.
فأما لفظ الولد ففيه خمس مسائل:
المسألة الأولى: إذا قال: وقفت على ولدي أو أولادي، فهو يتناول ولد الصلب وولد الذكور منهم دون ولد الإناث، ويؤثر البطن الأعلى. وقال المغيرة: بل يسوي بين الجميع.
المسألة الثانية: إذا قال: وقفت على ولدي وولد ولدي، أو على أولادي وولد أولادي. فروي في المجموعة أنه لا يدخل ولد البنات في ذلك لأنهم من قوم آخرين.
قال القاضي أبو الوليد: "قال أبو عبد الله بن العطار: هذا قول مالك. وكانت الفتوى عندنا، يريد بقرطبة، أن ولد البنات يدخلون في ذلك، وقضى به محمد بن إسحاق بن السليم بفتيًا أكثر من كان في زمانه.
المسألة الثالثة: إذا قال: وقفت على ولدي وأولادهم، أو على أولادي وأولادهم، فالخلاف في دخولهم أيضًا. وأولى بدخولم ههنا.
[ ٣ / ٩٦٨ ]
المسألة الرابعة: لو قال: وقفت على أولادهم ذكورهم وإناثهم، ولم يسمهم، ثم قال: وعلى أعقابهم، فالمنصوص دخولهم.
المسألة الخامسة: أن يقول وقفت على أولادي، ويسميهم بأسمائهم ذكورهم وإناثهم، ثم يقول: وعلى أولادهم، فولد البنات يدخلون فيه باتفاق المتقدمين والمتأخرين من أهل المذهب. قاله الشيخ أبو الوليد، ثم قال: "إلا ما روي عن ابن زرب وهو خطأ صراح، لا وجه له".
وأما لفظ العقب، فروي ابن القاسم: "أن قوله: على ولدي وولد ولدي، كقوله: على ولدي وأعقابهم سواء. والعقب: الولد من ذكر وأنثى، وولد ذكور الولد عقب آبائهم، وليس ولد البنات عقبًا، ذكرًا كان أو أنثى".
وقاله عبد الملك: إن البنات دنيا، وبنات البنين من العقب. وقوله: على ولدي وعلت عقبي سواء. وكذلك ذكر ابن حبيب عن ابن الماجشون ومطرف.
وقال ابن الماجشون: ويجمع ذلك أن كل ذكر أو أنثى حالت دونه أنثى فليس بعقب.
(وأما لفظ البنين، فإنه يتناول عند مالك الولد وولد الولد الذكور ذكورهم وإناثهم.
قال مالك: من تصدق على بنيه وبني بنيه، فإن بناته وبنات بنيه يدخلن في ذلك.
وروى عيسى عن ابن القاسم: "فيمن حبس على بناته فإن بنات بنيه يدخلن بنات صلبه".
قال القاضي أبو الوليد: "والذي عليه جماعة أصحابه، أن ولد البنت لا يدخلون في البنين".
وأما لفظ النسل، فقال أبو عبد الله بن العطار: إنه كقوله: ولد ولده، على ما تقدم ذكره من خروج ولد البنات من ذلك في قول مالك، ودخولهم على ظاهر لفظ المحبس.
وأما لفظ الذرية، فقال أبو عبد الله أيضًا: لا خلاف في دخول ولد البنات في ذلك لقول الله تعالى: (وَمِن ذُرِيَّتِهِ دَوُدَ وَسُلَيمَنَ وَأَيُوبَ وَيُوسُفَ) إلى قوله: "وَعِيسِى"
[ ٣ / ٩٦٩ ]
فجعل عيسى من ذرية إبراهيم، وإنما هو ولد بنت.
وأما لفظ آل، فقال ابن القاسم: "آله وأهله سواء وهم العصبة والأخوات والبنات والعمات. ولا يدخل في ذلك الخالات".
قال القاضي أبو الوليد: "ومعنى ذلك عندي العصبة ومن كان في قعددهم من النساء. قال: "هذا (هو) المشهور من المذهب.
("وقال الشيخ أبو إسحاق: يدخل في الأهل من كان من جهة أحد الأبوين بعدوًا أو قربوا".
وأما لفظ القرابة، ففي الموازنة والمجموعة عن مالك: فيمن أوصى بمال لأقاربه أنه يقسم على الأقرب فالأقرب بالاجتهاد. وقال في العتبية: "ولا يدخل في ذلك ولد البنات وولد الخالات". وروى ابن عبدوس عن ابن كنانة: يدخل الأعمام والعمات والأخوال والخالات وبنات الأخ وبنات الأخت. وروى علي بن زياد عن مالك: يدخل فيه أقاربه من قبل أبيه وأمه. وقال أشهب في المجموعة: إن كل ذي رحم منه من قبل الرجال والنساء محرم أو غير محرم، فهو ذو قرابة.
