باب الشيء: ما يدخل منه إليه، حقيقة في الأجسام، مجاز في المعاني، جمعه: أبواب، وقوله: باب، هو خبر مبتدإ تقديره هذا، والباب في الاصطلاح: اسم لطائفة من مسائل العلم المقصود يجمعها معنى، وما: اسم موصول في محل جر بالإضافة، وصلته الجملة بعده، والوجوب: مصدر وجب الشيء يجب وَجْبا ووُجوبا ووَجْبة وجِبة: لزم وثبت، والوضوء - قال في تنبيه الطالب - بضم الواو: اسم لفعل المتوضئ، وهو إمرار الماء على الأعضاء، وبفتحها: اسم للماء، وهو المشهور، وحكى العكس الجوهري وصاحب المطالع وغيرهما، وقيل بالفتح فيهما، وحكي الضم وهو شاذ، وهو مشتق من الوضاءة، وهي النظافة والحسن، يقال: فلان وضيء الوجه أي: نظيفه وحسنه نقله في شفاء الغليل قال: والمِيضَأة والمِيضاءة على مِفعلة ومِفعالة بكسر الميم فيهما: المِطهرة التي يتوضأ فيها أو منها، والصحيح أن الوضوء ليس من خصائص هذه الأمة، وإنما اختصت بالغرة والتحجيل، والجمهور على أن شرعه كان مع شرع الصلاة، ومن المعلوم أنها شرعت ليلة الإسراء، وقال ابن الجهم شرع في أول الإسلام ثم فرض بآية الوضوء.
وسمي الوضوء وضوءا لوضاءة مدمنه في ما يظهر.
[ ١٨ ]
والغسل - قال النووي رحمه الله تعالى في تهذيب الأسماء واللغات - بالفتح: مصدر غسل الشيء غسلا، والغِسل بالكسر: ما يغسل به الرأس من سدر وخطمى ونحوهما، والغسل بالضم: اسم للاغتسال واسم للماء الذي يغتسل به، وهو أيضا جمع غَسول - بفتح الغين - وهو ما يغسل به الثوب من أشنان ونحوه، وفي حديث ميمونة - رضي الله تعالى عنها - أدنيت لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم غُسلا من الجنابة (^١) وفي حديث قيس بن سعد - رضي الله تعالى عنه أتانا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فوضعنا له غُسلا (^٢) الغسل في هذين الحديثين مضموم الغين، والمراد به الماء الذي يغتسل به، وهذا الذي قلناه من الضم في هذين الحديثين مجمع عليه عند أهل الحديث والفقه وغيرهم، وأما قول ابن باطيش إنه مكسور الغين فخطأ، نقله في شفاء الغليل.
والغسل من الجنابة كان معروفا في الجاهلية وقد نقل أهل السير أن أبا سفيان - رضي الله تعالى عنه - نذر أن لا يمس رأسه ماء من جنابة حتى يغزو محمدا صلى الله تعالى عليه وسلم وأصحابه رضي الله تعالى عنهم أجمعين.
٣٨ - ويجب الوضو بكل نازل أُلِف من دُبُر أو من قُبُل
٣٩ - من بولٍ اَو من ريحٍ اَو من ودي يكون أو من غائط أو مذي
٤٠ - والمذي يات بالتذاذ صغرا بأن يقبل أوَ اَن يباشرا
٤١ - وهْو رقيقٌ اَبيضٌ وعمما منه بغسل ذكَرا تحتما
٤٢ - والودي ماء خاثر يجي ورا بول، وحكمه كحكمه جرى
_________________
(١) رواه الشيخان وغيرهما
(٢) رواه الإمام أحمد رحمه الله تعالى وإسناده ضعيف.
[ ١٩ ]
قوله: ألف معناه: اعتيد، والودي - بإسكان الدال المهملة وحكى الجوهري كسرها وتشديد الياء ـ: ماء أبيض بياضا دون بياض المذي، خاثر خثارة دون خثارة المني لا رائحة له، يخرج عقب البول إذا كانت الطبيعة مستمسكة، أو عند حمل شيء ثقيل، وقد يخرج قبل البول، أو معه، أو وحده، والفعل منه ودي - مخففا ومشددا -وأودى بالهمز، وأحكامه كأحكام البول، وهي أربعة: أنه نجس، ووجوب الاستبراء منه، والاستجمار أو الاستنجاء، والوضوء.
[ ٢٠ ]
والغائط في الأصل: المكان المطمئن، كنوا به عن الفضلة على عادة العرب في التكنية عما تكره التصريح به، من باب تسمية الشيء بمحله، والمذي - كظبي وتقي وبكسر الذال وتسكين الياء، والفعل منه مذّى مشددا وأمذى بالهمز ـ: ماء أبيض رقيق يخرج عند اللذة الصغرى بالقبلة والفكر، ويباشر: فعل من المباشرة، وهي الملامسة، أصلها من لمس بشرة الرجل بشرة المرأة، وقد تطلق على الجماع، ويجب بالمذي الخارج عن لذة غسل الذكر كله على المشهور، وهو قول المغاربة لظاهر الحديث الشريف " يغسل ذكره ويتوضأ " (^١) وقال العراقيون يكفي غسل موضع الأذى تأولا للحديث الشريف على ذلك، واختلف على الأول هل يفتقر غسل الذكر لنية وهو المشهور بناء على أنه تعبد، لأنه لما أوجب غسل زائد على موضع الأذى كان في معنى الحدث، وبه قال الشيخ أبو العباس الإبَّياني، أو لا يفتقر إليها وبه قال الشيخ أبو محمد بن أبي زيد - رحمهما الله تعالى - بناء على أن الغسل لقطع المادة لا تعبد، ولا يعترض بالأمر بالتعميم ولو طال الوقت؛ لأن المعلل بالمظنة لا يتخلف، واختلف عليه أيضا إذا اقتصر على موضع الأذى وصلى، فقال الإبَّياني يعيد أبدا، وقال يحيى بن عمر لا إعادة عليه، وقيل يعيد في الوقت، قاله ابن ناجي - رحمه الله تعالى - ووجه الأول تضعيف مُدرك عدم وجوب التعميم، ووجه الثاني عكسه، ووجه الثالث التوسط بين الأمرين، فعول وجوب التعميم فلم يسقط الإعادة، واعتبر مقابله فلم يأمر بالإعادة بعد الوقت.
ومعنى الأبيات أن الوضوء ينتقض بما خرج من أحد السبيلين، بشرط الاعتياد نوعا ووقتا ومخرجا، فخرج بالخارج ما لم يخرج، فلا وضوء في حقنة مثلا، ومن أهل العلم من عدها ناقضا، قال في المقدمات: وليس بصحيح، قال: إذ لو ارتفعت بعد وجودها لما لزم الوضوء منها.
_________________
(١) متفق عليه، واللفظ لمسلم.
[ ٢١ ]
وخرج بالاعتياد في النوع خروج الحصى المتولد في البطن، والدود، والقيح من أحد السبيلين، وخروج الدم من غير قبل المرأة، فلا ينقض شيء من ذلك، ولو صاحبه أذى أو بِلة على المشهور، خلافا لابن عبد الحكم حيث نقض بذلك مطلقا، ولابن نافع حيث نقض بما صاحبه أذى أو بلة.
واختلف في الهادي، وهو الماء الذي يخرج من الحامل قرب وضعها، ففي سماع عيسى ابن القاسم أنه كبولها، ويؤيده إلحاق الودي بالبول، مع الشك في تجرد ذلك عن البول، وسمع القرينان فيه أنه لا ينقض واستظهره ابن رشد، وفي معنى الهادي القصة، وأما الحصاة التي قد ابتلعها فخروجها ناقض، وأما الدم من قبل المرأة فهو إما حيض أو استحاضة، وسيأتي الكلام عليهما إن شاء الله تعالى.
وخرج بالاعتياد في الوقت، ما خرج على وجه السلس، وفيه طريقتان، طريقة العراقيين أنه غير ناقض، ولكن يستحب منه الوضوء إن لم يلازم، وطريقة المغاربة أن المفارق أكثر الزمن ناقض، والمفارق نصفه مختلف فيه، والمشهور استحباب الوضوء منه، والملازم أكثره غير ناقض، ويستحب الوضوء منه إن لم يشق، وهذا كله حيث لم يقدر على رفعه، فإن قدر على رفعه وترك خرج عن الاضطرار، وصار كالمختار، فينقض وسيأتي التصريح بذلك في كلام البرزلي -رحمه الله تعالى -وذلك كسلس مذي يرتفع بتداو أو تسر.
والسلس من سلِس البولُ يسلَس -بكسر اللام في الماضي وفتحها في المستقبل - ومعناه اتصل جريه ومنه السلسلة لاتصال بعضها ببعض، قاله القاضي عياض -رحمه الله تعالى -في التنبيهات.
وقال في الصَّحاح: شيء سلس سهل، ورجل سلس أي: ليِّن منقاد، وفلان سلس البول إذا كان لا يستمسكه، نقله في شفاء الغليل.
وإذا خرج البول على الوجه المعتاد ممن به سلس البول نقض قطعا، قال في التفريع: إذا أمذى صاحب السلس بالعلة مذيا لشهوة، فعليه الوضوء، وكذلك إذا بال صاحب سلس البول بول العادة، فعليه الوضوء.
[ ٢٢ ]
وخرج بالاعتياد في المخرج، الخارج من غير السبيلين مطلقا، وخروج البول من الدبر، أو الغائط من القبل، أو الريح منه، ولو قبل امرأة، وفي معنى المخرجين الثقبة التي تكون تحت المعدة إذا انسد المخرجان، وإلا فقولان.
واختلف في القيء المتغير لأحد أوصاف العذرة، قال ابن عرفة - رحمه الله تعالى - في مختصره: والمستحاضة في وجوب وضوئها لكل صلاة واستحبابه روايتا اللخمي، إلى أن قال: وفي كون القيء المتغير لأحد أوصاف العذرة مثلَها في النقض نقلا اللخمي وصوب الأول.
والخارج المعتاد خروجه من المخرجين هو هذه الأمور الخمسة: البول، والغائط، والريح، والودي، والمذي، وقد جاء النص على النقض بها ما عدى الودي فهو ملحق بالبول، وأشار بعض الشيوخ إلى تناول الغائط في الآية لهذه الأشياء كلها، ورده اللخمي في التبصرة بما هو بين، وعدم النقض بالسلس للمشقة، وقد جاء الخبر بذلك عن عمر رضي الله تعالى عنه (^١) وعدم النقض بالحصى وما معه لخروج الصورة النادرة، وكذلك القول في السلس عند العراقيين، وعدم النقض بالقيء والجشاء ونحوها للأصل.
