مسألة (^٢) (١):
حد البلوغ في الذكور الإنبات أو الاحتلام، أو أن يبلغ من السن ما يعلم أن مثله قد بلغ؛ وهو سبع عشرة، أو ثماني عشرة (^٣).
وفي النساء هذه الأوصاف، والحيض، والحمل (^٤).
وقال أبو حنيفة: الإنبات لا يدل على البلوغ.
واختلف قول الشافعي فيه في المسلمين؛ فقال: يكون بلوغًا فيهم، وقال: لا يكون بلوغًا.
ولم يختلف قوله: إنه محكوم به في المشركين.
وإذا عدم الاحتلام والإنبات؛ اعتبر الشافعي [خمس عشرة] (^٥) سنة في
_________________
(١) هذا العنوان أثبته من عيون المجالس، لأن المسألة المذكورة هنا هي ضمن كتاب الحجر.
(٢) هكذا بدأ هذا الجزء بهذه المسألة، ومن خلال عيون المجالس يظهر أن قبل هذه المسألة أربع مسائل أخر، وهي مما فقد أيضًا.
(٣) وثماني عشرة سنة لابن القاسم، وخمسة عشر لابن وهب. الذخيرة (٨/ ٢٣٧).
(٤) انظر شرح الرسالة للقاضي عبد الوهاب (١/ ٢٢٦ - ٢٣٩) الإشراف (٣/ ٣٥ - ٣٧) الذخيرة (٨/ ٢٣٧ - ٢٣٩).
(٥) في الأصل: خمسة عشر، وما أثبته هو الموجود في أحد نسخ المختصر، وهو الذي يتوافق مع قواعد النحو في مخالفة العدد للمعدود.
[ ٦ / ٧ ]
الذكور والإناث (^١).
وبه قال محمد وأبو يوسف (^٢).
وقال أبو حنيفة: في الذكور تسع عشرة سنة (^٣)، وفي الإناث سبع عشرة سنة (^٤).
فحصل الخلاف بيننا وبين أبي حنيفة وبين الشافعي - في أحد قوليه - في المسلمين في الإنبات، وبيننا وبين الشافعي في اعتبار خمس عشرة سنة.
والدليل على أن الإنبات بلوغ أو دليل على البلوغ (^٥)؛ ما رواه عطية العوفي عن سعد قال: "حكمني رسول الله ﷺ في بني قريظة، فكنا نكشف عن مؤتزرهم؛ فمن أنبت منهم قتلناه، ومن لم ينبت؛ جعلناه في الذراري،
_________________
(١) انظر الأم (٤/ ٤٥١) تكملة المجموع (١٤/ ١٦٥ - ١٧٨). وبه قال أحمد بن حنبل. انظر المغني (٦/ ٢٢٨ - ٢٣٢) والإنصاف (١٣/ ٣٥٥).
(٢) "وهو رواية عن أبي حنيفة، وبه يفتى". حاشية ابن عابدين (٩/ ١٨٥).
(٣) وروي عنه ثماني عشرة سنة، وقيل: المراد أن يطعن في التاسع عشرة سنة ويتم له ثماني عشرة سنة، فلا اختلاف، وقيل: فيه اختلاف الرواية؛ لأنه ذكر في بعض النسخ: حتى يستكمل تسع عشرة سنة. الهداية (٩/ ٢٧٦).
(٤) انظر التجريد (٦/ ٢٩٠٣ - ٢٩١٩) حاشية ابن عابدين (٩/ ١٨٥) تكملة شرح فتح القدير (٩/ ٢٧٦ - ٢٧٧).
(٥) والفرق بينهما عند الشافعية أنه إن كان بلوغًا؛ فالكافر والمسلم في ذلك سواء، وإن كان دليلًا على البلوغ؛ فهو دلالة في حق الكافر دون المسلم على قول؛ لأن المسلمين يمكن الرجوع إلى أخبارهم؛ فلم يجعل ذلك دلالة في حقهم، والكفار لا يمكن الرجوع إلى أخبارهم، فجعل ذلك دلالة في حقهم، ولأن الكافر لا يستفيد بالبلوغ إلا وجوب الجزية ووجوب القتل، فلا يتهم في مداواة العانة بما ينبت الشعر، والمسلم يستفيد بالبلوغ التصرف والكمال بالأحكام، فلا يؤمن أن يداوي العانة بما ينبت الشعر؛ فلم يجعل ذلك دلالة في حقه. المهذب مع التكملة بتصرف (١٤/ ١٧١ - ١٧٢).
[ ٦ / ٨ ]
فقال النبي ﵇: ما فعلت؟ فأخبرته، فقال: حكمت بحكم الله تعالى" (^١).
فأخبر أنه قتل من أنبت، وسبى من لم ينبت، وهذه أحكام تتعلق بالبلوغ؛ لأن قتل من ليس ببالغ؛ ممنوع، وهذا نص.
فإن قيل: عطية العوفي غير معروف (^٢).
_________________
(١) رواية هذا الحديث عن سعد بن معاذ بهذا اللفظ فيه نظر ظاهر؛ لأن سعدًا توفي على إثر التحكيم، والذي في الصحاح والسنن غير هذا، فروى البخاري (٤١٢١) ومسلم (١٧٦٨) وغيرهما عن أبي سعيد الخدري قال: "نزل أهل قريظة على حكم سعد بن معاذ، فأرسل رسول الله ﷺ إلى سعد، فأتاه على حمار، فلما دنا قريبًا من المسجد؛ قال رسول الله ﷺ للأنصار: قوموا إلى سيدكم، ثم قال: إن هؤلاء نزلوا على حكمك، قال: تقتل مقاتلهم وتسبي ذريتهم، قال: فقال النبي ﷺ: قضيت بحكم الله". وأخرجه أبو داود (٤٤٠٤) الترمذي (١٥٨٤) النسائي (٣٤٢٩) وابن ماجه (٢٥٤١) عن عبد الملك بن عمير قال: سمعت عطية القرظي يقول: "عرضنا على رسول الله ﷺ يوم قريظة، فكان من أنبت قتل، ومن لم ينبت خلي سبيله، فكنت فيمن لم ينبت فخلي سبيلي". وقال الترمذي: حسن صحيح. وهذا يؤيد أن ما هاهنا وهم من الناسخ أو من غيره، وأنه أدخل حديثًا في حديث، وعطية العوفي ليست له رواية عن سعد، وإنما روى عن ابن عباس وأبي سعيد وغيرهما كما في تهذيب التهذيب (٤/ ٥١٠ - ٥١١).
(٢) ظهر لي أن الصواب هنا عطية القرظي، لا العوفي، لأنه هو الذي أورده المعترض كالقدوري في التجريد (٦/ ٢٩١٧) وقال: "لا يعرف بالرواية"، وذكره ابن حجر في التهذيب (٤/ ٥١٤) ونقل عن ابن عبد البر: قوله: "لا أقف على اسم أبيه". وقال ابن الملقن: "لا نعرف لعطية غير هذا الحديث، ولا يعرف نسبه". البدر (٦/ ٦٧٤). وعطية القرظي صحابي صغير، وإن كان المصنف ذكر أنه من كبار التابعين، وقوله يؤيد أنه العوفي، إلا أنني لم أجد هذا الحديث من طريقه، ولم يرو هو عن سعد كما تقدم، وهذا يؤيد أن الصواب هنا القرظي، وهو المشهور بهذا الحديث، حتى قيل: ليس له إلا هذا الحديث، والله أعلم.
[ ٦ / ٩ ]
قيل: هذا غلط؛ لأن عطية من كبار التابعين قد روى عنه الناس (^١).
فإن قيل: فإنه تفرد بروايته، وهذا (^١) يُحتاج إلى معرفته، والجماعة من الصحابة يحتاج إليه، فلو كان هذا أمر قد حده رسول الله ﷺ؛ لم يخف على جماعة الصحابة، ولرواه منهم [غير] (^٢) واحد، مع حاجتهم إليه في غزواتهم، وكان ترك النقل فيه دلالة على ضعفه.
وأيضًا فإنه روي متن الحديثين مختلفًا؛ فروي: "أنه أمر بقتل من أنبت" (^٣).
وروي: "أنه أمر بقتل من جرت عليه المواسي" (^٤).
وهذه ألفاظ مختلفة يحتمل أن يكون جعل جريان المواسي دلالة على اعتبار مقدار ثماني عشرة (^٥) سنة؛ لأن ذلك يحصل في هذا القدر من المدة، ويحتمل غيره، فسقط التعلق به (^٦).
قيل: أما قولكم: إن عطية تفرد بروايته، والجماعة من الصحابة يحتاج
_________________
(١) وقد ضعفه غير واحد، منهم الإمام أحمد، وأبو حاتم والنسائي وابن عدي وغيرهم. انظر تهذيب التهذيب (٤/ ٥١١ - ٥١٢).
(٢) ما بين المعقوفتين ليس في الأصل، والسياق يقتضيه.
(٣) لفظ ابن ماجه المتقدم.
(٤) أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار (٣/ ١١٩) من حديث عامر بن سعد عن أبيه: "أن سعد بن معاذ حكم على بني قريظة أن يقتل منهم كل من جرت عليه المواسي". وأخرج الطحاوي أيضًا (٣/ ١١٩) والبيهقي (٦/ ٩٦) عن عطية أن أصحاب رسول الله ﷺ يوم قريظة جردوه، فلما لم يروا المواسي جرت على شعره - يريد عانته -؛ تركوه من القتل.
(٥) في الأصل: ثمانية عشر.
(٦) انظر التجريد (٦/ ٢٩١٧ - ٢٩١٨).
[ ٦ / ١٠ ]
إليه؛ فإننا نقول: تفرده بروايته لا يرد خبره؛ لأنه لو كان هكذا؛ لوجب أن لا يقبل خبر [انفُرد] (^١) بروايته، ومع أنه كذلك؛ فإنه لم [يخف] (^٢) نقله على الصحابة، ولولا ذلك ما وصل إلينا نحن، وما أنكره واحد من الصحابة، وإذا لم ينقل إنكاره؛ دل على صحته.
والأخبار مستعملة على ظواهرها لا ترد إلا بأن ينكرها من يقبل نكيره.
وأما اختلاف المتن؛ فإن اختلفت الألفاظ والمعنى واحد؛ لم يضر؛ لأن قوله: "اقتلوا من جرت عليه المواسي" (^٣)؛ كناية عن من أنبت، فاستحق أن يحلق عانته بالموسى، فلا فرق بين هذا وبين قوله: "اقتلوا من أنبت".
وعلى أن ذكر المواسي في خبر آخر وهو قوله: "تجب الجزية على من جرت عليه المواسي" (^٤)، فإن هذا الخبر حجة لنا؛ لأن الجزية لا تجب إلا على (٢) بالغ، فجعل جريان المواسي علامة على البلوغ حتى تجب الجزية.
وقولكم: إنه يحتمل أن يكون جعل جريان المواسي دلالة على اعتبار
_________________
(١) كلمة غير واضحة بالأصل، والمثبت من السياق.
(٢) في الأصل: يخلف.
(٣) تقدم تخريجه (٦/ ١٠).
(٤) أخرجه أبو عبيد في كتاب الأموال (٩٣) وعبد الرزاق في المصنف (١٩٢٦٧) والطحاوي في شرح معاني الآثار (٣/ ١٢٠) والبيهقي (٩/ ٣٢٨ - ٣٢٩) عن أسلم مولى عمر أن عمر كتب إلى أمراء الأجناد أن يقاتلوا في سبيل الله، ولا يقاتلوا إلا من قاتلهم، ولا يقتلوا النساء ولا الصبيان، ولا يقتلوا إلا من جرت عليه الموسى، وكتب إلى أمراء الأجناد أن يضربوا الجزية ولا يضربوها على النساء والصبيان، ولا يضربوها إلا على من جرت عليه الموسى". وقال الشيخ الألباني في إرواء الغليل (٥/ ٩٦): "وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين".
[ ٦ / ١١ ]
مقدار ثماني عشرة سنة؛ [مردود] (^١)؛ لأن الغلام يغلظ شعره ويخشن قبل ذلك، حتى يصير بمنزلة الرجال في حلق عانته.
فإن قيل: إن الاحتلام هو الأمر الذي يقع به البلوغ، يدلك على ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا﴾ (^٢).
والحكم إذا تعلق بشرط؛ دل على نفي ما سواه عند قوم من أصحابنا (^٣)، وقد علق تحريم دخول دار الغير من غير إذن بالاحتلام، فدليله يفيد إباحة دخولها بغير إذن قبل الاحتلام.
أو نقول: منع البالغ من دخول دار غيره بغير إذن، ثم ألحق الذين لم يبلغوا بهم بقوله: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا﴾ (^٤).
فصار تقدير الآية أمر البالغين بالاستئذان، وإلحاق الذين لم يبلغوا الحلم بهم، والاستئذان [تعلق] (^٥) بالبلوغ، فكان المفهوم منه تعلق البلوغ بالاحتلام [وما كان من] (^٦) مفهوم الآية.
_________________
(١) ما بين المعقوفتين ساقط من الأصل، وما أثبته من السياق.
(٢) سورة النور، الآية (٥٩).
(٣) وقد فصل المصنف القول في ذلك في المقدمة، وقال القرافي: "استدلال بالمفهوم، وأنتم لا تقولون به، سلمنا صحة التمسك به، لكن المفهوم هاهنا عارضه منطوق الحديث المتقدم - يعني حديث عطية -، والمنطوق مقدم على المفهوم إجماعًا". الذخيرة (٨/ ٢٣٨ - ٢٣٩).
(٤) سورة النور، الآية (٥٩).
(٥) ليست في الأصل، والسياق يقتضيها.
(٦) هكذا بالأصل.
[ ٦ / ١٢ ]
وأيضًا فقد روي: "رفع القلم عن ثلاثة"، [و] (^١) فيه: "وعن الصبي حتى يحتلم" (^٢).
فجعل علة خروجه عن الصبى إلى البلوغ وجود الاحتلام (^٣).
قيل: أما قوله تعالى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ﴾ (^٤)؛ فعنه جوابان:
أحدهما: أنه لم يقل: "إذا احتلموا"، وإنما قال: "إذا بلغوا الحلم"، أي الحال التي يكون في مثلها الحلم، ومن أنبت؛ فقد بلغ الحال التي في مثلها يحتلم، وهذا مثل قوله: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ﴾ (^٥). لم يرد إذا نكحوا، وإنما معناه: إذا بلغوا الحال التي في مثلها يَنكحون فيها.
والجواب الآخر: هو أنه ذكر الأطفال إذا (٣) احتلموا، ومن أنبت فليس بطفل، ولكنه قد يحتلم قبل أن ينبت، فإنما أراد من هذه صفته، ألا ترى أنه لو لم يحتلم أصلًا؛ لم يخرجه ذلك أن يكون في حكم البالغين.
وأيضًا فإنه لا يمتنع أن يذكر الله تعالى [الاحتلام] (^٦) فيكون علامة للبلوغ، ويذكر رسول الله ﷺ الإنبات فيكون علامة أخرى على البلوغ، كما
_________________
(١) ليست في الأصل.
(٢) أخرجه أبو داود (٤٣٩٨ - ٤٣٩٩) والنسائي (٣٤٣٢) وابن ماجه (٢٠٤١) وأحمد (٦/ ١٠٠) وصححه ابن حبان (١٤٢) والحاكم (٢/ ٥٩).
(٣) انظر هذه الاعتراضات في التجريد (٦/ ٢٩١٦ - ٢٩١٧).
(٤) سورة النور، الآية (٥٩).
(٥) سورة النساء، الآية (٦).
(٦) هذه الكلمة مكانها مطموس في الأصل وأثبتها من السياق.
[ ٦ / ١٣ ]
قامت الدلالة على أنه لو لم يحتلم ولم ينبت وبلغ تسع عشرة سنة؛ كان بالغًا؛ لأن الاحتلام قد يختلف في الناس، فمنهم من يحتلم لاثنتي عشر سنة، ومنهم من يحتلم لأكثر منها، كما أن الإنبات يختلف فيهم، فقد ينبت من سنه هذا القدر، وينبت من سنه أكثر من ذلك.
وقوله ﵇: "رفع القلم عنه حتى يحتلم" (^١)، فيكون احتلامه قبل إنباته، ويرتفع عنه القلم حتى ينبت إذا كان إنباته قبل احتلامه؛ لأن الحالين يختلف في الناس (^٢).
فإن قيل: فإن خروج الشعر يختلف باختلاف حال الصبي في موضع عانته، كما يختلف ذلك بأحوال سائر بدنه، فلما لم يكن ذلك دلالة في أحد الأمرين على البلوغ؛ فكذلك الآخر.
ولأن شعر الوجه أدل على البلوغ من غيره، فإن لم يقع به استدلال لاختلاف أحوال الصبيان فيه؛ فما سواه أولى بذلك.
قيل: قولكم: "إن خروج الشعر يختلف باختلاف حال الصبيان"؛ فإننا نقول مثله في الاحتلام، فإنه يختلف باختلاف حال الصبيان، وقد جعل دليلًا على البلوغ، وأما سائر بدنه؛ فإنه يفارق موضع الإنبات؛ لأن الذكر نفسه منه يكون الاحتلام، فله اختصاص من سائر الأعضاء، فلا يمتنع أن يكون الشعر عليه (٤) وعلى ما قاربه مخصوصًا من بين سائر الشعر على البدن، فكيف
_________________
(١) تقدم (٦/ ١٣).
(٢) فمراده بالحديث حتى يخرج عن الصبي، فعبر عن البلوغ بنوع مما يقع به أو يدل عليه؛ بدليل أنه لم يذكر السن. شرح الرسالة للقاضي عبد الوهاب (١/ ٢٣٠).
[ ٦ / ١٤ ]
وقد جعل صاحب الشريعة الأمرين دلالة على البلوغ.
وقولكم: "إن شعر [الوجه] (^١) أدل على البلوغ من غيره"؛ غلط (^٢)؛ لأن صاحب الشريعة لم يجعل [لشيء] (^٣) من الوجه ولا ما يخرج منه دليلًا (^٤) على البلوغ، وقد جعل في الذكر وفرج المرأة ما يدل على البلوغ مثل المني والحيض، فجعل ما علاهما من الشعر دليلًا على البلوغ أيضًا.
فإن قيل: فإن الشعر نما من البدن على أصل الخلقة؛ فلا يدل على البلوغ؛ أصله السِّمَن وكثرة الشحم على الأعضاء.
وأيضًا فإن الإنبات شعر يخرج بمعالجة؛ فلا يجعل حدا للبلوغ، مثل ظهور شعر الوجه.
