وفيه ثلاثة أبواب:
الباب الأول: في أركانها، وهي أربعة:
الركن الأول: ما فيه التوكيل، وله شرطان:
الشرط الأول: أن يكون قابلًا للنيابة، وهو ما يلا يتعين لحكمه مباشرة، كأنواع البيع والحوالة والكفالة والشركة والوكالة والمضاربة والجعالة والمساقاة والنكاح والطلاق والخلع والصلح وسائر العقود والفسوخ.
ولا يجوز التوكيل في العبادات، إلا في المالية منها كأداء الزكاة، وفي الحج على خلاف فيه.
ولا يجوز في المعاصي كالسرقة والغصب والقتل والعدوان، لأنها باطل وظلم، بل أحكامها تلزم متعاطيها.
ويلتحق بفن العبادات الأيمان والشهادات. واللعان والإيلاء من الأيمان فلا تجوز الوكالة (فيهما)، وكذلك الظهار لا تجوز الوكالة فيه، لأنه منكر من القول وزور.
ويجوز التوكيل بقبض الحقوق واستيفاء الحدود والعقوبات.
ويجوز التوكيل بالخصومة في الإقرار والإنكار، يرضى الخصم وبغير رضاه، في حضور المستحق وفي غيبته.
فرع: «لو قال لوكيله: أقر عني لفلان بألف دينار، فهو بهذا القول كالمقر بالألف».
[ ٢ / ٨٢٥ ]
قاله الإمام أبو عبد الله، واستقرأ من نص بعض الأصحاب.
الشرط الثاني: أن يكون ما به التوكيل معلومًا في الجملة، ويستوي كونه منصوصًا عليه أو داخلًا تحت عموم اللفظ، أو معلومًا بالقرائن أو بالعادة. فلو قال: (وكلتك، أو أنت وكيلي أو فلان لم يجز، حتى يفيد بالتفويض أو بالتصرف في بعض الأشياء.
ولو قال: وكلتك بما إلى من تطليق نسائي وعتق عبيدي وبيع أملاكي جاز).
ولو قال: وكلتك بما إلي من قليل وكثير جاز، واسترسلت يد الوكيل على جميع الأشياء، ومضى فعله فيها إذا كان نظرًا، لأنه إذا فعل غير النظر فكأنه معزول عنه بالعادة، إلا أن يقول له: افعل ما شئت، كان نظرًا أو غير نظر. وأما إن قيد بالتصرف في بعض الأشياء دون بعض فالرجوع في ذلك التقييد إلى مقتضى اللفظ والعادة.
ولو قال: اشتر لي عبدًا، جاز: ولو قال: عبدًا تركيًا، (بمائة) فأولى بالجواز.
والتوكيل بالإبراء لا يستدعي علم الموكل بمبلغ الدين المبرأ عنه، ولا علم (الوكيل)، ولا علم من عليه الحق. ولو قال: بع بما باع به فلان فرسه، فالعلم بما باع فلان مشترك في حق الوكيل، لا في حق الموكل. ولو قال: وكلتك بمخاصمة خصمائي، جاز وإن لم يعين.
الركن الثاني: الموكل:
(وهو) كل من جاز له التصرف لنفسه جاز له أن يستنيب عنه في ما يجوز النيابة فيه لأجل الحاجة (إلى) ذلك على الجملة.
وكذلك حكم الوكيل، وهو:
الركن الثالث: فإنه من جاز له أن يتصرف لنفسه في الشيء جاز له أن ينوب فيه عن غيره إذا كان قابلًا للاستنابة. هذا هو الأصل، إلا أن يعرض ما يمنع من توكيل شخص فلا يوكل. وقد نص في الكتاب على منع توكيل الذمي على سلم أو بيع أو شراء، أو يستأجره على قضاء أو يبضع معه، وكرهه ولو كان عبدًا له.
قال الإمام أبو عبد الله: «وما ذاك إلا لأنه (قد) يغلظ على المسلمين الذين وكل عليهم
[ ٢ / ٨٢٦ ]
في التقاضي، ويستعلي عليهم قصدًا لإذلالهم، ولا يجوز للمسلم أن (يعينه) على ذلك».
