وتجوز وكالة (^١) الحاضر وإن لم يرض خصمه بذلك إذا لم يكن الوكيل عدوا للخصم (^٢).
وقال الشافعي، وأبو يوسف، ومحمد: تجوز وكالة الحاضر وإن كان الوكيل عدوا للخصم (^٣).
وهو مذهب ابن أبي ليلى (^٤).
وقال أبو حنيفة: لا تجوز وكالة الحاضر إلا برضا خصمه، إلا أن يكون الموكل مريضا، أو على سفر ثلاثة أيام؛ فإنها تجوز (^٥).
_________________
(١) الوكالة اسم مشتق من التوكيل، ويقال بكسر الواو وفتحها. ولها في اللغة معان كثيرة، واصطلاحا: "نيابة ذي حق غير ذي إمرة ولا عبادة لغيره فيه غير مشروطة بموته". شرح حدود ابن عرفة (٢/ ٤٣٧ - ٤٤٠) وانظر القاموس المحيط (٤/ ٧٤) والوكالة في الشريعة والقانون (٣١ - ٤٥).
(٢) انظر الكافي (٣٩٤) الإشراف (٣/ ٧٦ - ٧٧) بداية المجتهد (٥/ ٢٩٦) الذخيرة (٨/ ٦ - ٨).
(٣) الأم (٤/ ٤٩٠) الحاوي الكبير (٦/ ٥٠٢ - ٥٠٤) روضة الطالبين (٤/ ٢٩٤) التجريد (٦/ ٣٠٦٣ - ٣٠٧١) بدائع الصنائع (٧/ ٤٣١ - ٤٣٢) الهداية مع تكملة شرح فتح القدير (٨/ ٩ - ١٠).
(٤) انظر المغني (٦/ ٥١٩ - ٥٢٠).
(٥) وقال أبو يوسف ومحمد: تجوز بغير رضا الخصم في الأحوال كلها. بدائع الصنائع (٧/ ٤٣٢) وبه قال أحمد بن حنبل. انظر المغني (٦/ ٥١٩ - ٥٢٠).
[ ٦ / ٢٢١ ]
والدليل لقولنا في جواز ذلك إجماع الصحابة؛ فروي أن عليا ابن أبي طالب ﵁ وكل عقيلا عند أبي بكر الصديق أو عمر ﵄، وقال: "هذا عقيل، فما قضي عليه؛ فعلي، وما قضي له؛ فلي" (^١).
فوكله في الخصومات وغيرها لأنه قال: "ما قضي عليه فعلي، وما قضي له فلي"، والقضاء على الرجل وله إنما يكون بعد الخصومة، ثم لما كان في أيام عثمان ﵁؛ نازعه طلحة في قفيز أخذ بها علي ﵁ في أرضه، فوكل عبد الله بن جعفر، وقال علي: "إن الخصومة يتقحمها الشيطان، وإنى أكره أن أحضرها، فركب عثمان مع قوم إلى الموضع وأشرفوا عليه" (^٢).
فوكل علي ﵁ في الخصومة، وقبلها عبد الله بن جعفر، وأقرها عثمان ﵁، فصار إجماعا منهم على جوازها (^٣).
فإن قيل: فلعل عليا أراد أن يغيب فوكل من يخاصم عنه بعد ثلاثة أيام، وهذا عندنا جائز.
قيل: عن هذا جوابان:
أحدهما: أنه لم ينقل أنه غاب، وكان قليل الغيبة عن المدينة، وإنما
_________________
(١) أخرجه ابن أبي شيبة (٢٣٥١٩) عن جهم بن أبي الجهم قال: حدثني من سمع عبد الله بن جعفر يحدث أن عليا كان لا يحضر الخصومة، وكان يقول: "إن لها قحما يحضرها الشيطان، فجعل خصومته إلى عقيل، فلما كبر ورق؛ حولها إليّ، فكان علي يقول: ما قضي لوكيلي فلي، وما قضي على وكيلي فعلي" وأخرجه البيهقي في السنن الكبرى (٦/ ١٣٤).
(٢) انظر ما قبله.
(٣) والجواب أن هذا يدل على جواز التوكيل، وكذلك نقول: وإنما للخصم أن يمتنع، ولم ينقل أن خصوم علي امتنعوا فألزموا خصومة وكيله، فلم يكن في التوكيل ومخاصمة خصومه باختيارهم دليل". التجريد (٦/ ٣٠٩٦).