قيل: قد ذكرنا أنه لما لم يعتبر حكم البلوغ بشيء من سائر الأعضاء غير الفرج؛ لم يعتبر الشعر النامي عليه، ولما جعل في الفرج شيئًا يدل على البلوغ؛ كان الشعر النامي عليه بخلاف غيره من الشعر.
وقولكم: "إنه شعر يخرج بمعالجة"؛ فإننا نقول: ليس الغالب معالجة خروج العانة، وإنما يعالج حتى لا ينبت، وليس كذلك الغالب في الوجه.
ثم إننا [نعتبر] (^٥) شعر العانة الذي لم يعالج دلالة على البلوغ، فإن
_________________
(١) كلمة مطموسة بالأصل، وما أثبته أنسب للسياق.
(٢) بل لا دلالة فيه أصلًا فضلًا عن أن يكون أدل، وعلى أن هذا رد لاعتبار صاحب الشريعة؛ فوجب سقوطه. شرح الرسالة (١/ ٢٣١).
(٣) كلمة مطموسة بالأصل، وما أثبته أنسب للسياق.
(٤) في الأصل: دليل.
(٥) ليست في الأصل، وأثبتها من السياق.
[ ٦ / ١٥ ]
جاز أن يعالج في إنسان من الناس حتى يخرج؛ اعتبرنا سن من لم يعالج وقد أنبت، فإن كان قد أنبت في مثل سنه بالعلاج؛ قلنا: هذا لم يخرج بالعلاج، وإنما خرج لأن من هو في مثل سنه قد أنبت، وليس تُعلق الأحكام على النادر، بل على الغالب من أمور الناس أنهم لا يعالجون العانة حتى تنبت، فلم يلزم ما ذكروه.
فَصْل
فأما تفرقة الشافعي (٥) [بين المسلمين] (^١) والمشركين بالإنبات على أحد [قوليه؛ فهو مردود] (^٢)؛ لأن الظاهر من قول النبي ﷺ: "رفع القلم عن الصبي حتى يحتلم" (^٣)، لم يفرق فيه بين المسلمين والكافرين، وكذلك [لم تختلف] (^٤) أحكامهم في الحيض، فإذا استوت أحوالهم في أن هذا بلوغ [أو] (^٥) دليل على البلوغ؛ وجب أن لا يفترق حكمهم في الإنبات أيضًا.
فإن قيل: الفرق بينهم من وجهين:
أحدهما: هو أن المشرك لا تلحقه التهمة في أن يعالج ذلك حتى ينبت؛ لأن المشرك يتعلق عليه بالإنبات حكم القتل، والمطالبة بالجزية، فلا يتهم في أنه اكتسب ذلك لنفسه بإنبات الشعر، فكان شعره دلالة على البلوغ، والمسلم متهم في أنه قصد الإنبات بالعلاج ليستفيد به التصرف في الملك،
_________________
(١) كلمة مطموسة بالأصل، وما أثبته من السياق.
(٢) طمس شديد بالأصل، وما أثبته من السياق.
(٣) تقدم تخريجه (٦/ ١٣).
(٤) طمس شديد في الأصل، وما أثبته من السياق.
(٥) في الأصل: و.
[ ٦ / ١٦ ]
والولاية على الأخوات، وكمال الأحكام، فإذا لحقته هذه التهمة فيه؛ لم يدل ذلك على بلوغه.
والوجه الثاني: هو أن الكافر لا يمكن معرفة بلوغه بالسن؛ لأن ذلك لا يعلم إلا من جهة قول المشركين، وقولهم فيما يتعلق [بالأحكام] (^١) غير مقبول، ولم يعلم أيضًا بلوغه إلا من جهة الاحتلام؛ لأن قوله ثَم: "احتلم" غير مقبول، فتوصلنا إلى معرفته بالإنبات، وليس كذلك المسلم؛ لأن معرفة سنه ممكن من جهة من يعرف ذلك من المسلمين، فلم تكن بنا حاجة إلى أن نجعل الإنبات بلوغًا فيهم (^٢).
قيل: أما الوجه الأول؛ فلا فرق بينهما؛ لأن الكافر إن لم يتهم في قوله لأجل تعلق الجزية به، والمطالبة بالإسلام، والقتل؛ فإنه متهم أيضًا في أن يتصرف في أمواله، وفي المطالبة بها، وبما يجب له من غيرها، ويستحق الولايات وغير ذلك (٦) [] (^٣) من أداء الجزية، فإن لم تلحقه التهمة فيما ذكرناه [] (^٤) الحاكم يتعلق عليه من لحوق القود والحدود [] (^٥) المطالبة بحضور الصلوات، وغير ذلك مما يجب على المسلمين، فما منهم إلا من تلحقه التهمة في شيء، ولا تلحقه في غيره (^٦).
وأما الفرق الثاني؛ فليس بفرق؛ لأن المشرك قد يعلم سنه من المسلمين
_________________
(١) في الأصل: به الأحكام.
(٢) انظر المهذب مع تكملة المجموع (١٤/ ١٧١ - ١٧٤).
(٣) ممحو بالأصل بمقدار كلمتين.
(٤) ممحو بالأصل بمقدار كلمتين.
(٥) ممحو بالأصل بمقدار كلمة.
(٦) انظر شرح الرسالة للقاضي عبد الوهاب (١/ ٢٣٢ - ٢٣٣).
[ ٦ / ١٧ ]
أيضًا، وممن يجوز أن يكون مشركًا ثم أسلم، فليس هذا مما لا يمكن، ولا هو محال.
وقولكم: "إنه لم يعلم أيضًا احتلامه إلا من قوله"؛ فقد قلتم: إنه لا يتهم في معالجة الشعر لتعلق الجزية به، فكذلك لا يتهم في قوله: قد احتلمت؛ لأن الجزية تتعلق عليه والمطالبة بالقتل كما قلتم في الإنبات.
وعلى أن المسلم لا يعلم احتلامه إلا من قوله، فينبغي أن يتوقف عنه لأنه قد يتهم في قوله، والإنبات حال يمكن أن نشاهدها منه؛ فهو أولى بالقبول؛ وإن جاز أن تدخله تهمة كما تدخل في قوله: قد احتلمت.
ثم إننا نقول: كل موضع يمكننا أن نتحققه من المسلم والكافر؛ فإننا نعمل عليه؛ إما بقول غيره، أو بمشاهدة، وما لا نعرفه إلا من قوله؛ فإن كان يقول ذلك لشيء يتهم فيه؛ لم نقبله، وإن كان بشيء عليه لا له، ولا يتهم فيه؛ قبلناه، فلا فرق بين المسلم والكافر. والله أعلم.
ونقول أيضًا: إن كل ما جاز أن يكون علامة للبلوغ في الكافر؛ جاز أن يكون علامة للبلوغ في المسلم؛ أصله السنون الكبيرة، أو ما لا يختلف فيه. والله الموفق.
فَصْل
فأما اعتبار الشافعي خمس عشرة سنة في البلوغ؛ فلا نقول به، ولا أبو حنيفة (٧).
فكذلك داود يقول مثل قولنا.
[ ٦ / ١٨ ]
والدليل لقولنا [قوله تعالى] (^١): ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا﴾ (^٢).
والحكم متى علق [بشيء؛ دل] (^٣) على أن ما عداه بخلافه إلا أن يقوم دليل (^٤)، وقد علق تعالى الحكم [على] (^٥) بلوغ الحلم، فلا يتعلق بغيره من سن ولا إنبات إلا بدليل (^٦).
وأيضًا قول النبي ﵇: "رفع القلم عن ثلاثة، منها: وعن الصبي حتى يحتلم" (^٧).
و"حتى" للغاية (^٨)، فجعل غاية خروجه عن حال الصبا إلى البلوغ [هي] (^٩) وجود الاحتلام، سواء كانت له خمس عشر سنة، أو أكثر، إلا أن يقوم دليل الخطاب بخلافه.
فإن قيل: فإنه إذا بلغ خمس عشرة سنة؛ لم يسلم أنه صبي، فلا تعلق لكم بالخبر.
_________________
(١) طمس بالأصل، وما أثبته من السياق.
(٢) سورة النور، الآية (٥٩).
(٣) طمس بالأصل، وما أثبته من السياق.
(٤) انظر ما تقدم في المقدمة من الأصول في الفقه (١/ ٣٠٠).
(٥) طمس بالأصل، وما أثبته من السياق.
(٦) سبق أن المصنف ذكر نفس الحجة على لسان الحنفية، لكن اعترضها هناك أنه ورد دليل على اعتبار الإنبات، ولم يأت دليل هنا على اعتباره.
(٧) تقدم تخريجه (٦/ ١٣).
(٨) وتأتي أيضًا للتعليل، وبمعنى إلا في الاستثناء، وهذا أقلها، وقل من يذكره. مغني اللبيب (١/ ١٦٩ - ١٧٨) وانظر أيضًا الجنى الداني ص (٥٤٢ - ٥٥٨).
(٩) في الأصل: مع.
[ ٦ / ١٩ ]
قيل: إن الخبر يفيد أن الصبي يخرج عن هذه الحال بوجود الاحتلام، كما قال: "وعن المجنون حتى يفيق"، وإذا أفاق؛ فليس بمجنون، "وعن النائم حتى ينتبه"، وإذا انتبه؛ فليس بنائم، فكذلك يخرج عن الصبى بوجود الاحتلام، ولا يخرج لغيره إلا بدليل، وهذا كما يقال: "ليس على فقير زكاة حتى يستغني"، فإنه يخرج عن الفقر بوجود الغنى.
وأيضًا فإن الخمس عشرة سنة مدة لم يحصل فيها احتلام، ولا إنبات، ولا إجماع على وجود التكليف عليه؛ فأشبه ما دون الخمس عشرة سنة، لأن هذا العدد سبب لوجوب الصلاة عليه، والصيام، وغير ذلك من العبادات.
ويجوز أن نفرض الكلام في أن الثمان عشرة سنة وما أشبهها يجوز أن يعلق عليها البلوغ إذا [لم] (^١) يكن احتلام ولا إنبات؛ فنقول: قد قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ (^٢).
فروي عن ابن عباس في تفسير (٨) [الأشد أنه ثماني] (^٣) عشرة سنة (^٤)، ومثل هذا لا يعلم إلا من جهة التوقيف […] (^٥) وقد تعلق تسليم المال إليه
_________________
(١) مطموسة في الأصل.
(٢) سورة الأنعام، الآية (١٥٢).
(٣) مطموسة في الأصل.
(٤) ذكره عنه القرافي في الذخيرة (٨/ ٢٣٩)، وقال الزيلعي بعد ذكره له: "غريب". نصب الراية (٤/ ١٦٦) وقال ابن حجر في الدراية (٢/ ١٩٩): "لم أجده، نعم في تفسير البغوي بغير إسناد، غير أن ابن عباس قال: الأشد نهاية قوته، وغاية شبابه، وهو ما بين ثماني عشرة سنة إلى أربعين". قلت: وأخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار (٣/ ١٢٤) من قول سعيد بن جبير.
(٥) ممحو بمقدار كلمتين، ونحو هذا الكلام في الذخيرة (٨/ ٢٣٩).
[ ٦ / ٢٠ ]
ببلوغ هذه المدة إلا أن يقوم [دليل] (^١).
وقد أجمعوا على اعتبار البلوغ في دفع المال إليه وتسليمه مطلقًا، فلما علق ذلك بهذا القدر؛ دل على أن ما عداه بخلافه، وعلى أن البلوغ يتعلق بهذا القدر من السن دون غيره إلا أن يقوم دليل.
وأيضًا فقد روي أن النبي ﵇ قال: "أيما صبي حج عشر حجج ثم بلغ؛ فعليه حجة" (^٢).
وقوله: "حج" يقتضي حجه بنفسه لا أن يحج [به غيره] (^٣)، ولا يمكن الصبي الذي له دون ثمان سنين أن يحج بنفسه، وتمام عشر حجج يقع في عشر سنين، فدل على أن البلوغ لا يكون في خمس عشرة سنة، وأنه يتعلق في ثمان عشرة سنة.
وأيضًا فإن المقادير التي تتعلق بها الصلاة والصيام لا تثبت إلا بتوقيف، أو اتفاق؛ كمدة الإقامة، وقد حصل الإتفاق على المدة التي ذكرناها.
فإن قيل: فقد روي عن عبد الله بن عمر أنه قال: "عرضت على النبي ﷺ[يوم أحد وأنا ابن أربع عشرة سنة فلم يجزني، ولم يرني بلغت، وعرضت
_________________
(١) طمس بالأصل، وما أثبته من السياق.
(٢) أخرجه الطيالسي في مسنده (١٧٦٧) عن جابر مرفوعًا وفيه ضعف، ورواه الطحاوي (٢/ ٣٣٩) والبيهقي (٥/ ٢٥٥) وإسناده صحيح كما قال الحافظ في الفتح (٥/ ٥١٤) والحديث له طرق وشواهد يرقى بها إلى درجة الصحة موقوفًا ومرفوعًا كما قال الألباني في الإرواء (٤/ ١٥٥ - ١٥٩).
(٣) ساقط من الأصل، وما أثبته من السياق.
[ ٦ / ٢١ ]
عليه] (^١) عام الخندق ولي خمس عشرة سنة فأجازني في المقاتلة" (^٢).
ووجه الدلالة من الخبر هو أنه ذكر أنه رد عام أحد ولم يره بلغ، وأجازه عام الخندق وله خمس عشرة سنة، وذلك يوجب أنه قد بلغ عام الخندق.
فالدليل على أنه قد بلغ عام الخندق شيئان:
أحدهما: أنه قال: "ردني عام أحد ولم يرني بلغت"، فأخبر أن الرد في [تلك] (^٣) السنة إنما كان لأجل أنه لم يكن بلغ، وإذا رد في تلك السنة لأجل أنه لم يبلغ [لم يقبل] (^٤) في السنة الثانية وهو غير بالغ فيها، بل إنما يقبل لزوال المعنى الذي (٩) كان موجودًا في السنة الأولى، وهو عدم البلوغ.
والشيء الثاني: هو [أنه قال] (^٥): "أجازني في المقاتلة"، والمقاتلة هم الذين يحضرون الصف، ويتعين عليهم القتال، ومن شرط ذلك البلوغ، والنبي ﵇ كان لا يمنع الصبيان والنساء من الخروج معه، وإنما لا يجيز في المقاتلة إلا الرجال، فثبت بهذا أن ابن عمر كان بالغًا في سنة الخندق، وإذا ثبت أنه كان بالغًا؛ فلا شيء يمكن أن يقال إذا بلغ به إلا السن، لأنه لم ينقل في
_________________
(١) ما بين المعقوفتين ساقط من الأصل، والمثبت من تخريج الحديث ومن جواب الاعتراض الآتي بعده.
(٢) أخرجه البخاري (٢٦٦٤) ومسلم (١٨٦٨/ ٩١) بدون ذكر البلوغ، وبذكره البيهقي (٦/ ٩١) وابن حبان (٤٧٢٨) ونقل البيهقي عن ابن صاعد قوله: "في هذا الحديث حرف غريب، وهو قوله: "ولم يرني بلغت".
(٣) في الأصل: في ثان، وما أثبته من السياق.
(٤) طمس بالأصل، والمثبت من السياق.
(٥) طمس بالأصل، وما أثبته من السياق.
[ ٦ / ٢٢ ]
الخبر غير السن، فعلم أن البلوغ كان به.
وطريقة أخرى: وهي أن الراوي إذا نقل الحكم ونقل معه شيئًا؛ كان الظاهر أن الحكم تعلق بذلك السبب، كما روي "أن ماعزا زنا فرجم" (^١)، "وأن النبي ﵇ سها فسجد" (^٢).
فإذا ثبت ذلك؛ فإن ابن عمر "روى أنه عرض على النبي ﵇ وله أربع عشرة سنة فرده، وعرض علي وله خمس عشرة سنة فأجازه" (^٣).
فالظاهر أن الرد تعلق بالسن المنقول معه، والقبول تعلق بالسن المنقول معه.
وروي عن ابن عمر أنه قال: "عرضت على النبي ﵇ عام بدر ولي ثلاث عشرة سنة فردني، [وعرضت عليه يوم أحد وأنا ابن أربع عشرة سنة فلم يجزني في المقاتلة] (^٤)، وعرضت عليه عام الخندق وأنا ابن خمس عشرة سنة فأجازني في المقاتلة" (^٥).
قيل: إن حديث ابن عمر قد روي مختلفًا، فذكر في بعض الأخبار: "أنه عرض عليه عام أحد وله ثلاث عشرة سنة فرده، وأنه عرض عليه بعد ذلك وله أربع عشرة سنة فأجازه" (^٦).
_________________
(١) أخرجه البخاري (٥٢٧١) ومسلم (١٦٩١).
(٢) أخرجه أبو داود (١٠٣٩) والترمذي (٥٩٥)، والنسائي (١٢٣٦) وابن ماجه (١٢١٥) وقال الترمذي: "حديث حسن غريب"، وصححه الشيخ الألباني بدون لفظ التشهد.
(٣) تقدم تخريجه (٦/ ٢٢).
(٤) ما بين المعقوفتين ساقط من الأصل، والمثبت من سنن البيهقي.
(٥) تقدم تخريجه (٦/ ٢٢).
(٦) نقله ابن حجر في الفتح (٧/ ١٣٣) عن ابن التين، وقال: "لا وجود له". =
[ ٦ / ٢٣ ]
رواه أحمد بن حنبل بإسناد صحيح.
ولم يثبت في الخبر ذكر البلوغ الذي تتعلق به الأحكام في الشريعة، والخلاف في هذا وقع، وإنما ذكر الإجازة (^١) في القتال، وهذا المعنى يتعلق بالقوة والجلد؛ لأن (١٠) الحال كانت حال قتال عندما عرض ابن عمر، فإذا اختلف في السبب في عرض ابن عمر وإجازته ورده؛ علم أن الغرض [هنا] (^٢) القوة والجلد، فصار الحكم متعلقًا بهذا السبب.
ومن أصل الجميع أن الحكم متى نقل مع سببه تعلق به، والسبب هو السن، والحكم هو الإجازة في القتال، فكأنه أجازه للقتال بهذا السن.
فأما وجوب أحكام الشرع من الصيام والصلاة؛ فلم يجر له ذكر فيكون السن سببه، فصار ما ذكرتموه من الحكم وتعلقه بالسبب حجة لنا من هذه الوجوه التي هي حضور القتال ومن أجلها عرض، وحصلت الإجازة لهذا المعنى بوجود السن، ونحن نجيز قتال الصبي إذا بلغ هذا السن، ويسهم له مع المقاتلة إذا قاتل.