قال الإمام: «وأما البيع والشراء فلئلا يأتيه بالحرام.
ولهذا منع أن يعامل الذمي قراضًا لأنه يتخوف منه أن يعامل بالربا، وبما لا تحل المعاوضة به. وقد قال محمد: إن نزل هذا تصدق المسلم بالربح». قال الإمام: «وهذا الذي قاله محمد إنما يخلص مما يتخوف من الحرام، بأن يكون ما فعله الذمي من الربا، فيتصدق بما زاد على رأس المال لقوله تعالى: ﴿وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون﴾.
وأما ما لو وقع بيع الوكيل الذمي أو المقارض الذمي في المعاوضة بخمر أو خنزير، وأتى الموكل بآثمان ذلك فإنه يتصدق بجميع ما أتى به، لأن العوض كله من ثمن خمر أو خنزير، وذلك حرام كله، وفي الربا إنما الحرام الزيادة». ومن الموانع من التوكيل العداوة، فلا يوكل العدو على عدوه.
الركن الرابع: الصيغة الدالة على معنى التوكيل، أو ما يقوم مقامها في الدلالة عليه. ثم لا بد من القبول، فإن وقع على الفور فلا خفاء بصحة العقد، وإن تراخى بالزمن الطويل، فقال الإمام أبو عبد الله: «قد يتخرج عندي على الروايتين في قول الرجل لزوجته: اختاري، أو قوله: أمرك بيدك، فقامت من المجلس ولم تختر، ثم قال: والتحقيق في هذا يرجع إلى اعتبار المقصود والعوائد، هل المراد في هذه الألفاظ استدعاء الجواب بدارًا، فإن تأخر سقط حكم الخطاب، أو المراد استدعاء الجواب معجلًا أو مؤجلًا».
الباب الثاني: في حكم الوكالة الصحيحة، ولها ثلاثة أحكام:
الأول: صحة ما وافق من التصرفات، وفساد ما خالف منها لفظًا أو عادة، (مما) يعود بنقص؛ فأما إن خالف بما يعود بزيادة فقولان بناهما الشيخ أبو الطاهر على شرط ما لا يفيد، هل يلزم الوفاء به أم لا؟ وتعرف الموافقة باللفظ تارة، وبالقرينة أو العادة أخرى. وبيان ذلك بصور سبع:
الأولى: إذا قال: بع مطلقًا، فلا يبيع بالعرض ولا بالنسيئة، ولا بما دون ثمن المثل إلا
[ ٢ / ٨٢٧ ]
قدرًا يتغابن الناس بمثله. ويجوز له أن يبيع ويشتري من أقاربه وغيرهم إذا لم يحاب، وليس له أن يبيع من نفسه أو ولده أو يتيمه، ولا أن يشتري. وقيل له ذلك. ثم حيث قلنا: إن ذلك له بمطلق الإذن، أو أذن له فيه، فإنه يتولى طرفي العقد إذا باع أو اشترى من نفسه أو ولده الصغير أو يتيمه، كما في تولي ابن العم طرفي النكاح، وتولي من عليه الدين استيفاءه من نفسه بالوكالة. ويطرد في الوكيل من الجانبين في عقد النكاح والبيع، كما إذا كان وكيلًا من [جهة] الموجب والقابل جميعًا. وإن أذن له في البيع إلى أجل مقدر جاز. وإن أطلق فالعرف يقيده بالمصلحة. ولو قال له: اشتر لي ثوبًا أو خادمًا، فاشترى ما يصلح للموكل لزمه.
وإن اشترى ما لا يليق به، فقال ابن القاسم: لا يلزمه. وقال أشهب: يلزمه.
ثم هما أعلم أن الشراء للموكل فالملك ينتقل إلى الموكل، لا إلى الوكيل.
الثانية: أن الوكيل لا يسلم المبيع قبل توفية الثمن، فإن سلم ولم يشهد فجحد الثمن ضمنه، لتغريره به. ويملك المطالبة بالثمن وقبضه، لأنه من توابع البيع ومقاصده.
والوكيل بالشراء يملك قبض المبيع.
وأما مطالبتهما بالثمن والمثمن (فيخرج على ما نفصله).