[ ٦ / ٢٢٢ ]
كثرت غيبته في حال [إمامته] (^١).
والجواب الثاني: هو أن هذا يسقط التعليل الذي علله وقال: "إن الخصومة يتقحمها الشيطان وأنا أكره حضورها"، فأخبر أنه إنما وكل لما ذكره، ولو أراد الغيبة؛ لم يعلل هذا التعليل، وكان يقول: إني أريد أن أغيب.
ثم لو لم يذكر هذا، ولو كان عند عثمان ﵁ أن وكالة الحاضر لا تجوز؛ لكان يسأله فيقول: كيف توكل وأنت حاضر، أتريد الغيبة؟ حتى يزول الإشكال، فلما لم يسأله عثمان عن ذلك، ولا عبد الله بن جعفر، ولم يذكر هو أيضا ذلك؛ علم أن الأمر أيضا لا يختلف بالحضور والغيبة.
فإن قيل: فيجوز أن يكون وصى طلحة بتوكيله.
قيل: عنه جوابان:
أحدهما: أنه لم ينقل ذلك.
والثاني: أنه يسقط التعليل أيضا؛ لأن عليا علل فقال: "أوكل لأن الشيطان يتقحم الخصومة، وإنني أكره حضورها"، وهذا يقتضي أن التوكيل كان لأجل ذلك المعنى لا لمعنى غيره، ولو كان وكل لأن طلحة رضي بالتوكيل؛ لقال: وكلت لأن طلحة رضي بذلك.
وأيضا فإن كل من جاز له التوكيل مع الغيبة؛ جاز له مع الحضور، كالمريض.
وأيضا فإن كل من جاز له التوكيل مع رضى خصمه بالتوكيل؛ جاز له
_________________
(١) في الأصل: إقامته.
[ ٦ / ٢٢٣ ]
التوكيل بغير رضاه إذا لم يكن الموكل عدوا له، أصله الغائب والمريض.
فإن قيل: المعنى في المريض أن له عذرا، وعليه مشقة في الحضور؛ فلم يلزمه الحضور، وليس كذلك الصحيح.
قيل: لو كان حقا للمدعي؛ لم يجز تركه لأجل العذر (^١)، ألا ترى أن بدل الحق لما كان حقا للمدعي؛ لم يجز تركه [لأجل العذر] (^٢).
وأيضا فإنه استعان بغيره فيما تدخله النيابة؛ فوجب أن يصح، أصله لو وكله في البيع والشراء وغير ذلك، فكذلك في الخصومات.
وأيضا فإن حضور المدعى عليه ليس بحق للمدعي؛ بدليل أنه لو انفرد الحق على يد وكيله، أو على يد من أنفذ إليه ليحضره؛ لم يلزمه الحضور، فلو كان حضوره حقا للمدعي؛ لم يسقط عنه وإن أنفذ الحق، ألا ترى أن نفس الحق لما كان حقا للمدعي؛ لم يسقط عن المدعى عليه وإن حضر.
وأيضا فإنه لو كان مريضا؛ لم يلزمه الحضور، وكان له أن يوكل، ولو كان حضوره حقا للمدعي؛ لم يجز له تركه لأجل المرض، كما أن الحق لا يسقط عن المريض لأجل مرضه.
فإن قيل: المعنى فيه إذا أنفذ الحق أن المدعي وصل إلى غرضه وهو الحق، فلا فائدة في حضوره، وليس كذلك إذا لم يحضر وأراد أن يوكل؛ لأن
_________________
(١) قد تؤثر الأعذار في حقوق الآدمي، ألا ترى أن المفلس يسقط عنه الحبس للعذر، والمريضة لا يلزمها تمكين زوجها من الوطء لأجل الضرر، وكذلك الحضور إن كان حقا لآدمي سقط العذر. التجريد (٦/ ٣٠٧٠).
(٢) في الأصل: لأخذ العدد.
[ ٦ / ٢٢٤ ]
المدعي لا يتوصل إلى غرضه؛ لأن المدعى عليه قد يكون ضعيف الحجة، عاجزا في الخصومة، ويكون الوكيل الذي يوكله عالما بموضع الحجة، شديد الخصومة، فسقط غرض المدعي، فكان في حضور المدعى عليه فائدة.