فقول ابن عمر: "فلم يرني بلغت" الحد الذي يجيز فيه مثلي.
وقوله: "بلغت"؛ ليس مطلقًا إذا كانت الحال والإجازة مقرونة به.
وقوله: "أجازني في المقاتلة عند هذا السن"؛ هو الذي نقوله؛ لأنه
_________________
(١) = قلت: ولا وجود في المسند كما زعم المصنف. وأشار القاضي عبد الوهاب في شرح الرسالة (١/ ٢٣٨) إلى بطلانه.
(٢) في الأصل: الإجارة.
(٣) طمس بالأصل، والمثبت من السياق.
[ ٦ / ٢٤ ]
عرض لأجل القتال، فأجازه لأنه بلغ حد القتال، وإنما يكون قول القائل: "قد بلغت" مطلقًا يتعلق به أحكام الشرع؛ إذا لم يكن له سبب خرج الكلام عليه، فأما إذا كانت الحال حال قتال، وعرض لأجلها؛ فقوله: "لم يرني بلغت"؛ معناه: من يقاتل، فهو مفيد بهذا السبب، ألا ترى أن قائلًا لو ذكر السفر وبلوغ البلدان حتى يقال بلغت، فقال: بلغت، أو لم أبلغ؛ علم أنه أراد لم يبلغ إليها؛ لأن الكلام خرج على هذا السبب.
وقولكم: "إن النبي ﵇ لم يكن يجيز في المقاتلة إلا الرجال البالغين"؛ غلط؛ لأنه كان يجيز الولدان إذا بلغوا حد من يقاتل، ألا ترى أن سمرة قال: "عرضت عليه في بعض (١١) غزواته فردني، وعرض عليه غلام غيري فأجازه، فقلت: يا رسول الله! قبلته ورددتني، فلو صارعني؛ لصرعته، فقال: صارعه، فصارعته فصرعته، فأجازني" (^١).
[فإن] (^٢) قيل: إن الإجازة في القتال لا تتعلق بالسن، وإنما تتعلق بالقوة.
قيل: إن بالسن يستدل في العادة على القوة والجلد.
وعلى أن علم رسول الله ﷺ لسن ابن عمر، أو جريان ذلك بحضرته؛ لم ينقل في الخبر حتى يخرج كلامه عليه، وإنما يجب أن يجعل كلامه ﵇ متعلقًا بسبب متى أخرجه عليه، وهذا أمر لم يثبت، فيحتاج مدعيه إلى دليل بأن الحال التي جرت هي حال الحرب، وأن الغرض كان لأجل القتال، فلو قال ﵇ لابن عمر: "إنك ما بلغت"؛ لكان كلامه محمولًا على القتال، أي
_________________
(١) تقدم تخريجه (٥/ ٢٢٧).
(٢) ساقطة من الأصل.
[ ٦ / ٢٥ ]
ما بلغت حد القتال، فكيف ولم ينقل قوله ﵇ في ذلك، فقول ابن عمر ليس بشرع، فأحسن أحواله أن يحمل قوله: "إن النبي ﵇ ردني لأني لم أبلغ، وأجازني لأني بلغت" على الحال التي جرت من القتال (^١).
وعلى أنه يجوز أن يكون ابن عمر بلغ في الخمس عشرة سنة إما بالحلم، أو بالإنبات؛ لأن قوله: "بلغت" مفهوم بقول الله تعالى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ﴾ (^٢)، ولم يعلق بالسن، فقول القائل: "بلغت" إذا أطلقه؛ لا يعقل منه بلوغ خمس عشرة سنة، وإنما هو عبارة عما يكون به، ولا يكون بالغًا إلا بما ذكره الله تعالى أو رسوله ﵇، ولم يذكر الله تعالى ولا رسوله ﵇ السن، ولا أنه علامة البلوغ، فلم يكن الحكم [متعلقًا] (^٣) به.
فإن قيل: فقد روى أنس أن النبي ﵇ قال: "إذا كان للغلام خمس عشرة سنة؛ كتب ما له وما (١٢) عليه من الحدود" (^٤).
وهذا نص.
قيل: هذا خبر محال لا يعرف، ولا يعمل عليه.
وقوله: "كتب ما له وما عليه" يفيد أن له شيئًا، وعليه شيء؛ حتى يكتب
_________________
(١) وذكر السن على وجه التأريخ لا على أن الحكم متعلق بها، ويوضح ذلك أن النبي ﷺ لم يسأله عن سنه، وإنما ذكر ابن عمر من عند نفسه على وجه التأريخ وبيان سنه في الوقت، كما يقول: درست الكتاب الفلاني وأنا ابن عشرين سنة. شرح الرسالة (١/ ٢٣٧).
(٢) سورة النور، الآية (٥٩).
(٣) في الأصل: متعلق.
(٤) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (٦/ ٥٧) بلفظ: "الصبي إذا بلغ خمس عشرة أقيمت عليه الحدود"، وقال: "إسناده ضعيف". وضعفه أيضًا ابن الملقن في البدر (٦/ ٦٦٩).
[ ٦ / ٢٦ ]
ببلوغه خمس عشرة سنة، فيحتاج أن يثبت أن عليه شيئًا حتى يكتب.
وعلى أنه لو احتلم قبل الخمس عشرة سنة؛ لكان بلوغًا بإجماع، وكتب ما له وما عليه، وأخذت منه الحدود التي تجب عليه، وكذلك لو أنبت قبلها؛ لكان بلوغًا عندنا وعندكم على أصح القولين، فإذا كان هذا مضمرًا في الخبر؛ فتقديره: إلا أن يكون احتلم قبلها، فإذا كان كذلك؛ قلنا: فالنبي ﵇ لو صح هذا عنه؛ فإنه قصد إلى أبلغ ما يكون في العادة الغالبة؛ لأن الإنبات والاحتلام يكون إلى هذه الغاية.
ويجوز أن نفرض الكلام في أن الصبي إذا لم يحتلم ولم ينبت فزنا وسرق؛ لم يقم عليه الحد لخمس عشرة سنة، فإن سلموا ذلك؛ صح قولنا بأنها ليست بلوغًا، وإن لم يسلموه؛ قلنا: الأصل أن الحد لا يجب إلا بدليل.
وأيضًا قوله ﵇: "رفع القلم عن ثلاث فذكر الصبي حتى يحتلم" (^١).
ورفع القلم يفيد رفع المأثم والحد وغيره من الأحكام التي تكتب على البالغ، فجعل شرط رفع القلم عدم الاحتلام، ودليله أنه إذا احتلم؛ تعلقت الأحكام عليه.
وأيضًا فإن نفس الفعل منه مختلف في كونه زنا، فوجب أن يمنع من إقامة الحد في هذا القدر من السن؛ دليله ما دون هذا القدر من السن إذا وجد الإنبات على إحدى الروايتين عن مالك ﵀، وعلى أحد القولين للشافعي في المسلمين. وبالله التوفيق.
_________________
(١) تقدم تخريجه (٦/ ١٣).
[ ٦ / ٢٧ ]
مسألة (٢):
(١٣) وإذا بلغ اليتيم وكان ضابطًا لماله، يحسن التصرف فيه، ولا يبذره؛ سلم إليه وإن كان غير مرضي في دينه، فإن لم يكن مصلحًا لماله، ولا ضابطًا له، - وهو عدل في دينه -؛ لم يسلم إليه (^١).
وبه قال أبو حنيفة، ولكنه يقول: إذا بلغ خمسًا وعشرين سنة؛ دفع إليه ماله وإن كان غير ضابط؛ لأنه لا يرى الحجر ابتداء على البالغ وإن كان مفسدًا لماله.
وتبعه زفر.
وبقولنا قال أبو يوسف، ومحمد، وإسحاق، وأنه لا يدفع ماله حتى يكون ضابطًا له غير مبذر (^٢).
وقال الشافعي: لا يدفع إليه ماله حتى يكون عدلًا في دينه غير فاسق، ويكون ضابطًا لماله غير مبذر له (^٣).
فحصل الخلاف بيننا وبين أبي حنيفة فيه إذا بلغ خمسًا وعشرين سنة.
وحصل الخلاف مع الشافعي في أنه لا يفك حجره إلا بشرطين: هما
_________________
(١) انظر الإشراف (٣/ ٣٧ - ٣٩) بداية المجتهد (٥/ ٢٥٦ - ٢٦٠) الذخيرة (٨/ ٢٣٠ - ٢٣١).
(٢) انظر التجريد (٦/ ٢٩٢٠ - ٢٩٢٨) تكملة شرح فتح القدير (٩/ ٢٦٥ - ٢٧٥) وبه قال أحمد بن حنبل. انظر المغني (٦/ ٢٤٢ - ٢٤٣).
(٣) انظر الأم (٤/ ٤٥١) الأوسط (١١/ ١٠ - ١٥) تحفة المحتاج (٢/ ٣٢٥ - ٣٢٦) ووافقه ابن المواز؛ لأن من ضعف حزمه عن دينه الذي هو أعظم من ماله؛ لا يوثق به في ماله. الذخيرة (٨/ ٢٣١).
[ ٦ / ٢٨ ]
العدالة، وضبط المال، ونحن نقول بشرط واحد هو إصلاح ماله، وضبطه له.
فنتكلم أولًا على أبي حنيفة في دفعه إليه بعد خمس وعشرين سنة وإن كان مبذرًا لماله.
والدليل لقولنا هو أننا قد اتفقنا على كونه محجورًا عليه، لا يدفع إليه ماله قبل خمس وعشرين سنة، فمن زعم أنه يفك حجره، ويدفع إليه ماله بعدها؛ فعليه الدليل.
وأيضًا قول تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ (^١).
فجعل شرط دفع أموالهم وجود الرشد، ومن كان مبذرًا لماله، مضيعًا له، ولا يحسن النظر فيه؛ فهو غير رشيد، الدليل على هذا هو أنه إنما لم يدفع إليه ماله قبل هذه المدة [لوجود] (^٢) هذا المعنى فيه؛ وهو عدم الرشد.
فإن قيل: هذه الآية حجة لنا من (١٤) وجهين:
أحدهما: أن قوله تعالى: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا﴾؛ نكرة في إثبات، يقتضي أي رشد كان دُفعت إليهم أموالهم، ومن له خمس وعشرون سنة [وهو عدل] (^٣)؛ فقد حصل منه رشد.
والوجه الآخر: هو أن قوله: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا﴾ الفاء للعقب،
_________________
(١) سورة النساء، الآية (٦).
(٢) في الأصل: بوجود.
(٣) هكذا بالأصل، وفيه نظر على مذهب الحنفية الذين لا يشترطون العدالة، ولعل صواب العبارة: وهو غير عدل. والله أعلم.
[ ٦ / ٢٩ ]
فالظاهر يقتضي أنه إن آنس منهم رشدًا عقيب البلوغ؛ فقد حصل الشرط، فدليله ما بعد البلوغ بمدة بخلافه، فالظاهر لا يتناول من له خمس وعشرون سنة.
قيل: قوله تعالى: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ (^١)، فإن كان "رشدًا" هاهنا نكرة في الإثبات؛ فإن دليل الخطاب يقتضي أنه إذا لم يؤنس منهم رشد؛ لم يدفع إليهم، فهو نفي في نكرة، لأن الصريح إذا كان إثباتًا في نكرة؛ اقتضى دليله أن يكون نفيًا في نكرة، والنفي في النكرة يقتضي أنس الرشد، فإن لم يؤنس منهم كل الرشد؛ لم يدفع إليهم.
وجواب آخر: وهو أنه تعالى أراد رشدًا على صفة، وهو أن يكون ضابطًا لماله غير مبذر له، بدليل ما دون الخمس وعشرين سنة، فإذا ثبت أن الرشد المراد هو هذا؛ فمتى عدم كان الحكم بخلافه.
وقولكم: "إن قوله: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا﴾ الفاء للعقب"؛ غلط؛ لأن هاهنا مراده لتعلق الكلام بعضه ببعض، وهي جواب للشرط في قوله ﴿إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾، والفاء التي للعقب هي على قوله: ﴿فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾، أي إذا آنستم منهم الرشد؛ فادفعوا إليهم عقيب الرشد.
فإن قيل: فإن الرشد هو العقل (^٢)، وهو الشرط في زوال الحجر عنه، وتسليم المال إليه.
قيل: لا يجوز أن يحمل الرشد المذكور في الآية على العقل حسب؛
_________________
(١) سورة النساء، الآية (٦).
(٢) وبه قال مجاهد والشعبي فيما نقله عنهما ابن جرير في تفسيره (٣/ ٢١٤٦).
[ ٦ / ٣٠ ]
لأن الآية (١٥) تقتضي رشدًا يتوصل إلى معرفته بالاختبار والابتلاء، لأنه أمر بالابتلاء ليؤنس فيه الرشد، والرشد الذي يتوصل إلى معرفته بالاختبار والابتلاء إنما هو الصلاح في المال وضبطه (^١)؛ لأنه إنما حجر عليه خوف الفقر بتضييع المال، وهذا لا يعلم إلا بتجربة واختبار، و[العقل] (^٢) لا يفتقر في معرفته إلى اختبار، بل يعلم ذلك بالمشاهدة من أول [وهلة] (^٣).
ووجه آخر من التعلق لنا بالآية: وهو أنها تقتضي أن المال لا يدفع إليه إلا أن يوجد منه رشد، والرشد هو إصلاح المال، وعند أبي حنيفة أنه إذا بلغ خمسًا وعشرين سنة؛ سلم المال إليه وإن لم يوجد منه الرشد، وهذا خلاف الظاهر.
_________________
(١) ورجحه ابن جرير في تفسيره (٣/ ٢١٤٦) وحكى القرافي في الذخيرة (٨/ ٢٣٠) الإجماع عليه، ويعني أن إصلاح المال مراد بالإجماع، وغيره مختلف فيه، وفيه تأمل، وجنح ابن حزم إلى أن المراد بالرشد هو طاعة الله فقال: "نظرنا في القرآن الذي هو المبين لنا ما ألزمنا الله تعالى إياه، فوجدناه كله ليس الرشد فيه إلا الدين، وخلاف الغي فقط، لا المعرفة بكسب المال أصلًا، قال تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ وقال تعالى: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ فصح أن من بلغ مميزًا للإيمان من الكفر؛ فقد أونس منه الرشد الذي لا رشد سواه أصلًا، فوجب دفع المال إليه" المحلى (٧/ ١٤٩ - ١٥١). قلت: وهو معارض بتفسير ابن عباس له بإصلاح المال، وهو من أئمة اللغة، وفسره بذلك أيضًا غير واحد، والعلة التي من أجلها منع قبل البلوغ هي عدم تمام عقله ونقص معرفته بوجوه التصرف، أضف إلى ذلك "أن الآية خوطب بها المسلمون في أبنائهم، فعلم أن المراد بالرشد معنى زائد على الإسلام". التجريد (٦/ ٢٩٢١) والله أعلم.
(٢) في الأصل: والعفد.
(٣) في الأصل: وصله.
[ ٦ / ٣١ ]
ووجه آخر: وهو أن الآية تقتضي وقوع الاختبار قبل البلوغ لقوله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾ (^١)، فأمر بالابتلاء وجعل له غاية هي بلوغ النكاح، و"حتى" من حروف الغايات وهي لانتهائها (^٢)، فاقتضى ذلك أن الاختبار قبل البلوغ.
ومن قال: إن الاختبار قبل البلوغ؛ إما أن يقول إن إصلاح المال شرط (^٣)، أو يقول: إصلاح الدين والمال شرط؛ لأنهم يقولون: يختبر في ذلك قبل البلوغ، فإذا بلغ وهو على تلك الصفة؛ رفع الحجر عنه (^٤)، وعند المخالف أنه يختبر في إصلاح المال بعد البلوغ، وإذا ثبت أن الاختبار يكون قبل البلوغ؛ ثبت ما قلناه.
وأيضًا فإنه بلغ خمسًا وعشرين سنة وهو غير رشيد في ماله؛ فوجب أن لا يسلم إليه ماله، أصله ما قبل الخمس وعشرين، أو إذا كان مجنونًا.
فإن قيل: فقد قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ (^٥).
فأجاز تعالى تسليم المال إلى من بلغ أشده (١٦) من غير شرط إيناس
_________________
(١) سورة النساء، الآية (٦).
(٢) ووجه آخر، وهو أنه سماهم يتامى، وإنما يكونون يتامى قبل البلوغ. المغني (٦/ ٢٤٤ - ٢٤٥).
(٣) وهو مذهب المالكية. ورواية عن أحمد كما في المغني (٦/ ٢٤٤ - ٢٤٥).
(٤) وهو أحد الوجهين عند الشافعية، وإليه ذهب ابن المواز، وهو رواية عن أحمد أيضًا، لكنه يخالف الشافعي في اشتراط العدالة، ويذهب في ذلك مذهب المالكية. انظر المغني (٦/ ٢٤٤ - ٢٤٥) الذخيرة (٨/ ٢٣٠).
(٥) سورة الأنعام، الآية (١٥٢).
[ ٦ / ٣٢ ]
الرشد، ولا يوضع بتناوله إلا بعد خمس وعشرين سنة، ألا ترى أن ما قبلها مجمع عليه في أن المال لا يسلم إليه.
وأيضًا فإنما منع ماله منه لإيناس الرشد فيه طلبًا لمصلحته، وتبقية المال عليه، ومتى بلغ خمسًا وعشرين سنة؛ فقد زال هذا المعنى، ألا ترى أنه يصير جدًّا متى بلغ هذا الحد بجواز أن يتزوج لاثني عشرة سنة، ويولد له لستة أشهر، ويبلغ ولده لاثني عشرة سنة، ويولد له لستة أشهر، ومن صار جدًّا ولم يؤت رشدًا؛ فقد أيس منه هذا المعنى (^١)، فلو منعناه بعد ذلك؛ لكان حجرًا عليه في التصرف من غير انتظار شرط آخر (^٢)، ومن أصل أبي حنيفة أن الحجر لا يجوز في مال الحر العاقل بوجه (^٣).
قيل: ليس في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ (^٤) بيان لأشده، ولا أمر بدفع ماله إليه، فيحتاج إلى بيان، وبلوغ أشده عندنا هو ما فسره في قوله: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾، وهذا صريح، فبُيِّن به ما أجمل هناك.
_________________
(١) انظر التجريد (٦/ ٢٩٢٨).