وذلك أن الوكيل إذا لم يبين أنه وكيل كان مطلوبًا بتسليم الثمن أو المثمن)، وكانت العهدة عليه. وإن بين أنه وكيل وصرح بأنه برئ من أداء الثمن أو المثمون لم يكن عليه أداء ولا عهدة.
وإن صرح بالالتزام فلا شك في إلزامه ما صرح به؛ وإن لم يصرح بأحد الأمرين فإن كان العقد على شراء بنقد أو بيع به فالمنصوص في المذهب معاملته بالثمن أو المثمون.
الثالثة: إن الوكيل بالشراء إذا اشترى معيبًا بثمن مثله وجهل العيب وقع على الموكل، وكان للوكيل الرد بضمانه (لمخالفة) الصفة؛ وإن علم وقع عنه، ولم يكن له الرد إلا أن يكون عيبًا يسيرًا وشراؤها بذلك نظر، فيلزم الأمر. وإن كان بغبن فعلم لم يقع على الموكل، وإن جهل وقع عنه. ثم مهما جهل الوكيل فله الرد إلا إذا كان العبد معيبًا من جهة الموكل فلا رد للوكيل.
وقال أشهب: الموكل مقدم في الرد وإن كانت السلعة غير معينة، وله استرجاع السلعة بعد رد الوكيل لها إذا لم يمض رده.
[ ٢ / ٨٢٨ ]
قال ابن القاسم: إلا أن يكون وكيلًا مفوضًا فله الرد، والقبول في جميع ما ذكرناه على الاجتهاد بغير محاباة. وحيث يكون الوكيل عالمًا فلا رد له، ولا يلزم الموكل إلا أن يكون العيب يسيرًا؛ فإن كان كثيرًا (ألزمها) الموكل للوكيل إن شاء.
الرابعة: إن الوكيل بتصرف معين لا يوكل إذا كان ممن يلي ما وكل عليه بنفسه في العادة، إلا إذا أذن له فيه؛ ولو وكل بتصرفات كثيرة وأذن له في التوكيل وكل، وإن أطلق فله التوكيل (أيضًا) إن علم عجزه (عن) الانفراد بها أو علم مباشرة مثله لمثلها عادة، ثم لا يوكل إلا (أمينا) رعاية للمصلحة.
فرع: إذا وكل بإذن الموكل ثم مات الوكيل الموكل فقال الإمام أبو عبد الله: «الأظهر أن الثاني لا ينعزل بموت الأول، بخلاف انعزال الوكيل الأول بموت موكله، لأن توكيل الوكيل الأول كتوكيل موكله إذ تصرفه لازم له كتصرفه بنفسه. وذكر أن ابن القاسم وقع له ما يشير ظاهره إلى ذلك وهو إمضاء تصرف من أبضع معه أحد الشريكين بعد مفاصلتهما.
الخامسة: يتبع مخصصات الموكل، فلو قال: بع من زيد، لم يبع من غيره، ولو خصص زمانًا تعين. وإن خصص سوقًا تتفاوت فيه الأغراض تخصص. ولو قال: بع بمائة، فله أن يبيع بما فوقها، وليس له أن يبيع بما دونها بحال.
فرع: فإن باع بدون ما سمى له فرب السلعة بالخيار بين أن يمضي فعله أو يفسخه، فإن أمضاه أخذ الثمن، وإن فسخه، فإن كانت السلعة قائمة أخذها، وهل له أن يطالبه بما سمى من (الثمن) قولانن. وإن كانت فائتة طالبه بالقيمة إن لم يسم ثمنًا؛ فإن (سمى) فهل له مطالبته بما سمى أو بالقيمة؟ قولان، مبنيان على الخلاف فيمن أتلف سلعة وقفت على ثمن.
وهذا فيما عدا الربويات؛ فإن كان العقد على ربوي بربوي كعين بعين أو طعام بطعام؛ فهل له أن يرضى بفعله؟ قولان مبنيان على الخلاف في الخيار الحكمي هل هو كالشرطي أم لا؟
ولو قال الوكيل: أنا أتم ما نقصت، فهل له ذلك ويمضي البيع أم لا؟ قولان، أيضًا:
أحدهما: أن ذلك له، لأن مقصود الأمر قد حصل له؛
[ ٢ / ٨٢٩ ]
والثاني: أنه لا يلتفت إلى قوله، لأنه متعد في البيع، فيجب الرد.