وأما لفظ الموالي، "فيشمل الذكور والإناث، واختلف فيمن يدخل معهم في الحبس، فروي أنه يدخل معهم موالي أبيه وموالي أمه وموالي الموالي. قال عنه ابن وهب: وأبناء الموالي يدخلون مع آبائهم.
وفي العتبية من رواية ابن القاسم "فيما إذا كان لهم أولاد وله موالي لبعض أقاربه، رجع إليه ولاؤهم، فلا يكون الحبس إلا لمواليه الذين أعتق، وأولادهم يدخلون مع آبائهم ي الحبس، إلا أن تخصهم تسمية.
وقال مالك بعد ذلك: إن موالي الأب والإبن يدخلون مع مواليه، ويبدأ بالأقرب فالأقرب
[ ٣ / ٩٧٠ ]
من ذوي الحاجة، إلا أن يكون الأباعد أحوج. وفي المختصر الكبير: أبناؤهم مع آبائهم.
"وقد اختلف في موالي الأب والابن، فقيل: يدخلون معهم، وقيل: لا يدخلون معهم. ويدخلون معهم أعجب إلي".
فرع: (إذا قلنا بدخول موالي أبيه وبنيه، ففي المجموعة فيمن حبس على مواليه فإنه يدخل فيه موالي ولد الولد والأجداد والأم والجدة والإخوة، ولا يدخل فيه موالي بني الإخوة، والعمومة، ولو أدخلت هؤلاء لأدخلت موالي القبيلة).
فرع مرتب:
إذا قلنا بدخول موالي هؤلاء، ففي المجموعة أيضًا أنه يبدأ بالأقرب فيؤثر على الأبعد إذا استووا في الحاجة، فإن كان الأقرب غنيًا أوثر المحتاج الأبعد عليه. وقاله مالك في العتبية في موالي الأب والابن.
(وأما لفظ القوم، فقال الشيخ أبو إسحاق: لو حبس على قومه أو على قوم فلان، فذلك على الرجال خاصة من العصبة دون النساء، واحتج بقوله تعالى: (لا يسخر قوم من قوم). ثم قال تعالى: (ولا نساء من نساء) ففرق بين القوم والنساء، ويقول زهير:
وما أدري سوف أخال أدري أقوم آل حصن أم نساء
ومن وقف على إخوته دخل في ذلك الذكور والإناث من أي جهة كانوا، كقوله تعالى: (فإن كان له إخوة فلأمه السدس).ولو قال: على رجال إخوتي ونسائهم، دخل في الأطفال من الذكور والإناث كقوله تعالى: (وإن كانوا إخوة رجالًا ونساء).
قال: ولو حبس على عصبته، لم يدخل فيه أحد من جهة الأم خاصة وإن قربوا، ودخل [
[ ٣ / ٩٧١ ]
نسب الأب من الذكور وإن بعدوا. ولو قال: على أعمامي، لم يدخل أولادهم معهم. ولو قال: على ولد ظهري، لم يدخل فيه ولد ولده ذكورهم ولا إناثهم.
قال: ولو قال: على بني أبي، دخل فيه إخوته لأبيه أمه وإخوته لأبيه ومن كان ذكرًا من أولادهم خاصة مع ذكور ولده. وهذا يشعر بأنه لا يراد دخول الإناث تحت قوله: بني، وهو خلاف ما تقدم في الرواية في لفظ البنين.
قال: ولو قال: على أطفال أهلي، تناول من لم يبلغ الحلم ولا المحيض. وكذلك لو قال: على صبيانهم أو صغارهم.
ولو قال: على شبانه/ أو على أحداثهم، كان ذلك لمن بلغ منهم إلا أن يكمل أربعين عامًا، ولو قال: على كهولهم، كان لمن جاوز الأربعين من ذكورهم إناثهم، إلى أن يكمل الستين ولو قال: على شيوخهم، كان على من جاوز الستين من الذكور والإناث.
(قال): ولو قال: لأراملهم، لكان للرجل الأرمل كالمرأة الأرملة، واستشهد بقول الخطيئة.