(٢) قال ابن حزم: "وهذا كلام أحمق بارد، ويقال له: هبك أنه كما تقول، فكان ماذا؟ ومتى فرق الله تعالى بين من يكون جدًّا وبين من يكون أبًا في أحكام مالهما، وفي أي عقل وجدتم هذا؟! وأيضًا فقد يولد له من اثني عشر عامًا، ولابنه كذلك، فهذه أربعة وعشرون عامًا. وأيضًا فبعد الجد أبو جد، فبلغوه هكذا إلى سبع وثلاثين سنة، أو إلى أربعين سنة لقول الله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾، فظهر فساد هذه الزيادة جملة". المحلى (٧/ ١٤٢ - ١٤٣).
(٣) انظر ما سيأتي (٦/ ٤٨).
(٤) سورة الأنعام، الآية (١٥٢).
[ ٦ / ٣٣ ]
ثم دليله أنه إذا لم يؤنس رشده؛ لم يدفع إليه ماله، والإجماع الذي حصل قبل الخمس وعشرين هو لمعنى، وذلك المعنى موجود فيه إذا بلغ خمسًا وعشرين سنة.
وقولكم: "إنه إذا بلغ خمسًا وعشرين سنة جاز أن يصير جدًّا"؛ فإننا نقول: ليس إذا بلغ هذا السن وجاز أن يصير جدًّا؛ ما يجب أن يدفع إليه ماله؛ لأن هذا المعنى يوجد في المجنون ولا يدفع إليه ماله، وإنما ينبغي أن يراعى بمن منع من ماله في صغره وقبل الخمس وعشرين، فإذا كان ذلك المعنى باقيًا؛ فالحجر.
وقولكم: "إن أبا حنيفة (١٧) يقول: إن الحجر لا يجوز في مال الحر العاقل"؛ فإننا فيه اختلفنا، وهذا أصل لنا في الحجر على الحر العاقل.
فإن قيل: إن مال الإنسان المميز قد يمنع منه في وقت؛ مثل من أجر عبده أو داره، ولا يجوز أن يمنع منه على التأبيد من غير إيجاب حق فيه، فكذلك يجوز منع المال عن السفيه في وقت مقدر بطلب شرط يوجد في المستقبل؛ كانقضاء مدة الإجارة، ولم يجز أن يمنع منه ماله على التأبيد.
ولأن المانع من تسليم ماله إليه على التأبيد؛ لا يخلو أن يكون [لمعنى] (^١) فيه، أو في المال.
ولا يجوز أن يكون لمعنى فيه؛ لأن أصح المعاني التي تمنع من تسليم المال على التأبيد هي الجنون التي تدوم، فأما إذا كان عاقلًا؛ فلا يمنع ذلك منه لمعنى فيه، دليله المريض.
_________________
(١) في الأصل: معنى.
[ ٦ / ٣٤ ]
ولا يجوز أن يكون لمعنى في المال؛ لأن المعاني التي تعود إلى المال في باب المنع منه إيجاب حق فيه، وهذا لم يحصل.
قيل: قولكم: "إن الإنسان يمنع من ماله في وقت كالإجارة"؛ فإننا نقول: إن الإجارة تحصل مع جواز أن يبطل الشيء المستأجر فيبطل معنى الإجارة، والحجر أيضًا يحصل مع جواز أن يحدث الرشد فيبطل الحجر، فلا فرق بينهما، ولسنا نقطع أن الحجر يكون على التأبيد؛ بجواز حدوث الرشد، وإنما يراعى المعنى الذي أوجب الحجر، فإذا وجد؛ حصل الحجر، فما دام ذلك المعنى الموجب للحجر موجودًا؛ فالحجر موجود، وإن حدث ما يزيله؛ زال، وكذلك المجنون يحجر عليه، وقد يجوز أن يفيق قبل الحجر عليه.
وقولكم: "لا يخلو أن يكون المانع من تسليم ماله إليه لمعنى في المال [أو] (^١) فيه"؛ فإننا نقول: المعنى الموجب هو كونه غير مصلح (١٨) لماله، مبذر له، أو لا يحسن التصرف فيه، فما دام هذا المعنى موجودًا؛ فهو كالجنون.
ثم إننا نقول: لو جاز أن يجعل الخمس وعشرين حدًّا في دفع ماله إليه؛ لجاز لآخر أن يجعل ما دونها حدًّا؛ لأن الدليل لم يقم على ما حددوه.
ويجوز أن يستدل بقوله: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ (^٢)، ومن كان مبذرًا لماله؛ فهو سفيه.
وكذلك قوله ﵇: "خذوا على أيدي سفهائكم" (^٣).
_________________
(١) في الأصل: و.
(٢) سورة النساء، الآية (٥).
(٣) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان (١٦/ ١١٥) وضعفه الألباني في الضعيفة (٢٢٨٤).
[ ٦ / ٣٥ ]
والأخذ على أيديهم يقتضي منعهم من التصرف في أموالهم وغير ذلك، إلا أن يقوم دليل.
فإن قيل: فقد روى الحسن عن النبي ﵇: "لا حجر على حر" (^١).
فهو عام.
قيل: هو مخصوص بالدليل الذي خصه إذا كان له دون خمس وعشرين سنة، وإذا ثبت لنا هذا؛ فلا فرق بين أن يبتدأ الحجر عليه وهو [كبير] (^٢)، وبين أن لا ينقل حجره إن كبر.
فإن قيل: فقد قال ﵇: "ليس لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو تصدقت فأمضيت، أو لبست فأبليت" (^٣).
فدل على أنه إذا بذره في غير هذا؛ لم يحجر عليه؛ لأنه ﵇ لم يأمر بالحجر عليه.
وأيضًا فإنه مكلف يقبل إقراره على نفسه؛ فوجب أن لا يحجر عليه إذا كان عاقلًا مالكًا، دليله إذا بذر ماله في طاعة الله ﷿.
وأيضًا فلو منع من البيع والشراء والهبة؛ لمنع من الوصية، والكتابة، والخلع، والطلاق، والإقرار بالجناية.
قيل: أما قوله ﵇: "مالك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت" (^٤)، إنما هو
_________________
(١) أخرجه ابن حزم في المحلى (٧/ ١٤١) موقوفًا على إبراهيم النخعي.
(٢) في الأصل: كثير.
(٣) رواه مسلم (٢٩٥٨) والترمذي (٢٣٤٢) والنسائي (٣٦١٣).
(٤) هو الحديث قبله.
[ ٦ / ٣٦ ]
على طريق التزهيد في الحرص على جمع المال، وترك إنفاقه فيما ذكره ﵇، فحث على أن لا يضيق (١٩) على نفسه ويمتنع من الصدقات، فإنه لا يحصل له من ذلك إلا الوجوه التي ذكرها ﵇، والثاني يحصل لغيره.
وأما قياسكم على من بذر في طاعة الله ﷿؛ فإن ذلك لا يقال له مبذر، وإنما التبذير أن يضع الشيء في غير موضعه.
على أنه يلزم فيمن له دون خمس وعشرين سنة.
وقولكم: "لو منع من البيع والشراء؛ لمنع من الوصية والكتابة"؛ فإننا نقول: إنه إذا كان ضابطًا لماله، صحيح النظر فيه، [وكاتَب] (^١)؛ فإنه يجوز أن يسامح فيها؛ لأنه لو أعتق بغير كتابة؛ لجاز، فأما في مسألتنا"؛ فإنه إن كاتب وكان الحظ في الكتابة؛ أمضيناه، وإلا رددنا الكتابة.
والوصية عندنا تجوز من الصبي؛ لأن [الحجر] (^٢) إنما وقع عليه لجواز أن يبذر المال ويضيعه فيبقى فقيرًا، وفي الموت قد أمن هذا منه.
[وأما] (^٣) الخلع؛ فإنه يأخذ مالا لا يخرج عن يده شيئًا.
ثم هذا كله يلزم فيه إذا كان له دون خمس وعشرين سنة.
ويجوز أن يستدل بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾ (^٤).
_________________
(١) في الأصل: وكانت.
(٢) في الأصل: الحجة، والسياق يدل على خطئه.
(٣) ليست في الأصل، والسياق يقتضيها.
(٤) سورة البقرة، الآية (٢٨٢).
[ ٦ / ٣٧ ]
فأخبر أن للسفيه وليًّا، ولم يفرق بين الصغير، أو من له دون خمس وعشرين سنة، أو أكثر منها.
ثم لو قلنا: إن السفيه المراد به الكبير؛ جاز؛ لأنه اسم ذم، والصغير لا يذم، فدل على أنه من أنفق ماله وبذره في غير طاعة الله ﷿، وقد سئل رسول الله ﷺ الحجر على حبان بن منقذ لأنه كان يغبن في تجاراته وبياعاته؛ فلم ينكر [النبي ﷺ] (^١) عليهم الحجر عليه لأجل الغبن (^٢)، [فمنعه] (^٣) من التبذير أولى بالحجر عليه، وإن كان بالغًا عاقلًا. (٢٠)
وقد روي أن رسول الله ﷺ قال: "من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده" (^٤).
ومعلوم أن تبذير المال في غير طاعة الله ﷿ منكر، فوجب أن يمنعه الحاكم منه، ولا يمكن منعه منه إلا بالحجر عليه، ولم يفرق بين صغير وكبير في ذلك.
وأيضًا فقد روي عن عبد الله بن جعفر" أنه اشترى ضيعة بأربعين ألفًا، فجاء علي - صلوات الله عليه - إلى عثمان ﵁ فسأله أن يحجر عليه، فمضى عبد الله بن جعفر إلى الزبير بن العوام، وشاركه في ذلك، فقال عثمان لعلي ﵄ لما راجعه فيه: كيف أحجر على من شريكه الزبير" (^٥).
_________________
(١) كلمة لم أتبينها من الأصل، وما أثبته أقرب للسياق.
(٢) أخرجه بهذا السياق الترمذي (١٢٥٠) وابن ماجه (٢٣٥٤) وأصله في البخاري (٢١١٧) ومسلم (١٥٣٣) من حديث ابن عمر.
(٣) غير ظاهرة في الأصل، والمثبت من السياق.
(٤) أخرجه مسلم (٧٨).
(٥) أخرجه الشافعي في الأم (٤/ ٤٦١/ ١٦٤٥) وعبد الرزاق (٨/ ٢٦٧ - ٢٦٨/ ١٥١٧٦) =
[ ٦ / ٣٨ ]
فتبين بهذا أنهم مجمعون على جواز الحجر على المبذر.
وقد روي عن عائشة ﵂ أنها أخذت في تفرقة المال والتصرف فيه، أرسل إليها مروان بن الحكم - وكان يومئذ أمير المدينة -: "إنك إن أمسكت عن تفريق المال وإلا حجرت عليك" (^١).
فلم تنكر هي ولا غيرها عليه ما قال، ولكنها كانت تفرقه في سبيل الله وفي الخير، وهو ظن أنها تهبه لغير وجه الثواب، فقال ذلك على ظنه.
وما قلناه؛ هو مذهب عثمان، وعلي، والزبير، وابنه عبد الله، وعبد الله بن جعفر، وعائشة (^٢)، وهو قول شريح، وجماعة من التابعين، والأوزاعي، وأهل الشام (^٣).
فَصْل
فأما الكلام على الشافعي في حجره على الفاسق وإن كان مصلحًا لماله، ضابطًا له غير مبذر؛ فالدليل لقولنا قوله تعالى: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا﴾ (^٤).
_________________
(١) = وابن حزم في المحلى (٧/ ١٤٨) والبيهقي (٦/ ١٠١ - ١٠٢) وصححه الألباني في الإرواء (٤٤٩) وأنكره ابن حزم بقوله: "رواية ننكرها جدًّا"، وسيأتي بقية كلامه حوله في مسألة الحجر على البالغ. وانظر التلخيص (٣/ ٤٣).
(٢) أخرج هذه القصة البخاري (٦٠٧٥). ولكن الذي أراد أن يحجر عليها هو عبد الله بن الزبير، لا مروان بن الحكم، وهو الظاهر، ولعل في العبارة سقطًا، خصوصًا أن المصنف ذكر فيما بعد أنه مذهب ابن الزبير، ولا ذكر له إلا في هذه القصة في هذا الموضوع، والله أعلم.
(٣) مذاهبهم أخذها المصنف من الأثرين السابقين، وقد قدم وجه ذلك.
(٤) انظر المصادر المتقدمة في بداية المسألة.
(٥) سورة النساء، الآية (٦).
[ ٦ / ٣٩ ]
فهو نكرة في إثبات شائع على البدل، وأي رشد حصل (^١) منهم؛ وجب أن تدفع إليهم أموالهم (٢١) إلا أن يقوم دليل.
وأيضًا فإن الفسق لا يوجب الحجر، والدليل على ذلك أنه قد حمل إلى رسول الله ﷺ من شرب خمرًا فحده، ومن سرق فقطعه، ومن زنا فأقام عليه الحد، وكذلك من قذف، ثم إلى الصحابة رحمة الله عليهم، وهم الأئمة من بعده، فلم ينقل أنه ﵇ ولا واحدًا منهم حجر على أحد ممن أقيم عليه الحد، مع فسق من حد منهم، فلو وجب الحجر؛ لحجروا وسألوا عن أقوالهم وأظهره، وكان نقله يستفيض لأنه حكم عظيم، فإذا لم يحجر على الفاسق - وإن طرأ فسقه -؛ لم يحجر على البالغ لأجل فسقه.
وأيضًا فلو كان الفسق يوجب الحجر؛ لكان الكفر - الذي هو أعظم المعاصي وأبلغ في الفسق - أولى بذلك، فإذا كان أعظم المعاصي وما هو أبلغ في الفسق لا يوجب حجرًا في المال؛ فما هو دونه أولى بذلك.
وإذا ثبت بما ذكرناه أن الفسق الطارئ لا يوجب الحجر؛ وجب أن يكون الأصل كذلك، ألا ترى أن الجنون لما أوجب الحجر إذا طرأ؛ كان كذلك إذا بلغ وهو مجنون، ومثله الرق وما كان من سائر الصفات التي لا يتعلق بها الحجر إذا كانت في حال البلوغ موجودة؛ لم يوجبه إذا طرأت؛ لأن الخلاف فيمن تقدم حصل من وجهين، فمنهم من اعتبر التبذير والسعة، ومنهم من لا يعتبر ذلك، فأما عدالة الدين؛ فلم يعتبرها أحد، فكان اعتباره يؤدي إلى مخالفة الإجماع (^٢).
_________________
(١) لكن هذا يخالف ما قرره في (٦/ ٢٦) أن المراد هنا كل الرشد لا أي رشد.
(٢) لأنه إحداث قول ثالث في المسألة وانظر ما تقدم (٢/ ١٧٤).
[ ٦ / ٤٠ ]
وأيضًا فإن الفسق لا يقدح في التصرف في المال، ولا يوجب التبذير، ألا ترى أن الفاسق قد يضنّ (^١) بماله، ويبالغ في حفظه، حتى ربما كان فيه أبلغ من العدل.
وأيضًا فإن (٢٢) الفسق معنى لا يؤثر في الأموال؛ فلا يوجب الحجر في الأموال بالعدالة.
وأيضًا فإن الفسق في الكافر لا يوجب الحجر عليه، فكذلك في المسلم، دليله سائر أفعاله.
وأيضًا فإنه لا يمنع من تزويجه (^٢)، فلا نمنعه التصرف في ماله إذا كان غير مضيع، كالحرية.
وأيضًا فإنه مكلف غير مبذر لماله، فيجب أن لا يحجر عليه، دليله إذا كان مصلحًا لدينه وماله.
وأيضًا فإنه كان محجورًا عليه في النكاح والمال، فإذا بلغ عاقلًا؛ زال الحجر عنه في النكاح، فيجب أن يزول في المال.
فإن قيل: فقد قال تعالى: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ (^٣).
فينبغي أن يحصل الرشد باتفاق، ولا يطلق عليه اسم رشيد إلا بإجماع الدين وضبط المال، بل إطلاق الرشد في باب الدين أخص، ألا ترى إلى
_________________
(١) أي يبخل، من ضن بالشيء يَضن من باب تعب فهو ضنين، ومن باب ضرب لغة فيه. انظر المصباح المنير (٢١٠).
(٢) أي تزويجه لنفسه، أما تزويجه لغيره؛ فقد تقدم الحديث عنه في كتاب النكاح (٥/ ٤١٢).
(٣) سورة النساء، الآية (٦).
[ ٦ / ٤١ ]
قوله تعالى في قصة لوط: ﴿هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾ (^١).
قيل: إن قوله تعالى: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا﴾ نكرة في إثبات، ولم يرد كل الرشد، ولو أراده؛ لقال: "فإن آنستم منهم الرشد"، وإذا قيل "رجل رشيد"؛ اقتضى أن يكون رشيدًا في كل أموره، فقول لوط ﵇: ﴿أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾ (^٢) أراد الكمال من جميع وجوه الرشد.
فإن قيل: فإن الآية تقتضي أن الاختبار يقع قبل البلوغ؛ لأنه قال: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾، و"حتى" لانتهاء الغاية، فاقتضى ذلك أن الاختبار قبل البلوغ، ولا يقول أحد: إن الاختبار قبل البلوغ؛ إلا من يقول: إن صلاح الدين والمال شرط، لأنه يقول: يختبر في ذلك قبل البلوغ، فإذا بلغ (٢٣) وهو على هذه الصفة؛ رفع الحجر عنه، وإذا ثبت أن الاختبار قبل البلوغ؛ ثبت ما قلناه.
قيل: نحن نقول: إنه يختبر قبل البلوغ في النظر في ماله فلا يحتاج إلى العدالة.
فإن قيل: فإنه بلغ غير رشيد في دينه، فوجب أن لا يسلم إليه ماله، أصله إذا بلغ مجنونًا وكان مبذرًا لماله، فاسقًا في دينه.
قيل: المجنون غير مكلف، لا يصح منه التصرف في ماله، والمبذر الفاسق غير رشيد أصلًا، وهو الأصل الذي يوجب الحجر، وإذا كان ضابطًا
_________________
(١) سورة هود، الآية (٧٨).
(٢) سورة هود، الآية (٧٨).
[ ٦ / ٤٢ ]
لماله غير عدل؛ لم يستحق الحجر، وإنما الحجر يكون لحفظ المال خوف الفقر.
فإن قيل: فإن ما ذكرتموه من الإجماع ليس كذلك؛ لأنه قد روي عن ابن عباس أنه قال: "الرشد هو البلوغ والحلم والوقار" (^١).
والفاسق ليس له وقار.