ولو قال: اشتر بمائة، فله أن يشتري بما دونها، وليس له أن يشتري بما فوقها إلا باليسير الذي جرت العادة بزيادة مثله كالدينارين والثلاثة في المائة، وشبه ذلك.
ويقبل قول الوكيل في ذلك، إن ذكره قبل تسليم السلعة أو قرب التسليم، ولا يصدق في ذكره بعد الطول. فإن زاد كثيرًا فالموكل بالخيار بين إمضاء فعله أو ترك المشتري له.
ولو قال: بع بمائة نسيئة، فباع بمائة نقدًا، أو قال: اشتر بمائة نقدًا، فاشترى بمائة نسيئة؛ صح ذلك ولزم الآمر. قاله الشيخ أبو محمد: قال: وخالفني فيها أبو بكر بن اللباد، فاحتججت عليه بأن المبتاع لو عجل الثمن المؤجل للوكيل للزمه قبوله.
ولو قال: بع الدنانير، فباع بالدراهم، أو بالعكس، ففي اللزوم قولان، مأخذهما أنهما كنوعي جنس واحد أو كجنسين.
ولو سلم له دينارًا يشتري به شاة، فاشترى به شاتين، وباع إحداهما بدينار، ورد الدينار والشاة؛ صح عقد الشراء والبيع، ولزما بإجازة المالك. وقد فعل ذلك عروة البارقي مع رسول الله ﷺ، (فدعا) له وشراء الشاة الأخرى.
وبيع إحداهما يخرج على إجازة المالك تصرف الغير في ملكه، إذ رضي ذلك رسول الله ﷺ فمضى.
ولو أمره أن يشتري له جارية على صفة بثمن معين، فاشترى جاريتين على الصفة (المعينة) بالثمن المحدود في الواحدة. فإن اشتراهما واحدة بعد أخرى، فالثانية له إن لم يجز الموكل عقده، ويسترجع منه حصتها من الثمن.
وإن اشتراهما معًا في صفقة واحدة، فقال أصبغ: يلزمان الموكل، ولم يقيد جوابه.
وقال ابن المواز: إن كان قادرًا على الإفراد لم يلزم الأمر العقد، وإن كان غير قادر لزمه.
وقال غيرهما: يثبت الخيار للموكل.
ثم اختلف القائلون بذلك في محله؛ فقال ابن القاسم: محله الثانية فقط، فيتخير في
[ ٢ / ٨٣٠ ]
ردها أو قبولها. وقال ابن الماجشون: يتخير في قبولها أو ردها.
ولو قال له: بع بعشرة، فباع بالعشرة بغير اشتهار، ففي الإمضاء والرد قولان، مأخذها النظر إلى أن الموافقة قد حصلت أو إلى أن المقصود ألا ينقص من (العشرة) وتطلب الزيادة. قال بعض المتأخرين: ولو ثبت أحد القصدين لارتفع الخلاف.
السادسة: الوكيل بالخصومة لا يقر على موكله، كما لا يصالح ولا يبرئ، إلا أن يأذن له في ذلك كما تقدم. وليس للوكيل بالخصومة أن يشهد لموكله إلا إذا عزل نفسه قبل أن يخوض ثم يشهد، وإن كان قد خاصم لم يقبل، لأنه يتهم بتصديق نفسه. وإنما تكون الوكالة في الخصومة قبل الشروع فيها، فأما لو شرع فيها لم يكن له أن يوكل، إلا أن يخاف من خصمه استطالة بسبب (ونحوه).
ثم حيث تجوز له وكالته، فليس له أن يعزله بعد الشروع في الخصومة وقال أصبغ: له أن يعزله ما لم يستوف حجته.
قال أبو الوليد بن رشد: «وإذا لم لم يكن له عزله، لم يكن له هو أن يعزل نفسه».
وإذا وكل رجلين فلكل واحد منهما الاستبداد، إلا أن يقصره على موافقة صاحبه.
