الإقرار (^١) [بالدين] (^٢) في الصحة والمرض يتحاصّون (^٣) جميعا على قدر حقوقهم، أما إذا كانت التركة تفي الجميع؛ فلا خلاف أنهم جميعا يستوفون ديونهم، وإنما الكلام فيه إذا لم يخلف وفاء (^٤).
فعندنا وعند الشافعي أنهم جميعا يتحاصون في الموجود على قدر ديونهم (^٥).
وقال أبو حنيفة: غريم الصحة مقدم على غريم المرض، فيبدأ باستيفاء حقه، فإن فضل منه شيء؛ صرف الفضل إلى غريم المرض، وإن لم يفضل شيء؛ فلا شيء له (^٦).
_________________
(١) الإقرار في اللغة الاعتراف، وفي اصطلاح الفقهاء قال النووي: "الإقرار هو إخبار عن حق سابق". روضة الطالبين (٤/ ٣٤٩) وانظر الصحاح (قرر) المغني (٦/ ٦٠٠) شرح حدود ابن عرفة (٢/ ٤٤٣ - ٤٤٤).
(٢) ساقطة من الأصل، والمثبت من عيون المجالس.
(٣) من الحصة، وهي النصيب، وأحصه أعطاه نصيبه، وتحاص القوم أي اقتسموا حصصا، وكذا المحاصة. الصحاح (حصص).
(٤) أي وفاء يفى لديون الصحة والمرض.
(٥) انظر الكافي (٤٥٧) تهذيب المسالك (٣/ ٢٦٧ - ٢٦٨) الذخيرة (٩/ ٢٦٠ - ٢٦٢) الحاوي الكبير (٧/ ٢٨ - ٢٩) روضة الطالبين (٤/ ٣٥٤).
(٦) التجريد (٧/ ٣١٨٩ - ٣٢٠٠) الهداية مع تكملة شرح فتح القدير (٨/ ٣٩٨ - ٤٠١) وعن أحمد روايتان كالمذهبين. انظر المغني (٦/ ٦٩١ - ٦٩٢).
[ ٦ / ٢٧٥ ]
وهذا عندنا نحن إذا كان الإقرار لمن لا يتهم فيه، وأما إذا كان لوارث متهم فيه، مثل أن يقر لزوجته بدين، أو ليتيمه، أو لبعض ولده ممن يتهم في شأنه؛ فإن إقراره غير مقبول (^١).
وعند أبي حنيفة لا يقبل إقراره لوارث أصلا، والشافعي في إقراره في المرض على قولين إذا كان لوارث (^٢).
والدليل لقولنا في هذه المسألة (^٣) هو أن كل إقرار لو ثبت في المرض بالبينة ساوى ما ثبت مثله في الصحة؛ جاز إذا ثبت في المرض بإقراره أن يساوي ما ثبت في حال الصحة بإقراره، أصل ذلك الإقرار بوارث.
ونقول أيضا: لا خلاف بيننا أن هذا المريض لو أقر بوارث؛ للزم إقراره، وورث هذا الوارث كما يرث المقر به في الصحة، كذلك يجب في الإقرار بمال قبله لاستوائهما مع ثبوت البينة.
ونقول أيضا: هو دين لزمه في حال مرضه؛ فوجب أن يساوي حكم الدين الذي لزمه في صحته، دليله إذا قامت به البينة في المرض، وجميع ما يذكرونه يفسد بالبينة.
وأيضا فإننا قد وجدناه في هذه الحال قد انتفت عنه جميع التهم، وهي حالة يتخوف الإنسان فيها، ويتخوف الورود على الله تعالى، فلم تبق حال
_________________
(١) قال القرافي: "وأصل المسألة أن المرض لا يؤثر في الإقرار عند الشافعي، ويؤثر عند أبي حنيفة، وعندنا يؤثر في محل تقوى فيه التهمة". الذخيرة (٩/ ٢٦٠).
(٢) سيناقش المصنف هذا الأمر في المسألة الآتية.
(٣) أي أن غريم الصحة وغريم المرض سواء.
[ ٦ / ٢٧٦ ]
يتهم فيها أنه قصد إبطال حق الغرماء، فلا فرق بين إقراره وبين قيام البينة عليه وإقراره في الصحة، بل إذا انتفت عدالتهم الظاهرة؛ فهو في المرض أولى أن يقوى إقراره.
فإن قيل: إن التصرف في حال الصحة أقوى وآكد منها في حال المرض، بدليل أنه يتصرف في الصحة بهبة جميع المال أو صدقته وينفذ ذلك، ولا ينفذ في حال مرضه، فإذا كان الإقرار في الصحة [أقوى] (^١)؛ وجب أن يكون مقدما على الإقرار في المرض.
وأيضا فإن حقوق الغرماء تتعلق بعين المال بنفس المرض، وإذا أقر في مرضه بحق يثبت بعد تعلق حقوق [غرماء] (^٢) الصحة بعين المال؛ فوجب أن يكون مؤخرا عن حقوقهم.
قيل: قولكم: "إن التصرف في حال الصحة آكد منه في حال المرض بدليل جواز هبة ماله"؛ عنه جوابان:
أحدهما: أننا لا نسلم أن التصرف في حال الصحة على الإطلاق آكد منه في المرض؛ لأن التصرف الذي هو آكد من حال المرض هو التصرف بالإتلاف من الهبة والصدقة، فأما التصرف بالإقرار إذا لم يظهر فيه تهمة؛ فهو في الصحة والمرض سواء، ليس أحدهما أقوى من الآخر؛ إذ لو كان في الصحة أقوى من المرض؛ لوجب أن لا يقبل الذي في المرض أصلا، كما نقوله نحن إذا أقر في مرضه لمن يتهم في بابه.
_________________
(١) طمس بالأصل، والمثبت من السياق.
(٢) في الأصل: غرمائه.
[ ٦ / ٢٧٧ ]
ويدل على صحة هذا إقراره بوارث لما كان تصرفا بإقرار لا تهمة في ظاهره؛ كان حكمه في الصحة والمرض سواء.
والجواب الآخر: هو أن ما ذكرتموه باطل بالبينة، وذلك أن التصرف في الصحة آكد منه في المرض، ومع هذا لا فرق بين البينة في الصحة وبينها في المرض.
وأما قولكم: "إن حقوق غرماء الصحة تتعلق بالعين بنفس المرض"؛ فإننا نقول: إن حقوقهم لا تتعلق بعين مالهم، وإنما تتعلق بأعيان التركة بعد الموت، ألا ترى أنه لو لم يكن عليه غرماء؛ لكان على الصفة التي تكون عليه فيها غرماء هبته وصدقته بجميع ماله لا ينفذ، ونقض عقد الهبة بجميع ماله لا يدل على تعلق حقوقهم بالعين، ألا تري أن المريض يهب ويتصدق ويستدين في مرضه، ثم يموت ولا يفي ماله بدين فتبطل هبته وصدقته، ثم لا يدل هذا على أن هذا الدين كان متعلقا بعين ماله حتى تصرف فيه بالهبة والصدقة.
[فإن قلتم: إن المفلس إذا حكم عليه بالفلس ثم أقر بدين؛ قدم غرماؤه] (^١) الذين كانوا قبل الحجر قد أقر لهم، كذلك إذا أقر المريض لم يشارك المقر له غرماء الصحة.
وأيضا فإنه متهم؛ لأن الإنسان قد يميل إلى بعض ورثته أكثر مما يميل إلى الآخرين، فتلحقه التهمة في هذا الإقرار في قصده إلى منع المال عن بعضهم.
_________________
(١) ما بين المعقوفين أكثره مطموس، وما أثبته من السياق، ومن جواب الاعتراض بعده.
[ ٦ / ٢٧٨ ]
قيل: إن المفلس إذا أقر بعد الحجر؛ إنما أخر المقر له عمن تقدمه قبل الحجر؛ لأن البينة لو قامت له بذلك؛ لم يشركهم وكان مؤخرا، كذلك الإقرار له بعد الحجر، وليس كذلك المريض؛ لأنه لو قامت للمقر له بينة بدينه؛ لشارك غرماء الصحة، كذلك إذا ثبت إقراره.
وجواب آخر: وهو أن المفلس ذمته باقية، والمال يغدو ويروح، وفي الموت تبطل الذمة، فلا يبقى للمقر له ذمة يرجع إليها.
وفرق آخر بين المفلس وبين المريض: وهو أن المفلس محجور عليه، ممنوع من التصرف في ماله، ألا تري أنه لا يجوز له أن يبيع ماله وإن كان بثمن مثله، فإذا كانت هذه منزلته؛ كان إقراره في هذه الحال مؤخرا، فلم يساو حكم من ثبت له عليه قبل الحجر والفلس، وليس كذلك المريض؛ لأنه غير محجور عليه في بيع ماله بثمن مثله، وله أن يقر على نفسه من ماله ما يحتاج إليه ولا بد له منه، وإن أدى إلى فناء ماله، فلهذا كان إقراره في مرضه غير مؤخر.
وقولكم: "إن المريض متهم؛ لأنه قد يميل إلى بعض ورثته"؛ فإننا نقول: إن كل موضع تدخله التهمة فيه؛ فإن إقراره غير مقبول أصلا بعد الموت (^١)، إلا أن يجيزه الورثة فإنه يقبل إقراره فيما لا تهمة فيه في الظاهر، فلا يلزم ما ذكرتموه.
فإن قيل: [إن المريض الذي لا دين عليه لما لم يتعلق بثلث ماله حق
_________________
(١) وإنما يتوجه هذا الدليل على الشافعية الذي لا يقبلون إقرار المريض من غير اعتبار للتهمة الذي يقول به المالكية.
[ ٦ / ٢٧٩ ]
لورثته؛ لم يمنع من] (^١) التصرف فيه على وجه التبرع، ولما تعلق حقهم في مقدار الثلثين؛ منع من التصرف لحقهم، فكذلك حق الغرماء لما منع التصرف في جميع المال في حال مرضه؛ دل ذلك على تعلق حقهم به.
وأيضا فإن من كان صحيح القول متى منع من التصرف في ماله بحق غيره على وجه كان ذلك جائزا له؛ فإن ذلك المنع يدل على تعلق حق الغير بماله أو بالحادث منه، يدلك عليه الراهن والمؤاجر، ولما منع في حين المرض بحق غرمائه؛ دل ذلك على تعلق حقهم بماله (^٢).
قيل: قولكم: "إن المريض الذي لا دين عليه لما لم يتعلق بثلث ماله حق لورثته؛ لم يمنع من التصرف فيه، ولما تعلق حقهم بالثلثين منع من التصرف لحقهم، فكذلك هو ممنوع لأجل الغرماء"؛ فإننا نقول: إنه ممنوع من تنفيذ الثلث، غير ممنوع من الوصية به، ولا يدل ذلك على أنه إذا طرأ عليه دين في مرضه؛ أن الثلث لا يبطل، وكذلك هو ممنوع من الثلثين بجواز أن يطرأ دين يبطل أن يكون للورثة حق، ويجوز أن يحدث وارث آخر، وأن يموت ورثته قبله، فيصير الثلثان لوارث آخر، ومع هذا كله لو طرأ عليه دين بإقراره ولم يتقدمه دين قبل المرض؛ لكانت التركة كلها مصروفة في دينه الذي أقر به فى مرضه، فلما كان دينه الذي يقر به في مرضه يبطل جميع وصيته بالثلث ويبطل الثلثين؛ وجب أن يساوي دين الصحة؛ لأن هذه أيضا صورته ومرتبته.
_________________
(١) طمس بالأصل، والمثبت من جواب الاعتراض، حيث سيعيد المصنف نص الاعتراض.