تنبيه:
ذكر اللخمي - رحمه الله تعالى - في التبصرة أنه سئل عن رجل إن توضأ انتقض وضوءه، وإن تيمم لم ينتقض قال: فرأيت أن صلاته بالتيمم أولى، ورده ابن بشير - رحمهما الله تعالى - بأنه قادر على استعمال الماء، وما يرد عليه يمنع كونه ناقضا، واقتصر ابن عرفة على كلام اللخمي - رحمهما الله تعالى - ولم يحك خلافه، وحكى في الشامل في ذلك عن المتأخرين قولين، قاله الحطاب رحمه الله تعالى.
_________________
(١) روى مالك رحمه الله تعالى في الموطإ عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أنه قال: إني لأجده - يعني المذي - ينحدر مني مثل الخريزة - بالتصغير - فإذا وجد ذلك أحدكم فليغسل ذكره وليتوضأ وضوءه للصلاة. قال ابن عبد البر: روي أن عمر رضي الله تعالى عنه قال: إني لأجده ينحدر مني مثل الجمان، فما ألتفت إليه ولا أباليه.
[ ٢٣ ]
وقد سئل أبو القاسم البرزلي - رحمه الله تعالى - عن الإشكال المورد على جواب اللخمي، فأجاب: الذي ثبت كونه من السلس غير ناقض، هو السلس الذي لا انفكاك للمكلف عنه على الوجوه التي ذكروها، ولا حيلة في رفعه، ولا طهارة تسلم معه، وأما مسألة اللخمي فليس الكائن فيها بهذه الحيثية، لأن المكلف إن لم يتسبب فيه لم يقع، فيمكن له ثبوت الطهارة الترابية مع سلامته منه، والسلس الذي ذكروه لا يمكن ذلك فيه.
وأجاب عن ذلك سيدي محمد بن مرزوق - رحمه الله تعالى - بأجوبة منها أن السلس مرض، فتوقعه بالوضوء مسقط للوضوء، وهذا بين جدا، وانظر كلامه في حاشية الرهوني وجامع المعيار، واختار الجمع بين الوضوء والتيمم، قال: لأن حالة السائل المذكور - وإن كان الراجح معها التيمم كما قدمناه - إلا أن ما ذكرتموه فيها من البحث وشبهه يوجب شكا هل هو من أصحاب السلس الذي يسقط في حقهم الوضوء أم لا.
والله ﷾ أعلم.
٤٣ - والاستحاضة بها ينتقض كما حكاه الشيخ أيضا الوضو
٤٤ - ويندب الوضو بها لكل فرض، كمثل سلس من بول
٤٥ - ويجب الوضوء من زوال ألعقل بالنوم ذي الاستثقال
٤٦ - أو سكر أو جنون اَو إغما معا لمس للذة يكون واقعا
٤٧ - وقبلة كذا بمس الذكر والخلف في مس الإناث للحِر
دم الاستحاضة هو الدم النازل من الرحم لغير حيض ولا نفاس، قال القاضي عبد الوهاب في التلقين: الدماء التي ترخيها الرحم ثلاثة دم حيض، ودم نفاس، ودم علة وفساد، وهو الاستحاضة.
[ ٢٤ ]
والسلس تقدم الكلام على معناه، والعقل: قوة يتمكن الإنسان - بإذن الله تعالى - بواسطتها من التفكير والحكم، وتقابلها الغريزة عند الحيوان، والنوم: غشية تصيب البدن والعقل فتمنع عمل الحواس، والاستثقال: مصدر استثقل الشيء بمعنى ثقل نقيض خف، والسكر: ذهاب العقل دون الحواس مع نشوة وطرب، والجنون فساد في العقل، والإغماء: آفة تعرض للدماغ تعطل القوى المدركة والمحركة حركة إدارة، واللذة: حصول ارتياح لإدراك مشتهى، والقبلة: اللَّثْمة، وقبلة الحمى: بثرة تخرج على فم المحموم، والذكر آلة البول من الرجل، والحر مثله من المرأة، وهو بكسر الحاء وتخفيف الراء وتشدد، أصله حِرِح، وجمعه أحراح وحِرون.
أشار بالبيتين الأولين إلى الوضوء من دم الاستحاضة، وقد اختلف كلام الشيخ فيه حيث عده ناقضا، ثم قال: يندب منه الوضوء كسلس البول، ووفق بين كلاميه بوجوه، أظهرها أنه أراد بالوجوب ما كان انقطاعه أكثر، وبالندب ما كان استرساله أكثر، أو مساويا على الاختلاف المتقدم في السلس، ونقل سيدي زروق عن الباجي -رحمهما الله تعالى -أنه قال إذا ثبت أن دم الاستحاضة لا يجب به غسل فهل يجب به الوضوء؟
والمشهور من المذهب لا يجب. وقد وقع في كثير من الأخبار الصحيحة أمرها بالغسل دون الوضوء.
ونقل ابن ناجي عن ابن عبد السلام - رحمهما الله تعالى -أنه: قال القياس في دم الاستحاضة سقوط الوضوء منه مطلقا، لأن الأصل في الدم ليس هو من نواقض الوضوء فلا مبالاة بقلته ولا بكثرته.
ومقتضى هذا عدم استحباب الوضوء منه كالرعاف، وهو خلاف ما في المدونة، ونصها: ومن اعتراه مذي أو بول المرة بعد المرة لأبْرِدَة أو علة توضأ إلا أن يستنكحه ذلك فيستحب له لكل صلاة من غير إيجاب كالمستحاضة.
وذلك لما روى مالك في الموطإ عن سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير -رضي الله تعالى عنهم أجمعين - من أنها تتوضأ لكل صلاة.
[ ٢٥ ]
هذا ونواقض الوضوء نوعان: أحدهما الأحداث، وهي ما تقدم ذكره في الأبيات قبل، والثاني الأسباب، وهو ما كان مظنة لحصول حدث، وإليها أشار بقوله: ويجب الوضوء من زوال إلخ، ومعنى البيت أن النوم الثقيل موجب للوضوء، ظاهره طال أو قصر، ومقتضى التقييد بالثقل، أن الخفيف لا ينقض طال أو قصر، أما الثقيل الطويل فناقض اتفاقا، وأما الثقيل القصير فناقض على المشهور، وأما الخفيف الطويل فغير ناقض على المشهور، ولكن يستحب منه الوضوء، وأما الخفيف القصير فغير ناقض اتفاقا، وهذا التفصيل طريقة اللخمي - رحمه الله تعالى -، وطريقة القاضي أبي محمد عبد الوهاب - رحمه الله تعالى - أن الثقيل ناقض مطلقا، وغيره ينظر فيه إلى صفة النائم، ونصه في التلقين: فأما النوم المستثقل فيجب منه الوضوء على أي حال كان النائم من اضطجاع أو سجود أو جلوس أو غير ذلك، وما دون الاستثقال يجب منه الوضوء في الاضطجاع والسجود، ولا يجب منه في الجلوس.
وهذا كله على أنه سبب، وهو المعول لما في الحديث الشريف " العين وكاء السه فمن نام فليتوضأ " (^١) وقيل هو حدث وروي عن ابن القاسم، والقول بذلك ناظر إلى أن القيام المذكور في الآية الكريمة من النوم، وأنه عام في كل نوم، وما ذكر من التفصيل ناظر إلى العلة والمعنى في الحديث الشريف " العين وكاء السه " فمقتضاه أن النوم إنما أوجب الوضوء من جهة أنه مظنة للريح، فإذا كان خفيفا بحيث لا يتصور فيه حدوث ريح من غير شعور لم يكن ناقضا، مع ما في الحديث من أنهم كانوا ينتظرون العشاء حتى تخفق رؤوسهم ثم يصلون ولا يتوضؤون، (^٢) والاختلاف في بعض الصور عائد إلى الاختلاف في تحقيق المناط هذا ما يظهر والله ﷾ أعلم.
_________________
(١) رواه أبو داوود وابن ماجه والإمام أحمد واللفظ لابن ماجه، وهو حديث حسن.
(٢) رواه أبو داود عن أنس - رضي الله تعالى عنه - وأصله في الصحيحين.
[ ٢٦ ]
والنوم الثقيل فسره سيدي زروق - رحمه الله تعالى - بقوله: وعلامة الاستثقال سقوط شيء من يده، أو انحلال حبوته، أو سيلان لعابه، أو بعده عن الأصوات المتصلة به، ولا يتفطن لشيء من ذلك.
ومقتضى العلة المتقدمة أنه ما يمكن فيه حدوث حدث من غير انتباه والله ﷾ أعلم.
قوله: أو سكر البيت معناه أن زوال العقل بالسكر ولو بحلال والجنون والإغماء والعته، ناقض للوضوء بلا تفصيل، لما تقدم في حديث الوضوء من النوم، وأن اللمس ناقض إذا كان للذة، وبيان ذلك أن المس الذي هو أعم منه يقع على وجوه، فتارة يقع بقصد اللذة، وتارة يقع دون قصدها، وفي كل إما أن تقع منه لذة أو لا، فإن قصد ووجد نقض اتفاقا، وإن قصد ولم يجد فظاهر المدونة وهو المشهور النقض، وروى أشهب أنه لا ينقض وهذا هو اللمس، وأصل النقض به قوله جل وعلا: (أو لمستم النساء (مع بعض الأخبار، وإن لم يقصد ولم يجد فلا نقض اتفاقا، وفي الصحيح عن عائشة - رضي الله تعالى عنها - قالت كنت أنام بين يدي رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - ورجلاي في قبلته فإذا سجد غمزني. (^١)
وإن لم يقصد ووجد ففيه خلاف والمشهور النقض، لأن ذلك أبلغ من المظنة، والمراد بوجود اللذة وجودها وقت اللمس، وأما وجودها بعده فهو من قبيل الالتذاذ بالفكر، كما نص عليه في اللوامع.
وهذا كله إذا كان الملموس يلتذ به عادة، فخرج لمس الصغيرة والبهيمة ونحو ذلك، واختلف في اللمس من فوق حائل، والذي مشى عليه في التلقين الفرق بين الرقيق وغيره، ونصه: فأما لمس النساء فيجب منه الوضوء إذا كان للذة، قليلا كان أو كثيرا، مباشرا أو من وراء حائل رقيق لا يمنع اللذة، وإن كان صفيقا لم يوجب الوضوء لمنعه اللذة.