وكما لا يفتقر إلى حضور الخصم في عقد الوكالة لا يفتقر إلى حضوره في إثباتها عند الحاكم.
السابعة: إذا سلم (إليه) ألفًا، فقال اشتر شيئًا بعينه، فاشترى في الذمة ونقد الألف، صح. وإن قال: اشتر في الذمة، وسلم الألف، فاشترى بعينه، فكذلك وأولى بالصحة. ثم الوكيل مهما خالف في البيع، وقف تصرفه على إجازة الموكل ورده.
ومهما خالف في الشراء وقع على الوكيل إن لم [يرضه] الموكل.
الحكم الثاني: للوكالة ثبوت حكم الأمانة للوكيل، لأن يده أمانة في حق الموكل حتى لا يضمن ما تلف بغير تعد ولا تفريط، سواء كان وكيلًا يجعل أو بغير جعل؛ ثم إن سلم إليه الثمن فهو مطالب به مهما وكل بالشراء، وإن لم يسلم إليه الثمن وأنكر البائع كونه وكيلًا
[ ٢ / ٨٣١ ]
طالبه به، وإن اعترف بوكالته فليس له مطالبته ثم حيث طولب الوكيل رجع على الموكل.
ولو وكل بشراء عبد فاشتراه وقضه فتلف في يده وخرج مستحقًا، فالمستحق يطالب الموكل دون الوكيل. وكذلك الوكيل بالبيع إذا قبض الثمن وتلف في يده فخرج المبيع مستحقًا، فرجع المشتري بالثمن على الموكل (دون الوكيل).
الحكم الثالث للوكالة: الجواز من الجانبين إذا كانت بغير أجرة، وهذا مقتضى قول القاضي أبو الحسن: «إن للوكيل عزل نفسه الآن».
واللزوم في قول بعض المتأخرين من جانب الوكيل بناء على لزوم الهبة وإن لم تقبض.
وإن كانت الوكالة بأجرة على سبيل الإجارة فهي لازمة من الطرفين، ويجب حينئذ أن يكون العمل معلومًا كما في الإجارة.
وإن كانت على سبيل الجعالة، فحكى الشيخ أبو الطاهر فيها ثلاثة أقوال: اللزوم من الطرفين، وعكسه وهو الجاز منهما، والتفصيل بأن يكون اللزوم من جهة الجاعل دون المجعول له.
وإذا فرعنا على القول بالجواز فينعزل بعزل الموكل إياه في حضرته وغيبته، ما لم يتعلق بوكالته حق يمنع العزل، كما إذا نشب معه في الخصومة أو وكله في قضاء دين وجب عليه، ونحو ذلك. وهل ينعزل في الغيبة قبل بلوغ الخبر إليه أو بعده؟ في ذلك روايتان.
وينعزل بيع الموكل العبد الموكل في بيعه وبإعتاقه، وينعزل بعزله نفسه في حضور الموكل وغيبته على القول بالجواز. وقيل: ليس له ذلك مع الغيبة. وينعزل بموت الموكل.
وقال مطرف: إن كان مفوضًا إليه فهو على وكالته حتى يعزله الورثة.
وإذا فرعنا على (القول) الأول، فمتى يعتبر العزل في حق من عامله؟ في ذلك ثلاثة أقوال:
أحدها: اعتبار حالة الموت.
والثاني: اعتبار حالة العلم، فمن علم انفسخت الوكالة في حقه دون من لم يعلم.
ونزل هذين القولين بعض المتأخرين على اختلاف الأصوليين في حكم النسخ، هل يكون من حين النزول أو من وقت البلاغ؟. قال: والموت ها هنا كالنزول.
[ ٢ / ٨٣٢ ]
الثالث: اعتبار [علم] الوكيل خاصة في حق من عامله، (فتنفسخ) في حقه بعلم الوكيل، ولا ينفسخ في حق الوكيل بعلم الذي عامله إذا لم يعلم الوكيل، ولكن من دفع إليه شيئًا بعد العلم بعزله ضمنه، لأنه دفع إلى من يعلم أنه ليس بوكيل.