وقد روي عن الحسن البصري أنه قال: "الرشد إصلاح المال والدين" (^٢).
قيل: عنه جوابان:
أحدهما: أن الحلم والوقار قد يوجد فيمن يرى به وهو فاسق أكثر من العدل.
والجواب الآخر: هو أن قول ابن عباس والحسن "الرشد" بالألف واللام؛ يقتضي كل الرشد التام، والله تعالى قال: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا﴾، فنكّره، ولم يقل: الرشد، فأي رشد حصل؛ فقد تناوله الظاهر إلا أن يقوم دليل، فلم يحصل الخلاف في الموضع الذي تنازعنا فيه. والله أعلم.
فَصْل
فأما الجارية؛ فلا ينفك حجرها حتى تبلغ، وتتزوج، ويدخل بها زوجها، ويعلم أنها ضابطة لمالها (^٣).
_________________
(١) أخرجه ابن المنذر في الأوسط (١١/ ٩) وابن حزم في المحلى (٧/ ١٤٩).
(٢) أخرجه ابن جرير عند تفسير قوله تعالى من سورة النساء ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا﴾ وابن حزم في المحلى (٧/ ١٤٩) والبيهقي (٦/ ٩٨) ونقله أيضًا ابن المنذر في الأوسط (١١/ ٩).
(٣) وروي عن مالك مثل قول الجمهور، ولأصحاب مالك في هذا أقوال غير هذه، قيل: إنها =
[ ٦ / ٤٣ ]
وقال أبو حنيفة والشافعي (^١): يدفع إليها مالها وينفك حجرها، وإن لم تتزوج (^٢).
فالدليل لقولنا قوله: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا (٢٤) النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ (^٣).
وحقيقة بلوغ النكاح هو أن تتزوج حتى تحصل منكوحة ثم يؤنس رشدها.
فإن قيل: إنما أراد بلوغ حال يصلح أن تنكح فيها.
قيل: لم يقل: "حتى إذا بلغوا وقت النكاح ولا حال النكاح"، وإنما قال: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾.
وعلى أنه جعل إيناس الرشد بالاختبار قبل حال النكاح كما يكون قبل الحلم.
فإن قيل: لو أراد نفس النكاح؛ لكان يقول: "حتى إذا نُكِحوا".
_________________
(١) = في ولاية أبيها حتى يمر بها سنة بعد دخول زوجها بها، وقيل: حتى يمر بها عامان، وقيل: حتى تمر بها سبعة أعوام، وحجة مالك أن إيناس الرشد لا يتصور في المرأة إلا بعد اختبار الرجال، وأما أقاويل أصحابه؛ فضعيفة مخالفة للنص والقياس، أما مخالفتها للنص؛ فإنهم لم يشترطوا الرشد، وأما مخالفتها للقياس؛ فلأن الرشد ممكن تصوره منها قبل هذه المدة المحدودة. بداية المجتهد (٥/ ٢٥٨) وانظر أيضًا الإشراف (٣/ ٣٩ - ٤٠) الذخيرة (٨/ ٢٢٩ - ٢٣٠).
(٢) وبه قال أحمد بن حنبل، انظر المغني (٦/ ٢٣٤ - ٢٣٥) وانتصر له ابن حزم في المحلى (٧/ ١٨١).
(٣) انظر الأم (٤/ ٤٥١ - ٤٥٧) روضة الطالبين (٤/ ١٨٢) أحكام القرآن للجصاص (٢/ ٧٥).
(٤) سورة النساء، الآية (٦).
[ ٦ / ٤٤ ]
قيل: عن هذا جوابان:
أحدهما: أنه لا فرق بين قوله: "حتى إذا نُكحوا" وبين قوله: ﴿إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾، كما لا فرق بين أن يقال: بلغ الحلم أو احتلم، ألا ترى إلى قول ابن عمر لما عرض على النبي ﵇ قال: "لم يرني بلغت" (^١).
والجواب الآخر: هو أنه لو قال: "حتى إذا نكحوا"؛ اقتضى دفع المال إليهم وإن نُكحوا قبل البلوغ، فأفادنا بقوله: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾ بلوغ الإدراك والنكاح.
وأيضًا فإن بياعات النساء بعضهن من بعض ومعاملاتهن بإذن، لأن السعي في المعاش والمعاملات للرجال، فالاختبار يقع بمعاملات الرجال ومداخلتهن، وإذا لم تتزوج؛ فإنها لم تعرف معاملات الرجال، ولم [تجرب] (^٢) عشرتهم، ولم تختبرهم، فإذا تزوجت ودخل بها الزوج؛ فقد عرفت معاملة الرجال واختلافهم، وعلمت كيف تتحرز في [مالها] (^٣)، فلا فرق بينها وبين الذكر في الحجر.
فإن قيل: فإنها بالغ رشيدة؛ فوجب أن يسلم إليها مالها، أصله إذا تزوجت ودخل بها الزوج، وإذا عنست وإن لم تتزوج، بل هي قبل أن تتزوج أولى بتسليم مالها إليها منها بعد التزويج، لأنها قبل التزويج (٢٥) تحتاط لمالها، وتشح عليه؛ لما تحتاج إليه من الجهاز وتحصيل الزوج، فإذا تزوجت؛ فقد
_________________
(١) تقدم تخريجه (٦/ ٢٢).
(٢) كلمة غير ظاهرة بالأصل، والمثبت من السياق.
(٣) في الأصل: مالهم.
[ ٦ / ٤٥ ]
استغنت عن جمع المال، وحصلت لنفسها ما كانت تطلبه بالشح والشفقة على المال، فإذا سلم إليها في حال [لا] (^١) داعي لها إلى جمع المال؛ كان تسليمه إليها في حال اجتمعت لها دواعي على جمع المال؛ [أولى] (^٢).
قيل: أما قولكم: إنها بالغ رشيدة؛ ففيه اختلفنا، فعندنا لا تكون رشيدة إلا على ما قلناه، وإذا تزوجت؛ فهي كالبلوغ، ثم إيناس الرشد شيء آخر، فلم يسلم قولكم: إنها رشيدة.
وأما المعنسة التي لها أربعون أو خمسون؛ فقد اختلف قول مالك فيها، فقال: "لا يدفع إليها مالها"، وقال: "إن كانت تعامل الناس؛ دفع إليها"، لأن من بلغ هذا السن وعامل الناس؛ خبر الأمور وعرفها، وعرف وجه الاحتياط في ماله، فحصل اختباره، وليس كذلك في مسألتنا، وإن كانت معنسة لا تعامل الناس وهي [مجردة] (^٣)؛ لم يدفع إليها مالها.
وقولكم: "إنها قبل التزويج أولى؛ لأنها تحتاط لمالها وتشح عليه"؛ فإننا نقول: وإن شحت عليه؛ لم تعرف كيف تشتري الجهاز، وكيف تتصرف فيه، وليس الرشد هو الشح على المال حسب، بل يحتاج معه إلا علم بالتصرف فيه ووجه الاحتياط له، وبعد التزويج ودخول الزوج تعرف ما لم تكن تعرفه قبل، [و] (^٤) هذا معلوم لا محالة؛ لأن أكثر الحياء يزول عنها، وتتدرب وتعرف وجه التصرف في المال، ولو قلنا: إن شحها عليه بعد التزويج
_________________
(١) في الأصل: إلا.
(٢) ليست في الأصل، والسياق يقتضيها.
(٣) هكذا بالأصل، ولعل المراد: مجردة من الزوج.
(٤) ساقطة من الأصل.
[ ٦ / ٤٦ ]
أشد؛ لكان صحيحًا؛ لأنها تخاف الولد، ومجيء النسل، وأن يطلقها هذا الزوج بعد الدخول بها، فتحتاج من التجمل للزوج الثاني بالمال أكثر مما كانت تريده وهي (٢٦) بكر لم تفتض.
فإن قيل: فإنها بلغت رشدًا فوجب أن يسلم [إليها] (^١) المال، أصله الغلام.
قيل: هذه أيضًا دعوى؛ لأننا لا نسلم أن الرشد يحصل إلا بالاختبار، ولا يحصل الاختبار إلا بالتزويج والدخول.
فإن قيل: هي أولى بتسليم مالها إليها قبل تزويجها من الغلام؛ لأنها تشح بمالها قبل التزويج؛ لما ذكرناه من جمعها للجهاز، والغلام قبل التزويج وحيد لا يشح.
قيل: لسنا نقنع في فك الحجر بالشح، ولا السخاء يمنع من فك الحجر، وإنما يحتاج إلى معرفة التصرف في المال، وضبطه بالبيع والشراء، ومعرفة مصالحه، وهذا لا تعرفه قبل التزويج ومعاملة الرجال.
فإن قيل: فإن التزويج عقد على استباحة منافعها مثل الإجارة، ومعلوم أن الإجارة لا تكون سببًا في تسليم المال إليها، فكذلك عقد النكاح.
وأيضًا فإنها تتمكن من التصرف في مالها والاحتياط فيه مع عدم الزوجية ما لا تتمكن في حال وجودها، يدل على ذلك أنه لا يد لأحد عليها، ولا اعتراض قبل الزوجية، فإذا جاز تصرفها في إحدى الحالتين؛ فجوازه
_________________
(١) في الأصل: إليه.
[ ٦ / ٤٧ ]
في الأخرى أولى.
قيل: إننا لم نجعل التزويج سببًا في دفع المال؛ وإنما جعلناه سببًا تختبر معه، ألا ترى أنه لو تزوجت وكانت مبذرة غير ضابطة، لم يدفع إليها شيئًا.
وقولكم: "إنها تتمكن من التصرف قبل التزويج لأنه لا يد عليها"؛ فإننا نقول: إنها تتمكن إذا اختبرت، ولا تختبر قبل التزويج، وهي تحت الزوج تتصرف بعد أن اختبرت، وعرفت الرجال، وكيف وجه التصرف. وبالله التوفيق.
مسألة (٣):
قد دخل الكلام في الحجر ابتداء على البالغ المبذر في مسألة الصبي إذا (٢٧) أدرك وبلغ خمسًا وعشرين سنة وهو مبذر، وأنه لا يدفع إليه ماله، ورأيت أن أفرد هذه المسألة حتى تتميز من تلك.
والدليل على أنه يبتدأ الحجر على البالغ إذا كان مبذرًا لماله غير مصلح له؛ هو أن المسألة تجري مجرى الإجماع عليها، أعني إجماع الصحابة، لأنه مذهب عثمان، وعلي، والزبير، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن جعفر، وعائشة، وشريح بعدهم، وجماعة من التابعين، وهو قول أهل المدينة، والأوزاعي، وأهل الشام، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، و[أبي] (^١) يوسف، ومحمد.
والمخالف هو أبو حنيفة وزفر (^٢)، فلا ينبغي أن يترك قول إجماع
_________________
(١) في الأصل: وأبو.
(٢) وحكاه ابن المنذر في الأوسط (١١/ ١٣) عن ابن سيرين والنخعي.
[ ٦ / ٤٨ ]
الصحابة وما عليه التابعون وأهل المدينة بأسرهم بقول أبي حنيفة (^١).
والدليل لقولنا أيضًا قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾ (^٢).
والسفيه هو ضد الرشيد، وهو المبذر لماله المضيع له، لا يفكر كيف وقع إقراره؛ لهوان المال عنده، وقد أثبت الله تعالى له ولمن ذكر معه في الآية وليًّا يمل عنه أي يقر، فدلت الآية على أن للسفيه وليًّا يقر عنه، وهذا يسقط قول المخالف؛ لأنه [لا] (^٣) يجعل له وليًّا يقر عنه، والآية تتضمن ثلاثة أجناس: وهي الولاية على السفيه، والضعيف، والذي لا يستطيع أن يمل هو، فالسفيه ضد الرشيد، وهو الذي يبذر ماله، والضعيف الصبي، والذي لا يستطيع أن يمل هو المجنون.
فإن قيل: إنما أراد تعالى بالسفيه المجنون (^٤)، ونحن نقول بأن للمجنون وليًّا.
_________________
(١) قال ابن المنذر: "وقول النعمان قول لا معنى له؛ لأنه منعه من ماله إذا بلغ لعلة الفساد، وأطلق له المال في الوقت الثاني وهو ابن خمس وعشرين سنة، والعلة التي منعت من المال في أول ما بلغ موجودة فيه حيث أمر بدفع ماله إليه، فإن وجب دفع ماله إليه وهو مفسد؛ فلا معنى لمنعه منه بعد بلوغه، وإن لم يجز دفع ماله إليه لأنه مفسد؛ فقد ترك هذا حيث أمر بدفع ماله إليه في الحال الثاني". الأوسط (١١/ ١٥) وانظر الإشراف (٣/ ٤٠ - ٤١) تهذيب المسالك (٣/ ٢٣٩ - ٢٤١) بداية المجتهد (٥/ ٢٥٦ - ٢٥٧) تحفة المحتاج (٢/ ٣٢٦) التجريد (٦/ ٢٩٢٩ - ٢٩٣٥) أحكام القرآن للجصاص (١/ ٥٩٣ - ٥٩٩) المغني (٦/ ٢٢٦ - ٢٢٨).
(٢) سورة البقرة، الآية (٢٨٢).
(٣) ليست في الأصل، ولا بد منها ليستقيم المعنى.
(٤) وانتصر لهذا المعنى ابن حزم في المحلى (٧/ ١٥١ - ١٥٣) وحمل الضعيف على أنه الذي لا قوة له، والذي لا يستطيع أن يمل هو على من به آفة في لسانه تمنعه كخرس أو نحو ذلك.
[ ٦ / ٤٩ ]
قيل: عن هذا جوابان:
أحدهما: أن السفيه صفة ذم يستحقها من اكتسب فعلًا مذمومًا، فلا يجوز حمله على المجنون؛ (٢٨) لأنه ليس بمذموم، ولا يلحقه الذم إذا لم يكتسب جنونه، ولا حدث باختياره، وكذلك الصبي.
والجواب الآخر: هو أن الآية تتضمن السفيه، والضعيف، [والذي] (^١) لا يستطيع أن يمل هو، فإذا نحن حملنا السفيه على المبذر، والضعيف على الصغير، والذي لا يستطيع أن يمل هو على المجنون؛ حملنا كل كلمة من ذلك على معنى وفائدة غير فائدة صاحبتها، وأنتم تحملون السفيه على المجنون، وتسقطون حكم إحدى الكلمات، ومن لا يسقط من الحكم شيئًا، وحمل كل كلمة مفردة على حكم مفرد؛ كان أولى ممن جعل الكلمتين في حكم الكلمة الواحدة.
فإن قيل: هذه الآية [تقتضي] (^٢) أن المبذر يداين ويمل بمعنى يقر؛ لأنه تعالى قال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾، وذلك عام في المبذر وغير المبذر، ثم قال: ﴿وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا﴾.
وذلك أيضًا عام في المبذر وغيره.
_________________
(١) ساقطة من الأصل.
(٢) بالأصل: لا تقتضي، وهو خطأ؛ لأن مراد المعترض إثبات أن الآية تقتضي إجازة مداينة السفيه والحكم بصحة إقراره، كما نص على ذلك الجصاص في أحكامه (١/ ٥٩١)، وهو الذي يساعد عليه سياق الكلام بعده. والله أعلم.
[ ٦ / ٥٠ ]
[قيل:] (^١) وإنما كان يكون المبذر داخلًا تحت حكم ذلك الخطاب لو تجرد الخطاب، ولم يتعقبه إخراجه من جملة من يصلح الخطاب له، ولكنه تعالى ذكر المداينة، وذكر أن الذي عليه الحق يمل، ثم استثنى من ذلك السفيه وهو المبذر، فقال تعالى: ﴿فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾، فتبين أنه لم يدخل تحت الخطاب المتقدم، فصار تقدير الآية كأنه قال: "يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه وليملل الذي عليه الحق، إلا أن يكون سفيها فليملل وليه بالعدل"، فدل ذلك على أن المبذر لم يدخل تحت الخطاب المتقدم.
فإن قيل: إن قوله (٢٩) تعالى: ﴿فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾ لم يرد به ولي السفيه، وإنما أراد به ولي الحق، فكلفه أن [يملي] (^٢) بالحق، وفائدة ذلك أنه إذا أقر بأن له على السفيه مائة درهم؛ علم به سقوط ما زاد على ذلك (^٣).
قيل: عن هذا ثلاثة أجوبة:
أحدها: أننا إذا احتملنا الآية على إقرار ولي السفيه؛ حملناها على فائدة، وهي أن السفيه يقر عنه وليه، وأنتم إذا حملتموها على إقرار صاحب الحق؛ حملتموها على ما لا يتعلق به فائدة؛ لأن إقرار صاحب الحق لا يتعلق
_________________
(١) ساقطة من الأصل، ويظهر من السياق أنه بداية جواب الاعتراض، وأيضًا لم يذكر له جواب غير هذا.
(٢) كلمة لم أتبينها، والمثبت من السياق.
(٣) وقد روي ذلك عن الربيع بن أنس، وقاله الفراء أيضًا. أحكام القرآن للجصاص (١/ ٥٩٢) وقال ابن التركماني: "ويرجح هذا التأويل أن السفيه يجوز طلاقه بإجماع أهل العلم، ففارق الأطفال والمجانين إذ لا يجوز طلاقهما". الجوهر بهامش الكبرى (٦/ ١٠١).
[ ٦ / ٥١ ]
به فائدة إذا لم يحكم له بما أقر به.
فإن قيل: فإنه يتعلق به؛ لأنه إذا أقر بأن حقه عشرة؛ علم سقوط ما زاد عليها.
قيل: هذا لا يستفاد من إقراره، بل إنما يستفاد من إقراره بثبوت العشرة، وذلك لا يحكم له به، وسقوط ما زاد على العشرة لا يستفاد بإقراره، وإنما يستفاد ذلك بإبرائه وسقوط دعواه.
وأيضًا فإن الزائد على العشرة مستفاد ببراءة الذمة في الأجل، كما كانت بريئة من العشرة قبل الإقرار بها.
والجواب الآخر: هو أنه تعالى قال: ﴿وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا﴾.
فأخبر أن الذي عليه الحق هو الذي يقر، ثم عطف عليه بحكم السفيه فقال: "فإن كان الذي عليه الحق سفيهًا فليقر وليه"، فيجب أن يكون المراد به إقرار ولي السفيه لما تعذر الإقرار من السفيه؛ لأن المعطوف به في حكم المعطوف عليه.