_________________
(١) متفق عليه.
[ ٢٧ ]
قال الحطاب: الكلام في الحائل إنما هو بالنسبة إلى اليد، وأما لو ضمها إليه فالحائل كالعدم، كما قاله ابن عرفة - رحمه الله تعالى - زاد الشيخ يوسف بن عمر - رحمه الله تعالى - أو قبض منها.
قال الحطاب - رحمه الله تعالى - يعني بيده.
وهذا التفصيل المذكور في اللامس جار في الملموس أيضا كما في المدونة، ونصها: والمفعول به ذلك، إن التذ توضأ وإلا فلا وضوء عليه.
وقال في التفريع: فإن التذ أحدهما دون الآخر فعليه الوضوء دونه، إلا أن يقبلها في فيها فيجب الوضوء عليه وعليها في كل حال.
وعليه فالصور أربعة: انتقاض وضوئهما معا، وعكسه، وانتقاض وضوء اللامس فقط، وعكسه، والأصل في انتقاض الوضوء باللمس الآية الكريمة كما قدمنا، والتفصيل فيه تخصيص بالعلة، وظاهر الشيخ أن القبلة كاللمس لا تنقض إلا إذا كانت للذة، وهو الذي في التلقين، ونصه: ولا فرق بين اللمس باليد أو الفم أو بغيرهما من الأعضاء إذا وجد اللذة، ولا بين لمس الأعضاء أو الشعر إذا كان هناك لذة، ولا فرق بين الزوجة والأجنبية وذات المحرم.
والمشهور أنها إن كانت على الفم نقضت مطلقا، إذ لا تخلو عن اللذة غالبا، فإن تحقق خلوها لم تنقض، كما لو كانت لوداع أو رحمة، وإن كانت على غير الفم جرت على تفاصيل اللمس.
وأشار بقوله: كذا بمس الذكر، إلى أن مس الذكر ناقض، وقد أطلق الشيخ - رحمه الله تعالى - ذلك هنا لكن سيأتي له في الغسل تقييد ذلك بباطن الكف، وهو نص مالك - رحمه الله تعالى - في المدونة قال ابن القاسم رحمه الله تعالى: وبباطن الأصابع مثله، وجعله ابن رشد - رحمه الله تعالى - تفسيرا لقول مالك، واللخمي خلافا، وجعل أبو بكر الوقار باطن الذراع مثل باطن الكف، وقال بعض العراقيين: إن التذ بمسه بأي عضو نقض وإلا فلا، قال القاضي عبد الوهاب في التلقين: وأما مس الذكر فالمراعى فيه اللذة عند بعض أصحابنا البغداديين، كلمس النساء.
[ ٢٨ ]
وروى ابن وهب - رحمه الله تعالى - إن تعمد مسه نقض وإن نسي فلا شيء عليه، ورُوي أيضا أن الوضوء منه مستحب وليس بواجب، وقيل: إن مس الكَمَرة خاصة نقض وإلا فلا، حكاه الشارقي عن ابن نافع كما في مختصر سيدي ابن عرفة - رحمهم الله تعالى جميعا - والمعول عليه من هذه الأقوال القول الأول لظاهر معنى حديث إيجاب الوضوء من مس الذكر، فإن ظاهر المعنى أن إيجاب الوضوء من مس الذكر خصوصا إنما هو لتوقع اللذة، ولو أريد مطلق المس لنقض مسه إياه بعود أو آلة، كما امتنع ذلك للمحدث في مس القرآن، فتعينت الصيرورة إلى المعهود، والشأن أن ذلك إنما يكون بباطن اليد خاصة.
فإن قيل يرد على عدم إيجاب الوضوء بوجود اللذة من مسه بغير ذلك ما سبق في نقض الوضوء باللمس دون قصد لذة إذا وجدت منه لذة، من أن وجود اللذة أبلغ من ظنها.
أجيب بأن الفرق ندور اللذة في مس الذكر بغير باطن اليد، بل ندور المس بغير باطنها، فالتعلق بالمعنى المعروف والشأن المعهود يوجب النقض في اللمس، إذ وجود اللذة فيه مع عدم القصد كثير معهود، بخلافها في مس الذكر بغير بطن اليد، فهو كلمس الصغيرة والدابة، وذلك هو وجه تخصيص الذكر عن جميع ما سواه من الأنثيين والأرفاغ وغيرها، والله ﷾ أعلم.
هذا ولا يخفى عليك أن الحديث المذكور هو منزع أكثر الأقوال المتقدمة، فهي جارية وراء المعنى الذي يومئ إليه، وأسعدها به إن شاء الله ﷾ المشهور كما بينت والله ﷾ أعلم
واختلف في مس الذكر من وراء حائل، ثالثها ينقض مع الخفيف دون الكثيف، والمعول عدم النقض مطلقا لحديث ابن حبان وغيره " إذا أفضى أحدكم بيده إلى فرجه وليس بينهما ستر ولا حائل فليتوضأ " وهو صحيح من رواية نافع - رحمه الله تعالى - والله ﷾ أعلم.
[ ٢٩ ]
قوله: والخلف في مس الاناث للحر، أشار به إلى أنه اختلف في مس المرأة فرجها فجاء في المدونة أنه لا ينقض، وروى ابن أبي زياد عكسه، وروى ابن أبي أويس الفرق بين أن تلطف فينقض، وأن لا فلا، قال: قلت له: ما ألطفت؟ قال: أن تدخل يديها في ما بين شفريها، ومنهم من رأى ذلك خلافا، ومنهم من جعله وفاقا، فحمل قولي الإطلاق على قول التقييد، وحكى ابن رشد رواية رابعة باستحباب الوضوء، قال في التوضيح: والظاهر رواية ابن زياد إن كانت الروايات مختلفة لما في صحيح ابن حبان عنه صلى الله تعالى عليه وسلم أنه قال: " من مس فرجه فليتوضأ" (^١) والمرأة مثل ذلك، ووجه مذهب المدونة قوله صلى الله تعالى عليه وسلم: " من مس ذكره فليتوضأ (^٢) "
ومفهومه نفي الوضوء من مس غيره، ورد بأنه مفهوم لقب، وزاد الباجي في رواية ابن أبي أويس أنها إن ألطفت وقبضت عليه بيدها.
وعموم " من مس فرجه فليتوضأ " كاف في إيجاب الوضوء على المرأة من مس فرجها، وإن لم يصرح بذكرها كحديث ابن حبان السابق " إذا أفضى أحدكم "
ولا ينتقض الوضوء بمس شيء من البدن غير ما ذكر، قال القاضي عبد
الوهاب: ولا وضوء بمس الأنثيين ولا الدبر، ولا شيء من أرفاغ البدن، وهي مغابنه الباطنة، كتحت الإبطين، وما بين الفخذين، وما أشبه ذلك، ولا من أكل شيء أو شربه، كان مما مسته النار أو مما لم تمسه، ولا من قهقهة في صلاة أو غيرها، ولا من ذبح بهيمة أو غيرها.
واختلف في النقض باللذة عن نظر، قال سيدي ابن عرفة - رحمه الله تعالى - في مختصره: وفي نقض لذة النظر نقلا المازري عن بعض أصحابنا وجمهورهم، الشيخ: قول ابن بكير: ولذة القلب تنقض لا أعرفه انتهى
والظاهر أن النقض بذلك من اعتبار المناسب الغريب.
_________________
(١) رواه النسائي وابن ماجة والدارمي والإمام أحمد وهو حديث صحيح.
(٢) أخرجه مالك رحمه الله تعالى في الموطإ وأصحاب السنن وصححه غير واحد من أئمة الحديث.
[ ٣٠ ]
واختلف في النقض بالإنعاظ البين، قال ابن عرفة: وفي نقض بين الإنعاظ ثالثها إن اختلفت عادته في تعقبه مذي، للباجي عنها، مع نقله عن ابن شعبان، ورواية ابن نافع واللخمي.
واختلف في الشك في الحدث بعد تيقن الوضوء فقيل يجب منه الوضوء وهو الذي في المدونة، وروى ابن وهب عن مالك أنه قال: أحب إليَّ أن يتوضأ، وقال ابن حبيب: إذا خيل إليه أن ريحا خرجت منه فلا يتوضأ، إلا أن يوقن بها، وإن دخله الشك بالحس فلا شيء عليه، قال: بخلاف من شك هل بال أو أحدث فإنه يعيد الوضوء نقله في التوضيح.
وقد شدد بعض أئمة المذهب وبالغ في رد المشهور الذي هو كونه ناقضا، محتجا بحديث الصحيح " فلا ينصرف حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا (^١) " وهذا غير بين، فإن الحديث إن لم يكن حجة للمشهور فليس حجة عليه، وذلك أن الذي يقتضيه أن المصلي ملحق بالموسوس لأن الشيطان يهجم عليه بالتشكيك والتخييل والوسوسة، حتى أنه يفسو بين أليتيه، فألغي في حقه الشك، والتعليل بهذه العلة يتضمن تقريرا على اعتبار الشك الذي ليس نابعا من الوسوسة والتخييل، هذا بالإضافة إلى ما تقرر من اعتبار الشك في طهارة الخبث التي هي أخف اعتبارا من طهارة الحدث حيث أُمر بالنضح فيه، وحكم بالإعادة لتركه، بل عولوا وجوب الغسل به في البدن والبقعة، وبالإضافة إلى أصل الاحتياط الذي دل عليه الشرع في الجملة " دع ما يريبك إلى ما لا يريبك (^٢) " لا سيما إذا تعلق الأمر بأم الدعائم، والله ﷾ أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب.
_________________
(١) متفق عليه.
(٢) رواه الترمذي والنسائي والإمام أحمد وهو حديث صحيح.
[ ٣١ ]
ولا يجوز للمحدث مس القرآن الكريم، لا مصحفا ولا جزءا ولا ورقة ولا لوحا، لما في كتابه صلى الله تعالى عليه وسلم لعمرو بن حزم " أن لا يمس القرآن إلا طاهر (^١) " وخفف مالك - رحمه الله تعالى - في المختصر للصبي مس المصحف الكامل لضرورة التعلم، وكره له ابن حبيب مس الكامل وأجاز له مس الجزء، وفي العتبية: استخف للرجل والصبي يتعلم القرآن إمساك اللوح فيه القرآن على غير وضوء، قال ابن القاسم: وكذلك المعلم يشكل الألواح للصبيان، قال ابن حبيب: يكره ذلك للرجال ويستخف للصبيان مس الأجزاء كالألواح، ويكره مس المصحف الجامع إلا على وضوء، نقله ابن يونس في جامعه.
