٢٢٦١ - جزء منَ اَجزاء النبوءة الرُّأى إن صلحت وصلح الذي رأى
٢٢٦٢ - وحيث في النوم ترى ما تتقي فعن يسارك ثلاثا ابصق
٢٢٦٣ - واستعذنْ مما رأيتَ وعلى جنبك الاخر إذا تحولا
٢٢٦٤ - وإن تثاءبت اكظمنْ وفمكا باليد سُدَّه خلال ذلكا
٢٢٦٥ - والحمد للعاطس أمر يندب تشميت من سمعه موجب
٢٢٦٦ - وللمشمت إذنْ قدُ اُمرا ذاك الذي عطس أن يستغفرا
٢٢٦٧ - وبالهدى إن يدع أيضا معْ صلاح ألبال في مكان ذا فلا جناح
قوله: جزء من أجزاء النبوءة الرؤى البيت، معناه أن الرؤيا الصالحة جزء من أجزاء النبوءة لحديث الموطإ وغيره " الرؤيا الحسنة، من الرجل الصالح، جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوءة " (^١) قال ابن رشد - رحمه الله تعالى -: والمعنى في ذلك أن الرؤيا الصالحة وهي الحسنة التي تبشر بالخير في الدنيا أو في الآخرة لا مدخل فيها للشيطان، وهي من الله ﷿ من ستة وأربعين جزءا من النبوءة إذا رآها الرجل الصالح، وروي من خمسة وأربعين جزءا، وروي من سبعين جزءا من النبوءة، (^٢)
_________________
(١) متفق عليه.
(٢) قال الحافظ ابن حجر ﵀ ﷾ في فتح الباري بعد أن ذكر روايات كثيرة: فحصلنا من هذه الروايات على عشرة أوجه، أقلها جزء من ستة وعشرين، وأكثرها من ستة وسبعين، وبين ذلك أربعين، وأربعة وأربعين، وخمسة وأربعين، وستة وأربعين، وسبعة وأربعين، وتسعة وأربعين، وخمسين، وسبعين، أصحها مطلقا الأول، ويليه السبعين، ووقع في شرح النووي: وفي رواية عبادة أربعة وعشرين، وفي رواية ابن عمر ستة وعشرين، وهاتان الروايتان لا أعرف من أخرجهما إلا أن بعضهم نسب رواية ابن عمر هذه لتخريج الطبري، ووقع في كلام ابن أبي جمرة أنه ورد بألفاظ مختلفة، فذكر بعض ما تقدم، وزاد في رواية " اثنين وسبعين " وفي أخرى " اثنين وأربعين " وفي أخرى " سبعة وعشرين " وفي أخرى " خمسة وعشرين " فبلغت على هذا خمسة عشر لفظا ..
[ ١٠٣٨ ]
والمعنى في هذه التجزئة أن ما يصاب في تأويله من هذه الرؤيا التي على هذه الصفة المذكورة في الحديث فيخرج على ما تعبر به، فما يخطأ في تأويله فلا يخرج على ما يعبره يكون جزءا من خمسة وأربعين، أو من ستة وأربعين، أو من سبعين، إذ لو خرجت كلها على ما تعبر لكانت كالنبوءة في الإخبار بالمغيبات، وقد قال صلى الله تعالى عليه وسلم: " لن يبقى بعدي من النبوءة إلا المبشرات، قالوا: وما المبشرات يا رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم -؟ قال: الرؤيا الصالحة يراها الرجل الصالح أو ترى له جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوءة " (^١) فالرؤية الصالحة المبشرة من الله ﷿ جزء من الأجزاء المذكورة في الحديث إن كانت من الرجل الصالح، وإن لم تكن من الرجل الصالح فلا يقال فيها - وإن كانت من الله ﷾ - إنها جزء من خمسة وأربعين جزءا من النبوءة، ولا من ستة وأربعين، ولا من سبعين.
وفي الحديث " إذا اقترب الزمان لم تكد رؤيا المسلم تكذب، وأصدقكم رؤيا أصدقكم حديثا " (^٢) وينبغي أن لا يحدث بالرؤيا التي يحب إلا من يحب كما في الحديث (^٣)
قوله: وحيث في النوم البيتين، معناه أن من رأى في نومه ما يكرهه إذا نفث عن يساره ثلاثا وتعوذ أمن من شرها كما في الحديث، (^٤) ويؤمر بالتحول إلى جنبه الآخر، (^٥) أو يقوم للصلاة، (^٦) وألا يحدث بها، (^٧) قال أبو سلمة بن عبد الرحمان - رحمه الله تعالى -: إنه كان يرى الرؤيا أثقل من الجبل فلما سمع هذا الحديث لم يبالها.