(٢) انظر التجريد (٧/ ٣١٩٤ - ٣١٩٥).
[ ٦ / ٢٨٠ ]
وعلى أننا نحن أيضا نمنع الصحيح من إخراج ماله على غير معاوضة إذا كان عليه دين يستغرق ما في يديه، ولم يكن ذلك لأن حقوق الغرماء تتعلق بالأعيان.
وأما الراهن والمؤاجر؛ فإن الحق تعلق بالأعيان، وقد بينا أن حقوق الغرماء لا تتعلق بالأعيان إلا بعد الموت وخراب الذمة والفلس على وجه، ثم قد بينا أن إقراره بالدين في المرض قد يتعلق بالأعيان كما يتعلق بها دين الصحة، ألا تري أنه لو لم يكن عليه من الدين إلا ما أقر به في المرض؛ لصار الدين أحق بالتركة من الورثة كما لو انفرد دين الصحة.
وعلى أننا لو قلنا: إن الدين في الموت أيضا لا يتعلق بأعيان التركة؛ لكان صحيحا، لأن للورثة أن يقضوا الدين من أموالهم وتكون الأعيان لهم، ثم لو تلفت الأعيان؛ لم يسقط دينهم؛ لأنه لو طرأ للميت مال من وصية أو هبة؛ فقضينا منه الدين، لم يتعلق بأعيان التركة، إذ لو تعلق بها؛ لتلف بتلفه، ولم يكن للورثة أن يقضوا الدين من أموالهم ويأخذون أعيان التركة.
فإن قيل: إن حق الغرماء لا يتعلق بالمال في منع التصرف، وإنما يتعلق بما يوفيه المالك حقه على تمامه ووفائه، وتصرفه يؤدي إلى تسهيل هذا المعنى، فلم يؤد ذلك إلى إبطال حقه، وتعلق الحقوق بالمال على ضربين:
منه ما يتعلق بالمال على وجه منع المالك من التصرف فيه مثل حق المرتد.
[ ٦ / ٢٨١ ]
و[ضرب] (^١) آخر يتعلق بالمال، لكن يتصرف فيؤدي حقه منه، وهذا لا يؤدي إلى الحجر، ولا يقال حق يتعلق بالمال يملكون أخذه وإمساكه كالرهن؛ لأن هذا الحق تعلق بعين المال على وجه للمالك نقله عنه إلى غيره، فيصير ذلك كالجناية المتعلقة برقبة العبد، فلا ينفي ذلك جواز تصرف المولى ومنع […] (^٢) الجناية حتى يختار المولى ذلك، وإذا ثبت بما ذكرناه أن حق غرماء الصحة تعلق بعين المال؛ كان حقهم مقدما على حق غيرهم؛ لأن أحدا لا يفصل بين الموضعين؛ لأن تعلقهم بالمال لما سبق دين المرض؛ وجب أن يكونوا [أولى كالراهن] (^٣) لما سبق حقه إلى العين قبل ثبوت دين المرض؛ كان هو أولى بالتقديم.
قيل: قولكم: "إن حق الغرماء لا يتعلق بالمال في منع التصرف وإنما يتعلق به لتوفية الحق إلى آخر الفصل"؛ فإننا نقول: قد حصلت القضية معكم، أخبرونا أليس لو لم يكن عليه دين؛ كانت هذه صفة لا تمنع من التصرف على هذا الوجه، ويمنع من هبة جميع ماله، وله أن ينفق على نفسه وإن أدى إلى فناء ماله، فإذا كانت هذه صفته، لا فرق فيها بين أن يكون عليه دين أو لا دين عليه؛ علم أنه لم يكن محجورا عليه من أحد الغرماء، ولا تعلق حقهم بالعين، إذ لو تعلق بها؛ لأثر في تصرفه تأثيرا تبين به الفرق بين كون الدين عليه وبين عدمه، فإذا كان هذا هكذا؛ استوى حكم دين الصحة والمرض كما يستوي بالبينة، والرهن بخلاف هذا؛ لأنه يمتنع من
_________________
(١) في الأصل: وجواب.
(٢) كلمة مطموسة.
(٣) طمس بالأصل، والمثبت من السياق.
[ ٦ / ٢٨٢ ]
بيعه ومن التصرف فيه، مع كون الدين في الذمة لا متعلقا بعين الرهن، وإنما له إمساك الرهن والمنع من التصرف فيه ليستوفي حقه، والمريض ليس ممنوعا من التصرف ليستوفي منه الحق، وأما العبد الجاني؛ فإن الجناية تعلقت بالرقبة، ثم لو جنى العبد جناية أخرى قبل الحكم على الأولى؛ لتعلقت الجناية الثانية بالرقبة كما تعلقت الجناية التي قبلها، ولم يكن للمتقدمة مزية على الثانية، فكذلك دين الصحة والمرض، ولو لزم ما ذكرتموه في البينة؛ لتقدم حق [غرماء] (^١) الصحة وتعلقه بالأعيان قبل تعلق الحق الثاني بالبينة. والله أعلم.
* * *
* مَسْألة (٣٥):
إذا أقر المريض لوارث بدين؛ نظر؛ فإن كان لا يتهم فيه؛ قبل [إقراره، مثل أن تكون له بنت وابن عم فيقر لابن عمه بدين؛ فإنه يقبل، ولو كان إقراره ليتيمته؛ لم يقبل؛ لأنه متهم في أن يزيد لبنته على حقها من الميراث، وينقص ميراث ابن عمه] (^٢)، ولا يتهم في أن يفضل ابن عمه على بنته فيقبل إقراره (^٣).
_________________
(١) في الأصل: الغرماء.
(٢) ما بين المعقوفتين مطموس بالأصل، والمثبت من عيون المجالس.
(٣) انظر الإشراف (٣/ ٩٧ - ٩٨) المعونة (٢/ ٩٠٣ - ٩٠٤) تهذيب المسالك (٣/ ٢٦٩ - ٢٧٠) الذخيرة (٩/ ٢٥٨ - ٢٥٩).
[ ٦ / ٢٨٣ ]
[وقال أبو حنيفة: لا يصح إقراره] (^١) لوارث بحال (^٢).
واختلف أصحاب الشافعي؛ فقال بعضهم (^٣): يجيء على قولين، ومنهم من قال: يلزم قولا واحدا (^٤).
والدليل لقولنا؛ هو أنه يتهم في إقراره لبنته إما لينقص ابن العم ويكون ماله [يستغرقه] (^٥) الدين، فيعلم أن ورثته لا يستحقون شيئا مع الدين، فيقر لوارثه بدين ليحاص به، فيصير إليه من التركة ما لم يكن يصير إليه لولا إقراره، فلم يقبل لهذه العلة، ومعلوم أن الإنسان مطبوع على الميل إلى بعض الوارثين أكثر من بعض، وعلى الميل إليهم دون الأجانب.
وأيضا فإن المريض محجور عليه إما لأجل ورثته، أو لأجل ديون عليه، أو تطرأ عليه.
والدليل على أنه محجور عليه في الدين -كما ذكرنا- هو أن هبته لجميع ماله وصدقته به؛ لا تصح، فإذا كان محجورا عليه؛ لم يقبل إقراره في المرض الذي يتهم فيه.
فإن قيل: كل من صح إقراره لغير الوارث؛ صح إقراره للوارث؛
_________________
(١) طمس الأصل، والمثبت من عيون المجالس.
(٢) التجريد (٣/ ٣٢٠٣ - ٣٢٠٧) الهداية مع تكملة شرح فتح القدير (٨/ ٤٠٥ - ٤١٠) وبه قال أحمد بن حنبل. انظر المغني (٦/ ٦٩٢ - ٦٩٣).
(٣) منهم أبو إسحاق المروزي، وهو أصح الطريقين، وأظهرهما القبول، واختار الروياني مذهب مالك. انظر روضة الطالبين (٤/ ٣٥٣).
(٤) وهو قول جمهور الأصحاب. انظر الحاوي الكبير (٧/ ٣٠).
(٥) في الأصل: يعترفه.
[ ٦ / ٢٨٤ ]
كالصحيح، وعكسه المجنون والمحجور عليه بسفه (^١).
قيل: إن الصحيح غير محجور عليه، ألا ترى أنه يصرف ماله كله في العطية والهبة إلى وارث وغير وارث، فالتهمة عنه زائلة، والمريض محجور عليه، فيتهم في إقراره للوارث على الوجه الذي ذكرناه.
وعلى أننا نقول بموجب هذه العلة؛ فيجوز إقراره للوارث في الموضع الذي تنتفي عنه التهمة، مثل أن يقر لابن عمه بدين وله بنت؛ فإن هذه العلة منتقضة، وذلك أن المريض لو قال: كنت وهبت لزيد بن عبد الله - رجل أجنبي - سلعة، وأقبضته إياها، ثم إنني أتلفتها عليه؛ لكان هذا الإقرار منه لازما، ولو أقر بهذا الإقرار لوارث؛ لم [يلزم؛ لأن] (^٢) تهمة المريض له لا تصح.
فإن قيل: هذا لا يلزم على علتنا؛ لأننا عللنا (١٧٧) لعين المقر، ولم نعين لعين الإقرار؛ لأننا قلنا: كل شخص، ولم نقل: كل إقرار.
قيل: قولكم ألزمناكم إلا عين المقر (^٣)؛ لأنه هو بعينه لو أقر لأجنبي بما ذكرناه وأقر للوارث بمثل ذلك؛ قبل إقراره لأجنبي، ولم يقبل إقراره للوارث، وعين المقر عين واحدة وإن اختلفت أشخاص المقر لهم، كما أن إقراره للوارث عندكم بمنزلة إقراره للأجنبي، وشخصاهما مختلف، وعين المقر واحدة، لأنكم قلتم: كل من صح إقراره لغير وارث؛ صح إقراره لوارث.
_________________
(١) انظر الحاوي الكبير (٧/ ٣٠).
(٢) طمس بالأصل، والمثبت من السياق.
(٣) هكذا بالأصل.
[ ٦ / ٢٨٥ ]
فإن قيل: كل من صح منه الإقرار بوارث؛ صح منه الإقرار لوارث، أصله الصحيح.
قيل: نحن كذا نقول في إقراره بالوارث إن كان يتهم فيه؛ لم يقبل إقراره، مثل أن لا يكون له وارث وله عبد مملوك أصله من بلد لم يدخله المولى، فيقر أنه ولده بميله إليه وإقباله عليه، فلا فرق في موضع التهمة بين إقراره بوارث وبين إقراره لوارث، وإذا لم يتهم؛ قبل في الموضعين جميعا.
فإن قيل: كل من صح إقراره له في الصحة؛ صح إقراره له في المرض، أصله غير الوارث.
قيل: قد ذكرنا أنه لو صرح بالتهمة في الصحة بأن يهب ماله كله للوارث؛ صح، وفي المرض لا يصح، فاختلف حكم الصحة والمرض، فلما كان في المرض لا تصح هبته؛ لم يصح إقراره له؛ [لأنه] (^١) متهم أن يقصد ما منع منه.
فإن قيل: لا خلاف بيننا أن المريض لو أقر بوارث؛ لصح إقراره، ووجدنا الإقرار بوارث يتضمن لا محالة الإقرار بثلاثة أشياء: بالنسب، والولاية؛ وهو أنه إذا مات صلى هو عليه، والإقرار بالمال أيضا؛ لأنه إذا ثبت وارثا؛ أخذ ماله إذا مات، فإذا كان إقراره بوارث يتضمن الإقرار بالمال وشيئا آخر؛ فإذا أقر بمال له فهو أولى أن يصح، وهو معنى صحيح.
قيل: قد ذكرنا أنه لا فرق بين إقراره لوارث وبين إقراره بوارث في
_________________
(١) ليست في الأصل، والسياق يقتضيها.