ونقل عن أشهب أنه روى عن مالك في العتبية: لا أرى لغير متوضئ مس اللوح فيه القرآن.
قال ابن زرقون: هذا غلط نقله من النوادر لا العتبية، قال ابن عرفة: نصها: سمع أشهب: لا يمس الرجل يقرأ القرآن لوحه، ابن رشد: غير المتعلم لسماع ابن القاسم خفته، وفي النوادر عنها: روى أشهب: لا أرى مسه غير متوضئ.
قال ابن عرفة: سبب الغلط، عموم غير متوضئ في الصبي.
وحاصل هذا أن مس الصبي الجزء تعلما جائز اتفاقا من مالك وابن حبيب، وأما الكامل فيجوز له عند مالك خاصة لا ابن حبيب، وأما البالغ فيجوز له عند مالك مس الجزء تعلما، ونقل في النوادر عن ابن حبيب أنه خالف فيه كما نسبه له ابن عرفة، وألحق ابن القاسم بالتعلم التعليم، وقصر ابن حبيب الرخصة على المتعلم دون المعلم، قال في التوضيح: لإمكان أن يصححها - يعني الألواح - غيره وهو ينظر، ولأنه يمكن أن يصحح الألواح في وقت واحد.
قال ابن عرفة: وسمع أبو زيد ابن القاسم: لا بأس بكتب الحائض القرآن في اللوح، وقراءتها فيه للتعلم.
وأما الجنب فلا رخصة له في مس القرآن لا تعليما ولا تعلما، إلا في مسألة الحرز.
_________________
(١) رواه مالك رحمه الله تعالى في الموطإ وهو حديث صحيح.
[ ٣٢ ]
والمتجه في حد الجزء أنه الأوراق التي فيها ورد المتعلم من المصحف، وذلك أن الكتب لم تكن تحبك، وقد استثقل مالك - رحمه الله تعالى - تجزئة المصحف، ولهذا عبر ابن حبيب - رحمه الله تعالى - في الواضحة بالقراطيس، والقاعدة أن ما جاز للضرورة يقدر بقدرها، فلا ينبغي أن يزيد الكبير المتعلم على الجزء الذي يتعلم فيه، وما وقع لبعض المتأخرين من أن المراد بالجزء ما قابل الكامل فيه بعد، كما ذكره بعض الأئمة من أن وجه تخفيف مالك - رحمه الله تعالى - في الجزء احتمال إرادة المصحف الجامع في حديث منع مس القرآن لغير طاهر، فالقرآن لم يجمع إلا في عهد عثمان - رضي الله تعالى عنه - وإنما ذلك مثل ترخيصه للجنب في ما تدعو الضرورة لقراءته من تعوذ ونحوه، وامتناع إرادة الجميع في ذلك ظاهرة.
والفرق بين البالغ والصبي أن زمان الصبوة هو زمان التعلم، وأن الصبي غير تام الطهارة، لأن النية لا تصح منه، وقد نبه على ذلك القرطبي - رحمه الله تعالى - في تفسيره، مع عدم تحفظه على استصحاب الطهارة، فكان اشتراط اكتمال طهارته مع الحاجة الماسة إلى تعلمه حرجا، فخفف في أمره، والفرق بين الجنب والحائض عدم قدرتها على رفع حدثها مع طول الوقت، فخفف في أمرها خوف النسيان، والفرق بين الجنابة وحدث الوضوء أن موجبها لا يكاد يتكرر في الشهر نحو ما يتكرر موجبه في اليوم، مع اختصاصها بالبالغ، وأن حدث الوضوء أخف، ولذلك جازت معه قراءة القرآن ظاهرا، ودخول المسجد.
وأما ما ذكره ابن بشير - رحمه الله تعالى - فهو إن صح مراده به على غير ظاهره، ولذلك لم يستجده منه خليل، ولم يعرج عليه ابن عرفة، فما قيل من أنه طريقة مستبعد والله ﷾ أعلم.
وقد كنت قلت:
ومس جزء حالة التعلم معْ حدث أصغرَ لم يحرَّم
لا فرق بين الطفل والكبير كذا المعلم على المشهور
وذاك في الحائض أيضا جار والنفسا لطول الانتظار
وما لذي جنابة إسجالا مس كتاب ربنا تعالى
[ ٣٣ ]
ومس جامع من الأطفال على الخصوص ليس ذا انحظال
والله ﷾ أعلم.
[ ٣٤ ]
٤٨ - والمنْيُ ماء دافق يجي معا أللذة الكبرى كأن يجامعا
٤٩ - وريحه كالطلع في ما ذكروا وماء مرأة رقيق أصفر
٥٠ - وهْو للاغتسال ذو إلزام بيقظة كان أو احتلام
٥١ - ويجب الغسل كذاك بانقطاع حيضٍ، وبالنفاس أيضا والجماع
٥٢ - وهْو مغيب كمرة في الفرج لا بقيد أن يكون منه أنزلا
٥٣ - وذا هو الذي به الزوجان معا يكونان ذويْ إحصان
٥٤ - وهْو الذي يوجب حدَّ العَهْر كذا به أيضا وجوب المهر
٥٥ - كذاك للصوم وحج يُبطل وللمُبِت قبل ذا يُحَلِّل
المني كتقي، وجاء كظبي، قال في المصباح المنير: قال الأزهري: قال الأموي: والودي والمذي والمني مشددات، وغيره: يخفف، وقال أبو عبيدة: المني مشدد، والآخران مخففان، وهذا أشهر انتهى
والمني: هو الماء الدافق الذي يكون عنه الولد، وتنقطع عنده الشهوة، ويعقبه الفتور، سمي منيا لأنه يمنى، أي: يراق ويدفق، والدافق: المدفوق، أي: المصبوب، قال في الصحاح: دفَقْت الماء أَدْفِقُه دفقا أي: صببته، فهو ماء دافق أي: مدفوق، كما قالوا: سر كاتم، أي: مكتوم، لأنه من قولك: دُفِق الماء، على ما لم يسم فاعله، ولا يقال: دَفَق الماء نفسه، ودفَّقت كفاه الندى أي: صبتاه، شدد للكثرة نقله في شفاء الغليل.
واللذة تقدم الكلام عليها، والجماع قال في المغرب: كناية عن الوطء، ومعنى الاجتماع فيه ظاهر، والطلع: ما يطلع من النخلة، وهو الكِمُّ قبل أن ينشق، ويقال لما يبدو من الكم طلع أيضا، وهو شيء أبيض يشبه بلونه الأسنان وبريحه المني، وأطلع النخل: خرج طلعه قاله في شفاء الغليل.
[ ٣٥ ]
ومغيب: مصدر ميمي من غاب في الشيء غِيابة وغُيوبة وغِيابا وغيبوبة: بطن فيه واستتر، والكمرة: الحشفة من حد موضع الختان لرأس الذكر، والفرج من الإنسان: عورته، وأنزل: أمنى، والإحصان في الأصل من حصن بمعنى منع، ومنه الحصن والتحصن، والمحصنة تطلق على المتزوجة، وعلى الحرة، وعلى العفيفة، والإحصان في الاصطلاح: معنى يجب به على المتصف به إذا زنى حد الرجم، والحد: العقوبة المفروضة التي تمنع المذنب من المعاودة، وتطهره من الذنب، وتردع غيره عنه، والعهر - بفتح العين -: البغاء، والمبت: اسم فاعل من أبت المتعدي لغة في بت: المطلق ثلاثا.
أشار بقوله: والمني ماء دافق البيت، إلى أن المني هو الماء الأبيض الخاثر الذي يأتي بتدفق عند اللذة الكبرى، التي يعقبها الفتور والاسترخاء، قوله: وريحه كالطلع، أشار به إلى أن من مميزات المني أن له رائحة كرائحة الطلع الذي تقدم بيانه.
وأشار بقوله: وماء مرأة رقيق أصفر، إلى أن ماء المرأة يختلف عن ماء الرجل في قوامه فهو رقيق، وفي لونه فهو أصفر، وقد جاء وصفه بذلك في حديث أم سليم - رضي الله تعالى عنها - في الاحتلام، ومذي المرأة: بلة تعلو فرجها، ونقل في التهذيب عن إمام الحرمين أن المذي أكثر في النساء.
قوله: وهو للاغتسال ذو إلزام البيت، يعني به أن خروج المني موجب للاغتسال إذا كان بلذة معتادة، سواء كان خروجه في يقظة أو نوم، فإن خرج بلا لذة كمن لدغته عقرب فأمنى فالمشهور أنه لا يجب عليه غسل ولا وضوء، كمن خرجت منه حصاة، وإن خرج بلذة غير معتادة للإمناء كحك جرب فالمشهور أيضا أنه لا يجب عليه غسل، ولكن يجب عليه الوضوء، وقيل لا وضوء عليه.
[ ٣٦ ]
ولا فرق في المحتلم الذي وجد ماء بين من يتذكر القصة ومن لا يتذكرها، وأما إذا لم يجد ماء فلا غسل عليه، تذكر القصة أو لا، ولا فرق في هذا بين الرجل والمرأة، لحديث أم سليم - رضي الله تعالى عنها - قالت: يا رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - إن الله ﷾ لا يستحيي من الحق، هل على المرأة من غسل إذا هي احتلمت؟
قال:" نعم إذا رأت الماء " ثم قال: " ماء الرجل غليظ أبيض، وماء المرأة رقيق أصفر " (^١)
ومن رأى في ثوبه منيا ولم يدر متى أصابه اغتسل وأعاد من آخر نومة نامها فيه، وقيل من أول نومة نامها فيه، وقد نقل القرافي - رحمه الله تعالى - الإجماع على وجوب الغسل عليه، وروى أبو داود والترمذي أن النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - سئل عن الرجل يجد البلل ولم يذكر احتلاما، فقال: " يغتسل " وعن الرجل يرى أنه قد احتلم ولا يجد البلل، قال: " لا غسل عليه " (^٢) ووجه المشهور من أنه يعيد من آخر نومة، طرح الشك عملا بالاستصحاب، والفرق بين الوضوء والغسل في ذلك أن موجبه أظهر، فخفاؤه في غاية الندور، واحتج مالك في الموطإ بما روى عن عمر - رضي الله تعالى عنه - أنه خرج إلى أرضه بالجُرُف وهو أمير المؤمنين، فنظر فإذا هو احتلم وصلى ولم يغتسل، فقال: والله ما أراني إلا احتلمت وما شَعَرْت، وصليت وما اغتسلت، فاغتسل وغسل ما رأى في ثوبه ونضح ما لم ير وصلى بعد أن طلعت الشمس.