قيل: هذا يبطل بالمريض؛ لأن له أن لا يحضر [ويوكل] (^١) وإن سقط بتركه الحضور غرض المدعي.
وعلى أنه لو كان المعنى فيه إذا وكل ولم يحضر أن وكيله يكون أقوم بالحجة منه، فيسقط غرض المدعي في حضور المدعى عليه؛ لوجب إذا وكل من هو دونه في الخصومة ومعرفة الحجة أن يجوز في أخرى، وفي أخرى أن لا يجوز للمدعي؛ لأن الحظ فيه للموكل، ولم يسقط غرضه في حضور المدعى عليه، بل لو حضر؛ لخصمه، ووكيله لا يجري مجراه، فلما لم يجز ذلك؛ [دل] (^٢) على فساد اعتبارهم.
فإن قيل: فقد روي أن النبي ﷺ قال: "من ولي القضاء بين اثنين؛ فليُسوِّ بينهما في المجلس والنظر" (^٣).
وليس من التسوية بينهما أن يكون أحدهما مبتذلا في مجلس الحكم، والآخر [مصانا] (^٤) في داره وتجاراته.
_________________
(١) طمس بالأصل، وما أثبته من السياق.
(٢) ساقطة من الأصل، والسياق يقتضيها.
(٣) أخرجه الدارقطني (٤/ ٢٠٥) والبيهقي (١٠/ ٢٢٨) بلفظ: "من ابتلي بالقضاء بين الناس فليعدل بينهم في لحظه وإشارته ومقعده". وفيه عباد بن كثير الثقفي متروك كما في التقريب (٢٩٠).
(٤) في الأصل: مصابا.
[ ٦ / ٢٢٥ ]
ولأنه لما أمر بالتسوية في مجلسهما، وترك تقديمه على صاحبه؛ كان دلالة على ما هو أبلغ منه، وزوال التسوية بأن يكون أحدهما في منزله والآخر في مجلس حكمه أكثر؛ فصار أولى.
وأيضا فقد روي عن عمر بن الخطاب أنه قال في كتابه إلى خليفته: "سو بين الخصوم في لحظك ومجلسك" (^١).
والأمر بالتسوية بين الخصمين ينتفي بإحضار أحدهما وترك الآخر، وهذا بحضرة الصحابة بغير خلاف.
قيل: أما قول النبي ﵇: "من ولي القضاء بين اثنين؛ فليسو بينهما في المجلس" (^٢)؛ عنه أجوبة:
أحدها: أن حقيقة هذا يقتضي إذا كانا حاضرين؛ لأنه لا يقال: "سويت بين اثنين" إذا كان أحدهما حاضرا والآخر غائبا.
وجواب آخر: وهو أن المعلوم من هذا أنه أريد إذا حضر؛ بدليل أحدهما أنه لو كان غائبا أو مريضا؛ لم يتوجه إليه الخطاب، فلا يحكم لأحدهما حتى يسمع من الآخر.
وجواب آخر: وهو أن الوكيل يقوم مقام الموكل وهو قاض بينهما، فيجب أن يسوي بينهما لأنه والي القضاء بين اثنين، فالخبر يتناول كل اثنين.
وجواب آخر: وهو أننا نعتبر التسوية بين الخصوم، ولأننا نجعل للمدعى
_________________
(١) أخرجه البيهقي (١٠/ ٢٢٩).
(٢) تقدم تخريجه (٦/ ٢٢٥).
[ ٦ / ٢٢٦ ]
عليه أن يوكل ولا يحضر، ونجعل للمدعي أيضا أن يوكل ولا يحضر، وهذا هو التسوية بين الخصمين، وإنما كنا نعدل عن التسوية لو جعلنا ذلك لأحدهما دون صاحبه، فيكون أحدهما قد [صُنّاه] (^١) في منزله وابتذلنا الآخر بالحضور مجلس الآخر (^٢)، ولو كان ما ذكروه هو المعنى المقصود؛ لما جاز في الغائب والمريض أيضا.
فإن قيل: فإننا نعتبر العموم في قوله: "من ولي القضاء بين اثنين فليسو بينهما" (^٣) إلا أن يقوم دليل.
قيل: قد قلنا: إن المقصود منه إذا حضرا، وعلى أننا نستعمله على العموم [في كل] (^٤) اثنين ولي عليهما القضاء وهو وال على المدعى عليه وعلى الوكيل، وهما اثنان والوكيل خصم.