[ ٦ / ٢٨٦ ]
المرض؛ لأنه متهم (١٧٨) فيه، فأغنى عن إعادته، فلم يلزم ما ذكرتموه.
وعلى أن العادة أن الإنسان يقصد تخصيص وارث ببعض ماله، ولم تجر العادة بأن يقر بنسب لا أصل له، وإذا كان كذلك؛ حصلت التهمة في الإقرار بالدين.
وأيضا فليس العادة أن يدخل في قبيلته من ليس منها، ولا أن يوصل نفسه بمن نسب بينه وبينه، وقد يخص وارثه بزيادة المال.
فإن قيل: إننا وجدنا المريض أبعد في التهمة من الصحيح، فإنه في حال يرِد على الله جل اسمه، فهو في هذه الحالة يتجنب المعاصي ما لا يتجنبه في حال الصحة (^١)، فإذا أقر بحق لوارث؛ حمل على الحق الذي لا يجوز غيره؛ لانتفاء التهمة منه.
قيل: لو كان المريض على ما تذكرونه (^٢)؛ لجاز إقراره في المسألة التي ذكرناها إذا أقر أنه وهب في صحته لوارث له سلعة وصفها وأقبضه إياها ثم أتلفها عليه، كما يقبل هذا الإقرار لأجنبي، فلما قبل إقراره بذلك لأجنبي، ولم يقبل للوارث؛ ثبت أن التهمة غير منتفية عنه
ونقول أيضا: إن المرض يوجب حجرا في حق ورثته؛ يدلك على ذلك أن الثلث الذي يملك التصرف فيه من جميع الجهات لا يملك وضعه لوارثه
_________________
(١) "ويخلص الطاعة، ولذلك قال أبو بكر ﵁ في عهده إلى عمر وهذا ما عهد به أبو بكر خليفة رسول الله ﷺ عند آخر عهده بالدنيا، وأول عهده بالآخرة، في الحال التي يؤمن فيها الكافر، ويتقي فيها الفاجر" الحاوي الكبير (٧/ ٣١).
(٢) صرح المصنف في المسألة السابقة بما رده هنا على الخصم، فتأمل.
[ ٦ / ٢٨٧ ]
على وجه الهبة والمنحة، فدل ذلك على ثبوت الحجر عليه فيه لأجله، ألا ترى أنه لو لم يكن محجورا عليه [لملك] (^١) أن يضع حقه حيث أراد، يبين ذلك حال صحته لما كان غير محجور عليه في حق وارثه [ملك] (^٢) أن يضع ماله فيه حيث يريد على ما يريد.
ونقول أيضا: إن إقراره على الوجه الذي ذكرناه نتهمه في تفضيل أحد الوارثين فيما يستحقه على صاحبه بقوله، فأشبه أن يوصي له بمال، فلا يجوز.
وأيضا فإن حال المرض حال يقصد الإنسان فيها بطبعه إلى تفضيل بعض ورثته، فإذا أقر له بمال على الوجه الذي ذكرناه؛ فالظاهر منه أنه يقصد تفضيله بالإقرار عوضا (١٧٩) [عما لا يلزمه إليه] (^٣) بوصيته أو بهبته، وإذا كان ظاهر أمره تخصيصه بأن يقوم مقام ما منع منه؛ صار كالوصية التي ظاهرها التوصل إلى تفضيله بإقامة الوصية مقام ما منع من تفضيله بالميراث، فإذا منع من أحد الأمرين؛ وجب أن يمنع من الآخر.
فإن قيل: إن الإقرار إخبار عن واجب قد سبق؛ فأشبه إقراره لأجنبي.
قيل: إن الإقرار إخبار أن المقر له أحق بالشيء من المقر ومن غيره، ويحتمل أن يكون لأمر سابق، ويحتمل أن يكون لحق واجب في الحال، فسقط اعتبار الأمر بما سبق.
ويبطل أيضا ما ذكروه بمن أقر في مرضه بعين عبد له في صحته، أو
_________________
(١) في الأصل: لم يملك، والظاهر أنه خطأ؛ لأنه يقلب المعنى المراد.
(٢) في الأصل: وملك.
(٣) طمس بالأصل، والمثبت من السياق.
[ ٦ / ٢٨٨ ]
أنه كان وهب هذا العبد من وارثه؛ فإنه لا يصدق فيه (^١).
* * *
* مَسْألة (٣٥):
إذا مات رجل وخلف [ابنين] (^٢)، أو ثلاثة، أو أكثر، فأقر أحدهم بأخ آخر، وأنكر الباقون؛ فإن نسبه لا يثبت عندنا ولا عند [أبي حنيفة و] (^٣) الشافعي.
ولكنه عندنا وعند أبي حنيفة يشاركه فيما في يده بإقراره أنه أخ مثله، وابن للميت كما أنه هو ابنه (^٤).
وقلنا نحن: [يعطيه] (^٥) الذي أقر مما يأخذه مقدار ما يصيبه من الميراث بقدر قسطه مما يصير له (^٦).
_________________
(١) تصدى المصنف في هذه المسألة للرد على الشافعي في قوله بصحة الإقرار مطلقا، ولم يتصد للرد على أبي حنيفة القائل بعدم صحته مطلقا، وكلاهما مخالف لما ذهب إليه المصنف، فاقتصاره على الرد على الشافعي في أحد قوليه دون الرد على أبي حنيفة؛ غير جار على صنيعه. والله أعلم.
(٢) في الأصل: اثنين، والتصحيح من عيون المجالس.
(٣) ساقطة من الأصل، والمثبت من عيون المجالس.
(٤) انظر الكافي (٤٥٩) الإشراف (٣/ ١٠١ - ١٠٢) المعونة (٢/ ٩٠٤ - ٩٠٥) تهذيب المسالك (٣/ ٢٧١ - ٢٧٣).
(٥) في الأصل: نعطيه، والمثبت من عيون المجالس.
(٦) وهو مذهب أحمد بن حنبل، والثوري والحسن بن صالح، وإسحاق، وأبي عبيد، وأبي ثور. انظر المغني (٦/ ٦٦٩ - ٦٧٠).
[ ٦ / ٢٨٩ ]
وتقدير المسألة: رجل مات وخلف [ابنين] (^١)، فأقر أحدهما بثالث؛ فإن المقر يعطيه ثلث ما في يده، وهو الذي يصيبه من حقه لو أقر له الآخر أو قامت به البينة.
وقال أبو حنيفة: يعطيه نصف ما في يده (^٢).
وقال الشافعي: لا يأخذ شيئا من الميراث أصلا (^٣)؛ لأن نسبه لم يثبت (^٤).
فنتكلم أولا على الشافعي في استحقاقه القدر الذي أقر به أخوه.
والدليل لقولنا؛ هو أن قول المقر "هذا أخي" يتضمن إقرارا بشيئين: أحدهما: النسب، والآخر الإرث، وأنه شريكه فيه، والإقرار إذا تضمن شيئين؛ جاز أن يقبل أحدهما ويرد الآخر، إن كان أحدهما إقرارا على نفسه، والآخر إقرارا على غيره، فإقراره بالنسب هو إقرار (١٨٠) على الميت، وإقراره بالميراث وأنه شريكه فيه إقرار على نفسه، فيقبل إقراره على نفسه، ولا يقبل إقراره على غيره، فهذا بمنزلة ما لو قال: بعت هذا العبد منك بألف درهم و[أعتقتُه] (^٥)، والآخر ينكر ذلك، فقد حصل إقراره بالعتق وأنه يستحق الثمن
_________________
(١) في الأصل: اثنين، والتصحيح من عيون المجالس.
(٢) التجريد (٧/ ٣٢٣٩ - ٣٢٤٦) بدائع الصنائع (١٠/ ٢٢٦) تكملة شرح فتح القدير (٨/ ٤١٩ - ٤٢٠). انظر بدائع الصنائع (١٠/ ٢٢٦) وحكى صاحب المغني (٦/ ٦٧٠) عن ابن أبي ليلى مثل مذهب مالك.
(٣) وفي وجه يرث، ويشارك المقر فيما في يده. روضة الطالبين (٤/ ٤٢٣).
(٤) الحاوي الكبير (٧/ ٨٦ - ٩٢) روضة الطالبين (٤/ ٤٢٣).
(٥) في الأصل: اعتقه.
[ ٦ / ٢٩٠ ]
على المبتاع، فلم يقبل إقراره في الثمن على المشتري لأنه إقرار على غيره، وقبل في العتق؛ لأنه إقرار على نفسه بأن العبد حر.
وهو أيضا بمنزلة ما لو قال لعبده: أعتقتك على ألف درهم، وقال لزوجته: طلقتك على ألف درهم، وكل واحد منهما منكر، فإن العبد يعتق عليه، وتطلق الزوجة، ولا يثبت عليهما شيء من الدراهم، فقد قبل قوله في تحريم ذلك على نفسه، [ولم] (^١) يقبل إقراره عليهما.
وهو أيضا بمنزلة قوله لزوجته إنها أخته؛ فإن النسب لا يثبت، ويثبت تحريمها عليه.
وإذا كانت هذه الأصول تشهد على ما ذكرناه؛ كان كذلك في قوله: هذا أخي ووارث معي، وكذلك لو قال لإنسان: بعتك إياك بألف درهم، وأنكر ذلك الشراء، لم يقبل قوله في البيع، وقبل في كونه حرا، كذلك أيضا لا يقبل قوله في نسب أبيه، ويقبل في ثبوت الإرث معه واستحقاق ما في يده.
وأيضا فإن الإرث يتعلق بالتركة كما أن الدين يتعلق بها، ثم قد ثبت أنه لو قال: لفلان على والدنا المتوفى دين، وأنكر باقي الورثة؛ قبل قوله في نصيبه، ولم يقبل في نصيب غيره، كذلك قوله: هذا أخي؛ يتضمن الإرث، فوجب أن يقبل قوله أنه يستحق بعض ما في يده، وإن لم يقبل على غيره إذا لم يحكم ببطلان قوله.
وأيضا فإن الإرث يستفاد بأمرين: بنسب وسبب، فأما النسب؛ فمعروف،
_________________
(١) ساقطة من الأصل، والسياق يقتضيها.
[ ٦ / ٢٩١ ]
وأما السبب؛ فالزوجية، ثم قد ثبت أنه لو قال: هذه المرأة زوجة أبينا، توفي وهما على الزوجية، لا أعلم أنها بانت منه، وأنكر باقي الورثة؛ فإن قوله لا يثبت في الزوجية، ويقبل (١٨١) في نصيبه مما في يده من الميراث (^١)، كذلك إقراره بالنسب (^٢).
وأيضا فإن الإرث قد يصح للحمل، ويتعلق بغرر وخطر، فوجب إذا أقر به؛ أن يقبل في نصيبه وإن لم يقبل في نصيب غيره، كالوصية لو قال: "أوصى أبي بثلاثة"، وأنكر باقي الورثة؛ فإنه يقبل قوله في نصيبه الذي في يده، وإن لم يقبل في أنصبة الباقين، كذلك في الإرث لأنه لم يحكم بكذبه.
وأيضا فإنه إقرار بمال لم يثبت فيه كذبه، مضاف إلى جهة؛ فوجب أن يكون عدم الحكم بصحة تلك الجهة لا يؤذن ببطلان إقراره، أصله إذا قال: هذا العبد لفلان أودعنيه، وقال السيد: لا! بل غصبنيه؛ فإنه قد أقر بالعبد له، وأضاف إقراره إلى كونه وديعة، فلم يحكم بأنه وديعة، ومع هذا فقد صح الإقرار به، كذلك أيضا عدم الحكم بالنسب لا يبطل إقراره بالملك.