ووجه مقابله الاحتياط، وأن الذمة عامرة بيقين، فلا تبرأ إلا بيقين والمشهور الأول والله ﷾ أعلم.
_________________
(١) متفق عليه.
(٢) ورواه ابن ماجة والدارمي والإمام أحمد، وهو حديث حسن.
[ ٣٧ ]
هذا ولا يشترط في اللذة أن تكون مقارنة لخروج الماء، فإذا لاعب زوجته والتذ ثم خرج منه مني بعد ذلك ببعض من الوقت لأجل تلك الملاعبة، وجب عليه الغسل على المشهور، لأنه تبين بذلك أن المني انفصل عن مقره بالملاعبة، لكن اختلف هل يعتبر جنبا منذ وقت الملاعبة، فيعيد ما كان صلاه بعد الملاعبة وقبل الإنزال، أو لا يكون جنبا إلا بالإنزال، فلا يعيد ذلك، فيه روايتان، ورجح الثانية ابن المواز - رحمه الله تعالى - محتجا بأنه إنما صار جنبا بخروج المني، قال الباجي - رحمه الله تعالى ـ: وهو أظهر بدليل أنه لو اغتسل قبل خروج الماء لم يجزه نقله في المواهب.
ويكفي في خروج مني المرأة وصوله إلى محل تراه فيه إن جلست جِلستها للبول، وإنما اشترط خروجه لحديث أم سليم - رضي الله تعالى عنها - المتقدم، وذلك أنه إذا اشترطت رؤيتها إياه في الاحتلام فأولى أن يشترط في اليقظة، وإذا اشترط في حق المرأة فأولى أن يشترط في حق الرجل فأمره أظهر، هذا مع عموم مفهوم قوله - صلى الله تعالى عليه وسلم ـ: " إنما الماء من الماء " (^١) فهو - وإن خرج من مفهومه الجماع بحديث " إذا مس الختان الختان فقد وجب الغسل " (^٢) بألفاظه المختلفة - يبقى معتبرا في ما سوى ذلك من الفتور ونحوه، والله ﷾ أعلم.
_________________
(١) رواه مسلم رحمه الله تعالى.
(٢) رواه مسلم ومالك رحمهما الله تعالى وغيرهما.
[ ٣٨ ]
قوله: ويجب الغسل كذاك بانقطاع حيض، وبالنفاس أيضا، أشار به إلى أن الغسل واجب أيضا من انقطاع دم الحيض، وكذلك دم النفاس، ووقع للشيخ هنا ذكر الاستحاضة، وحمله سيدي زروق - رحمه الله تعالى - على المستحاضة التي تميز إذا انقطع تمييزها، واستدل لذلك بمآ سيأتي له في باب جامع من الاقتصار في إيجاب الغسل على الجنابة والحيض والنفاس، وقد تقدم أن المشهور أن الاستحاضة لا يجب بها غسل، ولكن يستحب لانقطاعها، وإنما لم يجب بها غسل عند مالك - رحمه الله تعالى - لحديث فاطمة بنت أبي حبيش - رضي الله تعالى عنها - حيث قالت للنبي صلى الله تعالى عليه وسلم - إني لا أطهر، أفأدع الصلاة؟ فقال لها رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم ـ: " إنما ذلك عرق وليست بالحيضة، فإذا أقبلت الحيضة فاتركي الصلاة فإذا ذهب قدرها فاغسلي الدم عنك وصلي (^١) " قال مالك - رحمه الله تعالى -: الأمر عندنا في المستحاضة على حديث هشام بن عروة عن أبيه وهو أحب ما سمعت إلي في ذلك.
ووجوب الغسل من الحيض والنفاس مجمع عليه بين أهل العلم مع ظاهر الآية، وظواهر الأخبار.
واختلف في النفاس دون دم هل يجب به غسل أو لا؟ الأول رواه أشهب، وقال ابن رشد: مراده دون دم كثير، إذ خروجه بلا دم محال عادة، والثاني للخمي ونصه: وقال مالك - رحمه الله تعالى - في العتبية في التي تلد ولا ترى دما: تغتسل أو في ذلك شك؟ لا يأتي الغسل إلا بخير.
وهذا استحسان لأن اغتسال النفساء لم يكن لأجل خروج الولد، وإنما كان للطهر من الحيض، ولو نوت الاغتسال لخروج الولد دون الطهر من الحيض ما أجزأها ذلك.
_________________
(١) رواه مالك وأبو داوود والترمذي والنسائي وهو حديث صحيح.
[ ٣٩ ]
وأشار بقوله: والجماع وهو مغيب كمرة في الفرج، إلى أن الغسل يجب بمغيب الحشفة من بالغ في فرج، ويجب أيضأ على المولج فيه إن كان بالغا، قال ابن شعبان - رحمه الله تعالى ـ: جاءت السنة بوجوب الغسل إذا التقى الختانان، وذلك إذا غابت الحشفة وإن لم ينزلا جميعا، إذا كانا بالغين مسلمين، كان ذلك في قبل أو دبر، نائمين أو مستيقظين، طائعين أو مكرهين، أو رجلين أو رجلا ومن قعد عن المحيض من النساء، أو كان ذلك الفعل في ميتة أو فرج بهيمة، أو امرأة استعملت ذلك من ذكر بهيمة، ثم قال: المرأتان يفعلان ما يفعل شرار النساء يغتسلان بالإنزال لا بالفعل، ويؤدبان أدبا بليغا يبلغ مائة سوط، وهو أدنى الحدين، وقيل مائة سوط غيرَ سوط، كي لا يبلغ بهما الحد في ما لم يأت فيه أثر مرفوع، وقد كان مالك - رحمه الله تعالى - يأمر بالأدب المجاوز للحد في ما لا يوجب الحد، كي يتناهى عن مواقعة حدود الله ﷾، نقله في المواهب.
وحكيت عن مالك - رحمه الله تعالى - رواية بعدم إيجاب الغسل من مغيب الحشفة في الدبر، ولا يشترط في تغييب الحشفة أن يكون مع انتشار على ظاهر ما نقله في النوادر عن ابن شعبان في امرأة العنين، وقال الشيخ: أعرف فيه اختلافا، ولا بد من تغييب جميع الكمرة، لقوله - صلى الله تعالى عليه وسلم ـ: " وجاوز الختان الختان (^١) " فتغييب بعضها لغو، واختلف في تغييبها ملفوفة هل يوجب الغسل؟ ثالثها إن كان الحائل رقيقا، وجعله ابن العربي الأشبه، كما في مختصر ابن عرفة - رحمهم الله تعالى جميعا - قال سيدي زروق - رحمه الله تعالى -: قال بعض الشيوخ: وهذا إذا غابت في المنكح لا في المبال، وقال ابن العربي - رحمه الله تعالى -أرانا فلان من شيوخه فرج المرأة بأن عقد خمسا وثلاثين، وأشار بأن المعتبر الوسط لا الدائرة، فانظر ذلك.
_________________
(١) رواه مالك والترمذي والإمام أحمد رحمهم الله تعالى وهو حديث صحيح.
[ ٤٠ ]
قوله: لا بقيد أن يكون منه أنزلا، يعني به أن الجماع يوجب الغسل وإن لم يقع فيه إنزال، وقد وقع التصريح بذلك في بعض روايات حديث إيجاب الغسل بالجماع (^١) وهو صريح حديث الغسل من الجماع مع الإعياء. (^٢)
_________________
(١) روى مسلم رحمه الله تعالى عن أبي هريرة أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قال: إذا جلس بين شعبها الأربع ثم جهدها فقد وجب عليه الغسل وإن لم ينزل.
(٢) روى مسلم رحمه الله تعالى أن رجلا سأل رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم عن الرجل يجامع أهله ثم يكسل هل يجب عليهما غسل؟ سأله عن ذلك وعائشة رضي الله تعالى عنها جالسة، فقال: إني لأفعل ذلك أنا وهذه ثم نغتسل.
[ ٤١ ]
قوله: وذا هو الذي به الزوجان إلخ، أشار به إلى أن الجماع الذي هو تغييب الحشفة سبب لأحكام أخرى غير وجوب الغسل، منها وصف الإحصان، فمن حصل منه ذلك على وجه مباح في نكاح صحيح، وهو حر مسلم صار محصنا، بمعنى أنه إذا زنى يرجم، وقد يتحصن أحد الزوجين دون صاحبه لاستكماله الشروط، ككون أحدهما حرا دون الآخر، وككونها كتابية، ومنها وجوب حد الفاحشة بنوعيها الزنى واللواط، ومنها استحقاق الصداق أو نصفه الثاني، واختلف هل يقع ذلك بجماعها في دبرها، ومنها حلية المبتوتة للذي كان قد طلقها ثلاثا إذآ طلقت لحديث الصحيح " حتى يذوق عسيلتك وتذوقي عسيلته " (^١)
_________________
(١) متفق عليه ..
[ ٤٢ ]
ويفسد به الحج والعمرة والصوم، وقد ذكر القرافي في الذخيرة نحوا من ستين حكما، ونصه: يوجب التقاء الختانين نحو ستين حكما وهي تحريم الصلاة، والطواف، وسجود القرآن، وسجود السهو، ومس المصحف، وحمله، وقراءة القرآن، والإقامة في المسجد، ويفسد الصوم، ويوجب فسق متعمده، والكفارة كذلك، والتعزير عليه، وفساد الاعتكاف، والتعزير عليه، وفسق متعمده إذا تكرر، أو وقع في المسجد، وفساد الحج والعمرة، وفسق متعمده، والتعزير عليه، والهدي، وأما المضي في الفاسد فمسبب عن الإحرام، وتحليل المبتوتة، وتقرير المهر المسمى في الصحيح، والمثل في الفاسد ووطء الشبهة والتفويض، والعدة، والاستبراء في المملوكة قبل الملك وبعده، والمستكرهة، والجلد والتعزير في الزنى أو الرجم، والتفسيق، وتحريم المظاهرة في الحلال والحرام، ولحوق الولد في الحلال والإماء المشتركات، ووطء الشبهات، وجعل الأمة فراشا، وإزالة ولاية الإجبار عن الكبيرة، وتحصين الزوجين، والفيئة في الإيلاء، والعود في الظهار على الخلاف، وتحريم أم الزوجة وجداتها، وبنت الزوجة وبناتها وبنات أبنائها، وفسق المتعمد لارتكاب الممنوع من ذلك، وتحريم الجمع بين الأختين في الإماء، وتفسيق فاعله، وتحريم وطء الزوج في استبراء وطء الشبهة، والتعزير لمن فعل، وكل موضع حرم على الرجل المباشرة حرم على المرأة التمكين إذا علمت بالتحريم أو ظنته ظنا معتبرا، نقله أبو الحسن في الشفاء.