_________________
(١) متفق عليه، وهذا لفظ الموطإ.
(٢) متفق عليه، واللفظ لمسلم.
(٣) متفق عليه من حديث أبي قتادة - رضي الله تعالى عنه ـ.
(٤) متفق عليه.
(٥) رواه مسلم وابن ماجة والإمام أحمد من حديث جابر - رضي الله تعالى عنه ـ.
(٦) الأمر بالصلا رواه مسلم وأبو داود والترمذي من حديث ابن سيرين عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنهما ـ.
(٧) متفق عليه من حديث أبي قتادة - رضي الله تعالى عنه ـ.
[ ١٠٣٩ ]
قال الحطاب - رحمه الله تعالى -: وينبغي أن يعمل بجميع الروايات، فإذا رأى ما يكره نفث عن يساره قائلا: أعوذ بالله من الشيطان ومن شرها وليتحول إلى جنبه الآخر، وليصل ركعتين، وإن اقتصر على بعضها أجزأه في دفع ضررها بإذن الله ﷾ قوله: وإن تثاءبت البيت، معناه أن المتثائب يؤمر بتغطية فيه لحديث الصحيح " إذا تثاءب أحدكم فليمسك بيده على فمه فإن الشيطان يدخل " (^١) قال الحطاب - رحمه الله تعالى -: قال في الإكمال: أمر النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - بكظم التثاؤب (^٢) ورده ووضع اليد على الفم ليلا يبلغ الشيطان العدو أمله في المسلم بكل ما يسوءه ويكره منه من تشويه صورته ودخوله في فمه وضحكه منه وتفله فيه، ولهذا قال والله ﷾ أعلم أمر المتثائب بالتفل ليطرح ما عساه ألقاه الشيطان في فيه أو لما مسه من ريقه إن كان دخل قوله: والحمد للعاطس الأبيات، معناه أنه يندب أو يسن لمن عطس أن يحمد الله ﷾، ويندب له الجهر به ليسمعه من يشمته، ويؤمر من سمعه يحمد أن يشمته، وكذا إن لم يسمعه وسمع من يشمته، والتشميت أن يقول له: يرحمك الله، فإذا شمته أمر العاطس أن يدعو له بالمغفرة أو الهداية وصلاح البال بأن يقول له: يغفر الله تعالى لي ولكم، (^٣) أو يهديكم الله تعالى ويصلح بالكم، (^٤)
_________________
(١) رواه مسلم وأبو داود والدارمي والإمام أحمد.
(٢) رواه مسلم والترمذي والإمام أحمد.
(٣) رواه البخاري في الأدب المفرد، وحديثه صحيح.
(٤) رواه البخاري وأبو داود والترمذي وابن ماجة والدارمي والإمام أحمد ..
[ ١٠٤٠ ]
كما في الحديث الشريف، وروى مالك في الموطإ عن ابن عمر - رضي الله تعالى عنهم أجمعين - أنه كان يقول: يرحمنا الله تعالى وإياكم، ويغفر لنا ولكم، قال القاضي عياض - رحمه الله تعالى ـ: اختلف العلماء في كيفية الحمد والرد، واختلفت فيه الآثار، فقيل: يقول: الحمد لله، وقيل: الحمد لله رب العالمين، وقيل: الحمد لله على كل حال، وقال ابن جرير: هو مخير بين هذا كله، وهذا هو الصحيح، وأجمعوا على أنه مأمور بالحمد، قال: واختلفوا في رد العاطس على المشمت، فقيل: يقول: يهديكم الله تعالى ويصلح بالكم، وقيل: يقول: يغفر الله تعالى لنا ولكم، وقال مالك والشافعي يخير بين هذين، وهذا هو الصواب، وقد صحت الأحاديث بهما.