والجواب الثالث: هو أنه تعالى ذكر السفيه، والضعيف، والذي لا يستطيع أن يمل هو، ثم قال: ﴿فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾ أي يقر، وخصهم بذلك، فيجب أن يكون المراد به إقرار الولي عنهم؛ لأنهم يختصون بذلك ولا يشركهم فيه الرشيد (٣٠)، ولا يجوز حمله على إقرار صاحب الحق؛ لأن إقرار صاحب الحق ليس هو معنى يختص به للمذكورين في الآية، بل الرشيد
[ ٦ / ٥٢ ]
والسفيه فيه سواء، فحمله على ذلك إسقاط لفائدة تخصيص المذكورين.
فإن قيل: كيف جاز لكم حمل ذلك على إقرار الولي وعندكم أن الولي إنما يتصرف في المال على وجه الحظ والتربية، وإقراره على المال غير مقبول.
قيل: ليس كذلك؛ لأن الولي قد يقر في المال في مواضع، ويصح إقراره فيها:
أحدها: البيع ثم الشراء، فإذا باع شيئًا من المال؛ أقر بالعقد وقبض الثمن، وكتب عنه الكتاب به، وإذا اشترى شيئًا؛ أقر بالعقد، وقبض المبيع، وقبل إقراره فيه، ووقعت الشهادة عليه.
والثاني: في السَّلم، فإذا أسلم شيئًا في شيء وضبطه بصفاته، وضبط الأجل، وأقر بذلك؛ قبل إقراره فيه، ولم يكن لغيره أن يطالب بزيادة على الصفة التي أقر بها، ولا بأجل قبل أجله.
ومما يدل على صحة قولنا؛ ما روي "أن عبد الله بن جعفر اشترى أرضًا سبِخة بستين ألف درهم، وغُبن فيها، فقال له علي ﵇: إني أحجر عليك، فمضى عبد الله إلى الزبير فشكا إليه، فقال له: شاركني، فشاركه فمضى علي إلى عثمان ﵇، وطلب منه أن يحجر عليه، فقال عثمان: كيف أحجر على من شريكه الزبير؟! " (^١).
وهذا إجماع منهم على الحجر على البالغ المبذر لماله؛ لأن عليًّا قال لعبد الله لما غبن في بيعه بما لا يتغابن الناس بمثله: "أحجر عليك"، ولم ينكر عبد الله ذلك، ولكنه عدل إلى الشكاية، وفر من الحجر، والزبير قصد تخليصه
_________________
(١) تقدم تخريجه (٦/ ٣٨).
[ ٦ / ٥٣ ]
من الحجر بأن شاركه، ولم ينكر قول علي في الحجر، وعثمان [لم] (^١) ينكر الحجر على البالغ (٣١)، بل قال: "كيف أحجر على من شريكه الزبير"، لأن الزبير كان معروفًا بالحضانة وضبط المال، فكان تقدير قول عثمان: كيف أحجر عليه؛ فإنما يحجر لأجل التبذير وهو الغبن، فلو كان مغبونًا؛ لم يشركه الزبير، فامتنع من الحجر عليه لهذا، وعلل لأنه لم يحصل منه تبذير ولا غبن في بيعه، وهذا يصير منه إلى أنه يحجر على البالغ المبذر، فصار هذا إجماعًا منهم على ما قلناه (^٢).
وروي أن عثمان مر بأرض سبخة فقال: "لمن هذه الأرض؟ فقيل: كانت لفلان وباعها على عبد الله بن جعفر بستين ألف درهم، فقال: ما يسرني أن تكون لي بنعلين، فالتقى بعلي بن أبي طالب فقال له: لم لا تأخذ على يدي [ابن] (^٣) أخيك وتحجر عليه" (^٤).
_________________
(١) في الأصل: فلم.
(٢) لا يخلو ذلك البيع من أن يكون يوجب الحجر على صاحبه أو لا يوجبه، فإن كان يوجب الحجر على الزبير؛ فما يوجبه على عبد الله ولا على غيره، وقد أعاذ الله عثمان ﵁ من أن يكون يترك حقًّا واجبًا من أجل أن ابن الزبير في الطريق، وقد أعاذ الله ابن الزبير ﵁ من أن يحول بين الحق وبين نفاذه، وقد أعاذ الله عليًّا ﵁ في أن يتكلم فيما لم يتبين له. فإن قيل: إنما ترك عثمان الحجر على عبد الله من أجل الزبير، لأنه علم أن الزبير لا يخدع في البيع، فعلم بدخول الزبير فيه أنه بيع لا يحجر في مثله. قلنا: فقد مشى علي في الخطأ إذ أراد الحجر في بيع لا يجوز الحجر فيه، وصح بهذا كله أنه رأي ممن رآه منهم، وقد خالفهم عبد الله بن جعفر، فلم ير الحجر على نفسه في ذلك، وهو صاحب من الصحابة". المحلى (٧/ ١٥٧ - ١٥٨).
(٣) زيادة غير موجودة في الأصل، وعبد الله بن جعفر إنما هو ابن أخ علي وليس أخاه.
(٤) أخرجه ابن حزم في المحلى (٧/ ١٤٨) وأشار ابن حجر في التلخيص (٣/ ٤٣) أن أبا عبيد أخرجه في كتاب الأموال.
[ ٦ / ٥٤ ]
وروي أن عبد الله بن الزبير لما بلغه كثرة صلاة عائشة وعطاياها قال: "لتنتهين عائشة أو لأحجرن عليها، فسمعت ذلك عائشة، فحلفت أن لا تكلمه، فبلغ ذلك ابن الزبير فركب وأتاها، وسألها أن تكفر عن يمينها، فكفرت عن يمينها وكلمته" (^١).
فذهب ابن الزبير إلى أن ما يحصل من عائشة من كثرة العطاء وتفريق المال تبذير منها، تستحق به الحجر، وعائشة - رحمة الله عليها - أنكرت ذلك وسخطته؛ لأنها كانت تصرف مالها في وجوه القرب، والتبذير الذي تستحق به الحجر إنما هو صرف المال في وجوه المعاصي، أو إضاعته من غير نفع يحصل به، فأما من تصدق بماله وصرفه في الطاعات؛ لم يستحق الحجر (^٢).
وأيضًا فإن كل من كان في منع [ماله] (^٣) منه نظر له، وإصلاح لماله؛ فإنه يستحق منع المال؛ أصله الصبي لما منع ماله منه نظرًا له وإبقاء لماله؛ لأنه لو مكن من المال أتلفه، فمنع منه المال، وكذلك البالغ المبذر.
_________________
(١) تقدم تخريجه (٦/ ٣٩).
(٢) قال ابن حزم: "لا ندري كيف استحل مسلم أن يحتج بخطيئة ووهلة، وزلة كانت من ابن الزبير، والله يغفر له إذ أراد مثله في كونه من أصاغر الصحابة أن يحجر على مثل أم المؤمنين التي أثنى الله تعالى عليها أعظم الثناء في نص القرآن، وهو لا يكاد يتجزى منها في الفضل عند الله تعالى .. وقد بلغت به عائشة ﵂ الإنكار حيث بلغته، فلا يخلو الأمر من أن يكون ابن الزبير أخطأ وأصابت هي، وهو كذلك بلا شك، فلا يحتج بقول أخطأ فيه صاحبه، أو يكون ابن الزبير أصاب وأخطأت هي، ومعاذ الله من هذا، ومن أن تكون أم المؤمنين توصف بسفه وتستحق أن يحجر عليها، نعوذ بالله من هذا القول، فصح أن ابن الزبير أخطأ في قوله". المحلى (٧/ ١٥٨).
(٣) ليست في الأصل.
[ ٦ / ٥٥ ]
وأيضًا فإن الصبي إنما حجر (٣٢) عليه لما خيف عليه من إتلاف المال وأن يبقى فقيرًا، وهذا المعنى موجود في الكبير المبذر.
وأيضًا فإن الكبير المبذر ربما بذر ماله فيما يأثم فيه، والصبي لا إثم عليه؛ لأنه ليس بمكلف، ولا يلحقه العقاب، فإذا حجر على الصبي لأجل تبذيره الذي لا إثم عليه؛ [كان] (^١) الحجر على البالغ المبذر لماله فيما يأثم فيه أولى.
وأيضًا فإنه بالغ غير رشيد في ماله، فوجب أن يمنع منه، دليله إذا بلغ عاقلًا غير مصلح لماله.
فإن قيل: فإننا لا نمنعه إذا بلغ على طريق الوجوب، وإنما نقوله استحبابًا.
قيل: إن قلتم هذا؛ فإننا لم نعلل صفة المنع، وإنما عللنا لإثبات المنع فقط، [وأما] (^٢) كيف يمنع؛ لم نتعرض له.
فإن قيل: فقد قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ (^٣).
فخاطب المؤمنين، وأباحهم المداينة، والمبذر من جملة المؤمنين، فوجب أن تجوز له المداينة، وقال: ﴿وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ﴾ ولم يخص.
وأيضًا قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ (^٤) فهو عموم في المبذر وغيره
_________________
(١) في الأصل: فكأنه كان.
(٢) زيادة ليست في الأصل، والسياق يقتضيها.
(٣) سورة البقرة، الآية (٢٨٢).
(٤) سورة البقرة، الآية (٢٧٥).
[ ٦ / ٥٦ ]
إلا أن يقوم دليل.
قيل: قد ذكرنا أنه لو اقتصر على ذلك؛ لكان السفيه داخلًا في حكم الظاهر، فإنه يداين ويقر، ولكنه عقب ذلك بإقرار السفيه بحكم، وإخراجه عن حكم الخطاب المتقدم فقال: ﴿فإن كان الذي عليه الحق سفيها فإن وليه يقر﴾.
والثاني: فإننا نقول: خبرونا أي أحوال السفيه دل الظاهر على جواز مداينته فيها، وجواز إقراره؟
فإن قلتم: اقتضى أن له ذلك قبل أن يحجر عليه؛ قلنا لكم: فلا خلاف في ذلك؛ لأننا نقول: إن تصرفه نافذ ما لم يحجر عليه.
وإن قلتم: يقتضي أن له المداينة في الحجر؛ قلنا لكم: فلا خلاف بيننا (٣٣) أن الحاكم إذا كان يرى الحجر فحجر على السفيه؛ فإنه ليس له أن يداين بعد ذلك، ولا أن يقر بدين، فالظاهر لا يدل على موضع فيه خلاف، لأن الخلاف إنما هو في جواز الحجر عليه، وليس في الآية تعرض لذلك.
وأما قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ (^١)؛ فإنما يتوجه إلى من يصح منه البيع، والمحجور عليه لا يصح منه البيع، وقبل الحجر ليس كلامنا في بيعه.
على أنه لو كان عامًّا؛ لجاز أن يخص بدليل.
فإن قيل: فقد روى قتادة عن أنس: "أن رجلًا كان يبتاع وفي عقدته ضعف، فأتى أهلُه النبي ﷺ، فقال له: لا تبع، فقال: لا أصبر على البيع،
_________________
(١) سورة البقرة، الآية (٢٧٥).
[ ٦ / ٥٧ ]
فقال له: إذا بعت فقل: لا خلابة، ولك الخيار ثلاثًا" (^١).
ولم يحجر عليه، ولو كان الحجر على البالغ المبذر جائزًا؛ لحجر عليه؛ لأنه كان يغبن في البيع.
وأيضًا فإنه ممن يقبل إقراره في نفسه؛ فوجب أن يقبل إقراره في ماله، أصله الرشيد.
وأيضًا فإن الحقوق المتعلقة بالمال آكد وأكثر ثبوتًا من حقوق الأبدان؛ لأن الحق المتعلق بالبدن يسقط بالشبهة، فإذا لم يكن للحاكم أن يحجر عليه في أضعف الحقين؛ لم يجز له أن يحجر عليه في آكدهما وأقواهما (^٢).
قيل: أما حديث أنس وقول النبي ﵇ للرجل: "لا خلابة"؛ فإنه قضية في عين، ولم يذكر في الخبر أن الرجل كان يغبن في بيعه بما لا يتغابن الناس بمثله، فيحتمل أن يكون الرجل ممن يغبن بما لا تنفك التجارة منه، وهذا مقدار ما يتغابن الناس بمثله، ولكنه أبدًا مغبون، فأراد أهله أن يحجر النبي عليه فلم يفعل، فقال له: "قل: لا خلابة، ليكون لك الخيار ثلاثًا فتستدرك الغبن في مدة الخيار"، ولو أوجبت الصورة الحجر عليه؛ لفعل.
وقولكم: إنه ممن يقبل إقراره في (٣٤) نفسه فيجب أن يقبل إقراره في ماله إلى آخر الفصل.
فإننا نقول: إنه لم يحجر عليه في إقراره بحقوق الأبدان؛ لأنه ليس
_________________
(١) تقدم تخريجه (٦/ ٣٨).
(٢) انظر التجريد (٦/ ٢٩٢٩ - ٢٩٣٠) والمحلى (٧/ ١٦٢ - ١٦٣).
[ ٦ / ٥٨ ]
بمتهم فيها؛ إذ الإنسان لا يتهم على نفسه أن يقر بالقتل ليقتل، وإذا لم يتهم في ذلك؛ لم يحجر عليه، وليس كذلك المال؛ لأنه متهم فيه؛ لأنه إذا كان سفيهًا مبذرًا؛ فإنه لا يبالي بتضييع ماله وفي أي وجه انصرف، فلم يقبل إقراره فيه، ألا ترى أن العبد يقبل إقراره فيما [يقتضي] (^١) للعقوبة فيه ببدنه، ولا يقبل إقراره فيما يتعلق بالمال؛ لأنه لا يتهم في أن تحل العقوبة ببدنه، ويتهم في المال أن يخرجه عن سيده.
فإن قيل: فإن [تصرف] (^٢) الإنسان في ماله بنفسه؛ أوسع وأكثر من تصرف غيره في ماله، بدليل أن الغير إذا تصرف في ماله؛ فإنما يتصرف فيما له فيه الحظ، ولا يهب شيئًا من ماله ولا يتصدق، وهو يتصرف في مال نفسه فيما له فيه حظ، وفيما لا حظ له فيه.
ثم قد تقرر أنه لو أبطل هو على نفسه عقوده المستقبلة فقال: "أبطلت ما أعقده في المستقبل"؛ لم يكن له ذلك؛ فلأن لا يملك الحاكم إبطال عقوده المستقبلة [أولى] (^٣).
وأيضًا فإن ما يستقبل من عقوده؛ لم يعقد ولم يوجد، والعقد الذي لم يعقد لا يملك إبطاله أحد.
قيل: قولكم: "إن تصرف الإنسان في ماله أوسع من تصرف غيره إلى آخر الفصل"؛ فإننا نقول: إن الحاكم لا يبطل عقوده المستقبلة، وإنما يحجر
_________________
(١) غير ظاهرة بالأصل، والمثبت من السياق.
(٢) في الأصل: انصرف.
(٣) ليست في الأصل، والسياق يقتضيها.
[ ٦ / ٥٩ ]
عليه، فإذا حجر عليه؛ صار ممنوعًا من التصرف، فلم تنعقد عقوده؛ لأنها تقع ممن لا تصرف له.
وهذا هو [الجواب] (^١) عن الفصل الثاني؛ لأننا نقول: إن عقد […] (^٢) فبطل قبل وجوده، وإنما نقول بالحجر عليه لكون عقوده في (٣٥) المستقبل باطلة إذا عقدها؛ لأنه محجور عليه. والله أعلم.
فإن قيل: فإن التبذير يكثر في كل عصر من الناس، ولم ينقل عن رسول الله ﷺ بيان حكم فيه، ولا عن أحد من الأئمة [أنه] (^٣) حجر لأجل ذلك، فدل على ما ذكرناه (^٤).
وأيضًا فإن السفيه لا ينافي العقل والتمييز؛ فلا يوجب حجرا في أمواله، أصله السخاء في الصدقة، وصلة الرحم، والهبة.
ولأنه يصرف ماله في ملاذه وما تدعوه إليه نفسه مع بقاء عقله، فأشبه من تكثر نفقة نفسه، والتنعم بماله، والزيادة على ما يحتاج إليه.
وأيضًا فإن المبذر صرف ماله إلى جهة غير مأذون فيها، فأشبه من اشترى خمرًا وخنزيرًا.
قيل: أما عصر النبي ﵇ وعصر الصحابة؛ فكان خير الأعصار، ألا ترى أن ماعزًا ابتدأ بإقراره بالزنا وقال: طهرني (^٥)، وكانوا يحفظون فروجهم
_________________
(١) في الأصل: جواب.
(٢) ممحو بالأصل بمقدار كلمتين.
(٣) في الأصل: لأنه.
(٤) انظر المحلى (٧/ ١٦١).
(٥) تقدم تخريجه (٣/ ٤٧٤).
[ ٦ / ٦٠ ]
وأموالهم، والنادر منهم من يسفه، ولعله هذا لم يظهر، ولعلمهم أيضًا بأن الحجر على مثل هذا من أصلح الأمور لم يحتاجوا إلى نقله؛ لأن الدلائل عليه ظاهرة قوية.
وأما القياس على الصدقة وصلة الرحم؛ فإن هذا لا يكون سفهًا ولا تبذيرًا؛ لأنه يطلب القربة، مع علمه بموضع المال وحسن التصرف.
وأما من يشتري بماله الخمر والخنازير؛ فإنه يحجر عليه، إلا [أن] (^١) تكون وقعت منه غلطة، وأنه ينتبه لها ويعود إلى الصواب.
وأما من يسرف في النفقة على نفسه وملاذه على [الداوم] (^٢) حتى يخرج به إلى الحد الذي فيه [الكثير] (^٣)؛ فإنه يحجر عليه أيضًا إذا كان يفضل عنه ما يرمي به، ولا يطعمه، ولا يتصدق به.
فإن قيل: فإن الحجر لا يؤثر في نكاحه، وهو عقد يتضمن عوضًا، وهذا المعنى موجود في البيع، ومن ذلك التزويج بغير إذن غيره، وملك البيع، (٣٦) أصله غير السفيه.
قيل: لا يجوز عندنا أن يتزوج إذا حجر عليه في المال إلا بإذن وليه كالبيع (^٤)، فلم يصح القياس.
فإن قيل: فإن كل معنى أوجب الحجر في التصرف؛ فإنه لا يقف على
_________________
(١) ليست في الأصل، والسياق يقتضيها.
(٢) في الأصل: اللوم، وما أثبته أقرب وأنسب.
(٣) بالأصل: الكبير، والصواب ما أثبته.
(٤) انظر الذخيرة (٨/ ٢٤٨).
[ ٦ / ٦١ ]
حجر الحاكم، أصله الجنون، والصغر، والرق.