قال سيدي زروق - رحمه الله تعالى - وأنهاها بعضهم لزائد على المائة، ونقل المواق عن المتيطي أنه قال: مغيب الحشفة يوجب نيفا على مائتي حكم، والله ﷾ أعلم.
[ ٤٣ ]
هذا وبعض هذه الأمور يكون تغييب الحشفة سببا له مطلقا، وبعضها لا يكون سببا له إلا إذا كان على صفات معينة، فمنها ما يشترط فيه كونه في القبل خاصة، كفيئة المولي وتحليل المبتوتة، ومنها ما يشترط فيه الانتشار، ومنها ما يشترط فيه كونه مباحا، ومنها ما يشترط فيه كونه في نكاح خاصة، ومنها ما يشترط فيه العلم، كالمبتوتة لقوله صلى الله تعالى عليه وسلم: " حتى يذوق عُسَيْلَتَكِ وتذوقي عسيلته " على ما ياتي بيانه - إن شاء الله ﷾ إلى غير ذلك، وسيأتي ذكر كثير من ذلك - إن شاء الله ﷾ - في موضعه، والحمد لله رب العالمين.
[ ٤٤ ]
فصل في الحيض والنفاس
الفصل لغة: الحاجز بين الشيئين، واصطلاحا: اسم لطائفة من مسائل الباب يجمعها معنى مشترك بينها، تختص به عن بقية مسائله، والحيض قال المطرزي: حاضت المرأة حيضا ومحيضا: خرج الدم من رحمها، وهي حائض وحائضة، وهن حوائض وحُيَّض، وقوله صلى الله تعالى عليه وسلم ": لا يقبل الله تعالى صلاة حائض إلا بخمار (^١) " أراد البالغة مبلغ النساء، واستُحِيضت - بضم التاء - وتَحَيَّضتْ: قعدت وفعلت ما تفعل الحُيض، ومنه " تَحَيَّضي في علم الله تعالى ستا أو سبعا (^٢) " استمر بها الدم، ويقال للخرقة: حِيضَة، ومنه قول عائشة - رضي الله تعالى عنها -: ليتني كنتُ حِيضة مُلقاة، والحَيضة - بفتح الحاء -: المرة، وهي الدفعة الواحدة من دفعات دم الحيض، وعند الفقهاء: اسم للأيام المعتادة، إلى أن قال: والحِيضة - بالكسر -: الحالة من تجنب الصلاة والصوم ونحوه، ومنه " ليست حِيضتكِ في يدك " (^٣) وقيل في قوله ﷾: (ويسألونك عن المحيض (هو موضع الحيض وهو الفرج، وقيل هو مصدر وهو الصحيح، نقله أبو الحسن في الشفاء.
_________________
(١) رواه الترمذي وابن ماجة والإمام أحمد رحمهم الله تعالى جميعا وهو حديث صحيح.
(٢) من حديث حمنة بنت جحش رضي الله تعالى عنها، وقد ورواه أبو داوود والترمذي والإمام أحمد رحمهم الله تعالى جميعا، وحسنه الترمذي، وكذلك الإمام أحمد والبخاري رحمهم الله تعالى، وقال ابن منده رحمه الله تعالى: لا يصح بوجه من الوجوه، وقال ابن أبي حاتم رحمهما الله تعالى: سألت أبي عنه فوهنه ولم يقو إسناده.
(٣) رواه مسلم وأبو داوود والترمذي والنسائي وابن ماجة رحمهم الله تعالى أجمعين.
[ ٤٥ ]
قال سيدي زروق -رحمه الله تعالى -: ودرجات الحيض في قوامه ولونه ونحوهما ستة، أوله أسود غليظ منتن، ثم يصير أحمر، ثم صفرة كماء العصفر، ثم كدرة كغسالة اللحم، ثم ترية، وهي أفتح منها، ثم قصة، وكلها علامة للحيض، فيجب فيها ما يجب فيه، إلا الأخير فإنه علامة الطهر، انتهى
والترية كقضية.
وأما النفاس فقال في التنبيه: النفاس- بالكسر -: ولادة المرأة إذا وضعت، يقال: نَفِسَت المرأة -بفتح النون وكسر الفاء -ونُفِسَت المرأة غلاما على ما لم يسم فاعله، والولد منفوس، وهي نُفْساء -بضم النون وإسكان الفاء - عن اللحياني في نوادره، ونِسوة نُفاس، قال الجوهري: وليس في كلام العرب فُعَلاء يجمع على فعال غير نفساء، وناقة عشراء، ويجمع أيضا على نُفَساوات وعُشَراوات، وامرأتان نُفساوان أبدلوا من همزة التأنيث واوا، نقله أبو الحسن في الشفاء.
٥٦ - بقَصَّةٍ وبالجفوف الحُيَضُ تطهر، والقصة ماء أبيض
٥٧ - أما الجفوف فخُلُوُّ ذا المكان عما من الدم به من قبلُ كان
٥٨ - والحيض قد تعْروه طورا صفرة وربما شابته أيضا كدرة
٥٩ - ومن تحض يوما ونحوا وانقطع فاغتسلت وبعد ذلك رجع
٦٠ - فلتجلسنْ وذاك حيض اتحد من حيث الاستبرا ومن حيث العِدد
٦١ - ما لم يك العَود ورا ثمان أو عشرةٍ، فذاك حيض ثان
٦٢ - وإن تمادى الدم خمسة عشر فهْو وراء ذاك ليس يعتبر
٦٣ - فلْتتطهرْ ولْتُصَلِّ ولْتَصُم ولِتَطُفْ، ووطؤها ما إن حَرُم
٦٤ - وأكثر النفاس ستون، ولا حد لأدناه كأدنى ما خلا
القصة قال عياض - رحمه الله تعالى ـ: بفتح القاف ماء أبيض يكون آخر الحيض، وبه يستبين نقاء الرحم، قال علي عن مالك -رحمهما الله تعالى -هو شبه المني، وروى ابن وهب عنه: شبه البول، وقيل هو كالخيط الأبيض، يخرج بعد انقطاع الدم كله، وسميت قصة لشبهها بالقصة، وهي الجير لبياضها انتهى
[ ٤٦ ]
قال في الطراز: يجوز أن يكون ذلك يختلف، إلا أن الذي يذكره بعض النساء أنه شبه المني، نقله في المواهب.
والحيض -بضم الحاء - جمع حائض كما تقدم، والعِدد -قال في التنبيه -: جمع عدة بكسر العين فيهما، سميت بذلك لاشتمالها على العدد، وقال ابن راشد: هي تربص المرأة زمانا معلوما، قدره الشرع علامة على براءة رحمها، مع ضرب من التعبد.
والاستبراء كالعدة، إلا أن العدة تختص بالنكاح، والاستبراء يختص بالملك والمياه الفاسدة، من استبرأ من الشيء إذا استنقى منه، أشار بالبيتين الأولين إلى أن الحائض تطهر من حيضها بأحد أمرين، القصة أو الجفوف، ولو بعد ساعة من حيضتها أو أقل من ذلك، فأقل الحيض بالنسبة للعبادة لا حد له على المشهور، وقال ابن الماجشون والمغيرة أقل الحيض خمسة أيام، وقيل ثلاثة أيام، واختلف هل القصة أبلغ في الدلالة على الطهر وهو قول ابن القاسم، وهو المشهور، أو الجفوف أبلغ، وهو قول ابن عبد الحكم، أو هما سواء، قال اللخمي في التبصرة: قيل الجفوف أبرأ من القصة، فتبرأ به من عادتها القصة، ولا تبرأ بالقصة من عادتها الجفوف، وقيل عكس ذلك، أن القصة أبرأ وهو أحسن، نقله في المواهب، قال ابن عرفة في مختصره: وثمرته انتظار الأقوى معتادته إن رأت الآخر ما لم يضق الوقت، وفي كونه الضروري أو الاختياري قولا شيوخ عبد الحق انتهى
وأما المبتدأة فقال ابن القاسم إذا رأت الجفوف تطهر به ثم تراعي بعد ما يظهر من أمرها نقله القاضي عبد الوهاب.
[ ٤٧ ]
وإنما يعتبر الدم النازل من قبل المرأة حيضا إذا كانت في سن من تحمل عادة، وكان خروجه بنفسه، قال صاحب الطراز: كلامه في المدونة يقتضي أنه لا يحكم للدم بأنه حيض إلا إذا كان في أوان البلوغ بمقدمات وأمارات، من نفور الثدي ونبات شعر العانة، وعرق الإبط وشبهه، فأما بنت خمس وشبهها إذا رأت دما فإنما يكون من بواسير وشبهها، وليس بحيض، وسن النساء قد يختلف في البلوغ، قال الشافعي - رحمه الله تعالى -: أعجل من سمعت النساء يحضن، نساء تهامة يحضن لتسع سنين، ورأيت جدة لها إحدى وعشرون سنة، فالواجب أن يرجع في ذلك إلى ما يعرفه النساء، فهن على الفروج مؤتمنات، فإن شككن أخذ في ذلك بالأحوط نقله في المواهب.
وكذلك ما تراه الآيسة أيضا فهو غير حيض، واختلف في سن اليأس فقال ابن شعبان: خمسون، قال ابن عرفة: ولم يحك الباجي غيره، إلى أن قال: وقال ابن شاس: سبعون. وقال في التوضيح: وقال ابن رشد: والستون، وقال ابن حبيب: يسأل النساء، وروي عن مالك، وقال الأبي: وفي المدونة: بنت السبعين آيس، وغيرها يسأل النساء، نقله في المواهب.
ومما تختلف النساء لأجله في سن اليأس الولادة وعدمها، وقلتها وكثرتها، والله ﷾ أعلم.