فإن قيل: فإنه أقر بحق له في مقابلة ذلك الحق حق عليه، لا ينفك
_________________
(١) ويثبت أيضا تحريمها عليه.
(٢) "لأصحابنا في الزوجية إذا أقر بها بعض الورثة وجهان: أحدهما: لا يستحق عليه إرثا، فعلى هذا يستوي الإقرار بالنسب والزوجية، فيسقط الاستدلال. والثاني: أنها تستحق به على المقر إرثا، فعلى هذا الفرق بين الزوجية والنسب من وجهين: أحدهما: أن الزوجة ترث بعد ارتفاع الزوجية بالموت، فجاز أن ترث مع عدم ثبوت الزوجية، والمناسب لا يرتفع نسبه بالموت، فلم يجز أن يرث مع عدم النسب. والثاني: أنه في الإقرار بالزوجية لا يدعي لنفسه في مقابلة إقراره بميراثها ميراثا لنفسه منها، فلزمه إقراره، والمناسب بخلافه" الحاوي الكبير (٧/ ٩١).
[ ٦ / ٢٩٢ ]
أحدهما من الآخر، فوجب إذا لم يقبل قوله في الحق الذي له؛ أن لا يقبل في الحق الذي عليه، أصله إذا قال: "بعت هذه الدار من زيد بألف درهم"، وأنكر زيد الشراء، فإنه أقر لزيد بحق وهو كون الدار له بالشراء، وادعى في مقابلة الدار حقا هو الثمن، فلما لم يثبت له الثمن؛ لم يثبت عليه استحقاق المثمن.
كذلك قوله: "هذا أخي" إقرار للمقر له بحق، أي أنه يشاركني فيما في يدي؛ لأننا أخوان ورثنا جميعا من أبينا، وادعى لنفسه في مقابلته حقا هو إذا مات هذا المقر له ورثه المقر؛ لأنه إذا ثبتت الأخوة؛ فمحال أن يرث أحدهما من أبيه ولا يرث الآخر، مع استواء حرمتهما وسلامة الحال، ومحال أن لا يرث كل واحد منهما صاحبه، فهو لا محالة إقرار بحق عليه وبحق له، فالحق الذي عليه هو أن المال الذي في يده يشاركه فيه المقر له، والحق الذي له هو أن هذا المقر له إذا مات ورثه، (١٨٢) ولا ينفك أحدهما عن الآخر؛ لأنه لا يجوز أن يرثا جميعا من أبيهما ثم لا يرث كل واحد من صاحبه مع سلامة الحال، ثم لا خلاف أن حقه لم يثبت؛ لأنه لو مات المقر له لم يرثه المقر بالإجماع، فوجب أن لا يثبت الحق الذي عليه، وفي البيع لا ينفك الثمن من المثمن أيضا، والثمن حق له، والمثمن حق للمشتري (^١).
قيل: أما قولكم: "إن المقر أقر بحق في مقابلته حق له"؛ غلط؛ لأن المقر اعترف أن هذا المقر له ورث من أبيه، وهذا لا يفيد أن الميت يرث منه، ولا يصح ذلك فيه، فإن كان المراد بقولكم "في مقابلته حق" هذا
_________________
(١) انظر الحاوي الكبير (٧/ ٨٩).
[ ٦ / ٢٩٣ ]
الموضع؛ فليس ذلك بشيء، وإن كنتم تريدون في حقهما؛ فإن المقر لم يعترف بأن هذا الميراث مأخوذ منه حتى يتضمن إقراره أنه يرث من الآخر.
وعلى أن إقراره تضمن أنهما وارثان، وأن كل واحد يرث من صاحبه متى مات بلا وارث، فيقبل قول كل واحد منهما في إثبات الميراث من صاحبه وإن لم يثبت نسبه.
وقولكم: "لا ينفك أحدهما من الآخر"؛ غير صحيح؛ لأن أحد الأخوين قد يرث من صاحبه، ولا يرثه صاحبه إذا كان قاتلا، فبطل قولكم: إن الميراث في إحدى الجهتين لا يثبت منفردا عن حكم الأخرى (^١).
وأيضا فإنه يبطل بالمشتري يدعي أن بائعه قد أعتق ما باعه؛ فإنه لا يصدق في الثمن، وقد اعترف بحق هو العتق في مقابلته حق آخر وهو الرجوع بالثمن، وأحدهما لا ينفك عن الآخر، وهو أننا متي حكمنا بالحرية في حقهما؛ لم ينفرد عن رد الثمن.
وعلى أن إقرار هذا المقر قد تعلق به استحقاق؛ بدليل أن للمشتري أن يشتريه فيستحق المبيع، فإقراره يتعلق به الاستحقاق، فأما أن يأخذ [أحدهما] (^٢)؛ فليس هذا من كلامنا في شيء؛ لأنهما لو تصادقا على البيع؛ لم يكن (١٨٣) له أخذ المبيع إلا بعد الثمن، ولو ثبت النسب ببينة؛ كان له أخذ الميراث، فبان أن افتراقهما من هذا الوجه لا يمنع تعلق الاستحقاق بفعلهما.
_________________
(١) انظر التجريد (٧/ ٣٢٤٤).
(٢) طمس بالأصل، والمثبت من السياق.
[ ٦ / ٢٩٤ ]
فإن قيل: لا يدخل على علتنا شيء من هذه المسائل التي ذكرتموها؛ لأننا قلنا في علتنا: "مع سلامة الحال"؛ لأن [إقراره] (^١) لهذا الآخر بالنسب لا يثبت، وهناك من ينكره غيرهما جميعا، فالحال لم تسلم كما لم تسلم في المسائل التي أوردناها (^٢)، وإنما تكون الحال سليمة أن لو قامت البينة في النسب، أو أقر جميع الورثة، كما لو قامت البينة في البيع أو تصادقا فيه، فأما وهناك مانع؛ فإن الحق الذي عليه يثبت ولا يثبت ما له؛ لأن أحدهما قد ينفك من الآخر في الميراث، ألا ترى أن الزوجين يتوارثان ولا نسب بينهما.
[قيل] (^٣): قد قلنا: إن القاتل لا يشارك غير القاتل في إرثه من أبيه، ولو مات القاتل؛ ورثه أخوه، والأخ المقر ثابت النسب، والمقر له غير ثابت النسب، فأحدهما أقوى حكما من الآخر، فجاز أن يختلف حالهما في إقراره له بالاستحقاق، فلم يسلم حالهما، فاحترازكم في العلة بسلامة الحال؛ لم يفد شيئا؛ لأن حالهما لم تسلم حتى يكونا في الحكم سواء.
فإن قيل: فإن الأخ القاتل لم يقر له بحق في مقابلته حق.
قيل: إنما أردنا أن الميراث قد ينفك عن النسب، وعلى أن من أقر بعد اشترائه العبد أن البائع كان أعتقه؛ فقد أقر بما يستحق البائع فيه الولاء في مقابلة رد الثمن عليه، ولا ينفك هذا من هذا، ألا ترى أننا لو حكمنا بعتقه على البائع؛ وجب رد الثمن.
_________________
(١) زيادة ليست في الأصل، والسياق يقتضيها.
(٢) هكذا بالأصل، ولعل الصواب: أوردتموها.
(٣) بياض بالأصل، والمثبت من السياق.
[ ٦ / ٢٩٥ ]
على أن المقر إقراره يتضمن في العاجل استحقاق بعض ما في يده، وليس في مقابلة هذا شيء يجوز أن [يثبت] (^١) قبل أن يرث المقر له، فهو إقرار بحق ليس في مقابلته مثله، فقبل [] (^٢) (١٨٤) قوله ترثني وأرثك.
فإن قيل: فإنه أقر بمال محال به علي نسب، فوجب إذا لم يثبت النسب؛ أن لا يثبت ذلك المال، أصله الإقرار بمعروف النسب؛ لأنه لم يقر بالمال مصرحا، وإنما أقر بنسب، فالمال من متضمن ذلك النسب.
قيل: إن المال لا يكون محالا على نسب إلا أن يعنوا أنه مضاف إليه، وإضافة الشيء إلى نسب لا يوجب وقوفه على ثبوت ذلك النسب، يدلك عليه أن إقراره في زوجته أنها أخته إحالة تحريم على نسب، وقد ثبت التحريم من غير أن يثبت النسب، وكذلك المشتري يعترف العتق من جهته.
وأيضا فإن النسب في مجهول النسب مجوز، وفي معروفه محكوم ببطلانه، وليس إذا لم يثبت ما هو محكوم ببطلانه؛ ما يجب أن لا يثبت من المجوز، يبين ذلك أن من يعترف في زوجته وهي معروفة النسب أنها أخته؛ لم تحرم عليه، ولو كانت مجهولة؛ لحرمت عليه، فبطل اعتبار معروف النسب بمجهوله (^٣).
_________________
(١) ممحو بالأصل، والمثبت من السياق.
(٢) محو بالأصل بمقدار كلمة.
(٣) وأجاب الحنفية بأن النسب ثابت في حق المقر، غير ثابت في حق غيره، وليس يمنع أن يثبت النسب في حق الواحد فتثبت أحكامه، وإن لم يثبت ذلك في حق غيره، كما يثبت التبايع في حق البائع والشفيع ولا يثبت في حق المشتري .. والمعنى في معروف النسب أنا حكمنا بثبوت النسب من غيره، والحكم بذلك تكذيب له في إقراره، فصار التكذيب بالحكم =
[ ٦ / ٢٩٦ ]
ولا يجوز أيضا الاعتبار بمن هو أكثر نسبا من أبيه يقر بأنه أخوه، لأننا قد حكمنا بكذبه أيضا في مسألتنا، فلا يتعلق بقوله "أخي" استحقاق، وفي مسألتنا يجوز أن يكون صادقا؛ فجاز أن يتعلق بقوله استحقاق في حقه، ولا يجوز اعتبار ما هو مجوز بما قد حكم ببطلانه.
فإن قيل: لا فرق بينهما، وذلك أن مجهول [النسب] (^١) لما لم يحكم ببطلانه؛ لم يحكم بصحته، ومعروف النسب مثله؛ لأنه إذا حكم ببطلانه فلم يحكم بصحته، وعمدتهم في المسألة هاتان العلتان.
فنقول: هذا غلط؛ لأن ما لم يحكم ببطلانه ولا بصحته؛ فهو مجوز أن [يحكم] (^٢) بصحته؛ فافترقا.
فإن قيل: إن الأصل هو النسب، والميراث فرع له، [وإذا لم يثبت الأصل] (^٣)؛ فلا يجوز أن يثبت الإرث الذي هو فرع النسب، ويثبت (١٨٥) إرثه إذا ثبت النسب.
قيل: هذا صحيح لو قلنا: إنه يأخذ إرثا حقيقة، فأما ونحن نقول: إنه يأخذ المال بإقرار المقر أنه يستحقه، وإضافته ذلك إلى النسب الذي لا يثبت لا يمنع من استحقاق هذا المال الذي أقر له أنه يستحقه، مع جواز أن يكون صادقا فيما يذكره، ألا ترى أنه يقول: إن الذي باعني العبد قد كان أعتقه فهو
_________________
(١) = كتكذيب المقر، فلا يستحق شيئا. انظر التجريد (٧/ ٣٢٤٥).
(٢) ساقطة من الأصل، والسياق يقتضيها.
(٣) طمس بالأصل بمقدار كلمة، والمثبت من السياق.
(٤) مطموسة بالأصل، وما أثبته من السياق.