قيل: الجنون والصغر والرق ظاهره يعلم بالمشاهدة، ومسألتنا تحتاج أن تثبت بالاختبار ومعرفة العادة من الفاعل، وهي أمور ربما كتمت فيحتاج إلى ثبوتها عند الحاكم، واجتهاده فيها.
فإن قيل: فإن خبر عبد الله بن جعفر؛ لا حجة فيه؛ لأنه لو كان ما فعله يوجب حجرًا عليه؛ لكان قد لزم عثمان حق الله تعالى، فكان لا يجوز إسقاطه عن نفسه بمشاركته للزبير، ولا كان يسوغ للزبير أن يفعله، فكان [اتفاقهما] (^١) على ذلك دلالة أنهما لا يريان الحجر.
ولو كان أيضًا عبد الله اشترى بما لا يتغابن الناس بمثله؛ لكان الحجر مستحقًا عليه وعلى الزبير جميعًا، وامتناع عثمان ﵀ من ذلك دلالة على أنه ليس بحق الله تعالى (^٢).
قيل: إنه يجوز أن يكون عبد الله اشترى بما فيه تفاوت، فلما شاركه الزبير؛ صار التفاوت بينهما، فدخل على كل واحد منهما من الغبن ما يتغابن الناس بمثله، فزال معنى الحجر، وهي فعلة واحدة مبتدأة من عبد الله، وكان عند علي أن من فعل هذا - ولو مرة - استحق الحجر، غير أن المعنى في هذه المرة قد زال بمشاركة الزبير، ولو أقام عبد الله عليها؛ لحجر، ولكنه زال بمشارك الزبير، فلم يقع الحجر.
فإن قيل: فقد اختار عثمان ﵀ الأرض التي ابتاعها عبد الله بستين
_________________
(١) في الأصل: اتفاقهم.
(٢) انظر التجريد (٦/ ٢٩٣٢ - ٢٩٣٣).
[ ٦ / ٦٢ ]
ألفًا فقال: "ما يسرني أن تكون لي بنعلين"، فدل هذا على تفاوت الغبن، فكان يجب أن يحجر على الزبير (٣٧) وعبد الله جميعًا (^١).
قيل: عثمان ﵀ لم يعلم قيمة الأرض، وإنما ذكر أنها لا تصلح له هو بهذا الثمن، وقد لا يرضى شيئًا ويستغْلاه؛ وهو عند غيره مرضي.
وبالله التوفيق.
مَسْألة (٤):
ولا يجوز لامرأة تحت زوج أن تتصرف في أكثر من ثلث مالها على غير معاوضة إلا بإذن زوجها (^٢).
وقال أبو حنيفة والشافعي (^٣): لها أن تهب جميع مالها وتتصدق به، ولا اعتراض له عليها (^٤).
والدليل لقولنا ما رواه عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده أن النبي ﷺ: قال: "لا يحل لامرأة يملك زوجها عصمتها أن تتصرف في مالها إلا بإذنه" (^٥).
_________________
(١) وهذا يدل على أنه تحقق الغبن، إلا أنه استعظم أن يحكم على مثل الزبير بخلافه. التجريد (٦/ ٢٩٣٣).
(٢) انظر الإشراف (٣/ ٤١ - ٤٣) تهذيب المسالك (٣/ ٢٤٤ - ٢٤٧) الذخيرة (٨/ ٢٥١ - ٢٥٦) وهو رواية عن أحمد، وعنه رواية أخرى مثل مذهب الشافعي. انظر المغني (٦/ ٢٣٦ - ٢٣٧).
(٣) وانتصر له ابن حزم في المحلى (٧/ ١٨١).
(٤) انظر الأم (٤/ ٤٥٢ - ٤٥٧) الحاوي الكبير (٦/ ٣٥٢ - ٣٥٤) المبسوط (٢٦/ ٢٨).
(٥) أخرجه أبو داود (٣٥٤٧) والنسائي (٣٧٥٦) وابن ماجه (٢٣٨٨) وإسناده حسن.
[ ٦ / ٦٣ ]
فظاهره يحظر عليها التصرف في جميع مالها إلا بإذنه، إلا ما خصته الدلالة من الثلث فإنه إجماع، وهذا الحديث وإن كان مرسلًا؛ فإننا نقول بالمراسيل.
وأيضًا قوله ﵇: "تنكح المرأة لثلاث: لدينها، ومالها، وجمالها" (^١).
فأخبر أن الرجل ينكح المرأة لأجل المال ورغبته فيه، كما ينكحها رغبة في الدين والجمال، فلو جاز لها أن تخرج مالها كله بغير معاوضة؛ لزال المعنى الذي [تزوجها] (^٢) من أجله (^٣).
وأيضًا فقد جرت عادة الناس أنهم يبذلون الصداق ويبالغون فيه رغبة في المال كما يبذلونه للجمال، وأنهم يرغبون في من لها المال أتم الرغبة؛ خوف العواقب ومجيء النسل، ودفع الحاجة في وقت، والرفاهية التي تلحقهم؛ لأن المرأة الموسرة تستحي أن تتقصى في صغار الأمور مما يجب لها، وتسامح […] (^٤) به نفس الزوج رجاء الميراث، وخاصة على مذهبكم إن [كان لها] (^٥) منه الأولاد، وأعسر بنفقتهم وهي موسرة؛ لزمتها النفقة على الأولاد، (٣٨) وعندنا ترضعهم إلى أن تفطمهم (^٦)، فله حظ في مالها، وليس
_________________
(١) أخرجه بهذا اللفظ أحمد من حديث عائشة (٦/ ١٥٢) وإسناده صحيح، وهو متفق عليه بلفظ: "تنكح المرأة لأربع: لمالها ولحسبها وجمالها ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك". البخاري (٥٠٩٠) ومسلم (١٤٦٦/ ٥٣).
(٢) في الأصل: يزوجها.
(٣) انظر في رد هذا المحلى (٧/ ١٨٩).
(٤) طمس بمقدار كلمتين.
(٥) كلمة لم أتبينها من الأصل، وما أثبته أقرب للسياق.
(٦) "إلا أن يكون مثلها لا يرضع، فذلك على الزوج، وقال أبو حنيفة والشافعي: لا يلزمها ذلك، =
[ ٦ / ٦٤ ]
كذلك الفقير؛ لأنها مضطرة إلى الاستقصاء فيما يجب لها، ولا يترفه الزوج من جهتها بشيء، ولا يترجى فضلها ولا عافيتها (^١)، وإذا كان كذلك وقد تزوج؛ وجب أن تمنع هي من إخراج مالها على غير معاوضة، وإنما جعلنا لها الثلث كما جعلنا للمريض الذي يمنع من الثلثين لأجل ورثته (^٢).
فإن قيل: فقد روي "أن النبي ﵇ صلى يوم العيد، ثم أقبل على النساء فوعظهن وقال: تصدقن ولو من حُلِيّكن، فتصدقن" (^٣).
وكان ذلك واقعًا منهن بغير إذن الأزواج؛ لأن النساء يقعدن منفردات عن الرجال.
قيل: عن هذا أجوبة:
أحدها: أن المرأة يجوز لها أن تتصرف بثلثها فما دونه، وليس للأزواج الاعتراض عليهن فيه، والنساء تصدقن بما دون الثلث، فقلنا بموجب الخبر (^٤).
وجواب آخر: وهو أن النبي ﵇ قد قال لأبي لبابة: "تصدق بالثلث" (^٥).
_________________
(١) = وهو على الزوج بكل حال، وقال أبو ثور: ذلك عليها، وإن كانت ممن لا يرضع مثلها". عيون المجالس (٣/ ١٤٠٣).
(٢) هكذا بالأصل.
(٣) رد ابن حزم هذا القياس من أربعة أوجه، راجعها في المحلى (٧/ ١٨٦).
(٤) أخرجه البخاري (١٤٦٦) ومسلم (١٠٠٠) عن زينب بدون ذكر أن ذلك يوم عيد، وأخرجه البخاري (٣٠٤) عن ابن مسعود بها، ومسلم (٩٠٧/ ١٧) عن ابن عباس في قصة الكسوف لكن بدون لفظ: "ولو من حليكن"، وأخرجه بهذا اللفظ أيضًا الإمام أحمد عن ابن مسعود (١/ ٣٧٣) و(١/ ٤٢٥) وعن أبي هريرة (٢/ ٣٧٣ - ٣٧٤) أنه انصرف من صلاة الصبح فأتى النساء في المسجد.
(٥) انظر الذخيرة (٨/ ٢٥٢).
(٦) أخرجه أبو داود (٣٣١٩) عن ابن كعب بن مالك عن أبيه أنه قال للنبي ﷺ أو أبو لبابة =
[ ٦ / ٦٥ ]
وإذا سبق هذا منه؛ علم أنه لم يندب النساء إلى أكثر من الثلث، والثلث لا اعتراض للأزواج فيه.
وجواب آخر: وهو أنه يحتمل أن يكن النساء [اللواتي تصدقن] (^١) بلا أزواج، أو يكون مع بعضهن أزواجهن فأجازوا لهن الصدقة وإن كانت أكثر من ثلث أموالهن.
فإن قيل: فقد ندبهن إلى الصدقة عمومًا، ولم يخص منهن من لها زوج ممن لا زوج لها.
قيل: ندبه لهن إلى صدقة الثلث فدونه جائز.
فإن قيل: فإنها بالغة رشيدة؛ فوجب أن يجوز لها التصرف في مالها من غير إذن الزوج، أصله إذا كبرت وعنست.
وأيضًا فإنه شخص سلم إليه ماله، فوجب أن يكون له التصرف فيه، أصله الغلام.
قيل: أما المعنسة؛ فإن كان لها زوج؛ فلا فرق بينها وبين (٣٩) الشابة التي بلا زوج إذا كانت بمعاوضة، فليس له أن يمنعها من التصرف في مالها كله إذا لم تحاب فيه محاباة تزيد على ثلثها.
وأما القياس على الغلام؛ فغير صحيح؛ لأنه يملك عصمة نفسه، وهذه
_________________
(١) = أو من شاء الله: "إن من توبتي ان اهجر دار قومي التي أصبت فيها الذنب، وأن أنخلع من مالي كله صدقة، قال: يجزي عنك الثلث". وإسناده صحيح.
(٢) في الأصل: الذين تصدقوا.
[ ٦ / ٦٦ ]
يملك زوجها عصمتها.
فإن قيل: فإننا نحمل الخبر الذي رواه عمرو بن شعيب (^١) [على] (^٢) امرأة زوجها وليها وهي في حجره.
قيل: هذا غلط؛ لأنها إن كانت في [الحجر] (^٣) فائدة لها في التصرف لا يصح (^٤)، والنبي ﵇ قال: "لا تتصرف إلا بإذنه" (^٥) علم أنه لا فائدة فيه؛ لأن المرأة والرجل إذا كانا في الحجر بمنزلة سواء، فلا فائدة في تخصيصه المرأة بذلك، والله أعلم.
مَسْألة (٥):
وإذا قلنا إن [البالغ] (^٦) إذا [بذر] (^٧) ماله حجر عليه؛ فإنه لا يكون محجورًا عليه إلا بحكم الحاكم (^٨).
وبه قال الشافعي وأبو يوسف (^٩).
_________________
(١) تقدم تخريجه (٦/ ٦٣).
(٢) في الأصل: عن.
(٣) في الأصل: الحجة.
(٤) هكذا بالأصل.
(٥) تقدم تخريجه (٦/ ٦٣).
(٦) في الأصل: البائع، والتصحيح من عيون المجالس.
(٧) في الأصل: نذر، والتصحيح من عيون المجالس.
(٨) انظر الكافي (٤٢٣) المعونة (٢/ ٨٥٠).
(٩) انظر الحاوي الكبير (٦/ ٣٥٨) المهذب مع تكملة المجموع (١٤/ ٢١١ - ٢١٣) تحفة المحتاج (٢/ ٣٢٦) وهو مذهب أحمد أيضًا. انظر المغني (٦/ ٢٤٧).
[ ٦ / ٦٧ ]
وقال محمد (^١): يصير محجورًا عليه قبل أن يحكم الحاكم (^٢).
والدليل لقولنا هو أن ابتداء الحجر عليه يقف على استبراء حاله واختباره، والعلم بما يتلفه، وأن ذلك عادة له، وهذا أمر يحتاج إلى الاجتهاد فيه، فيقف على اجتهاد الحاكم كاختبار الغبن.
وأيضًا فإن جواز تصرفه أو بطلانه على هذا الوجه مختلف فيه، فلا ينصرف من أحد الوجهين إلى الآخر إلا بفعل الحاكم، مثل الأشياء المختلف فيها من بيع المدَبَّر (^٣) وأم الولد.
وأيضًا فإنه عاقل مميز؛ فلا يبطل تصرفه إلا بأمر حادث، مثل سائر بياعاته.
فإن قيل: فإن السبب الموجب للحجر عليه هو عدم قيامه بمصالحه، فأشبه المجنون والصبي.
وأيضًا فإن الحجر يثبت عليه لتبقية ماله ويجوز أن يكثر تصرفه قبل علم الحاكم فيؤدي ذلك إلى إبطال حقه وتلف ماله، وهذا لا يصح.
قيل: أما المجنون والصبي؛ (٤٠) فحالهما ظاهرة مشاهدة، لا يحتاج في أمرهما إلى اجتهاد الحاكم، وليس كذلك هذا؛ لأنه يحتاج إلى اختبار حاله وتصرفه على أي وجه يقع، فافترق الحكم في ذلك.
فأما الفصل الثاني؛ فإننا نقول: إنه قبل علم الحاكم مختلف في حكمه
_________________
(١) وكذا ابن القاسم من المالكية، وبعض الخراسانيين من الشافعية. تكملة المجموع (١٤/ ٢١٢).
(٢) انظر الهداية مع شرح فتح القدير (٩/ ٢٦٨ - ٢٧٠) وأما أبو حنيفة فقد تقدم أنه لا يرى الحجر على البالغ أصلًا.
(٣) وهو العبد الذي علق سيدُه عتقه بموته. انظر النهاية (٢٩٦).
[ ٦ / ٦٨ ]
هل يستأنف الحجر أو لا، فإذا ثبت هذا؛ لم يعتبر ما مضى منه، واحتيج إلى الحجر عليه حتى ينقطع الخلاف، وهذا كما نقوله في الحجر على المفلس. وبالله التوفيق.
مَسْألة (٦):
وكل من حجر عليه بحكم أو بغيره؛ فإنه لا ينفك حجره عندنا إلا بحكم (^١).
واختلف قول الشافعي في الصبي إذا بلغ رشيدًا، فقال في أحد قوليه: ينفك حجره بغير حكم.
وقال مثل قولنا (^٢).
وكذلك اختلف قوله في فك الحجر عن المفلس (^٣)، وقال في المجنون قولًا واحدًا: إنه إذا عقل؛ انفك حجره من غير حكم (^٤).
ووافقنا في السفيه إذا ضبط ماله فقال: لا ينفك حجره إلا بحكم الحاكم (^٥).
والباب كله عندنا واحد؛ لأن الاختبار فيهم عند دفع المال إليهم لا بد منه.
_________________
(١) واختاره القاضي عبد الوهاب في المعونة (٢/ ٨٥٠).
(٢) وهو مذهب أحمد أيضًا. انظر المغني (٦/ ٢٤٧).
(٣) انظر تحفة المحتاج (٢/ ٣٠٨).
(٤) الحاوي الكبير (٦/ ٣٦٣).
(٥) انظر الحاوي الكبير (٦/ ٣٦٣) تحفة المحتاج (٢/ ٣٢٦).
[ ٦ / ٦٩ ]
فالمجنون إذا كان بلغ مطبقًا ثم أفاق؛ فإنه لم يختبر حاله، فيعرف ضبطه ونظره في ماله، وإن كان الجنون حدث عليه ثم أفاق؛ فقد يجوز أن يؤثر فيه الجنون ويغيره عما كان عليه قبله، فلا بد من اختباره
وأما الصبي؛ فلا بد أن يجتهد في اختباره، وهذا يتعلق بالحاكم؛ فإذا تقرر خبره عنده، واجتهد فيه؛ احتاج إلى فك حجره.
والمفلس إذا قسم ماله؛ لم يرتفع الحجر عليه حتى يختبر حاله (^١)؛ لئلا يكون قد طرأ له مال، أو تغيرت أخلاقه في مدة الحجر عليه؛ فإن الفلس ربما أعمى القلب، وغيّر الخلق والطبع، وتحدثه نفسه في الحجر عليه إن لم يكن أكل جميع (٤١) المال حتى لا يبقي للغرماء شيئًا، فإن الحجر واحد فيحتاج أن يختبر ويجتهد فيه، ثم يفك حجره حتى يظهر للناس أن الحجر قد زال عنه فيعاملونه، فلعله أن يستفيد مالًا يقضي به باقي غرمائه الذين فلس لأجلهم، وجميع المعاني التي حجر على السفيه من أجلها - إذا فك حجره من الاختبار والنظر في حاله - يحتاج إليها هؤلاء. والله أعلم.
مَسْألة (٧):
السفيه [المحجور] (^٢) عليه إذا طلق أو خالع؛ جاز طلاقه وخلعه.
وهذا مذهب العلماء إلا ابن أبي ليلى و[أبا] (^٣) يوسف فإنهما قالا:
_________________
(١) وقال القرافي: "لا يحتاج إلى فك القاضي". الذخيرة (٨/ ٢١٤).
(٢) في الأصل: المجنون، والتصحيح من عيون المجالس.
(٣) في الأصل: أبو، والتصحيح من عيون المجالس.
[ ٦ / ٧٠ ]
لا يصح خلعه ولا طلاقه (^١).
قالوا: لأن البضع يجري مجرى المال؛ بدليل أنه يملك بمال، ويزال الملك عنه بمال، ولو أن شاهدين شهدا أن فلانًا طلق امرأته وتزوجت، ثم رجعا عن شهادتهما وقالا: أخطأنا؛ لزمهما له المهر؛ كما لو شهدا على رجلين بدين لرجل ثم رجعا عن شهادتهما؛ فإنه يلزمهما ضمان ذلك المال، وإذا ثبت أن البضع تجري مجرى المال - وقد تقرر أنه لا ينفك تصرفه في المال -؛ فكذلك في البضع.
والدليل لقولنا قوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ﴾ (^٢).
فعم كل مُطلِّق.
وقال النبي ﵇: "الطلاق لمن أخذ بالساق" (^٣).
فهو عموم.
وأيضًا فليس السفيه بأنقص حالًا من العبد، وقد تقرر أن العبد يصح طلاقه وخلعه؛ فكذلك السفيه.
