مَسْألة (٩):
الصلح (^١) على الإنكار جائز، وصورته أن يدعي إنسان على إنسان شيئًا فينكره، ولا تكون للمدعي بينة، فيصالحه المدعى عليه على شيء يعطيه، فيجوز عندنا له أخذه، ويملكه المدعي (^٢).
وبه قال أبو حنيفة وأصحابه (^٣).
وقال الشافعي: الصلح باطل، ولا يملك المدعي ما يأخذه من الصلح، ويجب عليه أن يرده (^٤).
وبه قال ابن أبي ليلى (^٥).
_________________
(١) الصلح في اللغة: اسم بمعنى المصالحة والتصالح، وهو قطع المنازعة والنفار بين الناس. واصطلاحًا: هو انتقال عن حق أو دعوى بعوض لرفع نزاع أو خوف وقوعه. انظر اللسان (صلح) وشرح حدود ابن عرفة (٢/ ٤٢١).
(٢) انظر الكافي (٤٥١) الإشراف (٣/ ٤٥ - ٤٧) تهذيب المسالك (٣/ ١٨٧ - ١٩٠) بداية المجتهد (٥/ ٢٨٢ - ٢٨٣) وهذا الصحيح من مذهب الحنابلة، بشرط أن يكون المدعي معتقدًا أن ما ادعاه حق، والمدعى عليه يعتقد أنه لا حق عليه. انظر المغني (٦/ ٢٧٢ - ٢٧٥) الإنصاف (١٣ - ١٥٢).
(٣) التجريد (٦/ ٢٩٤٥ - ٢٩٥٧) بدائع الصنائع (٧/ ٤٦٧) حاشية ابن عابدين (٨/ ٣٥٣).
(٤) انظر الأم (٤/ ٤٦٤) الحاوي الكبير (٦/ ٣٦٩ - ٣٧٢) تحفة المحتاج (٢/ ٣٤٠). وإلى هذا ذهب ابن حزم في المحلى (٦/ ٤٦٤ - ٤٧٠).
(٥) انظر بداية المجتهد (٥/ ٢٨٢ - ٢٨٣) بدائع الصنائع (٧/ ٤٦٧).
[ ٦ / ٨١ ]
والدليل لقولنا قوله تعالى: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ (^١).
والإصلاح هو ما قطع الخصومة على جميل بين المتخاصمين، فهو عموم إلا ما قام دليله.
وقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ (^٢).
وهذا أيضًا عموم.
فإن قيل: هذه الآية نزلت على سبب؛ وهو اختلاف أصحاب (٤٨) رسول الله ﷺ في الأنفال (^٣) قبل أن ينزل قوله ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ (^٤).
قيل: عنه جوابان:
أحدهما: أننا نقول بعموم اللفظ وإن نزل على سبب (^٥).
والجواب الآخر: أن فيه تنبيهًا على إصلاح ذات البين في كل خلاف إلا أن يمنع منه دليل.
وأيضًا قوله تعالى: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ (^٦) فهو عموم.
_________________
(١) سورة النساء، الآية (١١٤).
(٢) سورة الأنفال، الآية (١).
(٣) انظر تفسير ابن جرير (٥/ ٣٧٦٠ - ٣٧٦٥).
(٤) سورة الأنفال، الآية (٤١).
(٥) لكنه خلاف ما قرره في المقدمة من الأصول في الفقه (١/ ٣٠٩) أنه يرجح قصره على سببه.
(٦) سورة النساء، الآية (١٢٨).
[ ٦ / ٨٢ ]
وأيضًا قوله ﵇: "الصلح جائز بين المسلمين" (^١).
فعم ولم يخص صلحًا على إقرار من صلح على إنكار، رواه أبو هريرة عنه ﵇.
وقد روى كثير بن زياد، عن الوليد بن رباح، عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: "المسلمون على شروطهم، والصلح جائز بين المسلمين" (^٢).
فإن قيل: ما تلوتموه من الآيات إذا ثبت العموم فيها؛ فهي مخصوصة، وكذلك قوله ﵇: "الصلح جائز بين المسلمين" بقوله ﵇: "إلا صلحًا أحل حرامًا أو حرم حلالًا" (^٣).
والصلح على الإنكار صلح يحرم حلالًا، ويحل ما كان حرامًا؛ لأن المدعي كانت تحل له الدعوى والمطالبة بالحق، ويحرم عليه أخذ المال؛ لأنه لم يكن حقق دعواه، فلما صالح؛ قدم عليه الدعوى والمطالبة، وحل له أخذ المال.
قيل: لو أريد بقوله ﵇ ما ذكرتموه من الصلح الذي يحل الحرام ويحرم
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٣٥٩٤) وأحمد (٢/ ٣٦٦) وابن حبان (١١٩٩) والدارقطني (٣/ ٢٧) والحاكم (٢/ ٤٩) والبيهقي (٦/ ١٣١) وله طرق يقوي بعضها بعضًا.
(٢) انظر ما قبله.
(٣) أخرجه الترمذي وقال: "حسن صحيح". وتعقبه الذهبي في الميزان (٣/ ٤٠٣) في ترجمة كثير بن عبد الله. وقال ابن الملقن في البدر المنير (٦/ ٦٨٨): "بل واه بمرة". وأخرجه أيضًا ابن ماجه (٢٣٥٣) دون "المسلمون على شروطهم"، وله طرق وشواهد يرتقي بها إلى درجة الصحيح لغيره كما قال الشيخ الألباني في الإرواء (٥/ ١٣٨ - ١٤٦).
[ ٦ / ٨٣ ]
الحلال؛ لبطل الصلح على الإقرار؛ لأن المدعي قد كانت له المطالبة بجميع حقه الذي أقر به المدعى عليه وأن يستوفيه، فلما صالح؛ حرم عليه ما كان له حلالًا؛ لأن كل صلح حرم حلالًا؛ فهو باطل، وكل صلح أحل حرامًا؛ فهو باطل، وقد أحل أيضًا الصلح على الإقرار ما (٤٩) كان حرامًا على المقر من منعه باقي ما أقر به؛ لأن الصلح لما حصل؛ جاز له أن يمنع الباقي بعد أن لم يكن له منعه، فإذا جاز الصلح على الإقرار - وفيه المعنى الذي ذكرتموه -؛ علمنا أنه ﵇ لم يرد بالصلح الذي يحل الحرام ويحرم الحلال ما ذكرتموه، وإنما أراد أنه لا يجوز الصلح على خمر أو خنزير، فيكون قد أحل هذا الحرام، وأن يصالحه على شيء ويشترط عليه أن لا [يبيعه] (^١) فيحرم عليه، فصلحه الحلال من البيع.
وعلى أن قوله ﵇: "إلا صلحًا أحل حرامًا" (^٢) يفيد ما أطلق فيه اسم التحريم، فأما ما يسوغ فيه الاجتهاد؛ فلا يقال: إنه محرم على الإطلاق، وإنما يقال: هو محرم عند زيد وفي اجتهاده.
ولأن النبي ﵇ إنما يطلق اسم التحريم حكاية على تحريم سابق فيما كان منصوصًا عليه في القرآن، وأما ما فوض فيه الاجتهاد، ويسوغ لهم القول فيه؛ فغير جائز أن نسميه محرمًا ونطلق التحريم في ذلك.
وعلى أن ما ذكرتموه يبطل نفس الخبر؛ لأن قوله: "الصلح جائز بين المسلمين"؛ قد فهم منه جواز الصلح على مال الغير، فلو كان المراد بالتحريم أخذ مال يستبيحه بالصلح؛ لكان قد نفى ما أثبته، وهذا غير جائز، فعلم أن
_________________
(١) بالأصل: يتبعه، وهو خطأ.
(٢) هو الحديث قبله.
[ ٦ / ٨٤ ]
المراد ما ذكرناه.
وأيضًا فإن الصلح يقصد به إسقاط الحق والبراءة؛ بدليل أنه يقع على دون حقه على ما جرت به العادة، فما قصد به إسقاط الحقوق؛ لا يؤثر فيه الجحود، أصله من أعتق عبدًا يجحده الرق لم يعترف به؛ أن ذلك العتق نافذ.
وأيضًا فقد يجوز أن يكون المدعي صادقًا فيما ادعاه، فيكون الصلح واقعًا عن مال يحكم ببطلانه فجاز مثل الصلح على الإقرار، ألا ترى (٥٠) أن المقر يجوز أن يكون صادقًا فيما يقر به، ويجوز أن يكون كاذبًا، غير أنا لما لم نحكم ببطلان إقراره بالمال؛ جاز صلحه.
وأيضًا فإن الصلح سبب لإسقاط الخصومة؛ فجاز مع الإنكار، كالاستحلاف.
وأيضًا فلو وهب له ما ادعاه عليه؛ صحت هبته، بدليل أن المدعى عليه لو أقر بعد ذلك بالمال؛ لسلم له، وكل ما تعلق الحكم بهبته؛ جاز الصلح عنه، أصله الدين يقر به.
وأيضًا فإن هذا العقد سمي في الشرع صلحًا، فجاز وإن لم يكن من جهة كل واحد منهما مال، أصله الصلح من دم العمد.
وأيضًا فإن اليمين التي تَثبت للمدعي على المدعى عليه حق ثابت يجوز أن يؤدي سقوطه إلى استحقاق المال، مثل أن يَنكُل (^١) عن اليمين ويردها على المدعي، فجاز أن يؤخذ عنه المال على وجه الصلح لإسقاطه
_________________
(١) أي يمتنع منها. انظر المصباح المنير (٣٦١).
[ ٦ / ٨٥ ]
كما في دم العمد.
وأيضًا فإن هذا النوع من العقود انفرد باسم؛ فجاز أن ينفرد بمعنى يفارق البياعات كما انفرد بالاسم، مثل النكاح، فلو كان الاسم وضع للصلح مع الإقرار؛ لم يفارق معنى البيع، بدليل أن جميع أحكام البيع يتعلق بالصلح مع الإقرار، فوجب أن يكون الاسم أخص بما كان صلحًا على الإنكار لمفارقته للبيع في معناه الذي وضع له.
فإن قيل على هذا: فإن الصلح يفارق البيع من وجهين، ويختص بها دونه، وذلك أن الصلح لا يقع في العادة إلا عقيب خصومة، فإذا زالت؛ اجتمعا فتصالحا على شيء، والبيع ليس من حقيقته أن يتقدمه خصومة في العادة (^١).
ولأن الصلح يقصد منه في العادة [ارتفاق] (^٢) المصالح؛ لأنه يؤخذ منه البعض ويترك البعض وليس يقصد من البيع في العادة ارتفاق (٥١) أحد المتعاقدين؛ لأن كل واحد منهما يقصد رفق نفسه، فلما اختص الصلح بهذين المعنيين؛ اختص بالاسم.