[ ٦ / ٢٩٧ ]
حر، وأنا أستحق عليه رد الثمن، فإنه أضاف استحقاقه الثمن إلى حرية لم تثبت، ويجوز أن يكون كما قال، فيقبل إقراره أن العبد حر وإن لم تثبت حريته من جهة البائع، ولم [يستحق] (^١) رد الثمن، وكذلك من اعترف أنه تكفل عن رجل بمال عن امرأة، والرجل منكر، فإنه يلزمه غرم المال لمن أقر أنه مكفل له، ولا يصدق في الرجوع عن المكفول عنه وإن كان هذا فرعا لأصل لم يثبت.
فإن قيل: إنه إقرار له بحق بكلمة واحدة بسببين: نسب، وميراث، ولا ينفصل أحدهما عن الآخر، فإذا لم يثبت النسب؛ لم يثبت الميراث.
قيل: عنه جوابان:
أحدهما: إننا لا نثبت ميراثا حقيقة، وإنما يأخذ مالا استحقه بإقرار، لا بإحالة المقر إلى النسب.
وعلى أننا قد بينا أن الإرث والنسب ينفرد كل واحد منهما عن صاحبه في الأصول، والميراث في إحدى الجهتين ينفرد عن الميراث في الجهة الأخرى، فلأن المبتاع متى اعترف بالعتق [فيدعي] (^٢) البائع أنه كان أعتقه؛ رجع عليه بالثمن، ولو كان لم يرجع عليه بشيء؛ كان العتق واقعا، ولأن الوارث لو أقر بدين على الميت؛ لزمه في حقه بمقدار ما يخصه من الدينين، وإن كان لو كذبه المقر له بالدين؛ لم تكن له مطالبته به.
فإن استدلوا باستصحاب الحال، وأن الأصل أن المال له لا يشركه فيه،
_________________
(١) ممحو بالأصل، وما أثبته من السياق.
(٢) طمس بالأصل.
[ ٦ / ٢٩٨ ]
(١٨٦) فمن زعم أنه [شريكه] (^١) فيه؛ فعليه الدلالة.
وأيضا فإن الله تعالى قال: ﴿يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ﴾ (^٢).
فأثبت الميراث للابن، فإذا لم يثبت أنه ابن؛ فلا يعطى الميراث بحكم الظاهر (^٣).
قيل: أما استصحاب الحال؛ فقد انتقلنا عنها بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا﴾ (^٤).
والمقر قد كسب على نفسه بإقراره أن هذا يستحق بعض ما في يده، وينتقل أيضا عنها ببعض ما ذكرناه.
وأما الآية؛ فنقول بموجبها، وإذا ثبت نسب الابن؛ أخذ الميراث، وفي مسألتنا نعطيه بإقرار المقر بأنه [وارث] (^٥) وإن لم يحكم بصحته في الحقيقة، وليس يمتنع أن ينطلق الإرث بالنسب، ويثبت إقرار الإنسان بذلك في حقه وإن لم يثبت ذلك في حق غيره، كما أن الله تعالى قد حكم بالشفعة في البياعات وإن كان استحقاقها بغير أن تثبت حقيقة البيع من البائع والمبتاع، وقد يقر الإنسان بابن فيستحق ميراثه بإقراره، وإن لم تثبت بينة أنهم رأوه ولد
_________________
(١) في الأصل: غير شريكه.
(٢) سورة النساء، الآية (١١).
(٣) انظر الحاوي الكبير (٧/ ٨٨ - ٨٩).
(٤) سورة الأنعام، الآية (١٦٦).
(٥) في الأصل: إرث.
[ ٦ / ٢٩٩ ]
على فراشه، فيقال ابنه في الظاهر، كذلك هذا الذي أقر لأخيه يستحق بعض ما في يده، ويقال هو أخوه في الظاهر. وبالله التوفيق.
فَصْل
فأما الكلام على أبي حنيفة حيث أعطى نصف ما في يد المقر، وأعطيناه ثلث ما في يده.
فالدليل لقولنا؛ هو أننا اتفقنا على أنه يستحق ثلث ما في يده، واختلفنا في الزيادة عليه، فيحتاج في استحقاقه إلى دليل.
وأيضا فإن معناهما في الأخوة مختلف، وذلك أن المقر يقول: أنا أخ ثابت النسب عند أخي، وأنت عندي غير ثابت النسب عند أخي، ولو ثبت نسبك بشاهدين؛ لم يلزمني غير [حصتك] (^١) في يدي، ولا يلزمني لك لإقراري أكثر مما كان يلزمني لو ثبت نسبك بشاهدين (١٨٧) عدلين.
ومما يقوي قول المقر فيما قاله؛ هو أن الإرث يتعلق بالتركة، كما أن الدين والوصية يتعلق بها، ثم قد ثبت أنه لو قال: لفلان على أبينا دين ذكر مبلغه، وقد أوصى لفلان بكذا، وأنكر الباقون؛ فإنه يدفع مما في يده بقدر ما يصيبه لو أقرت الجماعة إلى صاحب الدين وصاحب الوصية، ولا فرق بين الإقرار بالدين والوصية، وبين الإقرار بالنسب؛ لأن معنى ذلك غير مختلف في كونه إقرارا يتعلق بالتركة.
ومما يدل على صحة ما ذهبنا إليه؛ أنهم لو كانوا إخوة جماعة فشهد
_________________
(١) مطموسة بالأصل، والمثبت من السياق.
[ ٦ / ٣٠٠ ]
اثنان منهم بنسبه وكانا عدلين؛ لثبت نسبه، ولزمهما أن يدفعا إليه بالمحاصصة ما يلزم سائر الإخوة، ولو كان الإقرار من أحدهما؛ [ووجب] (^١) أن يدفع إليه نصف ما في يده؛ لكان إذا شهد اثنان يجب عليهما أن يدفعا إليه ما يساويهما في الميراث والأخذ، وكان لا يلزم غيرهما بما شهدا به شيء؛ لأن في إلزامنا سائرهم شيئا جر بالشهادة إلى أنفسهما نفعا، وكل جارّ إلى نفسه بشهادته نفعا لا تقبل شهادته، فلما اتفقنا على قبول شهادتهما؛ علمنا أن الذي [يلزمهما] (^٢) مع قبولها هو الذي كان] يلزمهما] (^٣) لو لم تقبل [شهادتهما] (^٤).
فإن قيل: إن إقراره بأن هذا أخوه يتضمن مساواته فيما يصير إليه؛ لأن كل واحد منهما أخ لصاحبه، فلا ينبغي أن يكون أفضل منه، وإذا أعطاه ثلث ما في يده؛ لم يساوه، ولم يفعل ما تضمنه إقراره، فيقول له المقر: أنا وأنت بمنزلة ما لو غصبنا غاصب أكثر التركة، وبقي بعضها؛ لتساوينا فيما نأخذه، فاعمل على أن الأخ الذي جحد بي ووأنت تقر بي بمنزلة غاصب، فينبغي أن يقسم ما في يدك بيننا نصفين.
[قيل:] (^٥) فإن المقر يقول له: أنا نسبي من أبي ثابت، قد ساواني فيه أخي الذي جحدك، فنحن لا شك فينا، وأخي ليس بغاصب، وأنت غير ثابت النسب، وإنما تأخذ من يدي ما تضمنه إقراري، وأما (١٨٨) غيره؛
_________________
(١) فى الأصل: لوجب.
(٢) في الأصل: يلزمهم.
(٣) في الأصل: يلزمهم.
(٤) في الأصل: شهادتهم.
(٥) ساقط من الأصل، والسياق يقتضيه.
[ ٦ / ٣٠١ ]
[] (^١) وأخي الذي جحدك، ونسبه ثابت كما أن نسبي ثابت، فلا يجوز أن آخذ أنا أقل مما يأخذ أخي الثابت النسب، و[ليس] (^٢) إذا جحدك أخي ما يجب [لك] (^٣) أن تأخذ مني غير ما يصيبك لو أقر بك أخي، أو قامت لك به البينة، فإن كان أخي غاصبا؛ فهو غاصب لك بعض حقك، فلا تأخذه مني، وأنا غير غاصب لك في مقدار ما حصل لك في يدي. والله الموفق للصواب.
* * *
* مَسْألة (٣٦):
وإذا مات رجل وخلف ابنا واحدا لا وارث له غيره، فأقر بأخ؛ لم يثبت نسبه، وأعطاه نصف ما في يده (^٤).
وبه قال أبو حنيفة (^٥).
وقال الشافعي (^٦): يثبت نسبه (^٧).
والدليل لقولنا؛ هو أن إقرار الابن بأخ هو إقرار بنسب في حق غيره، وليس هذا بأكثر من شهادته له، ولو شهد واحد بنسب يثبت على الغير؛ لم
_________________
(١) كلمة مطموسة.
(٢) في الأصل: ولا ليس.
(٣) ليست في الأصل، والسياق يقتضيها.
(٤) انظر الإشراف (٣/ ١٠٢ - ١٠٣) المعونة (٢/ ٩٠٥) الذخيرة (٩/ ٣١١ - ٣١٣).
(٥) وقال أبو يوسف: يثبت، وبه أخذ الكرخي. انظر التجريد (٧/ ٣٢٤٧ - ٣٢٥١) بدائع الصنائع (١٠/ ٢٢٤ - ٢٢٥) الهداية مع تكملة شرح فتح القدير (٨/ ٤١٩).
(٦) وإليه ذهب أحمد بن حنبل. انظر المغني (٦/ ٦٧١٦٧٢).
(٧) الحاوي الكبير (٧/ ٩٢ - ٩٤) روضة الطالبين (٤/ ٤٢٣).
[ ٦ / ٣٠٢ ]
يقبل في إثبات النسب بشهادته، فلأن لا يثبت النسب بإقراره على غيره أولى.
ولا يلزم على هذا إذا كان الورثة جماعة فأقروا به، أو أقر اثنان منهم وكانا عدلين؛ لأن النسب يثبت بشهادة اثنين وبالجماعة، فجاز إثباته بقولهم في حق الغير الذي هو أبوهم، ألا تري أن ملك النسب يتعلق بهم كتلعقه بالميت.
وأيضا فإنه إقرار من واحد، فأشبه إذا كان الولد جماعة فأقر أحدهم بنسب من الميت.
وأيضا فإن المدعي إذا كان يريد إثبات نسبه من الميت بقوله وأثبتناه بقول الواحد في حق غيره؛ كان قول المدعي في الميت [كقوله سواء] (^١) والأصول تدل على أن المدعي في حق غيره لا يثبت بقول يثبت براءتها وإنما [] (^٢) الشهادة.
وأيضا فإن الشهادة آكد من الإقرار [] (^٣) حضرا فأقر على المشهود عليه؛ لم يجز، فلو كانت الشهادة أقوى وكانت شهادة الواحد لا يثبت (١٨٩) بها نسب في حق الغير، فلأن لا يثبت بقوله من غير شهادة أولى.
فإن قيل: إن الوارث قائم مقام الميت؛ فصار كإقرار الميت نفسه في حال حياته.
قيل: إن الميت يعترف على نفسه، والوارث يعترف على غيره، وحكم
_________________
(١) غير واضح بالأصل، والمثبت أقرب إلى رسمها.
(٢) طمس بمقدار نصف سطر.
(٣) طمس ومحو بمقدار نصف سطر.
[ ٦ / ٣٠٣ ]
إقرار الإنسان على نفسه آكد من إقراره على غيره، [فلما لم] (^١) يجز اعتبار أحدهما بالآخر؛ وجب أن يوكل حكم الإقرار الذي يحصل من الوارث بمعنى آخر يضعفه في نفسه، فاعتبرنا تأكيده باعتراف الورثة إذا كان عددهم يبلغ ما يجوز قبوله في الحقوق إذا أقاموا الشهادة.