وقولكم: "لما أمر بالتسوية في مجلسيهما كان دلالة على ما هو أبلغ منه"؛ فإننا نقول: الغرض التسوية بينهما في المجلس، سواء حضر الموكل مع خصمه أو الوكيل مع خصم الموكل، الدليل على هذا وجوبه في وكيل الغائب والمريض مع الخصم.
وأما قول عمر لخليفته [سو بين الخصوم] (^٥) المعنى فيه كما ذكرناه في الخبر عن النبي ﵇.
_________________
(١) في الأصل: صباه.
(٢) انظر التجويد (٦/ ٣٠٦٥).
(٣) تقدم تخريجه (٦/ ٢٢٥).
(٤) في الأصل: فكل.
(٥) طمس بالأصل، والمثبت من الأثر المذكور قبل.
[ ٦ / ٢٢٧ ]
وما ذكرناه نحن من إجماع الصحابة على جواز التوكيل ليس فيه احتمال، وهذه الأخبار لا تنفي ما ذكرناه من الإجماع.
فإن قيل: فإن حضور المدعى عليه حق للمدعي، يدل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ (^١).
فذم من أعرض عن الحكم ولم يجب من دعاه إليه، فعلم أن حضوره حق عليه لغيره، ولو لم يكن حضوره حقا مستحقا عليه؛ لم يذم على تركه (^٢).
وأيضا فقد ثبت أن الحاكم يحضره ويعطله عن جميع أشغاله وتصرفه إذا استعدى عليه خصمه، ولو لم يكن حضوره حقا للمدعي؛ [لم يكن له] (^٣) أن يقطعه عن ذلك بإحضاره، فثبت أن حضوره حق للمدعي، وإذا كان حقا للمدعي؛ لم يجز للمدعى عليه أن يسقطه ويقيم غيره مقامه، لأن من وجب له حق على رجل؛ لم يكن لمن عليه الحق أن ينقل حقه إلى من يقوم مقامه من غير رضاه.
قيل: قولكم: "إن حضور المدعى عليه حق للمدعي"؛ فإننا لا نسلم ذلك، وقد دللنا عليه.
وأما قوله تعالى: ﴿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ (^٤)؛ فلا تعلق لكم بها؛ لأنه تعالى إنما ذم المعرض عن الحكم،
_________________
(١) سورة النور، الآية (٤٨).
(٢) انظر التجريد (٦/ ٣٠٦٧).
(٣) ساقطة من الأصل.
(٤) سورة النور، الآية (٤٨).
[ ٦ / ٢٢٨ ]
ومن وكل من يجيب عنه، ويناظر، ويقيم الحجة؛ فليس بمعرض عن الحكم، بل هذا من أحسن الإجابة والإقبال إليها، وإنما المعرض من [انصرف] (^١) عن الإجابة جملة فلا يحضر، ولا يُوكِّل من ينوب عنه، فأما إذا وكل؛ فقد أجاب وأقبل على الحكم.
وقولكم: "إن الحاكم يدعوه، ويحضره، ويقطعه عن أشغاله"؛ فإننا نقول: ليس الأمر كذلك، بل لا يلزمه الحضور بنفسه، وإنما يقول له الحاكم: إما أن تحضر أو توكل من ينوب عنك، وليس يلزم [حضوره] (^٢)، وله أن يوكل من ينوب عنه [في مجلس الحكم] (^٣).
[فإن قيل: إنه إذا لم يحضر] (^٤) حينئذ فإن جواب المدعى عليه حق للمدعي؛ بدليل أنه إذا حضر وادعى المدعي؛ أجبر المدعى عليه على الجواب، فإما أن يقر بالحق أو ينكر، فعلم أن جوابه حق للمدعي، فلا يجوز له أن يعدل عنه ويقيم غيره مقامه فيه، فإنه يكون جواب الوكيل لا جوابه.
وأيضا فإن الوكيل فرع للموكل ونائب عنه، كما أن من تحمل الشهادة عن شهود الأصل فرع لشاهد الأصل ونائب عنه، ثم قد تقرر أن شاهد الفرع لا يقيم الشهادة مع حضور شهود الأصل وسلامتهم، وإن أقامها؛ لم تسمع، فكذلك يجب أن لا يكون للوكيل أن ينوب عن موكله ولا تسمع خصومته عنه مع حضور الموكل وسلامته.