قيل: ما ذكرتموه من تقدم الخصومة والجحود؛ فإننا نقول: إن اختلاف أسماء العقود الشرعية إنما هو لاختلاف أحكام، وتقدم الخصومة ليس هو معنى يعود إلى الحكم.
وأيضًا فإن الصلح للإسقاط والمسامحة؛ فلا معنى لاعتبار تقدم الخصومة.
_________________
(١) هذا هو الوجه الأول، وما بعده الوجه الثاني.
(٢) في الأصل: أن يفارق، والتصحيح من جواب الاعتراض بعده.
[ ٦ / ٨٦ ]
وقولكم: "إن الصلح يقصد منه في العادة ارتفاق أحد المتعاقدين"؛ فإننا نقول: إن هذا ليس بحكم؛ بدليل أن البيع قد يحط على وجه يجوز أن يكون كما قاله، والمعتبر بالأخذ حق الدافع؛ بدليل أن من اشترى من رجل عبدًا ثم زعم بعد الشراء أنه حر؛ فهو يزعم أن الآخذ لم يحل له أخذ المال إلا أن يأخذ بما ادعى الثمن وكذبه في العتق، واحتمل أن يكون الأمر على ما قاله، فحل له أخذ المال منه.
فإن قيل: فإنه صلح على من لم يثبت له، فوجب أن لا يصح، أصله إذا ادعى على رجل شيئًا فأنكر، فجاء غيره فقال له: صالحني على الحق الذي ادعيته على فلان فأنكره، ولا خلاف أن ذلك الصلح لا يصح.
وأيضًا فإن معاوضته لا تصح مع الجهل؛ فوجب أن لا يصح على الإنكار، أصله البيع؛ لأنه لو ادعى عليه حقًّا مجهولًا فأقر به ثم قال: بعني ذلك؛ لم يجز، ولو ادعى عليه حقًّا معلومًا فأنكره ثم قال: بعني ذلك الحق؛ لجاز، فكذلك لما لم يجز الصلح مع الجهل؛ لأنه لا خلاف أنه لو ادعى عليه حقًّا مجهولًا فأقر به لم يجز أن يصالحه عليه؛ فوجب أن لا يجوز الصلح على الإنكار.
قيل: ما ادعيتم من صلح الغير عما ادعاه على غيره أنه لا يجوز؛ غير (٥٢) مسلم لكم؛ لأنه يجوز عندنا، فنقول: كل موضع جاز للمدعى عليه أن يصالح؛ جاز أيضًا للأجنبي أن يصالح (^١).
_________________
(١) وهو مذهب أحمد أيضًا. انظر تحفة المحتاج (٢/ ٣٤٢) بدائع الصنائع (٧/ ٤٦٧) المغني (٦/ ٢٧٦).
[ ٦ / ٨٧ ]
وقولكم: إنه معاوضة لا يصح مع الجهل؛ عنه جوابان:
أحدهما: أنه لو ادعى عليه ميراثًا من جهة وارث له، وقال: لست أعلم مبلغه فاحلف لي أنه لم يخلف في يدك شيئًا، وجب اليمين عندنا، فلو صالحه عما ادعاه؛ لصح، وهذا صلح مع الجهل، فلم يسلم ما ذكرتموه.
والجواب الآخر: أننا لا نسلم أنه عقد معاوضة، بل هو عقد إسقاط ومسامحة إن كان المدعي صادقًا، أو يكون دفعًا عن عرض المدعى عليه إن كان المدعي كاذبًا، فلم يسلم لكم وصف العلة.
ونقول أيضًا: إن الصلح إسقاط حق يجوز مع الإقرار، فلا يؤثر الإنكار في حكمه، أصله البراءة من الدين.
ويجوز أن يفرض الكلام في أن عقد الصلح ليس فيه معنى البيع، وأن المغلب فيه الإسقاط والبراءة، يدل على ذلك أنه فرق بينه وبين البيع في الشريعة، كما فرق بين النكاح والإجارة، بدليل أن أحد العقدين لا يدخل في العموم الذي يعبر به عن العقد الآخر ولا في خصومة، فوجب أن لا يكون معناه معنى الآخر، ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ (^١) أنه لا يعقل منه دخول الصلح فيه.
وقوله ﵇: "والصلح جائز بين المسلمين" (^٢) لا يدخل تحته اسم البيع، وليس كذلك السلم (^٣)
_________________
(١) سورة البقرة، الآية (٢٧٥).
(٢) تقدم تخريجه (٦/ ٨٣).
(٣) السلم عقد معاوضة يوجب عمارة ذمة بغير عين ولا منفعة غيرَ متماثل العوضين. شرح حدود ابن عرفة (٢/ ٣٩٥).
[ ٦ / ٨٨ ]
والصرف (^١) وإن اختلفا في الاسم، ألا ترى إلى قوله ﵇: "لا تبع ما ليس عندك" (^٢) يتناول كل بيع، واستثنى منه وخص السلم فقال: "فأرخص في السلم" (^٣).
فعلم أنه داخل تحت اسم البيع، وكذلك الصرف هو بيع (٥٣) الذهب بمثله أو بالفضة، فلو قال: بعتك هذا الدينار بهذه الدراهم؛ كان كقوله: صرفت منك هذا الدينار بهذه الدراهم.
وأيضًا فإن الصلح يقصد به [الحط] (^٤)؛ فلا يكون في معنى البياعات [كالبراءة] (^٥).
وأيضًا فإنه يراد به التخفيف والتسهيل كالعفو من دم العمد بالدية، فإذا ثبت أنه يفارق البياعات، وهذه المفارقة تختص بالصلح على الإنكار؛ فوجب اعتباره وتخصيص الاسم به دون الصلح على الإقرار الذي ليس الاسم بحقيقة
_________________
(١) الصرف بيع الذهب بالفضة أو أحدهما بفلوس. شرح حدود ابن عرفة (١/ ٣٣٧).
(٢) أخرجه بدون الاستثناء أبو داود (٣٥٠٣) والترمذي (١٢٣٢) والنسائي (٤٦١٣) وابن ماجه (٢١٨٧) وأحمد (٣/ ٤٠٢ - ٤٠٣) وقال الترمذي: "حديث حسن"، وصححه ابن حزم في المحلى (٧/ ٤٧٥).
(٣) قال الزيلعي في نصب الراية (٤/ ٨٩): "غريب بهذا اللفظ، وقوله "ورخص في السلم" هو من تمام الحديث، لا من كلام المصنف .. والذي يظهر أن هذا حديث مركب، فحديث النهي عن بيع ما ليس عند الإنسان أخرجه أصحاب السنن الأربعة .. وأما الرخصة في السلم؛ فأخرج الأئمة الستة في كتبهم عن أبي المنهال عن ابن عباس قال: قدم النبي ﷺ والناس يسلفون في الثمر السنتين والثلاث، فقال: "من أسلف في شيء فليسلف في كيل معلوم، ووزن معلوم، إلى أجل معلوم". اهـ.
(٤) في الأصل: الحظ.
(٥) في الأصل: كالمرأة.
[ ٦ / ٨٩ ]
فيه، ولا يختص به، وكان اسم الصلح وقع على الإنكار وإن جاز نقله إلى غيره، كما أن الهبة وضعت حقيقتها للأعيان وإن جاز نقلها عن أصلها إلى الديون.
فإن قيل: فإنه لم يحكم بصدقه فيما يدعيه؛ فوجب أن لا يجوز صلحه عليه، أصله إذا حكم بكذبه فيما يدعيه؛ [لأنه] (^١) لا خلاف أنه إذا أقر بدار لزيد ثم قال: هي لي، وكذبت في إقراري أنها له، وأراد أن يصالح زيدًا على الدار؛ لم يكن له ذلك؛ لأنه حكم بكذبه في دعواه "هي لي" بإقراره المتقدم، فكذلك في مسألتنا.
وأيضًا فإن الرجل إذا كانت في يده دار؛ فالظاهر أنها ملكه ومحكوم له بها، فإذا أراد أن يصالح عليها؛ فإنما يخرج المال عن ملك نفسه وبدلًا عما حكم له به، وإخراج المال على ما يملكه مخرجه غير جائز.
قيل: أما قولكم: "إنه لم يحكم بصدقه فيما يدعيه، فأشبه من حكم بكذبه"؛ غلط؛ لأن المصالح لم يحكم بكذبه ولا (٥٤) بصدقه، فيجوز أن يكون صادقًا فيما يدعيه، والذي حكم بكذبه قد قطع في الظاهر على كذبه، كما أن من حكم بصدقه [قد] (^٢) قطع في الظاهر على صدقه، فلو قلنا على هذا: إن الصلح على الإقرار جائز لأنه لم يحكم بكذبه، وكل من لم يحكم بكذبه؛ جاز صلحه، فتجعل المعاوضة من هذا الوجه؛ لجازت هذه المعاوضة.
وقولكم: "إنه لا خلاف أنه لو أقر بدار لزيد ثم قال: كذبت، وهي لي؛
_________________
(١) في الأصل: كأنه.
(٢) في الأصل: وقطع.
[ ٦ / ٩٠ ]
لم يجز له أن يصالح"؛ غلط؛ لأن الأمر يجوز أن يكون كما قال، فلو قال المقر له: أقررت لك على وجه، وأنت تعلم أنها لي، وإلا فاحلف لي أني لا أستحقها؛ لوجبت له اليمين، فحينئذ يجوز للمقر له أن يصالح حتى يسقط عنه اليمين وتزول الخصومة، وهذا هو نفس المسألة.
وقولكم: "إن الرجل إذا كانت في يده دار؛ فالظاهر أنها له، فإذا صالح أخرج المال [عن] (^١) ملك نفسه"؛ غلط؛ لأن اليد لا تدل على حقيقة التمليك، ألا ترى أن اليمين تجب عليه للمدعي، ويجوز أن يصالح ليفتدي يمينه، مع جواز أن يكون المدعي صادقًا فيما يدعيه.
على أن هذا يلزم في الصلح على الإقرار؛ لأن المقر له يصالح بالبعض على ملك غيره الذي قد ثبت له، وثبوت ذلك له بإقرار المقر أقوى من كون الدار في يده، فإذا جاز الصلح على الإقرار؛ كان على الإنكار أولى.
فإن قيل: فإن هذا المال لا يخلو إما أن يكون مأخوذًا لأجل إسقاط اليمين، أو عوضًا عما ادعاه المدعي، فبطل أن يكون في مقابلة سقوط الدعوى؛ لأنه لو كان في مقابلته؛ لجاز أن يكون زائدًا على الحق الذي ادعاه المدعي، (٥٥) ومخالفنا لا يجوِّز الصلح بأكثر من الحق الذي ادعاه المدعي، ولأنه لو كان في مقابلة الدعوى؛ لوجب إذا كان الحق الذي ادعاه دنانير أن يجوز أن يصالحه على دراهم ويفترقا قبل القبض؛ لأن ما كان في مقابلة سقوط الدعوى؛ لم يكن من شرطه أن يقع قبضه في المجلس.