هذي الأرامل قد قضيت حاجتها فمن لحاجة هذا الأرمل الذكر
الفصل الثاني: في الأحكام المعنوية، وفيه مسائل:
المسألة الأولى: إن حكم الوقف اللزوم في الحال إذا أنجزه، ولم يضفه إلى ما يستقبل من موته أو غير ذلك. ولا تقف صحته ولا نفوذه على حكم حاكم به.
وتأثير إبطال تخصيص المالك بالمنفعة، ونقلها إلى الموقوف عليه، وسلب أهلية التصرف في الرقبة بالإتلاف والنقل إلى الغير.
وأما ملك العين المحبسة فهو باق للمحبس، أعني رقبة الموقوف. ثم هي خارجة من رأس المال إن كان التحبيس في الصحة منجزًا، فإن كان فيها بوصية، أو كان في المرض، فهي من الثلث.
المسألة الثانية: إن الموقوف عليه يملك الغلة والثمرة واللبن والصوف والوبر من الحيوان.
"وروى ابن القاسم في بقرات محبسه تقسم ألبانها في المساكين فتوالدت، قال: وما
[ ٣ / ٩٧٢ ]
ولدت من الإناث فهو كسبيلها، وما ولدت من الذكور فلضرابها، إلا أن تكثر فيباع من الذكور ما فضل عن نزوها، ويشتري بالثمن إناث تكون مقامها، وما كبرت من الإناث حتى انقطع منها اللبن، فتباع كالذكور، ويرد ذلك في إناث تكون معها وفي علوفتها".
وروى ابن حبيب عن ابن الماجشون في البعير أو الفرس أو التيس يحبسه للضراب، فينقطع ذلك منه لكبر، فلا أرى أن يباع ذلك، إلا أن يكون شرط ذلك في أصل الحبس. ونحوه عن ابن الماجشون في المجموعة، قال عنه فيها: وإن شرط إن هرم أو فسد بيع واشترى غيره، فذلك جائز، ولا أحبسه يجوز إن لم يشترط.
المسألة الرابعة: إن نفقة الموقوف من غلته، إن كانت له غلة، كالدور والحوانيت والفنادق والبساتين والإبل والغنم والعبيد المقصود منهم الغلة. وإن كانت الدار للسكنى، فإما أصلح الساكن، وإما خرج فأكربت بما تصلح به.
وأما ما وقف لا لغلة، كالفرس يجاهد عليه، والعبد لصنعة تراد منه، فالنفقة عليهما من بيت المال، فإن لم يكن بيع ذلك، واشترى بالثمن ما لا يحتاج إلى نفقة، كالسلاح والدروع ونحوها. وقال ابن الماجشون: لا يجوز بيع ذلك. وكالمساجد والقناطر، فالنفقة عليها من بيت المال، فإن لم يكن، ولم يوجد من يحتسب لله، بقي ذلك حتى يهلك، ولم يلزم الواقف
[ ٣ / ٩٧٣ ]
ولو شرط الواقف (للدار) أن إصلاح مارث على الموقوف عليه، لم يجز ذلك ابتداء. ولكن إن وقع ذلك مضى الوقف، وبطل الشرط، (والمرمة) من الغلة. وقال محمد: يرد الوقف ما لم يقبض.
المسألة الخامسة: إذا علم شرط الواقف في المصرف لم يتعد، كان مقتضاة المساواة أو التفضيل، فإن تعذر العثور عليه قسم على الأرباب بالسوية، فإن لم يعرف الأرباب كان كوقف لم يعين له مصرف.
المسألة السادسة: إذا أجر المتولي الوقف على وفق الغبطة في الحال، ثم ظهر طالب بزيادة لم يفسخ.
المسألة السابعة: لا يجوز نقض بنيان الحبس لتبني فيه الحوانيت للغلة، وهو ذريعة إلى تغيير الحبس. ومن هدم حبسًا من أهل الحبس أو من غيرهم، فعليه أن يرد البنيان كما كان ولا تؤخذ منه القيمة.
وأما إن قتل حيوانًا وقفًا، كالعبد والدابة، أخذت منه قيمة، فاشترى بها مثله، وجعل وقفًا مكانه، وإن لم يوجد مثله فشقص من مثله، وقيل: إذا لم تبلغ ثمن عبد قسمت كالغلة. وإذا انكسر الجذع لم يجز بيعه، بل يستعمل في الوقف.