[ ١٠٤١ ]
فإن لم يحمد العاطس فلا يشمت، للنهي عن ذلك في الحديث الشريف، (^١) قال القرطبي - رحمه الله تعالى -: وأقل درجاته أن يكون مكروها عقوبة له على غفلته عن الحمد، ولا خلاف أعلمه أن من لم يحمد الله - ﷾ - لا يشمت، نقله الحطاب - رحمه الله تعالى - في حاشيته، وإذا تكرر العطاس ففي مختصر الوقار: وينتهي التشميت إلى الثلاث، فإن جاوز ذلك في فور، حمد الله ﷾ في نفسه، وسقط عمن سمعه التشميت، وينبغي للعاطس تغطية وجهه حال العطاس، وخفض صوته، (^٢) واختلف في حكم التشميت فقيل فرض عين، وهو ظاهر عبارة الشيخ - رحمه الله تعالى - وقيل فرض كفاية، وشهره في الإكمال، وقيل مستحب، وإلى ذلك ذهب القاضي أبو محمد بن نصر - رحمه الله تعالى - ونقل الحطاب في حاشيته عن النووي - رحمهما الله ﷾ - أنه سئل عن الذي يقول الناس عند الحديث إذا عطس إنسان أنه تصديق للحديث، هل له أصل؟ فقال: نعم له أصل أصيل، روى أبو يعلى الموصلي في مسنده بإسناد حسن جيد عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم -: " من حدث حديثا فعطس عنده فهو حق " كل رجال إسناده ثقات متقون إلا ابن الوليد فمختلف فيه، وأكثر الحفاظ والأئمة يحتجون بروايته عن الشاميين، وهو يروي هذا الحديث عن معاوية بن يحيى الشامي.
٢٢٦٨ - ولعب الشطرنج والنرد انحظل لكن على لاعبها السلام حل
٢٢٦٩ - أما جلوسك إليه فكُرِهْ والكره أيضا هو حكم نظره
٢٢٧٠ - وبالسهام في الرماية يحلْ تسابق كالخيل أيضا والابل
٢٢٧١ - لو أخرجا جعلا إذا ما أدخلا معَهما عندئذ محللا
٢٢٧٢ - فابن المسيب لذا أحلا لا مالك فقد رءاه حظْلا
_________________
(١) روى مسلم والإمام أحمد " فإن لم يحمد الله تعالى فلا تشمتوه ".
(٢) روى أبو داود والترمذي والإمام أحمد أن النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - كان إذا عطس وضع يده أو ثوبه على جبهته وغض بها صوته، وهو حديث حسن صحيح.
[ ١٠٤٢ ]
٢٢٧٣ - فالجعل في السباق عنده منع ما لم يكن من اَجنبي قد دفع
٢٢٧٤ - أو واحد منهم على أنْ إنْ سبق غيرٌ يكن لذلك الجعل استحَقْ
٢٢٧٥ - وحيث يسبق الذي دفع كان لمن يليه أو لحاضر المكان
لعب النرد غير جائز، للأحاديث الصحيحة الصريحة في منعه، (^١) وكره مالك - رحمه الله تعالى - اللعب بالشطرنج، وقال إنه ألهى من النرد، قال ابن رشد - رحمه الله تعالى -: اللعب بالشطرنج وما كان في معناه يلهي عن العبادات، ويشغل عن ذكر الله - سبحانه وتعالي - والمحافظة على الصلوات، ويؤدي الإدمان على ذلك إلى القمار، والأيمان الكاذبة، وذلك كله فسوق، فمن أدمن اللعب به كان ذلك قدحا في إمامته وشهادته، فقد كان عبد الله بن عمر - رضي الله تعالى عنهما - إذا رأى أحدا من أهله يلعب بالنرد ضربه وكسرها، وبلغ عائشة - رضي الله تعالى عنها - أن أهل بيت في دارها كانوا سكانا عندهم نرد، فأرسلت إليهم فيها: لئن لم تخرجوها لأخرجنَّكم من داري، وأنكرت ذلك عليهم. (^٢)
وسئل مالك - رحمه الله تعالى - هل يسلم على القوم يلعبون بها؟ قال: نعم، هم أهل الإسلام، وتأوله ابن رشد - رحمه الله تعالى - على من شأنهم لعبها، وأما المتلبسون بذلك في الوقت فلا يسلم عليهم، لأنهم متلبسون بمعصية، ويتجه مثل ذلك في كراهة الجلوس إليهم والنظر، وظاهر كلامهم أن المراد فيهما اللاعب بالفعل، ووجه بالاختلاف في منع لعبها.
_________________
(١) كحديث مسلم وأبي داود وابن ماجة والإمام أحمد " من لعب بالنردَشير فكأنما صبغ يده في لحم حنزير ودمه ".