[ ٤٨ ]
وأما الدم الخارج لعلاج، فإن كان استعمال العلاج لأجل تأخره عن وقته فالخارج لأجله حيض، على ما استظهره الحطاب، وهو بين جدا، قال: لأن تأخر الحيض إذا لم يكن حمل، إنما يكون لمرض، فإذا جعل الدواء لرفع المرض لم يخرجه عن كونه حيضا، وإن كان استعمال العلاج لتعجيله عن زمنه المعتاد، فقد سئل عن ذلك المنوفي هل تحصل به البراءة من العدة، فأجاب بأن الظاهر أنها لا تحل به، وتوقف عن ترك الصلاة والصيام، واستظهر خليل عدم تركهما على بحثه، وذلك أنه اعتبره مشكوكا، فلم يعتد به في الاعتداد، لأن الشك في السبب لغو، وكذلك الشك في المانع، فلا تسقط به الصلاة، ولم أقف على شيء في وطئها، ولو قيل بسؤال أهل المعرفة والعمل بقولهم في ذلك كله لم يكن بعيدا، وأما إن كان استعمال العلاج لتأخيره عن وقته فقد سئل عن ذلك مالك - رحمه الله تعالى - فقال: ليس ذلك بصواب وكرهه، قال ابن رشد - رحمه الله تعالى -: إنما كرهه مخافة أن تدخل على نفسها ضررا بذلك في جسمها، وكذلك الحال أيضا في شرابها علاجا تستعجل به الطهر، قال ابن كنانة: يكره ما بلغني أن يصنعنه يتعجلن به الطهر من الحيض من شراب الشجر، والتعالج بها وبغيره، قال ابن رشد - رحمه الله تعالى: - المعنى في كراهة ذلك ما يخشى أن تدخل على نفسها من الضرر بجسمها بشرب الدواء الذي قد يضرها، قال الحطاب: فعلم من كلام ابن رشد أنه ليس في ذلك إلا الكراهة خوف ضرر جسمها، ولو كان ذلك لا يحصل به الطهر لبينه ابن رشد رحمه الله تعالى.
وقوله: والحيض قد تعروه البيت، أشار به إلى أن الكدرة والصفرة والترية حيض، وفي المدونة قال ابن القاسم: وإذا رأت صفرة أو كدرة في أيام حيضتها أو في غيرها فهو حيض، وإن لم تر معه دما انتهى
[ ٤٩ ]
وذلك لما في الموطإ عن علقمة بن أبي علقمة عن أمه مولاة عائشة أم المؤمنين - رضي الله تعالى عنهم أجمعين - أنها قالت كان النساء يبعثن إلى عائشة - رضي الله تعالى عنها - بالدَّرَجة فيها الكُرْسُف فيه الصفرة من دم الحيضة يسألنها عن الصلاة فتقول لهن: لا تعجلن حتى ترين القصة البيضاء، تريد بذلك الطهر من الحيضة، وفرق ابن الماجشون بين أن ترى ذلك عقيب الطهر فلا يكون حيضا، لحديث أم عطية - رضي الله تعالى عنها - كنا لا نعد الصفرة والكدرة بعد الطهر شيئا، وأن تراه قبله فيكون حيضا، ونسب هذا لأكثر أهل العلم.
والمعول قول ابن القاسم، وأما خبر أم عطية - رضي الله تعالى عنها - فالمتجه أن موضوعه التي يقع لها ذلك لبرد الماء ونحوه، وقد عرف عن كثير من النساء أنهن إذا تطهرن قرب طهرهن عاودهن بعض الدم للاغتسال، فيكون المراد بالطهر في كلامها الغسل، فيكون قولها بعد الطهر إيماء لسبب عدم الاعتبار، وإلا فما وجه اختصاص عدم الاعتداد بكون ذلك واقعا بعد الغسل، وقد وقع الخبر عند الدارمي بإسناد صحيح بلفظ " كنا لا نعتد بالصفرة والكدرة بعد الغسل " وإذا ثبت كون الصفرة والكدرة من جنس الحيض كما في خبر علقمة - رحمه الله تعالى - فما وجه اختصاص ذلك بأول الحيض وآخره عما كان بعد الطهر.
فإن قيل إذا كان هذا هو المراد في خبر أم عطية -رضي الله تعالى عنها -فلم خصت الصفرة والكدرة؟
أجيب بأنها خصت ذلك بالذكر جريا على ما هو الشأن، فإن شأن الدم الذي ليس بحيض أن يكون مفتوح اللون كما دل عليه حديث الصحيح في المستحاضة والله ﷾ أعلم.
[ ٥٠ ]
قوله: ومن تحض يوما، إلى قوله حيض ثان، أشار به إلى حكم التي يتقطع طهرها، وهو أنها تغتسل كل ما انقطع الدم، ويكون لها حكم الطاهر في الصوم والصلاة والوطء وغير ذلك، فإن عاودها جلست وتجنبت ما تتجنبه الحائض، وتلفق أيام الدم دون أيام الطهر حتى تتم خمسة عشر على ما يأتي أنه أكثر الحيض، ثم إذا استمر لها الأمر كذلك كانت مستحاضة لها حكم الطاهر، إلا أن ترى ما لا تشك في كونه حيضا للونه أو رائحته أو نحو ذلك، بعد مضي أقل الطهر على حكم الاستحاضة، وقال ابن الماجشون وابن مسلمة: إنما تلفق التي يتقطع طهرها أيام الدم فقط إذا كانت أيام الدم أكثر، وإلا جمعت أيام الطهر طهرا، وأيام الحيض حيضا، فتكون طاهرا حائضا على قولهما، ولو بقيت كذلك طول عمرها، والمراد بيوم الدم اليوم الذي حصل فيه دم، ولو في جزء يسير منه.
وقول ابن مسلمة وابن الماجشون هو ظاهر الشيخ - رحمه الله تعالى - في العبادة، وظاهره في العدة والاستبراء بل صريحه أنه لا بد من توالي أقل الطهر، وهو المشهور، لكن ذكر أن أقل الطهر ثمانية أو عشرة، وكونه ثمانية قول سحنون، قال المواق: قال سيدي ابن سراج: بهذا ينبغي أن تكون الفتوى وقد استقرأه الشيخ أبو محمد من المدونة، وكونه عشرة قول ابن حبيب، وقال مالك في المدونة: لا حد لأقل الطهر إلا ما تعلم النساء أن ذلك طهر، وقال في غير المدونة: أقل الطهر خمسة أيام قاله ابن يونس في جامعه، وقال ابن مسلمة: أقله خمسة عشر يوما، قال ابن عرفة في مختصره: واعتمده القاضي وجعله ابن شاس المشهور.
[ ٥١ ]
وقال ابن يونس في جامعه: وقال القاضي: اتفق العلماء إلا من شذ منهم أن أقل الطهر خمسة عشر يوما، وقال ابن العربي في القبس: والدليل على صحة ذلك أن الله ﷾ جعل عدة الحائض ثلاثة أقراء، وجعل عدة اليائس ثلاثة أشهر، فقابل كل قرء بشهر، ولا يخلو أن يقابله بأكثر الحيض وأكثر الطهر، وذلك محال لأن أكثر الطهر لا حد له أو بأقلهما، وذلك أيضا محال، لأن أقل الحيض لا حد له فلم يبق إلا أنه قابله بأقل الطهر وأكثر الحيض، وذلك خمسة عشر يوما، وعلى هذه الأصول التي بينا تتفرع جميع مسائل الحيض.
[ ٥٢ ]
قوله: وإن تمادى الدم البيت، أشار به إلى أن أكثر الحيض خمسة عشر يوما، وظاهره أنه لا فرق في ذلك بين المبتدأة والمعتادة، ولا بين الحامل وغيرها، - إن كان يرى حيضها - وهو كذلك على خلاف، أما المبتدأة فقال في الجامع: قال ابن القاسم: وما رأته المرأة من الدم أول بلوغها فهو حيض في قول مالك تترك له الصلاة، فإن تمادى بها قعدت عن الصلاة خمسة عشر يوما، ورواه عن مالك، ثم هي مستحاضة تغتسل وتصلي وتصوم وتوطأ، إلا أن ترى دما لا تشك أنه دم حيض فتدع له الصلاة وتعتد به من الطلاق، والنساء يعرفن ذلك بريحه ولونه، وروى علي بن زياد عن مالك في غير المدونة أنها تقعد بقدر لداتها - يعني أترابها في السن - قال ابن المواز: لا تستظهر على أيام لداتها، وقال ابن عبد الحكم وابن كنانة وأصبغ: تستظهر على أيام لداتها، قال ابن القصار: ما لم تزد على خمسة عشر يوما، قال: وإنما استحسن مالك - رحمه الله تعالى - هذا القول احتياطا للصلاة، قال عبد الوهاب: ولأن الحيض يزيد وينقص فكان الأولى ردها إلى عادة أترابها، قال ابن القصار: والقياس رواية ابن القاسم، والدليل على ذلك قوله ﷾: (ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض) وهذا يدل على أن كل دم وجد في الفرج فهو حيض حتى يقوم دليل على أنه استحاضة، قال ابن يونس - رحمه الله تعالى - فالحكم له ما لم يجاوز خمسة عشر يوما.
[ ٥٣ ]
وأما المعتادة فكان مالك - رحمه الله تعالى - يقول أكثر دهره إذا تمادى بها الدم جلست خمسة عشر يوما من أيام الدم، وما لم تر فيه دما من الأيام ألغته، فإذا استكملت خمسة عشر يوما من أيام الدم اغتسلت وصنعت ما تصنع المستحاضة، ثم رجع وقال: أرى أن تستظهر بثلاثة أيام بعد أيام حيضتها، ما لم تجاوز خمسة عشر يوما، قال عنه ابن وهب: ورأيت أن أحتاط لها فتستظهر وتصلي، قال الأبهري: فهذه علة مالك في الاحتياط للصلاة، وأما القياس فهو أن تترك الصلاة إلى خمسة عشر يوما، لثبوت حكم الحيض فلا تنتقل عنه إلا بيقين، وليس الاحتياط في صلاة الحائض مع جواز أن تكون غير حائض أولى بترك صلاتها مع جواز أن تكون حائضا، لأن صلاة الحائض ممنوعة بالشرع، كما أن ترك صلاة الطاهر ممنوعة بالشرع، وإذا تساوى هذان الأمران جميعا رجعنا إلى أصل الحيض وحصوله فعلمناه، فهذا هو أصل قول مالك المعول عليه، والقول الآخر استظهار على ما فسرنا نقله في الجامع بأطول من هذا.