وأيضا فإن القياس في جميع الورثة إذا كانوا جماعة فأقروا أن لا يثبت النسب من الميت، لأنهم يلحقون بإقرارهم في حق الغير من غير شهادة، ولا يقبل مثل هذا، وإنما استحسنوا في ذلك إذا أقرت الجماعة؛ لأن قولها مما يجوز أن يثبت به النسب إذا أخرجوه مخرج الشهادة، وهذا المعنى لا يوجد في إقرار الواحد بحال.
وأيضا فإن الإقرار بالنسب يصح ممن يملك [نفيه] (^٢)، ولما كان الوارث لا يملك نفيه بوجه؛ فكذلك الإقرار به، هذا هو القياس، عكس هذا الموروث لما ملك نفيه؛ ملك إثباته، فلما أجمعنا على أن المقر لا يملك نفي النسب لأن رجلا لو مات وخلف ابنا وحملا، أو اثنين وثلاثة وأكثر وحملا، فنقول: الحمل من أبيهم، وقالوا: ليس هذا الحمل من أبينا؛ لم ينتف الحمل من أبيهم، وإنما أثبتناه بقول الجماعة وإن كان لا ينتفي بنفيهم لما ذكرناه من الاستحسان؛ لأنهم لو أخرجوه مخرج الشهادة؛ لكانوا فيه كالأجانب، فيثبت نسبه.
فإن قيل: لا فرق بين النفي والإثبات، وذلك أنه لا يثبت النسب إلا
_________________
(١) في الأصل: فلم.
(٢) في الأصل: نفسه، وكذا ما بعده في الموضعين.
[ ٦ / ٣٠٤ ]
بإقرار جميع الورثة، فأما بإقرار بعضهم؛ فلا، وكذلك النفي لا يكون إلا بأن يوجد النفي من جميع الورثة، إلا أن النفي من جميعهم لا ينافي النسب؛ لأنه لو (١٩٠) مات وخلف حملا وابنا واحدا أو أكثر؛ فإن الحمل محكوم أنه وارث بالفراش، وإذا قالوا كلهم: إن هذا الحمل ليس من أبينا؛ لم ينتف الحمل منه؛ لأنه إقرار بعض الورثة، والحمل من الورثة، ولم يحصل إقراره (^١).
قيل: قولكم: "لا يثبت النسب إلا بإقرار جميع الورثة [] (^٢) به إذا كانوا اثنين فأكثر، وإذا كان واحدا، فإن كان الوارث واحدا؛ فعليه تكلمنا؛ لأنه لو شهد به؛ لم يثبت، وإذا كانوا اثنين أو أكثر؛ جاز أن يثبت بشهادتهم، فافترق الحكم بين الواحد الوارث وبين الجماعة.
وقولكم: "إن النفي يكون بجماعتهم، وإنما الحمل أحد الورثة ولم يحصل منه قول"؛ غلط؛ لأن الحمل [] (^٣) بقولهم، ألا تري أن أمه الذي هو في بطنها لو كانت بائنا منه، أو لم يثبت نكاحها، والورثة جماعة، فقال واحد منهم: هذا الحمل من أبي، وقال الباقون: ليس من أبينا؛ لم يجز إثبات نسبه وجماعة الورثة تنفيه، ولو كان الذي وجد قال: هو أبي؛ لثبت، فعلم أن نفيه وإثباته [معلق بتقرير النسب ولا يفترق] (^٤) بإقرار الواحد، فكذلك إذا كان الوارث واحدا؛ لأن نفي الحمل الثابت بقوله لا يثبت بإقراره.
_________________
(١) انظر الحاوي الكبير (٧/ ٩٥).
(٢) كلمة غير واضحة.
(٣) كلمة مطموسة.
(٤) غير واضحة بالأصل، وما أثبته أقرب إلى رسمها.
[ ٦ / ٣٠٥ ]
[] (^١) ومما يدل على أنه لا يثبت بالوارث إذا كان واحدا هو أن [] (^٢) (١٩١) لذلك.
فإن قيل: إن الأب لو كان ادعاه مع الإمكان؛ لثبت نسبه منه، فلِم أنكرتم أن يقوم الابن في ذلك مقامه.
قلنا: الفرق بينهما هو أن الضرورة دعت إلى قبول قول الأب في الممكن ما يدعيه من الولد إذا كان يتعذر إثبات النسب منه بغير هذا الوجه، وليس كذلك الأخ؛ لأنه يضيفه إلى أمر كان لا يتعذر أن يثبت بالشهادة عليه نسبه منه، فإذا لم يثبت بالشهادة عليه مع إمكان وجودها على إقراره؛ بطل أن يثبت بدعوى الآخر؛ لأن مجرد يدعي لا يقع بها إثبات من غير دلالة توجب تصديقه فيما يدعيه.
ويبين ما قلناه؛ أن من مات وخلف ثلاثة من الولد، فشهد منهم اثنان عدلان لرجل أنه أخوهما، أقر به أبوهما؛ فإن نسبه يثبت؛ وإن كان الأخ الثالث ينكر ذلك، وهذا مذهبنا جميعا، فقد صار الأخ شاهدا على أبيه لأخيه الذي أقر به في إثبات النسب، وصار مجراه في ذلك مجرى الغريب الأجنبي، ولم يقم مقام أبيه فيما يدعيه من نسبه، فلم يجز أن يقوم مقام أبيه في إثبات نسبه؛ لأن الأب يدعيه لنفسه فيثبت بمجرد دعواه، وهذا يدعيه لأبيه ويثبت بشهادته على أبيه كما تثبت بشهادة الأجنبي، فكيف يجوز مع هذا أن يقول قائل: إنه كالأب في الإقرار مع هذا الافتراق.
_________________
(١) طمس بمقدار نصف سطر.
(٢) طمس ومحو بمقدار ستة أسطر.
[ ٦ / ٣٠٦ ]
فإن قيل: فقد روى الزهري عن عروة، عن عائشة: "أن عبد بن زمعة وسعد بن أبي وقاص اختصما في ابن وليدة زمعة، يعني ابن جارية زمعة، فقال سعد: إن أخي عتبة عهد إلي أنه كان قد ألم بها في الجاهلية، فالولد ابن أخي، وقد كانوا يستخلفون مثل هذا، وقال عبد بن زمعة: هو أخي وابن وليدة أبي، ولد على فراشه، فادعى عبد أنه أخوه وابن أخيه، وقال النبي ﵇: هو لك يا عبد، الولد للفراش وللعاهر الحجر" (^١).
وألحق رسول الله ﷺ الولد بزمعة بدعوى عبد وإقراره، فبطل بهذا مذهب من يخالفنا أنه لا يثبت النسب بقول الواحد، وقول من يقول: لا نسب بقول الواحد أصلا.
قيل: عن هذا أجوبة:
أحدها: أنه قضية في عين، فيحتمل أن يكون المقصد من هذا الخبر هو إثبات الفراش بالأمة في الوطء، فلم يعرض لإلحاق النسب هل يقع بدعوى أخيه أو أبيه إذا كانت الدلائل قد دلت على أن زمعة كان مقرا به، لقوله ﵇ لسودة "احتجبي منه"، وهذا يدل على أنها كانت قبل ذلك غير محتجبة منه إذ كان أخاها، ولم يكن عتبة ادعاه، وإذا ظهرت دعوى عتبة بعد موت زمعة بما ذكره سعد من عهده إليه؛ فعلم أن النسب من زمعة كان هو الثابت في الظاهر قبل وبعد، حتى ادعى سعد لأخيه ما ادعاه فقال رسول الله ﷺ: "الولد للفراش"، وأمر سودة حينئذ بالاحتجاب منه بعد [أن لم تكن] (^٢) متحجبة
_________________
(١) تقدم تخريجه (٥/ ٥٦٤).
(٢) في الأصل: أن تكون.
[ ٦ / ٣٠٧ ]
عنه، لما رأى من شبهه بعتبة.
ولو جاز أن يعارض ما قلناه بظاهر هذا الحديث؛ لجاز لآخر أن يعارض بحديث أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني لما جاء رجل إلى النبي ﵇ وقال: "إن ابني كان عسيفا (^١) على هذا فزنى بامرأته .. " (^٢) الخبر بطوله.
فنقول: إن الرجل لما قال: "إن ابني هذا زنى بامرأة هذا" يجب أن لا يحد الرجل في قذفه امرأة غيره وإن دل إقراره عليه أنه زنى بامرأة غيره؛ لأنه قد قام في ذلك مقام [] (^٣) على نفسه، ولما اتفقنا على ترك العمل بهذا لأن الدلائل قد دلت [] (^٤) تداعياه بترك نفيه عن فراشه، وخبر الرجل الذي ذكر أن ابنه زنى بامراة غيره؛ إنما نقل إلينا لنعرف منه حد الثيب من البكر، ولم يعرض فيه لبيان ما هو سواه؛ لأنه قد عرف بغيره، فكذلك إذا دعى ابن وليد زمعة أن ما سبق من أجل إثبات الفراش في الأمة في الوطء، وإجرائها في ذلك مجرى الزوجة في إثبات الفراش، ولم يعرض فيه الحكم سواه إذ كان ذلك قد علم من غيره.
_________________
(١) أي أجيرا. انظر النهاية (٦١٥).
(٢) وتمامه: "وإني أخبرت أن على ابني الرجم، فافتديت منه بمائة شاة ووليدة، فسألت أهل العلم، فأخبروني أنما على ابني جلد مائة وتغريب عام، وأن على امرأة هذا الرجم. فقال رسول الله ﷺ: والذي نفسي بيده لأقضين بينكم بكتاب الله، الوليدة والغنم رد، وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام، واغد يا أنيس -لرجل من أسلم- إلى امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها. قال: فغدا عليها فاعترفت، فأمر بها رسول الله ﷺ فرجمت". أخرجه البخاري (٢٦٩٥) و(٢٦٩٦) ومسلم (١٦٩٧ - ١٦٩٨/ ٢٥).
(٣) طمس بمقدار ثلاث كلمات.
(٤) طمس ومحو بمقدار ثلاثة أسطر.
[ ٦ / ٣٠٨ ]
وجواب آخر: هو أن ثبوت النسب فيه لم يتعلق بقول عبد بن زمعة وحده، بدليل أنه أحد الورثة، وسودة هي أحد الورثة، وإن كانت سودة مصدقة لأخيها عبد؛ فقد اتفق جميع الورثة على ذلك وهما اثنان، فإن كان يقول عبد وحده؛ فلابد أن يكون الرجوع فيه إلى أمر آخر غير قوله؛ لأن سودة تنكر عليه.
وجواب آخر عن الخبر: وهو أن النبي ﵇ لم يلحق الولد به، وإنما جعله مملوكا له بدليل ما روي في بعض الأخبار أنه قال: "هو لك عبد" (^١).
وجواب آخر: وهو أنه لو تجرد قوله ﵇ "هو لك يا عبد"؛ لدل على الملك، لأن اللام في "لك" للتمليك، ولم يصرح فيقول: هو لك أخا (^٢)، ولو صح (^٣) أنه قال: "هو لك يا عبد"؛ [لم] (^٤) يكن مثبتا بقول عبد وحده؛ لأنه بعض الورثة، وقد اتفقنا على أنه بقول بعض الورثة لا يثبت نسبه، فدل على أن نسبه ثبت بأمر آخر، فإذا كان هذا قضية في عين يحتمل جميع ما ذكرناه؛ لم يجز أن نقضي به على بعض ما ذكرناه.
فإن قيل: الدليل على أنه لم يجعله ﵇ مملوكا هو أن عبدا كان معترفا
_________________
(١) قال ابن حجر: "وقع في رواية للنسائي: "هو لك عبد بن زمعة" بحذف حرف النداء، وقرأه بعض المخالفين بالتنوين، وهو مردود، فقد وقع في رواية يونس المعلقة في المغازي: "هو لك، هو أخوك يا عبد"، ووقع لمسدد عن ابن عيينة عند أبي داود "هو أخوك يا عبد". الفتح (١٥/ ٢٦٩) وانظر الحاوي الكبير (٧/ ٩٣).