_________________
(١) انظر الإشراف (٣/ ٤٣ - ٤٤) بداية المجتهد (٥/ ٢٦٢) الحاوي الكبير (٦/ ٣٥٩) المهذب مع تكملة المجموع (١٤/ ٢١٣ - ٢١٥) تحفة المحتاج (٢/ ٣٢٨) الهداية مع فتح القدير (٩/ ٢٧٢) حاشية ابن عابدين (٩/ ١٧٨).
(٢) سورة البقرة، الآية (٢٣٠).
(٣) أخرجه ابن ماجه (٣٤٣٩) وفيه ابن لهيعة، والراوي عنه يحيى بن عبد الله بن بكير ليس ممن روى عنه قبل الاختلاط، وله طريق أخرى أخرجه الدارقطني (٤/ ٣٧) والبيهقي (٧/ ٥٩٠ - ٥٩١) وفيه أبو الحجاج المهري ضعيف، وأحمد بن الفرج ضعيف أيضًا، وله طريق أخرى أشار إليه الألباني في الإرواء (٧/ ١٠٨)، يرتقي بها إلى درجة الحسن.
[ ٦ / ٧١ ]
وأيضًا فإن الطلاق والخلع حظ له بكل حال، وذلك أنه إن طلق قبل الدخول؛ استفاد نصف الصداق، وإن طلق بعد الدخول؛ أسقط عن نفسه النفقة، والكسوة، وغير ذلك، وإن خالع؛ استفاد عوض الذي يأخذه، وإذا كان ذلك حظًّا له بكل وجه؛ كان له فعله؛ لأنه (٤٢) إنما يمنع مما لا حظ فيه له، أو من جنس يكون له فيه الحظ تارة، ولا يكون له حظ فيها أخرى.
وأيضًا فإن البضع ليس بمال، ولا يجري مجرى المال؛ بدليل أن العبد يطلق ويخالع، فلو كان ذلك مالًا؛ لم يكن له ذلك، ولا يزيل ملكه كما لا يزيله عن المال إلا بإذن سيده.
وأيضًا فإنه لا يوهب ولا يورث، فثبت أنه ليس بمال، فلا يمنع السفيه، ألا ترى أن إقراره على نفسه لما لم يكن مالًا ولا يجري مجرى المال؛ قبل قوله، وقد فسد قولهم: إنه يجري مجرى المال بما ذكرناه.
فأما الشاهدان على رجل بالطلاق؛ فإن كان بعد الدخول؛ لم يلزمهما شيء من الصداق، إذا رجعا؛ لأن الصداق كله مستحق على الرجوع، فلم يتلفا عليه شيئًا من الصداق، وإن كان قبل الدخول؛ فلم يلزمهما لأجل أنه مال، قال: وإنما لزمهما لأجل ما أتلفاه بشهادتهما، ألا ترى أنهما لو شهدا على رجل بقتل، فقتل، ثم رجعا وقالا: أخطأنا؛ لزمهما ضمان الدية، ولم يكن ما شهد فيه مالًا، وإنما ضمنا لأجل ما حصل من الإتلاف بشهادتهما. والله أعلم.
[ ٦ / ٧٢ ]
مَسْألة (٨):
إذا كان [الوصي] (^١) أو الأمين فقيرًا؛ جاز أن يأكل من مال اليتيم بمقدار إجارة مثله (^٢).
وبه قال الشافعي (^٣).
وقال أبو حنيفة: لا يجوز له تناول شيء من ماله (^٤).
والدليل لقولنا قوله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾ إلى قوله: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (^٥).
وقوله: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (^٦).
وإذا كان قيِّما بأمره، وناظرًا في مصالحه، وكان محتاجًا؛ فمِن التي هي أحسن أن يأكل بالمعروف (٤٣) كما قال الله تعالى، عوضًا عن نظره وانقطاعه عن معاشه، مع كونه أمينًا محتاطًا لليتيم.
وأيضًا فإن هذا وإن كان من فعل المعروف؛ فإنه يجوز أن يأخذ عليه عوضًا، ألا ترى أن الله تعالى جعل للعاملين على الصدقات قسطًا من الصدقات
_________________
(١) في عيون المجالس: الموصي، وهو خطأ.
(٢) انظر أحكام القرآن لابن العربي (١/ ٤٢٢ - ٤٢٤).
(٣) انظر المهذب مع تكملة المجموع (١٤/ ١٥٩ - ١٦٥) روضة الطالبين (٤/ ١٨٩ - ١٩٠) تحفة المحتاج (٢/ ٣٣٥).
(٤) أحكام القرآن للجصاص (٢/ ٨١ - ٨٦) التجريد (٦/ ٢٩٣٨ - ٢٩٤١).
(٥) سورة النساء، الآية (٦).
(٦) سورة الأنعام، الآية (١٥٢).
[ ٦ / ٧٣ ]
التي يأخذونها للفقراء (^١).
وأيضًا فإن الإمام ناظر في أمور المسلمين، و[قائم] (^٢) عليهم للنظر في مصالحهم، وقد أباحه الله تعالى أن يأخذ ما يكفيه من بيت المال، فكذلك والي اليتيم (^٣).
وأيضًا فإنه ليس على الإنسان أن ينقطع عن معيشته والنظر في مصلحة غيره بغير عوض، فإن تطوع؛ فهو حسن، وإن لم يتطوع - وكانت المصلحة نظره -؛ جاز أن يأخذ عوضًا على ذلك، ألا ترى "أن أبا بكر الصديق - رضوان الله عليه - لما ولي الخلافة؛ دخل السوق يطلب المعاش، فرآه عمر رحمة الله عليه، فجمع المهاجرين والأنصار، وقال لهم: إن خليفة
_________________
(١) يشير إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا ..﴾ الآية (٦٠) من سورة التوبة.
(٢) في الأصل: قال.
(٣) قال الجصاص: "فإن قيل: فما الفرق بين رزق القاضي والعامل، وبين أخذ ولي اليتيم من ماله مقدار الكفاية، وبين أخذ الأجرة؟ قيل له: إن الرزق ليس بأجرة لشيء، وإنما هو شيء جعله الله له ولكل من قام بشيء من أمور المسلمين، ألا ترى أن الفقهاء لهم أخذ الأرزاق ولم يعملوا شيئًا يجوز أخذ الأجرة عليه؟ لأن اشتغالهم بالفتيا وتفقيه الناس فرض، ولا جائز لأحد أخذ الأجرة على الفروض، والمقاتلة وذريتها يأخذون الأرزاق وليست بأجرة، وكذلك الخلفاء، وقد كان للنبي ﷺ سهم من الخمس والفيء، وسهم من الغنيمة إذا حضر القتال، وغير جائز لأحد أن يقول: إن النبي ﷺ قد كان يأخذ الأجر على شيء مما يقوم به من أمور الدين، وكيف يجوز ذلك مع قول الله تعالى: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ و﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ فثبت بذلك أن الرزق ليس بأجرة، ويدلك على هذا أنه قد تجب للفقراء والمساكين والأيتام في بيت المال حقوق ولا يأخذونها بدلًا من شيء، فأخذ الأجرة للقاضي ولمن قام بشيء من أمور الدين غير جائز، وقد منع القاضي أن يقبل الهدية" أحكام القرآن (٢/ ٨٥ - ٨٦) وانظر ما تقدم في كتاب الصلاة (٤/ ٦٣).
[ ٦ / ٧٤ ]
رسول الله ﷺ يقوم بأموركم، وينوب عنكم، وإنه من المسلمين كولي اليتيم من اليتيم، فقدروا له كل يوم درهمين وأربعة دوانيق" (^١).
ففيه دليلان:
أحدهما أنه لو لم يجز لولي اليتيم أن يأخذ من ماله شيئًا؛ لم يقع التشبيه به موضعه.
والدليل الآخر: هو أنهم قدروا له درهمين وأربعة دوانيق كل يوم، وفي جملة المسلمين الأيتام والمجانين.
فإن قيل: فإن التشبيه بعمال الصدقات؛ غير صحيح؛ لأن أولئك يأخذون بإذن الإمام (^٢).
وما ذكرتموه من حال الإمام؛ فإننا نقول: إن بيت مال المسلمين محفوظ لمصالحهم ومنافعهم، فأقل الأحوال أن يكون الإمام كواحد منهم.
_________________
(١) أخرجه البخاري (٢٠٧٠) عن عائشة قالت: "لما استخلف أبو بكر الصديق قال: لقد علم قومي أن حرفتي لم تكن تعجز عن مؤونة أهلي، وشغلت بأمر المسلمين، فسيأكل آل أبي بكر من هذا المال وأحترف للمسلمين فيه". وأخرجه ابن سعد في الطبقات (٣/ ١٥٨) بلفظ: "لما استخلف أبو بكر أصبح غاديًا إلى السوق على رأسه أثواب يتّجر بها، فلقيه عمر بن الخطاب وأبو عبيدة بن الجراح فقال: كيف تصنع هذا وقد وُلّيت أمر المسلمين؟ قال: فمن أين أطعم عيالي؟ قالوا: نفرض لك، ففرضوا له كل يوم شطر شاة. وبنحو هذا أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (١٠/ ١٠٧) وقال الحافظ ابن حجر في إسناد ابن سعد: "إسناد مرسل رجاله ثقات". الفتح (٦/ ٩٢).
(٢) وأيضًا فإنهم لما لم يمنعوا من أخذ الأجرة مع الغنى؛ لم يمنعوا مع الفقر، ولما كان الوصي لا يجوز له أخذ الأجرة مع الغنى؛ كذلك الفقر. التجريد (٦/ ٢٩٤٠).
[ ٦ / ٧٥ ]
وأما قصة أبي بكر؛ فلا يلزم؛ لأنه إنما شبهه (٤١) بولي اليتيم في قيامه بأمور المسلمين، ولم يقل عمر: يجب أن يفرض له كما يفرض لولي اليتيم.
وعلى أنه دلالة عليكم؛ لأن عمر شبهه بولي اليتيم في أنه يحتاج أن يفرض له ويقدر، ولم يقل: هو مستحق لذلك من غير فرض المسلمين له، فكذلك في ولي اليتيم لا يستحق أن يفرض الغير له، وهذا هو الذي يقتضيه الكلام في حقيقته.
قيل: أما عمال الصدقات؛ فإن الله تعالى جعل لهم ذلك، فنبه على كل من عمل شيئًا ينوب فيه عن غيره مما فيه مصلحته؛ فإنه يجوز له أن يأخذ العوض، وإن كان الاستحباب لهم أن يتطوعوا، فلو أنفذ الإمام عمال الصدقات ولم يقل لهم خذوا [أجرا] (^١)؛ لجاز لهم أن يأخذوه إذا لم يتطوعوا بتركه، والله تعالى قد قال في والي اليتيم: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (^٢)، فندب الغني إلى التطوع بالنظر، وأباحه إن كان فقيرًا أن يأكل بالمعروف (^٣)، كما جعل الله تعالى لعمال الصدقات، وإن كانوا
_________________
(١) في الأصل: أحدا.
(٢) سورة النساء، الآية (٦).
(٣) اختلف السلف في هذه الآية على أقوال: أحدها: ما ذكره المصنف. والثاني: أنه لا يأكل من مال اليتيم شيئًا بحال، وهذه الرخصة في قوله تعالى: ﴿فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ منسوخة بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا﴾. الثالث: أن المراد به اليتيم، وإذا كان فقيرًا؛ أنفق عليه واليه بقدر فقره من مال اليتيم، وإن كان غنيًّا؛ أنفق عليه بقدر غناه، ولم يكن للولي فيه شيء. والرابع: أن المعروف شربه اللبن وركوبه الظهر غير مضر بنسل، ولا ناهك في حلب. انظر أحكام القرآن لابن العربي (١/ ٤٢٢ - ٤٢٣) وأحكام القرآن للجصاص (٢/ ٨١ - ٨٢).
[ ٦ / ٧٦ ]
أغنياء؛ استحببنا لهم أن يتطوعوا، فإن أخذوا الأجرة؛ جاز.
وقولكم في الإمام: "إن بيت المال محفوظ لمصالح المسلمين؛ فأقل الأحوال أن يكون كواحد منهم"؛ فإننا نقول: هو كواحد منهم، ولكنه هو ذا يستند بزيادة عليهم؛ وهو ما يأخذه لأجل نظره وقيامه بمصالحهم.
وقولكم: "إن عمر شبه أبا بكر الصديق - رحمة الله عليهما - بولي اليتيم في النظر في أمورهم، والقيام بمصالحهم، وأنه لم يقل: يجب أن يفرض له، وأيضًا فإنه شبهه بوالي اليتيم فإنه يحتاج أن يفرض له ويقدر، ولم يقل هو مستحق لذلك من غير فرض"؛ فإننا نقول: هو تخصيص للتشبيه، وعمر لم (٤٥) يخصص، وإنما شبهه بوالي اليتيم عمومًا في النظر وأخذ الرزق، وإنما التقدير لوالي اليتيم؛ فليس يحتاج إلى تقدير الإمام، ولا إلى فرضه له؛ لأن الله تعالى قد قال: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (^١).
وهذا كقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (^٢).
وإنما لا يحتاج إلى تقدير الإمام لأنه قد يأكل ويأخذ أقل من إجارة مثله وقد رضي بذلك، فإن طلب التقدير والفرض؛ جاز أن يقدر له، ويفرض إجارة مثله إذا عمل، أو يدخل على مقدر مفروض قبل نظره.
فإن قيل: فإن الوصي تصرف بأمر سابق؛ فأشبه الوكيل، فلما لم يكن للوكيل الانتفاع بما وكل فيه؛ فكذلك الوصي.
_________________
(١) سورة النساء، الآية (٦).
(٢) سورة البقرة، الآية (٢٣٣).
[ ٦ / ٧٧ ]
وأيضًا فإنه مؤتمن في حفظ مال الصبي مثل المودع، فلا يثبت له فيه الإنفاق إلا بإذن، أصله المودع (^١).
وأيضًا فإن المنافع لا قيمة لها إلا بحكم عقد يقتضيها، وعقد الوصية لم يشرط فيه المنفعة، ولا يجوز أن يستحقها.
وأيضًا فإن الموصي استعان بالوصي في التصرف، فأشبه من استعان بخدمة غيره، فلا تكون له عليه نفقة ولا أجرة.
قيل: أما القياس على الوكيل؛ فغير صحيح؛ لأن الوكالة تنفسخ بالموت، وللموكل أن يتصرف مع الوكيل، وليس كذلك الوصي، فهو كعامل الصدقات، [فهو] (^٢) بالإمام أشبه.
وعلى أن الوكيل في البيع والشراء - وهو مفوض إليه - يجوز أن يأخذ من المال الذي يحصل في يده بمقدار أجرته، فأما المودع؛ فإنه لا يراد إلا للحفظ فقط، فالوصي مؤتمن، ومع هذا يحتاج أن يتصرف لليتيم، وينمي ماله، ويراعي اليتيم في خدمته، ومأكله، ومشربه، وحفظه، وتأديبه، (٤٦) فهو عامل مع الحفظ.
وقولكم: "إن المنافع لا قيمة لها إلا بحكم عقد يقتضيه، وعقد الوصية لم يشترط فيه المنفعة"؛ فإننا نقول: عقد الوصية يقتضي المنفعة من الوصي بالتصرف والقيام بأمر اليتيم وإن لم يشترط؛ لأن المقصود من الوصية وموضوعها لهذا، فهو كولاية الإمام والحاكم.
_________________
(١) انظر التجريد (٦/ ٢٩٣٩).
(٢) زيادة ليست في الأصل، السياق يقتضيها.
[ ٦ / ٧٨ ]
وقولكم: "إن الموصي [استعان] (^١) بالوصي في التصرف"؛ فإننا نقول: إن الإمام معين، والحاكم معين للإمام، وعمال الصدقات استعان بهم الإمام على جباية الصدقات ومع هذا فلهم ما يأخذونه، ومن استعان عبدًا بإذن سيده؛ فإن استعانه على شرط أن لا يأخذ شيئًا؛ فإنه لا يأخذ، وإن استعانه مطلقًا من غير شرط وطلب السيد منه أجره؛ فله ذلك.
فإن قيل: فقد قال تعالى: ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ (^٢).
وهذا يمنع من أكل المال بغير وجه التجارة والتراضي.
قيل: هذه الآية حجة لنا؛ لأن التجارة لا تؤكل، وإنما أراد أكل ما يكون عن تجارة، فهو عام في كل تجارة، والموصي قد رضي أن يتجر الوصي بمال اليتيم؛ ورضي الوصي بذلك، فإذا باع له شيئًا؛ جاز أن يأكل منه بالمعروف؛ لأنه أكل من مال من تجارة.
فإن قيل: فإن الآية تقتضي أن يكون ما يأكله من تجارة بينه وبين صاحب المال.
قيل: ليس في ذكر التجارة تخصيص التجارة الموصي أو الوصي، أو أن يكون من تجارة متقدمة بعد أن يكون المال من تجارة، فهذا يقتضي أنه إذا كان مال الموصي قد حصل من تجارة؛ جاز أن يأكل الموصي منه، وكذلك من تجارة يتجر بها الوصي في مال اليتيم، فإذا ثبت أنه قد أبيح له أن يأكل من
_________________
(١) ساقطة من الأصل، وأثبتها من الاعتراض قبله.
(٢) سورة النساء، الآية (٢٩).
[ ٦ / ٧٩ ]
مال اليتيم إذا كان أصله من (٤٧) تجارة؛ جاز أن يأكل من مال اليتيم [إذا] (^١) كان من غير وجه التجارة؛ [لأنه] (^٢) لا أحد يفرق بين الموضعين.
فإن قيل: فإذا كان الله تعالى قد أمر الناظر في أمر اليتيم أن يستعفف إذا كان الناظر غنيًّا؛ اقتضى الأمر له بالاستعفاف الوجوب، فإذا وجب عليه أن يستعفف؛ لم يجز له أخذ شيء من مال اليتيم، وإذا وجب هذا في الغني؛ وجب في الناظر الفقير؛ لأنه لا أحد يفرق بينهما.
قيل: وإذا قال تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ فقد أباح للفقير أن يأكل من مال اليتيم بالمعروف، فإذا ثبت هذا في الفقير؛ جاز في الغني؛ لأنه لا أحد يفرق بينهما، ولكننا نحمل قوله: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾ على الندب. والله أعلم.
_________________
(١) في الأصل: فإذا.
(٢) في الأصل: لا انه.
[ ٦ / ٨٠ ]