واختلف فيها -على ما رجع إليه مالك رحمه الله تعالى من الاستظهار -في ما بين الاستظهار وبين خمسة عشر يوما، فقيل هي طاهر حقيقة، وهو مذهب المدونة، وقيل: تحتاط، فتصوم وتصلي ولا يأتيها زوجها، فإذا أتمت خمسة عشر يوما اغتسلت وقضت صيامها، وعلى هذا القول فهم الأبهري وابن الجهم واللخمي وغيرهم رواية ابن وهب التي في المدونة كما في التوضيح.
[ ٥٤ ]
وأما الحامل فقد اختلف في ما تراه هل هو حيض، وهو المشهور في المذهب، وهو قول مالك -رحمه الله تعالى -وروى في الموطإ عن عائشة -رضي الله تعالى عنها -أنها كانت تُفتيهن بذلك، أو ليس بحيض، وهو لابن لبابة، وفُهم من قول ابن القاسم في من اعتدت بحيض ثم ظهر حملها: لو علمته حيضا مستقيما لرجمتها، والوجه فيه ما ورد من النصوص في الاستبراء بالحيض، وقال الداودي: لو أخذ فيها بالأحوط تصلي وتصوم وتقضي ولا توطأ لكان أحوط، نقله ابن عرفة رحمه الله تعالى في مختصره.
واختلف على المشهور من أنها تحيض إذا استرسل عليها، فقال مالك -رحمه الله تعالى - في المدونة: تمسك عن الصلاة قدر ما يجتهد لها، وليس في ذلك حد، وليس أول الحمل كآخره، وقال ابن القاسم: إن رأته في الثلاثة أشهر ونحوها تركت الصلاة خمسة عشر يوما ونحوها، وإن رأته بعد ستة أشهر من حملها تركت الصلاة ما بين العشرين ونحوها، قال ابن ناجي: واختلف أصحابنا من التونسيين هل هو خلاف لقول مالك السابق، أو هو تفسير له انتهى
وروى أشهب -رحمه الله تعالى -أنها كالحائل تمسك أيام حيضتها -يريد والاستظهار - قال: أرأيت من قعدت عن الحيض سنة وهي ممن تحيض، ثم أتاها الحيض بعد ذلك أليس هذا دما قد احتبس واجتمع أفتريد هذه أيضا أن تقعد مقدار ذلك الحيض كله؟! إلى أن قال: ولقد سمعت مالكا يقول واستفتته امرأة وهي في خمسة أشهر أو ستة، فقالت له: كانت أيام حيضتي ستة أيام، واليوم لي سبعة أيام، فقال لها: أقيمي يومين آخرين استظهارا، ثم اغتسلي وصلي، وقال ابن حبيب عن ابن الماجشون: تجلس خمسة عشر يوما كان في أول الحمل أو في آخره، للاختلاف فيه، فإن بعض السلف لا يراه حيضا، انظر الجامع.
[ ٥٥ ]
قوله: فلتتطهر البيت، أشار به إلى أن المستحاضة لها حكم الطاهر، فيجب عليها ما يجب عليها من الصلاة والصوم ونحوهما، ويحل لها ما يحل لها من جماع ونحوه على المشهور، حتى تميز بعد مضي أقل الطهر، خلافا لأبي حنيفة حيث قال تَتَحيَّض أيام عادتها من كل شهر، وخلافا للشافعي حيث فرق بين المميزة وغيرها، فوافق في الأولى مالكا، وفي الثانية أبا حنيفة - رحمهم الله تعالى جميعا -، قال المازري في شرح التلقين: ودليلنا أنه صلى الله تعالى عليه وسلم وصف دم الحيض بأنه أسود ثخين، وهذا يقتضي اعتبار هذا الوصف، فمتى حصل حكم أنه حيض ما لم يمنع منه مانع انتهى
وتعتبر في عدم التمييز ممن قعدت عن الحيض، كما يقع مع عدم الدم، وأما أخبار المستحاضة فقد تقدم قول مالك -رحمه الله تعالى ـ: الأمر عندنا في المستحاضة على حديث هشام بن عروة عن أبيه، وهو أحب ما سمعت إلي في ذلك، يعني على المختار من أن مراده حديث فاطمة بنت أبي حبيش، والله ﷾ أعلم بالصواب.
وفي هذا البيت إشارة إلى بعض ما يمنعه الحيض، قال ابن عرفة -رحمه الله تعالى ـ: ويمنع الحيض الصلاة والصوم، وتقضيه دونها، ودخول المسجد، إلى أن قال: ومس المصحف، وروى ابن العربي جوازه كقراءتها، والطلاق والطواف والوطء في الفرج، وفي منعه بعد طهرها قبل غسلها، ثالثها يكره، للمشهور والمبسوطة عن ابن نافع مع عياض عن تأويل بعض البغداديين قول مالك عليه وابن بكير، وفي منعه بتيمم صحيح قولان لها ولابن شعبان، إلى أن قال: عياض: وقراءتها في المصحف دون مسها إياه كقراءة حفظها انتهى
وقال في التوضيح: والخلاف في قراءة الحائض إنما هو قبل أن تطهر، وإلا فهي بعد النقاء من الدم كالجنب.
[ ٥٦ ]
تنبيهات:
الأول: قال ابن القاسم - رحمه الله تعالى - في امرأة رأت في ثوبها دم حيض وقد لبسته نقيا ولا تدري متى حاضت، وهل حاضت أم لا، فإن كانت لا تنزعه اغتسلت وصلت من يوم لبسته، وتعيد الصوم الواجب، قال أبو محمد: يريد ما لم تجاوز أقصى أيام الحيض، قال: وإن كانت تنزعه وتلبسه أعادت من أحدث لَبْسة لبسته، وقال ابن حبيب في الصوم: إنما تعيد يوما واحدا لأنه دم حيض انقطع مكانه، قال ابن يونس: وهو أي قول ابن حبيب أبين عندي، لأنه لو كان الدم بها أياما لشعرت به ولظهر في ثوبها بقعا، وإنما كانت دفعة ثم انقطعت انظر الجامع، ونقل ابن عرفة في مختصره عن اللخمي أنها تقضي من الصوم عدد نقط الدم، وإن شك الرجل في الخارج منه أمذي هو أو مني، فقال ابن عرفة: روى علي: لا أدري، ابن نافع: يغتسل، ونقل ابن شاس: يغسل ذكره ويتوضأ، لا أعرفه نصا، اللخمي: شك الجنابة كالحدث، وتجويز جنابته دون شك لغو، لو اغتسل له ثم تيقن لم يجزه.
قال ابن عرفة: قال ابن القاسم وقال عيسى يجزئه انتهى
ومحل وجوب الغسل على من يجد في ثوبه منيا إذا كان لا يلبسه غيره، وأما إذا كان يلبسه هو وغيره ممن يحتلم، فلا يجب عليه الغسل، ولكنه يستحب، لجواز أن يكون هو المحتلم، نقله في المواهب عن العارضة، وصرح في لوامع الدرر بجريان هذا القيد أيضا في ثوب المرأة تجد به أثر الحيض، وهو بين، والله ﷾ أعلم.
الثاني: روى الشيخان ومالك في الموطإ عن بنت زيد بن ثابت -رضي الله تعالى عنهما -أنه بلغها أن نساء كن يدعون بالمصابيح من جوف الليل ينظرن إلى الطهر، فكانت تعيب عليهن، وتقول: ما كان النساء يصنعن هذا.
[ ٥٧ ]
وقال مالك في تفقد الحائض أمرها إنما يلزمها ذلك إذا أرادت النوم أو قامت لصلاة الصبح، وعليهن أن ينظرن في أوقات الصلاة، قال ابن رشد - رحمه الله تعالى ـ: كان القياس أن يجب عليها أن تنظر قبل الفجر بقدر ما يمكنها إن رأت الطهر أن تغتسل وتصلي المغرب والعشاء قبل طلوع الفجر، إذ لا اختلاف في أن الصلاة تتعين في آخر الوقت، فسقط ذلك عنها من ناحية المشقة، فإن استيقظت بعد الفجر وهي طاهر فلم تدر لعل طهرها كان من اليل حملت في تلك الصلاة على ما قامت عليه، ولم يجب عليها قضاء صلاة اليل، حتى توقن أنها طهرت قبل الفجر، وأمرت في رمضان بصيام ذلك اليوم، وتقضيه احتياطا، نقله في التاج.
الثالث: نقل في المواهب عن الطراز أنه يستحب للحائض والنفساء والمستحاضة أن يطيبن فروجهن إذا طهرن.
قوله: وأكثر النفاس البيت، أشار به إلى أكثر زمن النفاس وأقله، أما أكثره فستون يوما، فإن زاد عليها كان استحاضة، وقد تقدم الكلام عليها، وهذا هو قول مالك المرجوع عنه وهو المشهور، واقتصر عليه القاضي عبد الوهاب في التلقين، وقد رجع عنه مالك وقال: أكره أن أحد فيه حدا، ولكن تسأل النساء عن ذلك وأهل المعرفة فتجلس أبعد ذلك فإن تمادى الدم على ذلك كانت مستحاضة، انظر الجامع.
وقال ابن عرفة في مختصره: النفاس دم إلقاء حمل، فيدخل دم إلقاء الدم المجتمع على المشهور، عياض: قيل ما خرج قبل الولد غير نفاس، وما بعده نفاس، وفي ما معه قول الأكثر والقاضي، إلى أن قال: وفيها إن دام جلست شهرين، ثم قال: قدر ما يراه النساء، ابن الماجشون: الستون أحب إلى من السبعين، والقول بالأربعين لا عمل عليه، إلى أن قال: ولو وضعت ولدا وبقي آخر ففيها دم الأول نفاس، وقيل دم حامل، وعليها إضافة دم الثاني للأول واستقلاله انتهى
وأما أقله فلا حد له، وقد تقدم الكلام على الغسل من النفاس بلا دم، والنفاس كالحيض في التلفيق إذا تقطع، وفي ما يمنع، وما في مختصر ابن الحاجب من منع القراءة على النفساء رده خليل وغير واحد.
قوله: كأدنى ما خلا، يعني الحيض، فالحيض لا حد لأقله، وقد تقدم الكلام على ذلك، والبيت مضمن من نظم سيدي محمد مولود ابن أحمد فال -رحمهما الله تعالى -المسمى بالكفاف، والحمد لله رب العالمين.
[ ٥٨ ]