ويبطل أن يكون في مقابلة سقوط اليمين لما ذكرناه من أنه كان يجب
_________________
(١) في الأصل: على.
[ ٦ / ٩١ ]
أن لا يكون مقدر المثل الحق (^١) أو دونه، وكان يجوز له أن يأخذ الدراهم أو الدنانير ويفترقا قبل القبض.
ويبطل أن يكون ذلك عوضًا عن الحق الذي ادعاه؛ لأنه إجماع، ولأن ذلك لم يثبت، وما لم يثبت؛ فإنه لا يجوز أخذ العوض عليه.
وإذا بطل ذلك كله؛ ثبت أنه لا يجوز أخذ ذلك المال.
قيل: أما التقسيمات التي قسمتموها؛ فعنها جوابان:
أحدهما: أننا لا نقول بها، والذي نقوله هو أن الصلح على الإنكار له حكمان:
أحدهما: في حق المدعي وهو معنى المعاوضة فيما ادعى ملكه.
والحكم الآخر: في حق المدعى عليه محمول على إسقاط الخصومة واليمين عن نفسه فيما يجوز أن يقضي به للآخر، والعقد متى كان له حكمان؛ لم يجز ذكر أحدهما وترك الآخر، مثل الإقالة التي بها شبه بالعقود وبالفسخ، ولا يجوز للمدعي أن يأخذ أكثر من حقه وإن كان المأخوذ اقتدى اليمين؛ لأنه في حق المدعي على وجه البدل، فلا يجوز أن يأخذ فيه ما هو ربا.
والجواب الآخر: هو أننا لسنا نجبرهما على الصلح، فلو ادعى المدعي ألف درهم، فصالحه المدعى عليه بعد أن أنكر على ألف وخمس (٥٦) مائة درهم؛ لكان إما مسفهًا في هذا الفعل، أو يكون واهبًا للجميع؛ لأنه باختياره يدفع ذلك، وهذا خارج عن وجه الصلح، وإنما يجوز الصلح لأحد الخصمين
_________________
(١) هكذا بالأصل.
[ ٦ / ٩٢ ]
على ما فسرناه، فإن كان المدعي محقًّا؛ فقد اختار ترك الحكم الذي ربما أدى إلى أن لا يأخذ شيئًا، وقد رضي بإسقاط ما أسقطه، وإن كان مبطلًا والمدعى عليه صادق؛ فقد اختار صيانة عرضه وإسقاط اليمين عن نفسه، ورضي ببذل ما بذله، فكأنه طيب النفس بما يأخذه المدعي.
فلو قلنا: إن من عدل منهما عن الحكم، وترك ما لا يجب عليه بالصلح، وهو قادر على النقص بالحكم؛ قد طابت نفسه، وحل للآخر أخذه؛ لجاز ذلك؛ ومعلوم أن من بذل لصاحبه شيئًا هو قادر على استعمال الحكم فيه؛ فقد رضي بما يبذله، وحل لصاحبه أخذه، فينبغي من هذا الوجه أن يجوز الصلح ولا يمتنع منه.
وأما قولكم: "إن ذلك الحق لم يثبت، وما لم يثبت فإنه لا يجوز أخذ العوض عنه"؛ فإننا نقول: إن هذا يعتبر فيما كان عوضًا عن شيء واحد في حقهما، فأما ما كان عوضًا في حق أحدهما - وهو المدعي عن أمر، وفي حق المدعى عليه في أمر آخر -؛ فلا يدخل عليه ما قالوه.
ثم هذا يبطل بالعبد يشهد بحريته واحد، فلا تقبل شهادته ثم يشتريه أن الرقبة لا يحكم لها بحكم العوض في حقهما جميعًا.
وعلى أن الحق المدعى وإن لم يثبت؛ يجوز أن يكون حقًّا، فيثبت عند الله تعالى، فيجوز أن يصالح عليه باختياره.
وما ذكرتموه من حرية الصلح بالدراهم عن الدنانير والافتراق قبل القبض؛ فلو قلنا: إنه (٥٧) [يرده] (^١) لأننا لا نتحقق كونه صرفًا؛ لجاز، ولو
_________________
(١) كلمة مطموسة بالأصل، وما أثبته من السياق.
[ ٦ / ٩٣ ]
منعنا منه؛ لم يلزم؛ لأننا نجوز الصلح على وجه، وأنتم لا تجوزونه على الإنكار جملة وإن لم يكن فيه معنى الصرف، فليس كل صلح على إنكار يجوز، وإنما يجوز منه ما كان على صفة لا تؤدي إلى فساده، كما نقول في البيع وغيره.
فإن قيل: إن إخراج المال إما أن يكون على وجه المعاوضة، أو على وجه القربة [أو على وجه] (^١) التحابب والمودة، وهذا المال ليس بمخرج على وجه المعاوضة؛ لأن ما أخرج على سبيل المعاوضة؛ حصل في مقابلته عوض، وليس بمخرج على وجه القربة، [لأن] (^٢) ما كان مخرجًا للقرب كان صدقة، والمدعى عليه لم يخرج هذا المال على سبيل الصدقة، وليس مخرجًا على التحابب والمودة؛ لأن صاحبه لم يقصد به المهاداة والملاطفة، فوجب أن يكون إخراجه باطلًا غير جائز.
قيل: قد ذكرنا أن المال مخرج على غير ما ذكرتموه، وإنما هو على وجه افتداء اليمين، وصيانة العرض من جهة المدعى عليه، وله فيه ثواب، والإسقاط والمسامحة من قبل المدعي، أو ليحصل له بعض ماله، وافتدى اليمين التي كان يجوز للمدعى عليه أن يردها عليه.
وقد روي أن النبي ﵇ قال: "وما وقى المرء به عرضه فهو صدقة" (^٣)،
_________________
(١) زيادة ليست في الأصل، والمثبت من الحاوي الكبير (٦/ ٣٧٠) حيث ذكر أن إخراج المال لا يخلو المقصود به من ثلاثة أحوال، وهي التي ذكرها المصنف مجملة ومفصلة.
(٢) في الأصل: الا.
(٣) أخرجه الحاكم في المستدرك (٢/ ٦٥) وصححه، وتعقبه الذهبي فقال: "قلت: عبد الحميد ضعفه الجمهور". وضعف الحديث أيضًا الهيثمي في المجمع (٣/ ٢٥٠). =
[ ٦ / ٩٤ ]
ومع هذا فنحن نقول لكل واحد منهما: يجوز لك الصلح في الظاهر، وانظر فيما بينك وبين خالقك تعالى فيما تعلمه وتأتيه، وقد قال ﵇: "إنما أحكم بينكم بما أسمع" (^١).
وقد ذكروا قياسات لا تلزمنا؛ لأنها على أصول لهم، ونحن نجوز الصلح عليها، من ذلك إذا ادعى على امرأة أنها زوجته فأنكرت فصالحها على ذلك؛ فإنه يجوز (٥٨)؛ لأن من الناس من يجوز ويوجب على المرأة أن تحلف فتفدي عنه بذلك.
وكذلك إذا ادعى أرش جناية فأنكره المدعى عليه، فصالحه على شيء، وهذا وإن لم يجب فيه اليمين عندنا إذا كان عمدًا؛ فإن المدعى عليه يصون نفسه عن التقدم إلى الحكام، ويقطع الخصومة، وربما أدى الحاكم اجتهاده إلى [استخلافه] (^٢).
فإن قيل: قوله ﵇: "ما وقى المرء به عرضه فهو صدقة" (^٣)؛ لا يتناول مسألتنا؛ لأن هذا [يقي] (^٤) ماله دون عرضه؛ لأنه لو لم يبذله؛ أخذ المال منه.
قيل: هذا غلط؛ لأنه أدى إلى أحد أمرين؛ إما أن يحلف ليسقط عنه ما ادعى عليه، واليمين [شبهة] (^٥) عند أهل الإقرار تنقل عليهم، ويسبق معها
_________________
(١) = قلت: وقد أجاب الماوردي في الحاوي (٦/ ٣٧٠ - ٣٧١) عن الاستدلال بهذا الحديث بأن المقصود به البر، ومال الصلح المقصود به المعاوضة، فلم يكن فيه دلالة.
(٢) أخرجه البخاري (٧١٦٩) ومسلم (١٧١٣).
(٣) في الأصل: استخلافه.
(٤) تقدم آنفًا.
(٥) في الأصل: بقي.
(٦) في الأصل: سمة.
[ ٦ / ٩٥ ]
الظنة، فقد صان عرضه بالصلح، أو ينكل عن اليمين فيرد على المدعي؛ فيؤخذ منه أكثر مما صالح عليه.
ولنا أن نقول: إنه أخذ [مالا] (^١) في الصلح باختيار [التأويل] (^٢)، فأشبه لو أقر المدعى عليه ثم صالح، وقد روي: "أن عثمان ﵁ افتدى يمينه بشيء بذله، حتى قال له عمر: ألا حلفت أن هذه سماء".
وهذا بحضرة الصحابة فلم ينكره أحد، فدل أنه إجماع.
وقد روى القاسم بن عبد الرحمن "أن ابن مسعود لما أتى أرض الحبشة؛ أُخذ في شيء، فأعطى دينارين حتى خلي سبيله" (^٣).
[وهو قول جابر بن زيد، والشعبي، والحسن] (^٤) وبالله التوفيق.
مَسْألة (١٠):
إذا كان حائط بين دارين [لنفسين] (^٥)، ولأحدهما عليه جذوع، فتنازعا في الحائط، وادعى كل واحد منهما أن جميعه له، فهو لصاحب الجذوع التي عليه مع يمينه (^٦).
_________________
(١) في الأصل: نالا.
(٢) هكذا بالأصل.
(٣) أخرجه ابن أبي شيبة (٥/ ٢٣٣) والبيهقي في "السنن الكبرى" (١٠/ ١٣٩).
(٤) هذه الجملة في المختصر مثبتة في بداية المسألة عقب قوله: وبه قال أبو حنيفة وأصحابه.
(٥) في عيون المجالس: لرجلين.
(٦) انظر الإشراف (٣/ ٤٩ - ٥٠) النوادر والزيادات (١١/ ٩٩ - ١٠٣).
[ ٦ / ٩٦ ]
وبه قال أبو حنيفة (^١).
وقال الشافعي (^٢): الجذوع لصاحبها (٥٩) مقرة على ما هي عليه، والحائط بينهما مع أيمانهما (^٣).