(٢) رواه الإمام مالك في الموطإ.
[ ١٠٤٣ ]
قوله: وبالسهام في الرماية الأبيات، أشار به إلى أن السباق بجعل جائز عند مالك - رحمه الله تعالى - في الخيل والإبل، وفي الرمي بالسهام، على التفصيل الذي تضمنته الأبيات، وفي الحديث " لا سبق إلا في خف أو نصل أو حافر " (^١) ويقع السباق في هذه الأشياء بجعل على وجوه، منها ما هو جائز باتفاق، ومنها ما هو ممنوع باتفاق، ومنها ما هو مختلف فيه، أما المتفق على جوازه فأشار إليه بقوله: فالجعل عنده الأبيات الثلاثة، وأما المختلف فيه فأشار إليه بقوله: لو أخرجا جعلا إذا ما أدخلا البيت، وأشار إلى المتفق على منعه بمفهومه، ومعنى قوله: فالجعل في السباق الأبيات أن مالكا - ﵀ ﷾ - إنما يجوز عنده السباق إذا كان مخرج الجعل من غير المتسابقين، بأن أخرجه متبرع، أو أخرجه أحدهما على أنه لا يعود إليه، بل إن سبق غيره أخذه، وإن سبق هو كان للذي يليه إن كان معهما ثالث، أو لحاضر السباق إن لم يكن معه إلا واحد، وقوله: لو أخرجا جعلا البيتين، معناه أن السباق بجعل يخرجانه جائز عند ابن المسيب - رحمهما الله ﷾ - إذا أدخلا معهما ثالثا يمكن أن يسبقهما، فإن لم يكن معهما ثالث منع باتفاق، واختلف قول مالك - ﵀ ﷾ - إذا كان المخرج أحدهما فقط، وأخرجه على أنه إن سبق رجع في جعله، وإن سبق غيره أخذه، وأجاز ذلك ابن المسيب - رحمهما الله ﷾ -.
٢٢٧٥ - وما بطيبة من الحيات يُؤذَن قبل القتل في مرات
٢٢٧٦ - ثلاثة بكل يوم مرَّهْ وقيل تُؤذَنُ بكل ظَهْرَهْ
٢٢٧٧ - وإن بغير طيبة من المُدُنْ تُؤذَنْ كذلك فذلك حسن
٢٢٧٨ - بعكس ما يظهر في الصحراء فذاك يقتل بلا استيناء
٢٢٧٩ - لا تقتلنْ بالنار كَرها قملا وذاك في البرغوث أيضا يُقلى
٢٢٨٠ - والنمل إن آذت ولم يقدر على ترْك لها مجوز أن تقتلا
_________________
(١) رواه أبو داود والترمذي والنسائي والإمام أحمد، وهو حديث صحيح.
[ ١٠٤٤ ]
٢٢٨١ - والقتل للضفدع ليس ينبغي وأمر النبي بقتل الوزغ
٢٢٨٢ - صلى وسلم عليه الله والال والصحب ومن تلاه
قوله: وما بطيبة الأبيات الأربعة، معناه أن ما يظهر من الحيات في المدينة المنورة يؤمر وجوبا أن يؤذن قبل أن يقتل ثلاثا لما في الحديث " إن بالمدينة جنا قد أسلموا فإذا رأيتم منهم شيئا فآذنوه ثلاثة أيام، فإن بدا لكم بعد ذلك فاقتلوه، فإنما هو شيطان " (^١) وجاء استثناء ذي الطفيتين والأبتر، لأنهما يطمسان البصر، ويستسقطان الحبَل (^٢) وجاء عن مالك - ﵀ ﷾ - أنه يكفي في الاستئذان أن يقال: أحرج عليكن بالله تعالى واليوم الآخر، ألا تبدوا لنا، ولا تؤذوننا، والمعول أن ذلك في ثلاثة أيام، مرة في كل يوم، وقيل تستأذن في ثلاث خرجات، في كل خرجة مرة، وقيل تستأذن ثلاثا في خرجة واحدة، وأما غير المدينة المنورة بأنواره صلى الله تعالى عليه وسلم من المدن فيستحب ذلك فيه، لاحتمال الحديث، وأما الحيات التي تظهر بالصحراء فلا يستأذن منها شيء، بل تقتل عند أول ظهرة.