وكذلك النقض. (قال الشيخ أبو إسحاق: ولا يباع نقض الوقف. قال: ومن أصحابنا وغيرهم من يرى بيعه، ولست أقول به). ولا يناقل بالوقف وإن خرب ما حواليه، وقد تعود العمارة بعد الخراب. قال محمد بن عبدوس: ولا خلاف في المساجد أنها لا تباع. قال: وبقاء أحباس السلف داثرة دليل على منع بيعها وميراثها، وكذلك حبس العقار عندنا، الدور وغيرها، لا سبيل إلى بيع شيء من ذلك وإن دثر وانتقلت العمارة عن مكانه، اللهم إلا أن يكون مسجد تحيط به دور محبسة، فاجتاح إلى سعة، فقد قالوا: لا بأس أن يشتري منها ليوسع بها فيه.
(والطريق أيضًا كالمسجد في ذلك، لأنه نفع عام أعم من نفع الدار المحبسة. قال ابن حبيب عن مالك. قال ابن الماجشون: وذلك في مثل جوامع الأمصار دون مساجد القبائل.
[ ٣ / ٩٧٤ ]
وقاله مطرف وابن عبد الحكم وأصبغ). وكذلك ما سوى العقار من الأعيان المحبسة مثل الحيوان والعروض على إحدى الرواتين، وبها قال ابن الماجشون، وإن ذهبت منفعتها. وروى ابن القاسم: "أن ما سوى العقار إذا ذهبت منفعته التي وقف لها كالفرس يكلب أو يهرم، بحيث لا ينتفع به فيما وقف له، أو الثوب يخلق بحيث لا ينتفع به في الوجه الذي وقف له وشبه ذلك أنه يجوز بيعه ويصرف ثمنه في مثله، ويجعل مكانه، فإن لم يصل ثمنه إلى كامل من جنسه جعل في شقص مثله".
فروع:
الفرع الأول: قال عبد الملك: ويجوز كراء ولي الصدقة بما يرى من النظر والحظ السنة والسنتين، وما يجوز مثله للوكيل، وأما أن يحابي بطول فلا يجوز لأنه إنما يليها ما دام حيًا.
قال: ولا يجوز أن يكريها بنقد، لأنه قد يضع في ذلك وهو لا يقسم الكراء عليهم قبل كمال [سكني المكتري]، لأنه إنما يقسم على من يحضر يوم القسم فمن ولد قبل القسم ثبت حقه، ومن مات قبله سقط، وإذا قسمه قبل أن يجب بالسكنى فقد يموت من أخذ منه قبل أن يجب له، ويحرم من جاء قبل الوجوب ممن يولد بعد القسم. قال: وأما أن يكري من مرجع الرقبة لآخر بعده، فيجوز له أن [يعقد الكراء] مثل الأربع سنين والخمس. قال: وقد أكرى مالك ﵀ منزله عشر سنين، وهو صدقة على هذا الحال. واستكثر المغيرة وغيره عشر سنين.
الفرع الثاني: إذا بنى بعض أهل الحبس فيه، أو أدخل خشبة، أو أصلح ثم مات وقد أوصى به، أو قال: هو لورثتي، فذلك لهم، فإن لم يذكره فلا شيء لهم.
قال ابن القاسم في المجموعة: قل البناء أو كثر، إلا أن يقول لورثته خذوه، فذلك لهم. قال محمد: وأخبرني ابن عبد الحكم عن ابن القاسم بخلافه، أنه قال: ذلك لورثته. ولم ير ما قال مالك. وقال: ما كان لأبيهم حيًا، فهو لورثته ميتًا. قال محمد: والأول من قول ابن القاسم أعجب إلي أن ذلك لورثته ما لم تكن مرمة. وقال المغيرة: أما الشيء اليسير من ستر
[ ٣ / ٩٧٥ ]
وميازيب، وما لا يعظم قدره، فهو للحبس. وأما المقترح كله، فهو له يورث عنه، ويقضي به دينه. وبه قال عبد الملك.
قال أبو إسحاق التونسي: وهو الصواب، قال: ولعل ابن القاسم تكلم على عادة جرت عندهم.
الفرع الثالث: إذا أراد أحد أن يزيد في حبس غيره أو ينقص، منعه من ذلك الواقف أو وارثه، أو الإمام إن لم يمنع الواقف ولا وارثه. ولو أطلقوا ذلك له في النقص ما جاز إطلاقهم، ومنعه الإمام. ولو خرب (فأراد) غير الواقف إعادته فمنعه الواقف، أو وارثه، كان ذلك له.
الفرع الرابع: في قسم الحبس بين أهله في في الغلة والسكنى.