_________________
(١) في الأصل: صرف.
(٢) ليست في الأصل، والسياق يقتضيها.
(٣) ليست في الأصل، والسياق يقتضيها.
(٤) طمس ومحو بالأصل، وما أثبته من السياق.
[ ٦ / ٢٢٩ ]
قيل: قولكم: "إن جواب المدعى عليه حق للمدعي؛ فإننا نقول: إن جواب الدعوى حق للمدعي؛ فإما يعتبر الجواب ممن يكون فإنه يكون من المدعى عليه تارة ومن وكيله تارة، وليس الجواب من نفس المدعى عليه حقا للمدعي، وجواب الوكيل كجواب الموكل إذا حصل جوابا عن الدعوى؛ فقد ادعى حق المدعي من جواب الدعوى.
وأما جمعكم بين شهود الفرع وبين الوكيل؛ فإنه دعوى؛ لأنه جمع بغير معنى، والفرق بينهما من وجوه:
أحدها: أنه لما لم يسمع شهادة شهود الفرع ـمع حضور شهود الأصل وسلامتهم إن رضي بهم الخصم المشهود عليه-؛ لم تسمع إذا لم يرض به، ولما جاز أن ينوب الوكيل عن أحد الخصمين، أو يخاصم عنه ـمع حضوره وسلامته إذا رضي به الخصم الآخر-؛ جاز أن يسمع بنائبه عنه وخصومته له، مع حضوره وسلامته، وإن لم يرض به الخصم.
والثاني: هو أن الوكيل قائم مقام الموكل، ونائب عنه، وجار مجراه؛ لأن الذي يفعله الموكل هو أن يخبر عن نفسه أنه منكر للحق، وكذلك يفعل الوكيل؛ لأنه يخبر عن موكله أنه منكر للحق، فالوكيل كالموكل نفسه، فجاز أن يقوم مقامه مع حضوره وسلامته؛ لأن أحدهما كالآخر، وما سمع من الموكل هو الذي سمع من الوكيل، وليس كذلك شاهد الفرع؛ لأنه لا يقوم مقام شاهد الأصل، ألا ترى أن شاهد الأصل يقول: أشهد أن فلانا فعل كذا، أو على إقراره بكذا، وشاهد الفرع يقول: أشهد أن فلانا أشهدني وقال لي: اشهد على شهادتي أني أشهد على فلان بكذا، وإن لم يأت شاهد الفرع بما
[ ٦ / ٢٣٠ ]
يأتي به شاهد الأصل؛ لم يجز العدول عن شهادة الأصل مع حضوره، لأن شاهد الفرع مخبر عنه وهو حاضر، فلا يقوم مقامه في لفظ الأداء.
والثالث: هو أن الشهادة تفتقر إلى اجتهاد الحاكم في عدالة الشهود، وإذا قدر على شهود الأصل؛ سمع منهم، واقتصر على معرفته بعدالتهم، لا حاجة به إلى استماع شهادة الفرع، وإذا سمعها؛ احتاج إلى معرفة عدالتهم، ومعرفة عدالة شهود الأصل أيضا إن لم يكن يعرفهم، وليس كذلك في الوكالة؛ لأنه لا يفتقر إلى معرفة عدالة الوكيل ولا الموكل، وإنما الغرض منه الدعوى والخصومة، فلا فرق بين أن يسمع ذلك من الوكيل وبين أن يسمعه من الموكل.
والجواب الرابع: هو أن الغائب والمريض إنما جاز لهما التوكيل للحاجة إلى ذلك، فقد تكون الحاجة موجودة بالحاضر الصحيح؛ لأنه لا يعرف موضع حجته، ولا وجه الخصومة، فجاز له التوكيل كما جاز للمريض والغائب، ويستووا في ذلك لتساويهم في الحاجة لذلك، وليس كذلك الشهادة؛ لأن شاهد الأصل إذا كان مريضا أو غائبا؛ فإن الحاجة تدعو إلى أن يقوم مقامه شاهد الفرع، ويسمع الشهادة، وليس كذلك إذا كان حاضرا؛ لأنه لا حاجة بنا إلى أن نقيم مقامه شاهد الفرع ونسمع الشهادة منه وشاهد الأصل قادر على أداء شهادته، فلما اختلف الحالان في الحاجة؛ اختلفا في الحكم.