والدليل لقولنا هو أن الجذوع محمولة على الحائط، وإذا حصلت [المنازعة فيه] (^٤) ولأحدهما عليه حمل مقصود، وللآخر يد من جهة الحكم؛ فإن صاحب الحمل أولى لقوة سببه، وظاهر تصرفه بالجذوع، ألا ترى أن رجلين لو تنازعا في بعير، أحدهما راكبه، والآخر إلى جنب البعير واقف، وله عليه حمل، والآخر واقف معه؛ أن وقوف هذا إلى جنبه إنما هو يد من جهة الحكم، كمن وضع شيئًا بين يديه فهو في يده من جهة الحكم، والراكب والحامل ولابس الثوب أولى ممن ليس كذلك.
وأيضًا فإن الحائط قد يبنى لتوضع عليه الجذوع، كما يبني ليعقد عليه
_________________
(١) "قال أصحابنا: إذا كان الحائط بين دارين ولأحدهما عليه جذوع، وليس للآخر اتصال ولا جذوع، فتنازعاه؛ فصاحب الجذوع أولى، وإن كان لأحدهما جذع واحد وليس للآخر الجذوع؛ ذكر الطحاوي في مختصره أنه إذا كان لأحدهما عليه حمولة خشب؛ فهو أولى به، وهذا يدل على أن صاحب الجذع الواحد أولى به، وقال في كتاب الصلح: إذا كان لأحدهما جذوع كثيرة ولآخر جذع واحد؛ فلكل واحد منهما ما في يده، فجعل الجذع الواحد يدًا، وهذا يقتضي أن صاحب الجذع الواحد أولى". التجريد (٦/ ٢٩٦٢) وانظر أيضًا الهداية مع تكملة شرح فتح القدير (٨/ ٢٩٧ - ٣٠٢).
(٢) هو رواية عن أحمد، وعنه رواية أخرى مثل مذهب مالك. انظر المغني (٦/ ٣١٤ - ٣١٥) وحكاه ابن حبيب عن مطرف وابن الماجشون. انظر النوادر والزيادات (١١/ ١٠٣).
(٣) الأم (٤/ ٤٧٣) الحاوي الكبير (٦/ ٣٨٩ - ٣٩٠) تحفة المحتاج (٢/ ٣٥٤) تكملة المجموع (١٤/ ٢٩٩ - ٣٠١).
(٤) طمس بالأصل، وما أثبته من السياق.
[ ٦ / ٩٧ ]
الآزاج (^١)، فإذا كان كل واحد منهما أمرًا مقصودًا بالتصرف في الحائط، ثم كان أحد الأمرين يستحق به الحائط؛ كان الآخر مثله.
وقد وافقنا الشافعي في الأزج الذي لا يمكن إحداثه بعد بناء الحائط أن صاحبه أحق بالحائط، فلنا أن نقيس عليه، كما قد يبنى الحائط له.
فإن قيل: فإن وضع الجذوع على حائط غيره بغير إذنه مختلف فيه (^٢)، وبمثله لا يجوز له في بناء الآزاج.
قيل: إن الأمر وإن كان مختلفًا فيه؛ فإن ظاهر اليد التصرف والملك، فلا معتبر به؛ بدليل أن الإنسان مندوب إلى تخليص من قد انقطع [وأن] (^٣) يحمله على دابة له، ولا يدل ذلك على أن راكب الدابة لا يقضى له بها بجواز أن يكون محمولًا عليها، وكذلك لبس الثوب يجوز أن يكون على وجه العارية وإن لم يعتبر ذلك.
وعلى أن وضع الجذوع على حائط الغير بغير رضاه ليس من قولنا جميعًا؛ فلا معتبر به، ولا هو قول محتمل، والخبر (٦٠) فيه متأول، والأصول تمنع منه.
فإن قيل: إن وضع الجذوع إنما يحدث بعد تمام البناء، وليس كذلك الأزج (^٤).
_________________
(١) الأزج: محركة: ضرب من الأبنية، جمعه آزُج وآزاج وإِزجة. القاموس المحيط (١/ ٢١٨) ويقال: الأزج: السقف. المصباح المنير (١٥) ووقع في جميع المواضع: الآراح، والأرح. وكلاهما خطأ.
(٢) وسيناقش المصنف ذلك في المسألة الآتية.
(٣) كلمة غير واضحة في الأصل، والمثبت من السياق.
(٤) إن كان مما لا يمكن حدوث مثله بعد البنيان. الحاوي الكبير (٦/ ٣٩٠).
[ ٦ / ٩٨ ]
قيل: هذا يفسد بلابس القميص وراكب الدابة، والآخر واقف بجنبه ممسك قميصه أو لجام الدابة، فإن الراكب واللابس أحق، وإن كان ذلك يحدث بعد الفراغ من القميص وبعد حصول الدابة، ووقوف الآخر إلى جنب الحائط كوقوف المدعي بحضرة الثوب الملبوس والدابة؛ فلا تقبل دعواه (^١).
وأيضًا فإن المعتبر في الأصول التصرف الظاهر في حال الدعوى، فأما أن يعتبر كونه حادثًا أو أصليًا؛ فلا يجوز؛ بدليل أن المتصرف في سائر ما في يد الإنسان تصرفه حادث.
ولا يلزم على هذا نقش الحائط وتزاويقه ووجه البناء من غير أحدهما، لأن الحائط لا يبنى لينقش وإن فعل ذلك لأمر حادث، وبناؤه لوضع الجذوع عليه أمر معتاد.
ويجوز أن تبنى المسألة على أن الراكب للدابة، والمتعلق بلجامها، ولابس الثوب، والمتعلق بطرف كمه؛ متى تنازعا؛ [فأظهرهما] (^٢) تصرفا أولى.
_________________
(١) وهذا إنما بتوجه على من قال: إن الراكب أحق، وهم جمهور الشافعية، وذهب أبو إسحاق المروزي: أنهما في الدابة سواء، تكون بينهما نصفين، فعلى هذا يسقط الاستدلال به. وأما على المذهب الأول؛ فالفرق بين ذلك وبين وضع الجذوع وتركيبها على الحائط من وجهين: أحدهما: أن الإجماع مانع من ركوب دابة الإنسان إلا بإذنه، فجاز أن يكون ركوبها دليلًا على ملكه، والخلاف منتشر في أن للإنسان أن يضع أجذاعه جبرًا في حائط غيره، فلم يكن وضعها دليلًا على ملكه. والثاني: أن الركوب لما كان تصرفًا لا يختلف حكمه بين وجوده في الملك وغير الملك؛ جاز أن يكون دليلًا على الملك. انظر الحاوي الكبير (٦/ ٣٩٠).
(٢) في الأصل: وأظهرهما.
[ ٦ / ٩٩ ]
والدليل عليه؛ هو أن الراكب للدابة متصرف في نفس الدابة، والمتعلق باللجام ممسك لما اتصل بها، فأشبه الساكن في الدار، والمتعلق بحلقة الباب؛ فإن الساكن أولى.
وأيضًا فإن غاية ما يمكن به التصرف في الدابة [ركوبها] (^١)، والتعلق بلجامها ليس بغاية التصرف فيها؛ فلم يجب أن يتساويا، أصله إذا كان أحدهما راكبها والآخر واقف إلى جانبها وبين يديها.
وأيضًا فإن الأملاك طريقها التصرف دون حقيقة الأمر؛ لأن حقيقة ذلك لا يعلمه إلا الله تعالى، ألا ترى أن الشيء يكون في (٦١) يد الإنسان ولا يكون مالكًا له، فوجب اعتبار أظهر المتصرفين، ألا ترى أن ما طريقه الأخبار أو الاجتهاد؛ اعتبر فيه أظهر الخبرين، وأولى القياسين، فكذلك في مسألتنا.
وعندنا أن هذه مسألة [إجماع] (^٢)، فلا يعمل على خلاف من تأخر فيها، ويبنى الكلام على أن المتنازعين في حائط إذا أقر أحدهما لصاحبه ثم تنازعا في أساسه؛ فإن أصل الحائط لصاحب البناء، بدليل أن قوام الحائط بأصله، فأشبه الآزاج؛ لما كان قوام ما فوقه به؛ كان المستحق لأحدهما مستحقًّا للآخر.
وأيضًا فإنه بائع للحائط مستهلك فيه؛ بدليل دخوله في بيعه على وجه البيع، ولا يعلم ما هو، وكيف هو، فأشبه الآخر الآلات التي تتبع الحائط.
وأيضًا فإن الحائط لما لم ينفرد بعضه عن بعض كما لا ينفرد عن أصله؛
_________________
(١) في الأصل: وكونها.
(٢) في الأصل: اجتماع.
[ ٦ / ١٠٠ ]
كان المستحق لبعضه مستحقًّا لجميعه، فكذلك أصله.
ونقول في المسألة أيضًا: إن الجذوع ملكه [عليه] (^١)، والظاهر فيما عليه ملكه أنه ملك له، ألا ترى أن رجلين لو تنازعا عرصة (^٢) حائط والحائط لأحدهما؛ كان القول قول من له الحائط؛ لأن الظاهر أن ما عليه ملكه فهو ملكه.
فإن قيل: لنا في هذا قولان، فقد قيل: إن العرصة تكون بينهما (^٣).
قيل: فيبنى الكلام عليها، وقد ذكرناه.
فإن قيل: الفصل بينهما هو أن أحدًا لم يجوز وضع الحائط في عرصة الغير، فدل وضع الحائط على العرصة على ملك العرصة، ومن الناس من أجاز وضع الجذوع على حائط الغير، فلم يدل وضع الجذوع على ملك الحائط.
قيل: هذا غلط؛ لأنه قد يجوز أن يستعير العرصة، ويبني عليها الحائط، كما يجوز أن يستعير الحائط ليضع عليها الجذوع، ويجوز أن يعيره ذلك (٦٢) إلى مدة، ثم مع هذا فلم يُلتفَت إلى ما يجوز، وحكم الظاهر من التصرف، فكذلك الجذوع.
فإن قيل: فقد قال ﵇: "البينة على المدعي واليمين على من أنكر" (^٤).
_________________
(١) في الأصل: له، والتصحيح من الكلام بعده.
(٢) عرصة الدار ساحتها، وهي البقعة الواسعة التي ليس فيها بناء، الجمع عِراص وعرصات، وسميت ساحة الدار عرصة؛ لأن الصبيان يعترصون فيها أي يلعبون ويمرحون. انظر المصباح المنير (٢٣٢).
(٣) والوجه الثاني: أنها تكون لصاحب الحائط؛ لأن تصرفه فيها أظهر. انظر الحاوي الكبير (٦/ ٣٩٠ - ٣٩١).
(٤) أخرجه بهذا اللفظ الدارقطني (٣/ ١١٠) والبيهقي (٨/ ٢١٣) وإسناده ضعيف، فيه مسلم بن =
[ ٦ / ١٠١ ]
وكل واحد منهما مدع.