قوله: لا تقتلن بالنار البيت، أشار به إلى أن قتل النمل والبرغوث مكروه عند مالك - رحمه الله تعالى - قال: وهذه مثلة، وسئل - ﵀ ﷾ - عن النمل يؤذي السقف، قال: إن قدرتم أن تمسكوا عنها فافعلوا، وإن أضرت بكم ولم تقدروا على تركها فأرجو أن يكون من قتلها في سعة.
_________________
(١) رواه مسلم والإمام مالك.
(٢) متفق عليه.
[ ١٠٤٥ ]
وفي الحديث أنه صلى الله تعالى عليه وسلم نهى عن قتل أربع من الدواب النملة والنحلة والهدهد والصرد، (^١) ودليل قول النملة (لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون) أنهم لو شعروا بهم لم يفعلوا ذلك، وفي الصحيح أن نبيا من الأنبياء - على نبينا وعليهم أفضل الصلاة وأتم التسليم - قرصته نملة، فحرق قرية النمل، فأوحى الله - ﷾ - إليه " أفي أن قرصتك نملة أحرقت أمة من الأمم تسبح " (^٢) قال سيدي زروق - ﵀ ﷾ -: فأخذ منه العلماء جواز حرق النمل إذا آذت، وأن تركها أحسن.
قوله: والقتل للضفدع ليس ينبغي، معناه أنه لا ينبغي قتل الضفدع، وقد جاء في الخبر أن طبيبا سأل النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - عن جعلها في دواء، فنهى عن قتلها (^٣) قوله: وأمر النبي صلى الله تعالى عليه وسلم بقتل الوزغ، معناه أن النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - أمر بقتل الوزغ، (^٤) ففي حديث الصحيح " من قتل وزغة في أول ضربة، فله كذا وكذا حسنة، ومن قتلها في الضربة الثانية فله كذا وكذا حسنة، لدون الأولى، وإن قتلها في الضربة الثالثة فله كذا وكذا حسنة، لدون الثانية، (^٥) وفي الصحيح أنها كانت تنفخ النار على سيدنا إبراهيم - على نبينا وعليه أفضل الصلاة وأتم التسليم -. (^٦)
٢٢٨٣ - والفخر بالآباء والتكبر كلاهما جهل وأمر منكر
٢٢٨٤ - وما من الأنساب وصْل الرحم به يكون علمه قد اعتُمي
٢٢٨٥ - وجهل ما زاد على ذا يسع وعلمه ليس بعلم ينفع
٢٢٨٦ - ومالك كره رفْعَه بما منه على الإسلام قد تقدما
_________________
(١) رواه أبو داود وابن ماجة والدارمي والإمام أحمد، وهو حديث صحيح.
(٢) متفق عليه.
(٣) رواه أبو داود والنسائي والإمام أحمد، وهو حديث صحيح.
(٤) متفق عليه من حديث أم شريك - رضي الله تعالى عنها ـ.
(٥) رواه مسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجة.
(٦) رواه البخاري والنسائي وابن ماجة.
[ ١٠٤٦ ]
قوله: والفخر بالآباء البيت، معناه أن الفخر بالآباء والتكبر بذلك جهالة من فاعله، وأمر محرم، لأنها كبر، وفي الحديث " لينتهين أقوام يفتخرون بآبائهم الذين ماتوا، إنما هم فحم جهنم، أو ليكونن أهون على الله ﷾ من الجُعَل الذي يُدَهْدِهُ الخِراء بأنفه، إن الله تعالى أذهب عنكم عُبِّيَّة الجاهلية وفخرها بالآباء، إنما هو مؤمن تقي، وفاجر شقي، الناس كلهم بنوا آدم وآدم خلق من تراب " (^١) وجاء أن أبا ذر - رضي الله تعالى عنه - سابب رجلا أمه أعجمية وعيره بها، فقال صلى الله تعالى عليه وسلم: " إنك امرؤ فيك جاهلية " (^٢) قوله: وما من الأنساب البيت، أشار به إلى ما جاء في الحديث " تعلموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم، فإن صلة الرحم محبة في الأهل، مثراة في المال، منسأة في الأجل " رواه الحاكم فى المستدرك، وقال: صحيح الإسناد، (^٣) وجاء موقوفا على عمر - رضي الله تعالى عنه -، قال ابن ناجي: قال التادلي - رحمهما الله ﷾ -: يريد وجوبا، لأن صلة الرحم واجبة فوسيلته كذلك.
وقد يقال إنه ليس كل رحم يجب وصلها، فالأوجه حينئذ اختلاف حكمه والله ﷾ أعلم.