"قال مالك في المجموعة فيمن حبس على قوم وأعقابهم، فإن ذلك كالصدقة، يوصي أن تفرق على المساكين، فلمن يليها أن يفضل أهل الحاجة والمسكنة والمؤونة والعيال والزمانة. وكذلك غلة الحبس يفضل أهل العيال بقدرهم، والكبير الفقير على الصغير لعظم مؤونة الكبيرة، والمأة الضعيفة تفضل بقدر ما يراه من وليها، ولا يعطي منها الغني شيء ا، ويعطي المسدد بقدر حاله، وإن كان للأغنياء أولاد كبار فقراء وقد بلغوا، أعطوا بقدر حاجتهم.
ومن أوصى بداره أو بثمرة حائطه حبسًا على ولد رجل أو ولد ولده، أو على بني فلان، بدئ بأهل الحاجة منهم في الغلة والسكنى. قال ابن القاسم: وأما الوصايا بمال ناجز يفرق عليهم، فإنما يفرق بينهم بالسوية. قال سحنون: وقال غيره: ليس وصيته لولد رجل أو أخواله بمال ناجز يقتسمونه بمنزلة وصيته لهم بغلة نخل تقسم بينهم محبسة موقوفة، لأن القصد في الحبس مجهول من يأتي.
وإذا أوصى لبني تميم، أو من لا يحاط بهم، فهذا وإن كان وصية ناجزة، فقد علم أنه لم يرد معينين، وإنما هو لمن حضر القسمة وعلى الاجتهاد. قال غيره في الأحباس على الموالي يريد أو الولد.
أما إن استووا في الفقر والغنى، فليؤثر الأقرب، ويعطي الفضل لمن يليه. (وإن كان الأقعد غنيًا، أوثر الأبعد المحتاج، فيقسم على الاجتهاد في الغلة والسكنى.
وأما ما حبس على قوم بأعيانهم من دار أو من زرع أو من نخل، فذلك فيما بينهم بالسواء، الذكر والأنثى والغني والفقير بالسوية)
[ ٣ / ٩٧٦ ]
(وقال ابن القاسم في كتاب محمد: قال مالك ومن حبس على الفقراء أو في سبيل الله وابن السبيل وذوي القربى وفي قرابته غنى، فلا يعطي منه، ولكن ذووا الحاجة.
قال ابن حبيب: وقول مالك وأصحابه: إن الذكر والأنثى في الحبس سواء إلا أن يقع شرط.
قال عبد الملك في كتاب محمد: لا يفضل ذوو الحاجة على الغني في الحبس إلا بشرط من الذي حبسه، لأنه تصدق على ولده، وهو يعلم أن منهم الغني والمحتاج.
وفي العتبية من رواية عيسى عن ابن القاسم، وذكر مثله ابن حبيب عن أصبغ عن ابن القاسم في قسم الحبس بين أهله في الغلة والسكنى: "ليس على كثرة العدد والمبادرة والمقدم فيه أهل الحاجة منهم، وليس على عددهم، لكن بقدر كثرة عيال أحدهم إن كان سكني، أو عظم مؤنه وخفتها. وإذا كانت غلة فبقدر حاجتهم وأعظمهم فيها حظًا أشدهم فاقة، فما فضل بعد حاجتهم رد على الأغنياء، يسكن كل واحد على قدر ماله وكثرة حاجته، ليس الأعزب كالمتأهل المعيل. والحاضر أولى بالسكنى من الغائب. والغلة بين الحاضر والغائب سواء. والمحتاج الغائب أولى فيها من الغنى الحاضر؛ وذلك على الاجتهاد".
ولا يخرج أحد من مسكنه ولو كان غنيًا لغيره، وإن كان الغير محتاجًا، ولم يكن في الدار سعة.
ومن خرج من مسكنه، لسفر، فإن كان لتجارة أو لحاجة ثم يرجع، فهو كالحاضر، وإن كان ليستوطن غير البلد، وينقطع عن البلد الأول، وكان الحبس سكني ولم يكن غلة، فالميم أولى منه. ثم إن قدم لم يخرج له غيره وإن كان القادم أحوج منه، أو كان الذي أقام غنيًا.
وروى ابن القاسم: "أن من حبس على ولده أو غيرهم حائطًا وسمى لبعضهم ما يعطى كل عام من الكيل، ولم يسم للآخرين، فيبدأ بالذين سمى لهم، إلا أن يعمل في ذلك عامل، فيكون أولى بحقه. (قال) ابن القاسم: وكذلك في غلة الدور".
[ ٣ / ٩٧٧ ]