(٢) بل صح بذلك كما تقدم في رواية أبي داود والنسائي.
(٣) هو صحيح كما تقدم.
(٤) في الأصل: إذا لم.
[ ٦ / ٣٠٩ ]
بحريته؛ لأنه كان يقول: هو ابن أمة أبي وأنه خلق حرا، فمحال أن يقول هو أنه خلق حرا والنبي ﵇ يجعله مملوكا له.
قيل: قوله: ﵇ "هو لك يا عبد" (^١) أي أن قولك يقبل على أبيك [وأنه ولده] (^٢) وأنه في الحكم يعتق عليك إن صار ذلك لحقك من الميراث (^٣).
فإن قيل: قولكم "إنه لا يثبت نسبه بقوله وحده وهناك أخته سودة لم تقر به"؛ فإننا نقول: عنه جوابان:
أحدهما: أن إقرار سودة به كان قد تقدم عند رسول الله ﷺ، ثم لما وجد إقرار عبد؛ حكم ﵇ بإقرارهما إذ كانت قد أذنت لعبد بالإقرار عليها (^٤).
والجواب الآخر: هو أنه لم يعترف فيه إلا عبد دون سودة، ولكن كان عبد هو جميع الورثة؛ لأن زمعة مات كافرا، وعبد كان كافرا حين موته، وكانت سودة قد أسلمت قبل إسلام عبد، فورثه عبد دون سودة؛ لأن المسلم
_________________
(١) تقدم تخريجه.
(٢) طمس بالأصل.
(٣) ما تقدم من رواية أبي داود والنسائي يدفع هذا التأويل.
(٤) "ألا ترى أن النبي ﷺ أمرها بالاحتجاب منه، فلولا أنها كانت معترفة به؛ كانت مقيمة على الاحتجاب الأول". أفاده الماوردي في الحاوي (٧/ ٩٤). "ولكن الظاهر تعلق الحكم بالسبب المنقول دون غيره، ولم ينقل إلا إقرار عبد خاصة، فعلم أنه أثبت النسب في حقه بإقراره، ولم يثبت في حق أبيه". أفاده القدوري في التجريد (٧/ ٣٢٥٠).
[ ٦ / ٣١٠ ]
لا يرث مشركا والمشرك يرث المشرك، فكان جميع الميراث لعبد، فلهذا ثبت النسب بإقراره (^١)، والدليل على أن إسلامها كان قد سبق إسلام أبيها وأخيها هو أنه قال: "أسلمت أختي وأنا مشرك، وودت أني كنت أسلمْت يوم أسلمَت" (^٢).
قيل: يجوز أن يكون إسلام سودة بعد موت أبيها، فلم يثبت هذا من جهة النقل، فلم يخرجا أن يكونا وارثين، وأقل ما في الباب أنه محتمل، فلا نقضي به على ما ذكرناه.
وقولكم في الفصل الأول: "إنه يجوز أن يكون تقدم إقرار سودة عند النبي ﵇، فانضاف إقرارها إلى إقرار عبد"؛ فإننا نقول: هذا أيضا محتمل، ويحتمل غيره، وإذا كان محتملا؛ لم يجز أن يقوم [] (^٣) من الخبر أن الأمة تصير فراشا بالوطء [] (^٤) من يخالفكم في الابن إذا كان وحده وارثا، ونقول: إن النسب لا يثبت بقول واحد، ووافقتمونا أن النسب يثبت إذا كانوا أكثر من واحد؛ لأنه قد [] (^٥) على هذا التأويل وأن نسبه لم يثبت [] (^٦) النبي ﵇ يقول: واحتجبي عنه كان قد جعله أخا لها ولعبد؛ لم يأمرها
_________________
(١) انظر شرح مسلم للنووي (١٠/ ٣٣ - ٣٤) والفتح (١٥/ ٢٧٢).
(٢) ذكره الماوردي في الحاوي الكبير (٧/ ٩٣). وأما ما ذكره من إسلام عبد بعد سودة؛ فصحيح؛ لأن عبدا أسلم عام الفتح، وسودة من المهاجرات الأول، ومات زمعة بمكة قبل الفتح. انظر الإصابة (٢/ ٤٣٣) سير أعلام النبلاء (٢/ ٢٦٥ - ٢٦٩).
(٣) طمس بمقدار ثلاث كلمات.
(٤) طمس بمقدار كلمتين.
(٥) ممحو بمقدار نصف سطر.
(٦) ممحو بمقدار نصف سطر.
[ ٦ / ٣١١ ]
بالاحتجاب عنه.
فإن قيل: هذا يدل على صحة قولنا في أنه ألحق الولد بزمعة، وحكم أنه أخوها؛ لأنه لو لم يكن حكم بأنه أخوها؛ لما أمرها بالحجاب عنه؛ لأن آية الحجاب كانت قد نزلت، وسودة كانت تعلم أنه لا يجوز لها أن تظهر للأجانب.
قيل: فمثل هذا يحتج عليكم في أن نسبه كان ثابتا قبل ذلك؛ لأنها لم تكن محتجبة عنه قبل قوله لها "احتجبي عنه"، مع علمها أنه لا يجوز أن تظهر للأجانب.
وفيما يتأولونه في أنه رأى شبها بعتبة فقال لها: احتجبي عنه، وبان له أن يحجب زوجته عن الأقارب (^١)؛ مثله نقول نحن أن نسبه كان متقدما فلم تحتجب عنه، ثم قال لها: "احجتبي عنه" لما ذكرتم، فما لكم في الخبر حجة؛ إلا ولنا مثلها.
فإن قيل: إن الوارث قائم مقام الميت؛ فأشبه إذا كان الورثة جماعة.
قيل: إن القياس في الجماعة أن لا يثبت بقولها النسب على الميت إذا لم يخرجوه مخرج الشهادة لولا قيام الدلالة عليه، فلم يحمل على موضع الاستحسان غيره؛ لأن قول الاثنين مما يجوز أن تقطع به الحقوق، ويحكم
_________________
(١) حكى هذا التأويل عن ابن القصار ابن حجر في الفتح (٦/ ٧٣) ونقل عن ابن التين أن إلحاقه بزمعة يقتضي أن لا تحتجب منه سودة، والشبه بعتبة يقتضي أن تحتجب، وقال غيره: بل وجب ذلك لغلظ أمر الحجاب في حق أزواج النبي ﷺ، ولو اتفق مثل ذلك لغيره؛ لم يجب الاحتجاب كما وقع في حق الأعرابي الذي قال له: "لعله نزعه عرق". وانظر أيضا الحاوي الكبير (٧/ ٩٤).
[ ٦ / ٣١٢ ]
به الحاكم، وقول الواحد لا يثبت به حق على أحد، فلم يجز أن يستدل بثبوت الشيء لقول من تتعلق الأحكام بقوله على إثباته بقول الواحد.
فإن قيل: إنه شخص يستحق جميع المال بالتعصيب؛ فوجب أن يثبت بإقراره النسب الممكن في الظاهر متى لم يكن هناك دافع له؛ كالأب يقر به.
قيل: إن كونه عصبة ليس فيه أكثر من أن له نسبا يستحق به مالا للميت، وهذا معنى لا يؤثر في جواز إقرار بحق، يدل على ذلك أن من استحق على غيره مالا بعقد؛ لم يكن ذلك سببا بجواز إقراره [عليه] (^١) النسب.
وأيضا فإن الأب متى أقر؛ فإنما يقر على نفسه، وذكر التعصيب [] (^٢) أن يكون عصبة لنفسه.
فإن قيل: إن هذا الإقرار من حقوق الميت، فيقوم وارثه مقامه فيه كالدين والرهن وغير ذلك.
قيل: إن النسب [] (^٣) أن يقر عليه بدين، ومعلوم أن إقراره عليه بالدين لا يجوز إقراره [] (^٤) وبالله التوفيق.
* * *
_________________
(١) ممحو بالأصل.
(٢) ممحو بمقدار كلمتين.
(٣) طمس بمقدار كلمتين.
(٤) طمس بمقدار كلمتين.
[ ٦ / ٣١٣ ]
* مَسْألة (٣٧):
إذا أقر رجل لرجل وقال: له علي مال، ولم يذكر مبلغه؛ فليس بمنصوص لمالك، وكان شيخنا أبو بكر يقول: [يقال له] (^١): ما شئت، فإن قال: قيراطا أو حبة؛ قُبل ذلك منه، وحلف عليه أن المدعي لا يستحق أكثر من ذلك إن لم يصدقه المدعي على المبلغ الذي ذكره، وادعى أكثر منه (^٢).
وبهذا قال أبو حنيفة (^٣) والشافعي (^٤).
وذكر عن ابن المواز -بعض أصحاب مالك- أنه قال: "يلزمه مائتا درهم إن كان من أهل الورق، وإن كان من أهل الذهب؛ فعشرون دينارا، وهو أول نصاب تجب فيه الزكاة" (^٥).
قال القاضي أبو الحسن: والذي عندي أنه يجيء على مذهب مالك ﵁
_________________
(١) ساقطة من الأصل، والمثبت من عيون المجالس.
(٢) انظر الإشراف (٣/ ٨٧ - ٨٨) المعونة (٢/ ٨٩٦).
(٣) "وقال الناطفي في أجناسه: "وفي نوادر هشام قال محمد ﵀: لو قال لفلان علي مال؛ له أن يقر بدرهم. ثم قال: وقال الهاروني: لو قال علي مال؛ هو على عشرة دراهم جياد، ولا يصدق في أقل منه في قول أبي حنيفة وزفر رحمهما الله، وقال أبو يوسف: يصدق في ثلاثة دراهم، ولا يصدق في أقل منه". تكملة شرح فتح القدير (٨/ ٣٤٣).
(٤) الأم (٤/ ٤٩٨ - ٤٩٩) الحاوي الكبير (٧/ ١٢ - ١٥) روضة الطالبين (٤/ ٣٧٤) الهداية مع تكملة شرح فتح القدير (٨/ ٣٤٠ - ٣٤٢) بدائع الصنائع (١٠/ ١٩٤ - ١٩٥) وبه قال أحمد بن حنبل. انظر المغني (٦/ ٦٥٧).
(٥) "وقال بعض أصحابنا: ويجيء على هذا أن يلزمه إن كان من أهل الإبل والبقر والغنم أول نصاب منها" المعونة. (٢/ ٨٩٦).
[ ٦ / ٣١٤ ]
بأنه يلزمه ربع دينار، فإن كان من أهل الورق؛ فثلاثة دراهم، ووجهه هو أن الله تعالى قال: ﴿وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَآءَ ذَالِكُمْ أَن تَبْتَغُواْ بِأَمْوَالِكُم﴾ (^١).
وقال في موضع آخر: ﴿فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ﴾ (^٢).
وقال: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَآءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ (^٣). يعني أموالهم.
وقال في موضع آخر: ﴿وَلَا تَأْكُلُواْ أَمْوَلَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ (^٤).
وقال: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا﴾ (^٥).
فذكر الأموال في هذه المواضع، فاقتضى ذلك ذكر ما يتمول، ولم يرد التقدير لمال دون مال، ثم [وجدنا أن] (^٦) الشريعة قد تقدر ذلك في مواضع [كالقطع في السرقة] (^٧)، وذلك لا يكون أقل من ربع دينار، وأن القطع لا يجب في أقل [ما هو أقل] (^٨) في نصب الزكاة.