قوله: وجهل ما زاد البيت، معناه أن علم ما زاد على ذلك من الأنساب علم لا ينفع، والجهل به جهل لا يضر، فهو فضول فلا ينبغي الاشتغال به.
_________________
(١) رواه أبو داود والترمذي والإمام أحمد، وهو حديث حسن.
(٢) متفق عليه.
(٣) ورواه الترمذي والإمام أحمد، وهو حديث صحيح.
[ ١٠٤٧ ]
قوله: ومالك كره رفعه البيت، أشار به إلى قول مالك - ﵀ ﷾ -: وأكره أن يرفع في النسبة في ما قبل الإسلام من الآباء، وفي الحديث " انتسب رجلان على عهد موسى - على نبينا وعليه أفضل الصلاة وأتم التسليم - فقال أحدهما: أنا فلان بن فلان - حتى عد تسعة - فمن أنت لا أم لك؟ قال: أنا فلان بن فلان ابن الإسلام، فأوحى الله ﷾ إلى موسى - على نبينا وعليه أفضل الصلاة وأتم التسليم - " إن هذين المنتسبين، أما أنت أيها المنتمي أو المنتسب إلى تسعة في النار، فأنت عاشرهم، وأما أنت يا هذا المنتسب إلى اثنين في الجنة، فأنت ثالثهما في الجنة ". (^١)
٢٢٨٧ - ولا يفسر الْمَراءِ جاهل تعبيرها فذاك أمر يحظل
٢٢٨٨ - ولا يعبر بخير ما على شر يكون عنده مؤولا
٢٢٨٩ - وجائز إنشادك الشعر ولـ ـكن حيث ما يخف كان أجملا
٢٢٩٠ - لا تكثرنْ منه ولا تنشغل به فليس ذاك شأن الفاضل
_________________
(١) رواه الإمام أحمد بإسناد رجاله ثقات.
[ ١٠٤٨ ]
قوله: ولا يفسر المراء البيت، معناه أنه لا يجوز أن يعبر الرؤيا من لا علم له بذلك، ولا يختص ذلك بالرؤيا، فلا يجوز للمرء أن يتكلم في شيء لا علم له به، فقد قال ﷾: (ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا) وفي جامع ابن أبي زيد أنه قيل لمالك - رحمهما الله ﷾ -: أيفسر الرؤيا كل أحد؟ قال: أبالنبوءة يلعب؟ وقال: قال مالك - ﵀ ﷾ -: لا يعبر الرؤيا إلا من أحسنها، فإن رأى خيرا أخبره، وإن رأى مكروها فليقل خيرا، أو ليصمت، قيل: فهل يعبرها على الخير وهي عنده على المكروه، لقول من قال: إنها على ما أولت؟ فقال: لا، والرؤيا من أجزاء النبوءة، فيتلاعب بأمر من أمور النبوءة، وقد قال الصديق - رضي الله ﷾ عنه - في رؤيا عائشة - رضي الله ﷾ عنها - لما مات رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم -: هذا أحد أقمارك وهو كبيرها، وتلك العبارة عنده، وكره أن يتكلم أولا، وقال خيرا، ولو كان أحد ينبغي له أن يصرف التأويل إلى غير وجهه، لما يتقي، لصرف ذلك أبو بكر الصديق - رضي الله ﷾ عنه - بتأويل يقي به رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - ولكن لم ير ذلك جائزا، وقال: خيرا إن شاء الله ﷾، وسكت وإلى هذا أشار بقوله: ولا يعبر بخير ما على البيت.
[ ١٠٤٩ ]
قوله: وجائز إنشادك الشعر البيتين، معناه أن إنشاد الشعر جائز، فقد أنشد بين يديه صلى الله تعالى عليه وسلم، وأنشده الصحابة رضي الله تعالى عنهم أجمعين، واستنشدوه، وتمثلوا به، وأعيان التابعين، وأعيان علماء الأمة على مر العصور، وذلك معلوم ضرورة لا يحتاج إلى استشهاد عليه، لكن لا ينبغي الانشغال به والإكثار منه، وفي جامع ابن أبي زيد: سئل مالك - رحمهما الله ﷾ - عن إنشاد الشعر؟ قال: يخفف منه ولا يكثر، ومن عيبه أن الله ﷾ يقول: (وما علمناه الشعر وما ينبغي له)
وجاء عن الشافعي - ﵀ ﷾ - أنه قال:
لولا الشعر بالعلماء يُزري لكنت اليوم أشعر من لبيد
وجاء عن الطرطوشي - ﵀ ﷾ -: أنه قال في توجيه الكراهة: لأن أطيبه أكذبه نقله ابن ناجي - ﵀ ﷾ -.