قيل: إن المدعي من ادعى خلاف الظاهر، والذي له الجذوع معه تصرف ويد، فهو المتمسك والمعتصم بالظاهر، فوجب أن يلزم الآخر البينة على ما يدعيه.
وعلى أن البينة مأخوذة من البيان (^١)، ومن له التصرف فقد بيّن، كمن في يده الدار والآخر لا شيء في يده، ولو ثبت العموم؛ لجاز أن يخص ببعض ما ذكرناه (^٢).
فإن قيل: فإنه معنى يمكن إحداثه بعد كمال البناء؛ فأشبه [التجصيص] (^٣) والنقش.
وأيضًا فإن من له يد على الشيء؛ فإنه لا يزيل يده عليه ويبطل حكمه
_________________
(١) = خالد الزنجي فيه مقال، وثقه قوم وضعفه آخرون. وانظر ترجمته في ميزان الاعتدال (٤/ ٣٢٣ - ٣٢٤) وضعفه أيضًا ابن الملقن في البدر (٨/ ٥١٣) والحافظ في التلخيص (٤/ ٣٩) وأخرجه الترمذي (١٣٤١) بلفظ: "البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه". وقال: "هذا الحديث في إسناده مقال"، وقال الحافظ في التلخيص (٤/ ٢٠٨): إسناده ضعيف. وله شاهد من حديث ابن عباس وسنده صحيح، وشاهد من حديث ابن عمر وإسناده جيد كما في الإرواء (٨/ ٢٦٤ - ٢٦٧) و(٨/ ٢٧٩). ورواه البخاري (٤٥٥٢) ومسلم (١٧١١) عن ابن عباس مرفوعًا بلفظ: "لو يعطى الناس بدعواهم؛ لادعى ناس دماء رجال وأموالهم، ولكن اليمين على المدعى عليه".
(٢) انظر القاموس المحيط (٤/ ٢٣١ - ٢٣٢).
(٣) وعلى أن المخالف سلم لنا أن صاحب الجذوع مدعى عليه، فاقتضى الخبر أن القول قوله، ثم زعم أن الآخر مثله، ونحن لا نسلم هذا. التجريد (٦/ ٢٩٦٤).
(٤) في الأصل التخصيص. والصواب ما أثبته، والتجصيص الطلاء بالجص. انظر القاموس (٢/ ٣٣٩).
[ ٦ / ١٠٢ ]
عمارةٌ تحصل من غيره، ألا ترى أنه لو كانت الدار في يده، ولرجل فيها عمارة وتزيين؛ كانت الدار لمن هي في يده.
قيل: قولكم: "إنه معنى يمكن إحداثه"؛ فإننا نقول: أصول الأزج مما تزال وتحدث مرة بعد أخرى، وإن كان الحكم بالأزج الواحد حكما بأصوله.
وعلى أننا قد قلنا: إن الحائط لا يبنى لنقش ولتجصيص، وإنما يفعل ذلك زينة، والحائط يبنى لتوضع عليه الجذوع في العادة، فهو التصرف المقصود، فأشبه نقوشَ الحائط البعيرُ يكون لرجل عليه إداوة (^١) والآخر راكبه، فإن الركوب تصرف مقصود، وحمل الإداوة ليس بمقصود في التصرف في البعير، فلم يثبت به اليد (^٢).
وأيضًا فإن إحداث الجذوع ليس فيه أكثر من أننا نعلم أن هذه يد حادثة من غير أن نعتبر أصله، والجذوع وإن كانت تحدث على الحائط؛ فإن العادة أنه يبني لهذا المعنى، وإذا كان له عليه جذوع؛ (٦٣) فالظاهر أنه بناه وأحدثه بحاجته إلى ذلك، فيجب اعتباره وترك تجويز أمر آخر.
وأيضًا فإن الجار لا يمنع جاره من تجصيص ما بينه من الحائط، ويمنعه من وضع جذوعه عليه، فلو كان التجصيص تصرفًا في الحائط؛ لمنعه منه على ما جرت به العادة.
وقولكم: "إن من له يد على الشيء فإنه لا يلزمها عمارة الغير كمن في يده دار ولغيره فيها عمارة"؛ فإننا نقول: حتى تثبت يده، والظاهر هاهنا يد
_________________
(١) الإداوة: إناء صغير من جلد يتخذ للماء، وجمعه أداوى. انظر النهاية (٣٠).
(٢) انظر التجريد (٦/ ٢٩٦٤).
[ ٦ / ١٠٣ ]
غيره وهو صاحب الجذوع، والذي في يده الدار قد علمنا كونها في يده، فهو أولى من صاحب العمارة، فنظير هذا أن يكون الحائط متصلًا غير منفصل من حائط آخر لصاحب الحائط، وليس للآخر إلا الجذوع على الحائط، فيقوى سبب من اتصل حائطه بهذا الحائط. والله أعلم.
فإن قيل: إن المدعيين قد [يستويان] (^١) في الحائط في حال منازعتهما فيه قبل وضع الجذوع، فلم يعتبر بما يحدث بعد تساويهما، مثل رجلين اشتريا عبدًا صفقة، ثم ادعياه وهو في يد أحدهما؛ كانا فيه سواء، ولم تعتبر اليد التي حدثت لأحدهما في جميعه.
قيل: إن جواز أن يتساويا فيه قبل وضع الجذوع؛ لا يوجب تساويهما إذا ظهر لأحدهما يد، يدلك عليه أن الأشياء المباحة متى حصلت في يد الواحد؛ كان هو أحق بها من غيره، وإن كان قبل حصولها في يده قد ساواه جميع الناس فيها.
وأيضًا [فقد] (^٢) قيل: البناء يجوز أن يكون لأحدهما وإن كانا لو ادعيا لتساويا فيه، فمتى ظهر لأحدهما يد في حال المنازعة وتصرفت؛ [لم] (^٣) يعتبر ما قبله؛ بدليل حائط الأزج قبل أن يعقد لو نازعه جاره؛ لساواه، وإن كان إذا حصل بناء الأزج؛ لكان (٦٤) صاحب الأزج أحق.
وأما إذا اشتريا العبد لأنفسهما؛ [فالشراء] (^٤) سبب ينقل الملك، ومتى
_________________
(١) في الأصل: يستوليا.
(٢) في الأصل: فإن، والمثبت من السياق.
(٣) في الأصل: ما لم.
(٤) في الأصل: والشراء.
[ ٦ / ١٠٤ ]
صح الملك لهما؛ لم يصدق واحد منهما على إزالته، وليس كذلك ما يجوز أن يحكم لهما بالملك إن ادعياه؛ لأن جواز أن يدعياه كجواز أن يدعي أحدهما، فلم يظهر بذلك سبب الملك لهما، ما لم يوجد سببه الذي هو الدعوى، ولأن وضع الحائط قبل وضع الجذوع الظاهر من الحال أنهما بنياه لوضع جذوعهما عليه، فإذا ظهر لأحدهما عليه جذوع دون صاحبه؛ فالظاهر من الحال أنه هو الذي بناه لوضع جذوعه دون صاحبه، فكان حكم ظهور التصرف يختلف باختلاف الحالين، فلهذا وجب أن يفرق بينهما.
فإن قيل: فإن من أقر ببناء دار لرجل؛ لم يستحق رقبتها، وكذلك لو كانت في يدي رجلين والبناء لأحدهما؛ لم يستحق صاحب البناء الدار؛ لأن البناء حادث، وكذلك في وضع الجذوع.
قيل: إن بناء الدار في موضع من الدار وهو ما تحته من الأرض، فلما كان البناء موضوعًا على أرض؛ استحقه صاحب البناء للون (^١) ذلك المكان، فكذلك الجذوع لما كانت محمولة على الحائط - وهو حامل لها -؛ فوجب أن يستحقها، فصار نظير البناء ما بيناه.
وكذلك إذا كانت الدار فيها اثنان، والبناء لأحدهما؛ فإن ما سوى موضع البناء هما فيه سواء في التصرف فيه، وموضع البناء انفرد به أحدهما، فصار كالدارين وبينهما حائط، فيكون البناء لمن ظهرت له اليد فيه؛ وإن كانت عرصة الدارين لهما، ولأن الساكن في الدار لا تصرف له في البناء،
_________________
(١) فصل في التفرقة بين الولد وبين أبيه في القسم والبيع. فصل في حكم بيع الأم دون الولد أو العكس.
[ ٦ / ١٠٥ ]
ولا لصاحب البناء تصرف بنيانه في بقية الدار، وصاحب الجذوع له التصرف في [الحائط] (^١)، فوجب (٦٥) أن يكون أولى.
وإذا ثبت ما قلناه؛ جاز أن يصالح صاحب الجذوع الذي حكمنا له بالحائط الآخر على ذلك؛ لأنه صلح على الإنكار. والله الموفق.
مَسْألة (١١):
وإذا كان حائط بين شريكين أو لرجل مفرد؛ لم يجز للشريك أو للجار أن يضع عليه خشبة إلا بإذن [شريكه أو] (^٢) صاحب الحائط، ويستحب له أن لا يمنعه، ولكن لا يقضى عليه بذلك (^٣).
وبه قال أبو حنيفة (^٤).
واختلف قول الشافعي؛ فقال مثل قولنا (^٥).
وقال: ليس [للشريك ولا] (^٦) للجار أن يمنع جاره (^٧) من وضع خشبة
_________________
(١) في الأصل: الحائد.
(٢) ساقطة من الأصل، وأثبتها من عيون المجالس.
(٣) انظر الكافي (٤٩٠) الإشراف (٣/ ٥١ - ٥٢) بداية المجتهد (٥/ ٣٢٥ - ٣٢٧) شرح الزرقاني على موطأ مالك (٤/ ٦٨ - ٦٩).
(٤) انظر التجريد (٦/ ٢٩٦٦ - ٢٩٦٨).
(٥) وهو القول الصحيح كما قال الماوردي في الحاوي (٦/ ٣٩٣٢).
(٦) ساقطة من الأصل، وأثبتها من عيون المجالس.
(٧) وبه قال أحمد بن حنبل، وابن حبيب من المالكية. ورجحه ابن حزم. انظر المغني (٦/ ٣٠٦ - ٣٠٧) شرح الزرقاني على الموطأ (٤/ ٦٨) المحلى (٧/ ٨٦ - ٨٧).
[ ٦ / ١٠٦ ]
على جداره (^١).
والدليل لقولنا ما رواه ابن عباس وأنس أن النبي ﷺ قال في خطبته: "ألا وإن المسلم أخو المسلم، لا يحل له دمه ولا شيء من ماله إلا بطيب نفس منه، ألا هل بلغت قالوا: نعم، قال اللهم اشهد" (^٢).
وفي خبر حميد عن أنس أن النبي ﷺ قال: "لا يشربن أحدكم ماء أخيه إلا بطيب من نفسه" (^٣).