ثم روي عن عائشة ﵂ "أن النبي ﵇ كان لا يقطع في الشيء التافه وقطع في ربع دينار" (^٩).
_________________
(١) سورة النساء، الآية (٢٤).
(٢) سورة المعارج، الآية (٢٤).
(٣) سورة النساء، الآية (٥).
(٤) سورة النساء، الآية (٢).
(٥) سورة النساء، الآية (١٠).
(٦) غير واضحة بالأصل، والمثبت من السياق.
(٧) غير واضحة بالأصل، والمثبت من السياق.
(٨) غير واضحة بالأصل، والمثبت من السياق.
(٩) تقدم تخريجه (٤/ ٢٨٥).
[ ٦ / ٣١٥ ]
فعلمنا أن هذا القدر من المال له حرمة، فثبت تقدير المال الذي أطلقه الله تعالى من هاهنا، فصار في النكاح، وفي القطع، وفي اليمين عند منبر النبي ﵇ مقدرا، ولا يوجد التقدير إلا من أحد ثلاثة أوجه، إما من اللغة، أو من الشرع، أو من العادة، وقد وجدناه مقدرا في الشريعة من الوجه الذي ذكرناه في أقله، فينبغي أن يكون مذهب مالك على هذا؛ لأنه الأقل الذي لا شك فيه عند من يقدر.
أما على مذهبنا؛ فهو ما ذكرناه، وأما على مذهب أبي حنيفة؛ فعشرة دراهم في النكاح والقطع، وعلى مذهب ابن المواز؛ فهو الذي لا يختلف فيه من نصاب الزكاة، وأظن أن ابن المواز ذهب إلى أن هذا موضع إجماع في الشريعة، وما دونه في القطع والنكاح؛ مختلف فيه، غير أن مذهب مالك يقتضي تسوية ذلك في المواضع كلها على أصله في أول التقدير وأقله.
فإن خالفنا أصحاب أبي حنيفة في تقدير إقراره له بمال وأنه ربع دينار؛ بنيناه على أصلنا في مقدار ما يقطع فيه، وما يكون مهرا في النكاح.
فإن خالفنا أصحاب الشافعي؛ بنيناه على ما نقوله نحن وهم في مقدار ما يقطع فيه.
وإن تكلمنا على مذهب ابن المواز؛ فأولى التقدير في المال في الشريعة ما لا خلاف فيه بين الجميع هو نصاب الزكاة.
وأيضا فإن في الناس من جهة العادة من يرى ربع دينار مالا، وليس فيهم من يرى الحبة والفلس مالا، فإذا كان اسم المال ينطلق عند بعضهم
[ ٦ / ٣١٦ ]
على هذا المقدار -وإن كان عند الأغنياء لا يتناول هذا القدر-؛ فالكل متفقون على أن القيراط والحبة لا يتناوله اسم مال؛ فينبغي أن يكون أولى بالتقدير بما ينطلق عند بعضهم لأنه [] (^١).
ويقوي ما ذهبت إليه أن الله تعالى قال في أولياء الأيتام: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَآءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ (^٢) أي أموالهم، ويجوز للولي أن يدفع إلى اليتيم القطعة والدانق وما دون الثلاثة دراهم، ولا يجوز له ما هو أكثر من ذلك؛ لأنه في العادة لا يقال فيه "مال" عند فقير ولا غني، فيقوى التقدير بالربع دينار؛ لأن من الناس من يسميه مالا.
وإن نصرنا مذهب ابن المواز؛ قلنا: إذا حصل الإجماع في الشريعة على تقدير أقل ما ذكره الله تعالى من الأموال؛ فهو نصاب الزكاة، وقد وجدنا التقدير في الشرع وإن كنا قد عدمناه في اللغة، فينبغي أن يكون أصلا يرجع إليه في ذلك، ألا ترى لو قال: لله علي صوم، أو صلاة، أو حج؛ لم يلزمه إلا صلاة شرعية، وصوما شرعيا، وحجا شرعيا، فإذا كان كذلك، ووجد أن ما يثبت المال في الشرع ولا يختلف الناس فيه هو مائتا درهم، أو عشرون دينارا، أو هو القدر الذي يجب فيه الزكاة؛ وجب أن يتعلق إقراره بهذا القدر الذي قد ثبت في الشريعة مقدرا لا خلاف فيه. والله أعلم.
* * *
_________________
(١) كلمة غير ظاهرة.
(٢) سورة النساء، الآية (٥).
[ ٦ / ٣١٧ ]
فَصْل (^١)
فأما إذا أقر؛ فقال: له علي مال عظيم، فقد اختلف الناس فيه، فذهب أبو حنيفة إلى أنه يلزمه مائتا درهم إن كان من أهل الورق، وإن كان من أهل الذهب؛ فعشرون دينارا (^٢).
وقال الشافعي: لا فرق بين قوله "مال" أو "مال عظيم" في أنه لا يتقدر، ويقال له: سم ما شئت (^٣)، فإن سمى حبة أو فلسا؛ قبل منه (^٤).
[وليس لمالك نص] (^٥) فى ذلك (^٦)، وكان شيخنا أبو بكر ﵀ يقول بقول الشافعي (^٧).
والذي يقوي في نفسي قول أبي حنيفة في هذا؛ هو [أنه إذا قال "مال"؛ فأقل] (^٨) المال ربع دينار، فإذا قال "مال عظيم"؛ احتاج إلى صفة تزيد على قوله، وإلا لم يكن بينهما فرق، وقد علم أن قوله "علي مال عظيم"
_________________
(١) في عيون المجالس: مسألة.
(٢) التجريد (٧/ ٣١٥٨ - ٣١٦٣) الهداية مع تكملة شرح فتح القدير (٨/ ٣٤٢ - ٣٤٣).
(٣) وهو مذهب أحمد أيضا. انظر المغني (٦/ ٦٥٧ - ٦٥٨).
(٤) الحاوي الكبير (٧/ ١٢ - ١٥) روضة الطالبين (٤/ ٣٧٥).
(٥) مطموسة بالأصل، والمثبت من عيون المجالس.
(٦) ومن أصحابنا من قال: ثلاثة دراهم أو ربع دينار، ومنهم من اعتبر نصاب الزكاة، ويحتمل عندي قولين زائدين على هذا: أحدهما: ألف دينار، وهو قدر الدية. والآخر ما زاد على نصاب الزكاة. المعونة (٢/ ٨٩٧).
(٧) انظر الإشراف (٣/ ٨٨ - ٩٠) المعونة (٢/ ٨٩٦ - ٨٩٨) تهذيب المسالك (٣/ ٢٦١ - ٢٦٤).
(٨) مطموسة بالأصل، والمثبت من السياق.
[ ٦ / ٣١٨ ]
بخلاف قوله "علي مال"، فإذا اقتضت الصفة زيادة على موضع عدمها؛ رجع في ذلك إلى أقل تقدير في الشرع بما لا خلاف فيه، وهو أول نصاب الزكاة.
ويبين ذلك أن قول القائل "رجل طويل" فيه زيادة صفة على إطلاق اسم رجل في الأصل، ألا ترى أنه لا يجب أن يسمى كل رجل بأنه طويل والآخر قصير، فقولهم "رجل طويل" يقتضي زيادة صفة لا محالة، فكذلك المال إذا دخل عليه وصف بأنه عظيم؛ اختص بنوع من الأموال دون غيره مما ليس بعظيم، لأن قولهم "عظيم" موضوع لإفادة الكثرة والزيادة، فيقال: مال عظيم، ومال كثير، فيفيد ما لا يفيده قولهم "مال"، والاسم إذا وضع لمعنى؛ لم يجز إبطال معناه وإخراجه عن موضوعه حتى يصير كونه وعدمه بمنزلة واحدة.
وأيضا فإن القليل من المال لا يسمى عظيما في الإطلاق، ولا يفيد عند أحد من الأغنياء ولا الفقير، ألا ترى أن أحدا من الناس لا يطلق على الحبة أنها مال عظيم، ولا بأنها مال، فكيف بقوله عظيم، ومن أقر بشيء؛ لم يكن بد من أن يعبر عنه بما يقتضيه الاسم، إما من جهة اللغة، أو من الشريعة، أو من العادة، وقد وجدناه مقيدا في الشريعة وفي العادة أيضا، وإن كان النادر من الناس لا يسميه عظيما.
ويبين ذلك أن من أقر بدراهم؛ لم يصدق في قوله: أردت درهما واحدا، وإن كانت له أخر كثيرة بخروج استعمال الناس فيه مطلقا ومقيدا، وإن كان قد يجوز أن يقول له قائل: "أنت تحب الدراهم"، وليس معه إلا درهم واحد.
ونقول أيضا: إنه ليس هاهنا غير مذهبين:
[ ٦ / ٣١٩ ]
أحدهما: مذهبكم أنه لا يقتضي شيئا مقدرا، وإنما يرجع فيه إليه.
ومذهب من يخالفكم أنه يقتضي مقدرا محدودا.
فإذا ثبت فساد مذهبكم في الرجوع إلى قوله؛ صح قول مخالفكم.
والدليل على فساد ما ذهبتم إليه؛ عرف الناس وعادتهم بأجمعهم في أنه إذا قيل: مات فلان وخلف مالا عظيما، أو قتل وأخذ له مال عظيم؛ لم يَفهم منه أحد يعقل أنه خلف حبة، أو أُخذ منه هذا القدر، فإذا لم يكن هذا في اللسان ولا في العرف؛ سقط قولكم، وصح مذهب من يرجع فيه إلى القدر في الشرع، كما لو قال: الله علي صوم أو صلاة؛ رجع في ذلك إلى ما يقتضيه الشرع.
وأيضا فإن [أبا حنيفة] (^١) قد قدر المال العظيم بمائتي درهم لما روي أن عبد الرحمن بن عوف مر برجل يحلف عند المقام فقال: "أعلى دم أو على عظيم من المال"، إذ خشي أن يتهاون الناس بهذا المكان يعني أن يستخفوا به.
فجعل [أبو حنيفة] (^٢) القدر الذي يحلف به عند المقام مائتي درهم أو عشرين دينارا، [و] (^٣) لا يحلف عنده على أقل منه، هذا مع يسار عبد الرحمن وكثرة ماله، وأن مثله لا يستكثر مائتي درهم.
وأيضا فإن ما ذهب إليه الشافعي يتناقض، وذلك [أنه لم يجعل] (^٤)
_________________
(١) في الأصل: الشافعي، وهو خطأ؛ لأنه لا يقول بذلك كما تقدم في بداية المسألة.
(٢) في الأصل: الشافعي.
(٣) في الأصل: أو.
(٤) غير ظاهرة بالأصل، والمثبت من السياق.
[ ٦ / ٣٢٠ ]
للعظيم والكثير حدا ولا للقليل.
وأيضا فإننا نعلم في الجملة أن بين القليل والكثير فرقا، وهم يقولون: لو أقر فقال: "لفلان علي مال قليل" وفسره بعشرة دراهم؛ قبل منه، ولو قال "له علي مال كثير" وفسره بحبة؛ قبل منه، وهذا [فاسد] (^١) في الأصول، متناقض في المعقول.
فإن قيل: إن الإقرار إذا صار من المقر؛ فلا يخلو إما أن تكون مردودة إلى عرف اللغة، أو إلى عرف الشرع، أو إلى عرف الناس وعاداتهم، أو يرجع … (^٢).
* * *
_________________
(١) مطموسة في الأصل.
(٢) إلى هنا انتهى الكلام عن كتاب الإقرار، وعدة مسائل هذا الباب في الأصل اثنان وعشرون مسألة، الموجود منها الآن ست مسائل، والباقي لم يعثر عليه بعد. والله المستعان.
[ ٦ / ٣٢١ ]