وفي الصحيح " لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحا يَرِيه، خير من أن يمتلئ شعرا ". (^١)
٢٢٩١ - والعلم بالدين وبالشرع على كل العلوم باتفاق فضلا
٢٢٩٢ - والشغل في تحصيله أزكى عمل إن كان ذلك لوجه الله جل
٢٢٩٣ - إذ هو قائد إلى الخيرات وهْو الوسيلة إلى النجاة
٢٢٩٤ - والعلما أفضلُهم من كانا لربه أشدَّهم خِشيانا
٢٢٩٥ - وفي اللجا إلى الكتاب والخبر وعمل الهداة ممن قد غبر
٢٢٩٦ - من الضلال كلِّه والبدع مَنجى، وعصمة وخيرُ مَفزع
٢٢٩٧ - وليس بالجائز أن تسلك ما خرج عن أقوال من تقدما
_________________
(١) متفق عليه.
[ ١٠٥٠ ]
قوله: والعلم بالدين الأبيات الثلاثة، معناه أن الاشتغال بعلوم الشريعة من أفضل القرب، وأعظم الطاعات، وقد تقدم الكلام على ذلك، وقد قال ﷾: (يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤتى الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا) وقال ﷾: (يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات) وقال صلى الله تعالى عليه وسلم: " من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين " (^١) وقال: " إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة، إلا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له " (^٢) وجاء في الخبر أيضا " من سلك طريقا يطلب فيه علما سلك الله ﷾ به طريقا من طرق الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها رضى لطالب العلم، وإن العالم ليستغفر له من في السموات ومن في الأرض والحيتان في جوف الماء، وإن فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب، وإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما، ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر " (^٣) وهذا حيث كان طلبه لوجه الله ﷾ ففي الحديث " من تعلم علما مما يبتغى به وجه الله ﷿ لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضا من الدنيا لم يجد عَرف الجنة يوم القيامة " (^٤)
_________________
(١) متفق عليه.
(٢) رواه مسلم وأبو داود والترمذي والدارمي والإمام أحمد.
(٣) رواه أبو داود والترمذي وابن ماجة والإمام أحمد، وهو حديث صحيح.
(٤) رواه أبو داود وابن ماجة والإمام أحمد، وهو حديث صحيح ..
[ ١٠٥١ ]
قوله: والعلما أفضلهم البيت، معناه أن أفضل العلماء أكثرهم خشية لربه، وكذلك غيرهم، فبالخشية أنيط حصول المقامات العظيمة في الآخرة، قال ﷾: (ولمن خاف مقام ربه جنتان) وقال ﷾: (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البريئة جزاؤهم عند ربهم جنات عدن تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك لمن خشي ربه) قال سيدي زروق - رحمه الله تعالى -: وكون أقرب العلماء إلى الله ﷾ أكثرهم خشية، هو الذي شهدت به شواهد السنة، قال الله ﷾: (إنما يخشى الله من عباده العلماء) وقال ابن عطاء الله في الحكم: خير العلم ما كانت الخشية معه، العلم إن قارنته الخشية فلك، وإلا فعليك، قال في لطائف المنن: فشاهد العلم الذي هو مطلوب لله ﷾ الخشية لله ﷾، وشاهد الخشية موافقة الأمر، أما علم تكون معه الرغبة فى الدنيا، والتملق لأربابها، والجمع، والادخار، والمباهات، والاستكثار، وإيثار الدنيا، ونسيان الآخرة، فما أبعد من هذا علمه أن يكون من ورثة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
قوله: وفي اللجا البيتين، معناه أن الرجوع إلى القرآن الكريم، والسنة النبوية المطهرة، وإجماع الأمة المرحومة، أمان من الزيغ، ونجاة من الأهواء، وعصمة من البدع، وقد قال صلى الله تعالى عليه وسلم: " من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد " (^١) وجاء عن عمر بن عبد العزيز - رضي الله ﷾ عنهما - أنه قال: سن رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - وولاة الأمر من بعده سننا، الأخذ بها تصديق لكتاب الله ﷾، واستكمال لطاعة الله ﷿، وقوة على دين الله ﷾، من عمل بها مهتديا هدي، ومن استنصر بها منصور، ومن خالفها اتبع غير سبيل المؤمنين، وولاه الله تعالى ما تولى.