وفي هذا تنبيه على ما يقع فيه الممانعة أكثر من ممانعة الماء.
والخبر المشهور من قوله ﵇: "لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفسه" (^٤).
وروي أنه خطب فقال: "لا يحل لامرئ مال أخيه بشيء إلا بطيب نفس منه" (^٥).
_________________
(١) الحاوي الكبير (٦/ ٣٩١ - ٣٩٢) المهذب مع تكملة المجموع (١٤/ ٢٧٣ - ٢٧٥) تحفة المحتاج (٢/ ٣٤٧ - ٣٤٨).
(٢) حديث ابن عباس أخرجه الدارقطني (٣/ ٢٥) والبيهقي (٦/ ١٦٠) وفي إسناد البيهقي أبو أويس عبد الله بن عبد الله بن أويس، قال الحافظ في التقريب (٣٠٩): "صدوق يهم". وفي إسناد الدارقطني؛ محمد بن عبيد الله العزرمي، وهو ضعيف كما قال الحافظ في التلخيص (٣/ ٤٥ - ٤٦). وحديث أنس أخرجه الدارقطني (٣/ ٢٦) بلفظ: "لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفسه". وإسناده ضعيف، فيه علي بن زيد بن جدعان، وهو ضعيف كما تقدم. والحارث بن محمد الفهري، وهو مجهول كما قال الحافظ في التلخيص (٣/ ٤٦).
(٣) أخرجه الدارقطني (٣/ ٢٥) وإسناده ضعيف فيه داود بن الزبرقان وهو متروك كما في التقريب (١٩٨).
(٤) أخرجه أحمد (٥/ ٧٢ - ٧٣) والدارقطني (٣/ ٢٦) والبيهقي (٦/ ١٦٦) وفيه علي بن زيد بن جدعان.
(٥) أخرجه أحمد (٣/ ٤٢٣) والدارقطني (٣/ ٢٥) والبيهقي في السنن (٦/ ١٦٠) عن عمرو بن =
[ ٦ / ١٠٧ ]
وروى الأعمش عن أبي وائل عن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ: "حرمة مال المؤمن كحرمة دمه" (^١).
وهذا يتناول منع التصرف في ماله، ووضع الجذوع على حائطه بغير إذنه.
وأيضًا فإن الحائط لا يخلو أن يكون بين شريكين، أو أحدهما، فإذا كان بين شريكين؛ لم يكن لأحدهما أن يتصرف من غير إذن شريكه؛ كالقميص المشترك بينهما، أو الدابة؛ لا يجوز لأحدهما (٦٦) أن ينفرد به، وإن كان لأحدهما؛ فهو أبعد لامتناع أن [ينتفع] (^٢) الإنسان بملك غيره من غير إذنه، أصله ثوبه ودابته.
وأيضًا فإنه ضرب من الانتفاع؛ فلا يملك إلا بإذن صاحبه، مثل البيع.
وأيضًا فإن وضع الجذوع على الحائط مما توهنه، وتهدمه، وتضعفه، وتؤثر فيه؛ فلا يملك ذلك إلا بإذن المالك، أصله الشجرة المشتركة بين اثنين؛ لا يجوز أن ينفرد [أحدهما] (^٣) بقطع أغصانها وبعض ورقها.
أو نقول: هو ملك مشترك؛ فوجب أن لا يكون لأحدهما أن ينفرد بالانتفاع، أصله الثوب والعبد والدار إذا كان بين رجلين.
فإن قيل: فقد روى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: "لا يمنع أحدكم جاره
_________________
(١) = يثربي. وهذه الأحاديث يشهد بعضها لبعض، ويقوي بعضها بعضًا.
(٢) أخرجه الدارقطني (٣/ ٢٦) وحسنه الألباني في غاية المرام (٣٤٥) وانظر مجمع الزوائد (٤/ ٢١٨ - ٢١٩).
(٣) في الأصل: ينتفع به.
(٤) ساقطة من الأصل.
[ ٦ / ١٠٨ ]
أن يضع خشبة على جداره، ثم قال أبو هريرة: مالي أراكم عنها معرضين، والله لأرمينها بين أكتافكم" (^١).
ونهي النبي ﵇ إذا تجرد؛ فهو على التحريم.
وروي أنه ﵇ قال: "من منع فضل مائه ليمنع به الكلأ؛ منعه الله فضل رحمته يوم القيامة" (^٢).
فتوعد من منع فضل الماء ليتمكن به من الانتفاع بالكلأ، فكذلك يجب إذا كان الحائط بين رجلين، فاحتاج إلى الارتفاق به والانتفاع بوضع الجذوع عليه، وأن لا يكون لصاحبه أن يمنعه من ذلك.
قيل: أما قوله ﵇: "لا يمنعن أحدكم جاره أن يضع خشبة على جداره"؛ عنه جوابان:
أحدهما: أنه أراد الاستحباب والندب (^٣).
والثاني: أنه أراد: "لا يمنعن أحدكم جاره أن يضع خشبه على جداره"، يريد جدار نفسه، لأن الجدار إذا كان بين دارين وهو لأحدهما، فأراد (٦٧)
_________________
(١) أخرجه بهذا اللفظ مسلم (١٦٠٩) وأحمد (٢/ ٢٧٤). وأخرجه البخاري (٢٤٦٣) بلفظ: "لا يمنع جار جاره أن يغرز خشبة في جداره".
(٢) أخرجه بهذا اللفظ أحمد في المسند (٢/ ١٨٣) وقال في المجمع (٤/ ١٥٦): "رواه أحمد، وفيه محمد بن راشد الخزاعي، وهو ثقة، وقد ضعفه بعضهم". قلت: وأخرجه البخاري (٢٣٥٣) ومسلم (١٥٦٦) بلفظ: "لا يمنع فضل الماء ليمنع به فضل الكلأ".
(٣) ويدل على أنه للندب أن مثل هذا التركيب جاء للندب في قوله ﷺ: "إذا استأذنت أحدكم امرأته إلى المسجد فلا يمنعها". شرح الزرقاني على الموطأ (٤/ ٦٨).
[ ٦ / ١٠٩ ]
صاحبه أن يضع عليه الجذوع، ويبني عليه سقفًا؛ فإن جاره ربما منعه منه لئلا يشرف عليه، فأخبر النبي ﵇ بأنه ليس له منعه من ذلك.
وأما قوله ﵇: "من منع فضل مائه"؛ فإنه يلزم صاحب الماء بذل فضل مائه، ولا يلزم صاحب الحائط بذل حائطه، لأن الماء الذي في البئر لا يملكه عند قوم إلا بالاستقاء، فليس له أن يمنع منه قبل استقائه لأنه لا يملكه (^١).
وأيضًا فإنه إذا بذل الفضل عن حاجته من الماء؛ لم يكن في ذلك ضرر على البئر والعين، بل فيه رفق لها، والماء يعود بدله ويرجع، وليس كذلك صاحب الحائط؛ لأن عليه ضررًا في وضع الجذوع على حائطه، فلم يلزمه بذله، ولهذا قلنا: إن الذمي له أن يصطاد و[يحتش] (^٢)؛ لأنه لا يضر ذلك بالمسلمين؛ لأن الصيد والحشيش يستخلف ويعود بدله، وليس له أن يحيي الموات؛ لأنه يعطلها عمن يريدها من المسلمين، ولا يبدون منها خلفًا (^٣).
فإن قيل: فإنه فضل عن ملكه من غير حاجة إليه، فأشبه نفع البئر لحاجة جاره وله زرع يخاف تلفه؛ تعين عليه إحياء زرعه بفضل مائه.
[قيل]: والماء يعود بدله، فإلى وقت حاجته في ثاني يخلف مكانه،
_________________
(١) انظر التجريد (٦/ ٢٩٦٧) والمحلى (٧/ ٨٧).
(٢) في الأصل: يحبس.
(٣) "ولقول الله تعالى: ﴿إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ وقوله تعالى: ﴿أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾، ونحن أولئك لا الكفار، فنحن الذين أورثنا الله تعالى الأرض، فله الحمد كثيرًا". المحلى (٧/ العبارة في الأصل: بفضل مائه، والماء يعود. بدون [قيل] والظاهر أن هذا جواب عن الاعتراض السابق ٨٨).
[ ٦ / ١١٠ ]
وصاحب الحائط إن لم يحتج إليه الآن؛ جاز أن يحتاج إليه في ثاني، فيتعطل عليه موضعه، وربما لم يجد عنه بدًا؛ فافترقا.
ومما يدل على أن قول النبي ﵇: "لا يمنعن أحدكم جاره أن يغرز خشبة في جدار" (^١) أنه على الندب؛ ما رواه أبو الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "إذا سأل أحدكم جاره أن يلزق (٦٩) خشبات؛ فليفعل" (^٢).
وروى الزهري، عن حميد، عن أبي هريرة عن النبي ﵇: "إذا استأذن أحدكم جاره أن يغرز خشبة في جداره؛ فليأذن له ولا يمنعه" (^٣).
فقد بان أنه ليس بواجب؛ لأنه لو كان واجبًا؛ لما احتاج أن يؤذنه. وبالله التوفيق.
مَسْألة (١٢):
إذا كان بيت مسقف وفوقه غرفة؛ السفلي لواحد، والغرفة لآخر، فتداعيا السقف [الذي] (^٤) على السفلي وتحت الغرفة؛ فالسقف لصاحب السفلي (^٥).
_________________
(١) تقدم تخريجه (٦/ ١٠٩).
(٢) أخرجه بهذا اللفظ الإمام أحمد (٢/ ٣٩٦) و(٢/ ٤٦٣) لكن عن الزهري عن الأعرج لا عن أبي الزناد عن الأعرج، وإسناده حسن.
(٣) أخرجه أبو داود (٣٦٣٤) والترمذي (١٣٥٣) وابن ماجه (٢٣٣٥) وأحمد (٢/ ٢٤٠) من طريق سفيان بن عيينة عن الزهري، ومسلم (١٦٠٩) في المتابعات بهذا الإسناد، ولم يذكر لفظه، وإنما أحال على اللفظ السابق وقال: "نحوه".
(٤) ساقط من الأصل، وأثبته من عيون المجالس.
(٥) انظر الإشراف (٣/ ٥٢ - ٥٣) ونقل الماوردي في الحاوي (٦/ ٣٩٨) عن مالك أنه يكون =
[ ٦ / ١١١ ]
وبه قال أبو حنيفة (^١).
وقال الشافعي (^٢): هو بينهما جميعًا (^٣).
والدليل لقولنا هو أن السقف محمول على صاحب السفلي باتفاقهما، فوجب أن يستحقه المحمول عليه مثل الحمل على بعيره، ولا يعتبر قعود صاحب العلو عليه؛ لأن من كان قاعدًا على متاع محمول على بعير رجل؛ لم يستحق القاعد المتاع بقعوده عليه.