الباب الثالث: في النزاع، وهو في ثلاثة مواضع:
الأول: في أصل الإذن وصفته وقدره.
والقول (فيه) قول الموكل. فلو قال: وكلتني، وقال: ما وكلتك؛ فالقول قوله.
ولو اشترى جارية بعشرين، فقال: ما أذنت إلا بعشرة؛ حلف الموكل وغرم الوكيل عشرين، أنكر البائع الوكالة أو اعترف بها.
ولو باع السلعة بعشرة، فقال ربها: ما أمرتك إلا بإثنى عشر؛ فالقول قول الأمر إن لم تفت، فإن فاتت فالقول قول المأمور ما لم يبع بما يستنكر.
ولو اشترى من يعتق على الموكل وهو عالم بذلك ولم يعينه له الموكل، فلا يعتق على الموكل. واختلف في عقته على الوكيل، فقال يحيى بن عمر: يلزم المأمور ويسترقه، ويباع عليه في الثمن.
وقال أبو إسحاق البرقي: يعتق العبد، ويضمن (المأمور) الثمن للآمر. فإن لم يكن له مال بيع العبد في ذلك أو بعضه، وعتق ما فضل منه، والولاء للآمر. وإن كان غير عالم صح البيع، وعتق على الموكل.
الموضع الثاني: في التصرف المأذون فيه.
فإذ قال: تصرفت كما أذنت [بي] من بيع (أو) غيره، فقال الموكل بعد: لم تتصرف، فالقول قول الوكيل لأنه أمين. ويلزم (الآمر) التصرف لأنه قد أقر بالوكالة.
وكذلك لو ادعى تلف رأس المال لكان القول قوله، لأنه ينبغي دفع الضمان عن نفسه.
وكذلك إذا ادعى رد المال، سواء كان بجعل أو بغير جعل.
[ ٢ / ٨٣٣ ]
ولو قال: قبضت الثمن وتلف في يد، فالقول قوله إن ثبت القبض ببينه، أو صدقه الموكل فيه؛ وإن لم يكن واحد منهما لم يبرأ الغريم من الدين، إلا أن يكون القابض ومكيلًا مفوضًا أو وصيًا، فيبرأ باعترافه من غير بينة، بخلاف الوكيل المخصوص، وفي كلا الوجهين لا غرم على الوكيل.
الموضع الثالث: إذا وكله في قضاء الدين فليشهد؛ فإن قصر ضمن بترك الإشهاد.
(وقيل: لا يضمن إذا كانت العادة ترك الإشهاد). وكذا قيم اليتيم لا يصدق في دعوى رد المال، قال الله تعالى: ﴿فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم].
ومن يصدق في الرد إذا طولب بالرد فليس له التأخير بعذر الإشهاد إذا تحقق الوكالة أو باشره المستحق.
ولمن عليه الحق بشهادة أن لا يسلم إلى المستحق أو وكيله إلا بالإشهاد. وإن اعترف به، فإن كان في يده تركة فاعترف لإنسان بأنه وارث صاحبها لا وارث له سواه لزمه التسليم، ولم يجز له تكليفه شهادة على ألا وارث له سواه.
ولو اعترف أنه يستحق ألفًا عن جهة حوالة، ولكن خاف إنكار المحيل، فهو كخوف إنكار الوكيل.
ولو ادعى الوكيل قبض الثمن فجحده، فأقيمت عليه بينة بالقبض، فادعى تلفًا أو ردًا قبل الجحد لم تسمع دعواه.
وقال محمد: الذي تبين لي أنه لو صرح بالإنكار، فقال: ما دفع إلي شيئًا؛ لغرم إذا قامت البينة أو أقر، وهو قول مالك وأصحابه فيمن عليه دين فدفعه أو وديعة ببينة (أو بغير بينة) فردها، وأشهد بينة بذلك فطولب فأنكر أن يكون كان له عليه دين أو قال: ما أودعتني شيئًا، ثم أقر أو قامت عليه بينة بأصل الحق فأخرج البراءة وفيها بينة عدول، فلا تنفعه شهادة البراءة، (لأنه) كذبهم بجحده الأصل.
[ ٢ / ٨٣٤ ]