_________________
(١) متفق عليه.
[ ١٠٥٢ ]
قوله: وليس بالجائز البيت، معناه أنه لا يجوز أن يخرج في فهم الشريعة عما كان عليه الأولون، فهم أعرف باللسان، وأحرص على الخير، وأقعد بالأمر، وأبعد من الزيغ، وعند الشاهد ما ليس عند الغائب، فعلى طريقهم العمل، وعلى فهمهم المعول، وقد جاء عن النخعي - ﵀ ﷾ - أنه قال: لو رأيت الصحابة يتوضؤون إلى الكوعين لتوضأت كذلك، وأنا أقرؤها (إلى المرافق) وذلك لأنهم لا يتهمون في ترك السنن، وهم أرباب العلم، وأحرص خلق الله ﷾ على اتباع رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - ولا يظن ذلك بهم إلا ذو ريبة في دينه والله ﷾ ولي التوفيق.
٢٢٩٨ - والحمد لله الذي أتما مرامنا حمدا أريجا جما
٢٢٩٩ - نحمده سبحانه بعَدِّ نعمه كلا أتم الحمد
٢٣٠٠ - سبحانه فما لنا من طاقة بشكره على إلى دقيقة
٢٣٠١ - وشكره جل على الإيمان فحسبُ ما لنا به يدان
٢٣٠٢ - صلى على وسيلة المحتاج ملاذنا سراجنا الوهاج
٢٣٠٣ - بيت القصيدة وقطب الدائره ركن الندى بحر البحور الزاخره
٢٣٠٤ - شفيع كل سابق وغابر قبلة عاف، أمل المنكسر
٢٣٠٥ - صل عليه يا إلاهي أكملا ما من صلاتك له قد سئلا
٢٣٠٦ - وسلمنّ هكذا سلاما يجري عليه معَها دواما
٢٣٠٧ - والال والأصحاب معْ قُفاة آثارهم من سابق وآتي
٢٣٠٨ - واقض به حوجاءنا جميعا وصيرنَّه لنا شفيعا
٢٣٠٩ - والحمد لله على الدوام صلى على نبيه الختام
أريجا، أي: فائحا بالعطر، والطاقة: القدرة، والدقيقة: جزء من ستين جزءا من الساعة، التي هي جزء من أربعة وعشرين جزءا من ليلة ونهارها، وقوله: يدان، معناه طاقة وقدرة، قال:
حمِّلتُ زفْرات الضحى فأطقتها وما لي بزفرات العشي يدان
[ ١٠٥٣ ]
والوهاج: الوقاد، وبيت القصيدة: سر الشيء والمقصود منه، وقطب الدائرة: مركزها الذي تدور عليه، وركن الشيء: محل قوته وشدته، والندى بفتح النون: الجود والكرم، والغابر: لفظ مشترك بين السابق والآتي، وهو المراد هنا، فهو من الأضداد، والقبلة: الوجهة، والعافي: طالب الفضل والنوال، والأمل: الرجاء، والمنكسر: الذليل، والقفاة: جمع قاف كغاز وغزاة، وقاض وقضاة، من قفاه إذا اتبعه، والحوجاء: الحاجة، والشفيع: مِن شفع له إذا سعى له، جمعه شفعاء، وهذا آخر ما يسر الله ﷾ بواسع فضله، وعظيم إحسانه، من هذا الشرح الميمون، وذلك عشية الاثنين، منسلخ رجب، من سنة إحدى وأربعين وأربعمائة وألف، من هجرته صلى الله تعالى عليه وسلم، الموافق لسبع بقين من أذار، سنة عشرين وألفين، وصلى الله تعالى وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله، وأزواجه، وذريته، وصحبه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، والحمد لله الذي بنعمته وجلاله تتم الصالحات، سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
تمت مقابلة هذا الجزء المرة الأولى عشية الأحد الرابع من شهر شوال، وتمت مقابلته المرة الثانية عشية الأحد العاشر من ذي القعدة، من عام اثنين وأربعين وأربعمائة وألف من هجرته صلى الله تعالى عليه وسلم بمحروسة كيف في ثلاثين مجلسا، والحمد لله رب العالمين.
[ ١٠٥٤ ]