وأيضًا فإن السقف موضوع على ملك الغير؛ فأشبه المتاع الموضوع في دار الغير، ولا يلزم على هذا العلو الذي فوق السقف؛ لأن العلو محمول على السقف الذي حكمنا فيه من جهة الظاهر، ولا يطلق فيه أنه على ملك الغير، ألا ترى أن ملك الغير إنما يقال فيما حصل له بإقرار أو بينة إن كان خارجًا من يد غيره، حاصلًا في يده وتصرفه، وهذه صفة لا توجد في نفس السقف، وإنما يحكم له بالظاهر مع جواز أن يكون ملكًا لغيره.
وأيضًا فإن ملك السفل هو ملك لصاحبه لا منازعة فيه، فتأكد سبب
_________________
(١) = لصاحب العلو؛ لأنه لا يقدر على التصرف في العلو إلا به، وفي هذا النقل نظر كما ترى.
(٢) انظر التجريد (٦/ ٢٩٦٩ - ٢٩٧١).
(٣) وهو مذهب أحمد أيضًا. انظر المغني (٦/ ٣١٧).
(٤) فصل ابن حجر الهيثمي في ذلك فقال: "والسقف بين علوه أي الشخص وسفل غيره كجدار بين مالكين، فينظر أيمكن إحداثه بعد العلو لإمكان نقب وسط الجدار ووضع جذوع فيه، ويوضع عليه نحو ألواح فيصير البيت الواحد بيتين، فيكون السقف في يدهما لاشتراكهما في الانتفاع به أرضًا للأعلى وستره للأسفل، أو لا يمكن ذلك؛ فاليد لصاحب السفل لاتصاله ببنائه". تحفة المحتاج (٢/ ٣٥٤) وانظر أيضًا الأم (٤/ ٤٧٤) الحاوي الكبير (٦/ ٣٩٨ - ٣٩٩).
[ ٦ / ١١٢ ]
الاستحقاق به، فجاز أن يستحق ما هو محمول عليه، ولما كان السقف هو مستحق مع المنازعة على غيره؛ ضعف الاستحقاق، وصار كالبيع لأصل، (٦٩) فلا يجري مجرى أصله في قوة حكمه، وتعلق ما تعلق بأصله به.
وأيضًا فإن أطراف خشب السقف مداخل لحائط محكوم به لصاحب السفل، فأشبه الأزج الداخل لأساس حائط غيره.
وأيضًا فإن صاحب السفل يبني الحائط ليسقف عليه، ثم يبني صاحب العلو، فكانت يد صاحب السفلي أسبق إليه، إذ قد جرت العادة أن الناس لا يقعدون تحت السماء بلا سقوف؛ فكان أولى من اتصال […] (^١) وجذوع، فإن صاحب الاتصال لما كان هو السابق باليد؛ كان أولى، وكذلك صاحب الأزج لجاره عليه جذوع.
فإن قيل: السقف بينهما لمعنيين:
أحدهما: أن السقف هو ملك على صاحب البيت؛ لأن جذوعه موضوعة على حيطان البيت، وعليه ملك صاحب الغرفة لأن حيطان غرفته عليه، فهو مجاور لملك كل واحد منهما، ويدهما عليه سواء؛ لأن اليد على مثل هذا إنما يكون بمجاورة الملك، فهو كما لو كان بين داريهما حائط فتنازعاه.
والمعنى الآخر: هو أنه يرتفق كل واحد منهما به، لأنه يكون [سماء] (^٢) لصاحب البيت، ويدفع عنه الحر، والبرد، والريح، والمطر، وهو أرض لصاحب الغرفة يقعد عليه، ويتصرف عليه، ويضع ثيابه ومتاعه عليه، فإذا كان
_________________
(١) كلمة لم أتبينها من الأصل.
(٢) ساقطة من الأصل والمثبت من السياق.
[ ٦ / ١١٣ ]
كل واحد منهما يرتفق به؛ كانا فيه سواء، كالزقاق (^١) إذا كان فيه [داران] (^٢) لرجلين، فتداعياه؛ فإنه يكون بينهما نصفين؛ لتساويهما في الارتفاق به، فإذا ثبت أنه يكون بينهما نصفين؛ فإن كل واحد منهما يدعي كله والنصف في يده (^٣).
قيل: إن هذا على أصولكم غير لازم؛ [لأنكم] (^٤) لا تقولون في الحائط تكون عليه الجذوع لأحد (٧٠) المتداعيين أنهما سواء (^٥)؛ لأنهما لو تنازعا قبل وضع الجذوع؛ كان الحائط بينهما، فحدوث الجذوع لأحدهما لا يغير ما كان مستحقًّا (^٦)، فذلك يلزمكم في مسألتنا أن صاحب السفل بعد التسقيف - قبل أن يبني صاحب العلو علوه - أن صاحب السفل أحق بالسقف، فلا يتغير ذلك بتصرف صاحب العلو بعده بالقعود عليه والتسقيف.
ولأن من كان قاعدًا على متاع في دار رجل - وهو معترف بالدار لغيره - أنهما لا يستويان، ولا يسوى بينهما في الدار، وكذلك لو قعد على متاع على دكة لرجل؛ فلا يسوى بينهما في الدكة، وإن كانت أرضًا للقاعد عليها ومشى
_________________
(١) الزقاق الطريق الضيق دون السكة، والجمع زقان وأزقة، والزقاق أيضًا طريق نافذ وغير نافذ ضيق دون السكة. (اللسان زقق).
(٢) كلمة لم أتبينها، والمثبت أقرب إلى رسمها وإلى السياق.
(٣) انتفاع صاحب العلو به معنى حادث بعد كونه ظلًّا لصاحب السفل، فكان الأولى على قول مخالفنا أن لا يرجح بذلك، كما لم يرجع ملك الحائط بوضع الجذوع الحادثة بعد بنائه والحكم به لهما. التجريد (٦/ ٢٩٧١).
(٤) ساقطة من الأصل.
(٥) في الحاوي الكبير (٦/ ٣٩٩) خلاف هذا، وذلك أنه قال: "كالحائط إذا اختلفا فيه كانت عليه جذوع لأحدهما جعل بينهما، وأقرت الأجذاع على حالها".
(٦) انظر ما تقدم ص.
[ ٦ / ١١٤ ]
على ملك صاحب الدار.
ولأنهما وإن كانا متصرفين؛ [فالواجب] (^١) اعتبار أظهر التصرفين؛ كما يعتبر ذلك في الراكب والمتعلق باللجام، ولما قلناه: إن العادة أن صاحب البيت لو لم يكن عليه علو [لا] (^٢) يجلس بلا سقف يُكِنّه؛ فهو سابق لصاحب العلو، فوجب أن يكون أولى، ونحن نعلم أيضًا أن الجالس على متاع فوق حمل لغيره يرتفق بالوطاء، وبما تحته من المتاع، ولم يدل ذلك على تصرفه فيه، ولا يكون له فيه حق، وكذلك لو جلس على متاع في دار غيره.
ثم لو لزم أن يكون السقف بينهما لأن كل واحد منهما يرتفق به؛ لوجب أن يكون الحائط الذي تحت السقف ومن حيطان السفل بينهما إذا تداعياه؛ لأن صاحب السفل يرتفق به لحمل حقه من السقف، وصاحب العلو يرتفق به لحمل حقه من السقف أيضًا، فكل واحد منهما يرتفق به، فيجب أن يكون بينهما إذا تداعياه، فلما [اتفقنا] (^٣) على أنه لصاحب السفل لأنه محمول على أرضه؛ (٧١) وجب أن يكون السقف له؛ لأنه محمول على ملكه.
فإن قيل: فيلزمكم على هذا أن يكونا إذا تداعيا العلو؛ أن يكون لصاحب السفل؛ لأنه محمول على سقفه.
قيل: هذا صحيح، وكذلك هو، غير أنهما هاهنا يتفقان أن العلو لأحدهما، وإنما التداعي في السقف فهو لمن هو محمول على ملكه، كما أن حيطان
_________________
(١) في الأصل: فالجواب.
(٢) في الأصل: أن لا.
(٣) في الأصل: اتفقا.
[ ٦ / ١١٥ ]
البيت الذي تحت السقف لمن هي على ملكه وهو صاحب السفل.
فإن قيل: فإن حيطان السفل إنما كانت لصاحب السفل؛ لأنها مجاورة للعلو أيضًا من رؤوسها، كما أن أسافلها مجاورة للأرض التي لصاحب السفل، ثم لا يختلف أنها تجاور السقف الذي قد جعلتموه بينهما، فينبغي أن يستويا في الحيطان أيضًا (^١). وبالله التوفيق.
مَسْألة (١٣):
وإذا تهدم العلو والسفل، فأراد صاحب العلو أن يبنيه؛ أجبر صاحب السفل على البناء [و] (^٢) التسقيف حتى يبني صاحب العلو علوه (^٣)، وإن اختار صاحب العلو أن يبني السفل من ماله، ويمنع صاحب السفل من الانتفاع حتى يعطيه ما أنفق [عليه] (^٤)؛ فله ذلك.
وبه قال أبو حنيفة (^٥).
واختلف قول الشافعي، فقال مثل قولنا.
وفي القول الآخر: لا يجبر صاحب السفل على البناء (^٦)، وإن أنفق عليه
_________________
(١) اعتراض يفتقر إلى جواب.
(٢) في الأصل: أو، والتصحيح من عيون المجالس.
(٣) وهذا هو المشهور في المذهب، وفي رواية أخرى لا يجبر. انظر الكافي (٤٩١) والإشراف (٣/ ٥٣ - ٥٤).
(٤) في الأصل: عنه، والتصحيح من عيون المجالس.
(٥) انظر التجريد (٦/ ٢٩٧٢ - ٢٩٧٥) المبسوط (١٧/ ٩٢).
(٦) وهو قوله الجديد، وهو الذي صححه الماوردي في الحاوي الكبير (٦/ ٤٠١).
[ ٦ / ١١٦ ]
صاحب العلو؛ كان متطوعًا، ولم يكن له أن يمنع صاحب السفل من الانتفاع (^١).
وكذلك النهر بين الشركاء، و[الدولاب] (^٢)، والعين، والبئر؛ من أنفق منهم؛ فله أن يمنع شريكه من الانتفاع حتى يعطيه قسطه النفقة (^٣).
واختلف قول الشافعي [فيه] (^٤) أيضًا (^٥).
والدليل لقولنا قوله ﵇: "لا ضرر ولا إضرار" (^٦).
_________________
(١) الأم (٤/ ٤٧٤ - ٤٧٥) الحاوي الكبير (٦/ ٣٩٩ - ٤٠١) روضة الطالبين (٤/ ٢١٦).
(٢) في الأصل: الدولات، والتصحيح من عيون المجالس. والدولاب بضم الدال ويفتح، شكل كالناعورة يسقى به الماء، وهو فارسي معرب. (اللسان: دلب).
(٣) انظر التفريع (٢/ ٣٢٤ - ٣٢٥).
(٤) ساقطة من الأصل، والمثبت من عيون المجالس.
(٥) انظر روضة الطالبين (٤/ ٢١٦ - ٢١٧).
(٦) أخرجه مالك عن عمرو بن يحيى عن أبيه مرسلًا في الموطأ، كتاب الأقضية، باب القضاء في المرافق (٣١). وأخرجه ابن ماجه (٢٣٤٠) من حديث عبادة بن الصامت، وفيه إسحاق بن يحيى بن الوليد، قال فيه ابن حجر في التقريب (١٠٣): "أرسل عن عبادة، وهو مجهول الحال". وأخرجه ابن ماجه (٢٣٤١) وأحمد (١/ ٣١٣) عن ابن عباس، وإسناده ضعيف، فيه جابر الجعفي رمي بالكذب كما تقدم. وأخرجه الدارقطني (٤/ ٢٢٧) وفيه الواقدي ضعيف كما تقدم. وله شواهد أخر يترقى الحديث بمجموعها إلى درجة الصحيح. "وقال النووي: حديث حسن، وله طرق يقوي بعضها بعضًا، وقال العلائي: له شواهد وطرق يرتقي بمجموعها إلى درجة الصحة، وذكر أبو الفتوح الطائي في الأربعين له أن الفقه يدور على خمسة أحاديث هذا أحدها". شرح الزرقاني على الموطأ (٤/ ٦٧) وقد استوعب ابن رجب طرقه والكلام عليه في جامع العلوم والحكم (٤٠٤ - ٤٠٦) وانظر أيضًا الإرواء (٣/ ٤٠٨ - ٤١٤).
[ ٦ / ١١٧ ]
وصاحب العلو لا يصل إلى الانتفاع بماله (٧٢) إلا بإصلاح السفل، فإذا امتنع صاحب السفل من البناء؛ فقد أضر بصاحب العلو، وقد منعه النبي ﵇ من ذلك.
فإن قيل: لنا في هذا الخبر مثل ما لكم، لأن إنفاق صاحب السفل إضرار عليه (^١)، وقال ﵇: "لا ضرر ولا إضرار" (^٢).
قيل: إنما يعود من نفقته إليه بإزاء ما ينفقه، وهذا لا يسمى ضرارًا به، مثل أثمان البياعات يحصل له المبيع بإزاء ما يخرج من الثمن، وإنما الضرر هو أن يترك الإنفاق في نصيبه فلا تحصل له منفعة، ولا يمكن الشريك أن ينتفع في نصيب نفسه خاصة، فيؤدي ذلك إلى الإضرار بهما جميعًا.
وأيضًا فإن صاحب العلو لا يتوصل إلى الانتفاع بالعلو إلا ببناء السفل، ومتى لم يتوصل إلى الانتفاع بملكه إلا بإصلاح ملك غيره؛ صار مأذونًا له في الإنفاق عليه ليصل إلى حقه، وإذا كان مأذونًا في الإنفاق في حق غيره؛ لم يكن للغير منعه منه، فوجب أن يمنع صاحب السفل من الانتفاع حتى يعطيه ما أنفق، أصله العبد يكون بينهما فيلزمهما نفقته، ويجبر كل واحد منهما على إنفاق قسطه منه، فإن امتنع وأنفق الآخر؛ وجب له ما أنفق، وإذا ثبت أن له بناء السفل؛ لم يجب أن يكون متبرعًا فيه؛ لأن كل بناء لو فعله الغير في ملك غيره لكان متبرعًا فيه؛ فإنه يمنع من فعله إلا بإذن، أصله بناء دار جاره.
_________________
(١) وليس استعماله في نفي الضرر عن الطالب بإدخاله على المطلوب؛ بأولى من نفيه عن المطلوب بإدخاله على الطالب، إذ ليس يمكن نفيه عنهما، فتناوب الأمران فيه، فسقط الاستدلال بظاهره. الحاوي الكبير (٦/ ٤٠١).
(٢) تقدم آنفًا.
[ ٦ / ١١٨ ]
وأيضًا فإن الإذن من طريق الحكم؛ كالإذن من طريق القول في الرجوع، دليله الأب يشتري لولده الصغير شيئًا فيرجع عليه بالثمن، فإن له الرجوع به في مال ابنه، وكذلك الوارث إذا قضى دين الميت لتسلم له أعيان التركة؛ جاز؛ لأنه [لا] (^١) يتوصل إلى تخليص (٧٣) التركة لنفسه إلا من [هذا] (^٢) الوجه، فكذلك ما لم يتوصل إلى تخليص حقه من العلو إلا من هذا الوجه؛ كان مأذونًا له فيه من طريق الشرع.
وأيضًا فقد ثبت أنه لو كانت بينهما أرض فطلب أحدهما القسمة وإحازة الأرض وامتنع الآخر؛ أجبر الممتنع منهما عليه لدفع الضرر عن شريكه، فكذلك مسألتنا.
فإن قيل: إن صاحب العلو إذا بنى السفل من ماله؛ لم يكن له منع صاحب السفل من الانتفاع؛ لأن في ذلك إبطال حقه.
قيل: إن في جواز انتفاع صاحب السفل إبطال صاحب العلو مما أنفقه، فلا فرق بين الأمرين.
وأيضًا فإن القسمة في الأصل وضعت لإزالة الضرر، فيتخلص كل واحد من الشريكين من سوء المشاركة، فإذا تعذر ذلك في العلو والسفل والنهر؛ وجب أن يزال الضرر بأمر آخر، ولا يمكن ذلك إلا بالإنفاق، فوجب أن يجبرا عليها كالنفقة على العبد.
وإن شئنا قلنا في النهر: إن الإنفاق سبب لإزالة الضرر فيما يتعلق
_________________
(١) ساقطة من الأصل، والسياق يقتضيها.
(٢) في الأصل: جهة.
[ ٦ / ١١٩ ]
بالشركة، فجاز أن يقع إجبار كالقسمة، ولا يلزم على هذا المغارسة في الأرض إذا طلب أحدهما ذلك؛ لأن ترك المغارسة قد يكون أنفع للأرض، فلا يعلم أن ذلك سبب لإزالة الضرر بجواز أن يكون ضررًا في [القسمة] (^١).
فإن قيل: فإن كل ملك لو انفرد به شخص؛ لم يجبر على بنائه والإنفاق عليه؛ فإنه إذا تعلق في حق شخصين لم يجبر على بنائه والإنفاق عليه، أصله إذا كان بين داريهما عرصة لم يكن فيها بناء، فطلب أحدهما أن يبني فيها حائطًا يحجز بين الدارين، وامتنع الآخر؛ لا خلاف أنه [لا] (^٢) يجبر الممتنع (٧٤) منهما على إحداث البناء، فكذلك هذه المسائل، وعكس هذا العبد لو انفرد به شخص؛ للزمه أن ينفق عليه، وإذا كان بين شخصين وامتنع أحدهما من الإنفاق عليه؛ أجبر عليه.
قيل: أما العرصة بين الدارين؛ فكل واحد منهما يصل إلى الانتفاع بحقه من العرصة بقسمتها بإفراد حقه منها، وصاحب العلو لا يصل إلى الانتفاع بحقه إلا ببناء السفل، فهو كالعبد بينهما، والإنفاق عليهما أشبه، ألا ترى أنه لما كان يصل إلى حقه بقسمة العرصة؛ وجبت القسمة، وأجبر عليها الممتنع منها، فكذلك يجب إذا لم يصل صاحب العلو إلى الانتفاع بحقه إلا ببناء السفل؛ أن يجبر صاحب السفل على البناء، كما أن الشريك في العبد لما لم يصل إلى الانتفاع بحقه من العبد بالقسمة؛ وجب إجبار شريكه على النفقة معه.
فإن قيل: فإنه ليس في ذلك أكثر من طلب مصلحة الملك وعمارته،
_________________
(١) في الأصل: نفسه.
(٢) ساقطة من الأصل، والسياق يقتضيها.
[ ٦ / ١٢٠ ]
والرجل لا يجبر على مصلحة الملك المشترك وعمارته، ألا ترى أنه لو كان بينهما أرض فطلب أحدهما أن يزرعها وامتنع الآخر؛ لم يجبر الممتنع منهما على الزراعة. فكذلك في مسألتنا.
قيل: إن صاحب العلو ليس يطلب مصلحة الملك وعمارته، وإنما يطلب الانتفاع بحقه ومصلحة نفسه، وليس يصل إلى ذلك إلا ببناء السفل.
وأما الزراعة؛ فقد تكلمنا عليها، وقلنا: ربما كان ترك الزراعة أصلح للأرض، ومع هذا يمكنه أن يصل إلى غرضه بالقسمة، وليس كذلك صاحب العلو مع صاحب السفل.
فإن قيل: فإنه لا يخلو أن يجبر على ذلك لمنفعة في نفسه، أو لمنفعة شريكه، أو لأنهما ينتفعان جميعًا به، فبطل أن يجبر (٧٥) عليه لأنه ينتفع به لنفسه؛ لأن الإنسان لا يجبر على الانتفاع بملكه، ولو انفرد بالحائط؛ لم يجبر على بنائه لما يحصل له من الانتفاع به.
وبطل أن يجبر عليه لانتفاع شريكه ولانتفاعهما، [إن] (^١) كان ينتفع جاره ببنائه كما ينتفع هو بذلك، وإذا ثبت ذلك؛ ثبت أنه لا معنى لإجباره [على] (^٢) البناء.
قيل: أما الحائط إذا كان بينهما؛ فقد اختلفت الرواية فيه، فإذا قلنا: إنه يجبر على البناء معه؛ لم يلزم هذا السؤال، وإن قلنا: لا يجبر؛ فلِأن عرصة
_________________
(١) في الأصل: فإن، وما أثبته أنسب للسياق.
(٢) في الأصل: عن.
[ ٦ / ١٢١ ]
الحائط يمكن قسمتها، ويصل كل واحد منهما [إلى] (^١) الانتفاع [بحقه] (^٢).
وليس كذلك صاحب العلو مع صاحب السفل؛ لأن صاحب العلو لا يصل إلى الانتفاع بحقه إلا من هذا الوجه.
وكذلك الشريكان في النهر والبئر والدولاب، وقد يجبر على الإنفاق [إذا] (^٣) كان الآخر لا يصل إلى الانتفاع بالقسمة، ولا يصل إلى حقه إلا بنفقة صاحبه، كالنفقة على العبد. والله أعلم.
_________________
(١) في الأصل: وفي، ولا وجه له.
(٢) ساقطة من الأصل، والسياق يقتضيها.
(٣) في الأصل: وإذا.
[ ٦ / ١٢٢ ]