فإن قيل: إن إقرار المدعى عليه قد تعلق به انقطاع الخصومة مثل الشهادة أو آكد، فإذا لم يجز للشاهد أن يقيم الغير مقامه إلا من عذر؛ فكذلك المدعى عليه، ولأن قول الموكل آكد؛ بدليل أن إقراره يجوِّز البراءة والاستيفاء، وقول الوكيل أنقص، ومتى تعلق عليه حكم في ذلك؛ لم يجز أن يقيم مقامه مَن
[ ٦ / ٢٣١ ]
قوله دون قوله إلا من عذر؛ بدليل أن شهود الأصل لما [كانوا] (^١) [آكد] (^٢) من شهود الفرع؛ لم يجز أن يقوموا مقامهم إلا في حال العذر.
وأيضا فإن الموكل قد يجحد [ثم يقر، والوكيل] (^٣) لا يجوز إقراره عندكم، فلا يمكن الوكيل ما يمكن الموكل، فهو كشهادة الفرع، وهو أظهر منها في المخالفة؛ لأن المطلوب بالشهادة يحصل من شهود الفرع، والمطلوب بالخصومة لا يحصل من الوكيل، وهو البراءة والاستيفاء عندكم.
قيل: أما قولكم: "إن إقرار المدعى عليه يتعلق به انقطاع الخصومة مثل الشهادة"؛ فإننا قد ذكرنا الفرق بين الشهادة وبين هذا الموضع.
وعلى أن حكاية الوكيل إقرار المدعى عليه يقطع الخصومة أيضا، فإن أقر؛ حكى عنه، وإن جحد؛ حكى عنه، كما يعمل في المريض والغائب.
وقولكم: "إن الموكل آكد بدليل أن إقراره يجوز البراءة والاستيفاء"؛ فإننا نقول: فرق بين إقراره إذا كان حاضرا، وبين ما يحكيه عنه الوكيل في ذلك؛ لأن هذه المعاني كلها موجودة في المعذور بالمرض والسفر وفي غير المعذور.
وقولكم: "إن الوكيل قد يجحد ثم يقر، والوكيل [لا] (^٤) يجوز إقراره عندكم"؛ عنه جوابان:
_________________
(١) في الأصل: كان.
(٢) في الأصل: الحد.
(٣) في الأصل: ثم يفرق الوكيل.
(٤) ساقطة من الأصل، والسياق يقتضيها.
[ ٦ / ٢٣٢ ]
أحدهما: أنه قد يجحد فيحكي عنه الوكيل فيجب التمييز على الموكل، فإن حضر التمييز حينئذ وأقر؛ قبل إقراره، ولم تؤثر وكالة الوكيل في إسقاط الحق أو وجوبه شيئا.
والجواب الآخر: هو أنه كان يجب على أصولكم أن تجوزوا له أن يوكل؛ لأن إقرار الوكيل عليه يلزم عندكم كما يلزم إقراره وإنكاره كذلك.
وأما البراءة والاستيفاء؛ فقد يجوز أن يجعل إلى وكيله أن يبرئ عنه وأن يستوفي فيما كان جاز أن يجعله إلى الوكيل، كما يجوز في المريض والمسافر، لأن هذه معان لو جاز أن تمنع وكالة الحاضر؛ لمنعت من توكيل المريض والمسافر.
وجميع ما يذكرونه من المعاني التي تمنع وكالة الحاضر موجودة في الغائب والمريض؛ لأن الحاضر أيضا معذور في توكيله إذا كان أهل الإقرار ووجوه الناس يكرهون التبذل عند الحاكم، وعليهم في جاههم غضاضة؛ لأن من يراهم يتوهم هل هو ظالم أو مظلوم، ولعله أن يكون قصير الحجة، سواء كان مدعيا أو مدعى عليه، فلكل واحد منهما أن يوكل، حتى إذا تعينت اليمين عليه؛ لم ينب عنه غيره فيها، كما لا ينوب عن المريض والمسافر والله أعلم.
ويجوز أن نقول: إنه استعان من هو مثله، وليس بعدو للموكل عليه فيما تجوز فيه النيابة؛ فلا يفتقر إلى رضى الخصم؛ دليله إذا لم يكن [عدوا أو] (^١) وكيل في بيع وشراء. وبالله التوفيق
* * *
_________________
(١) بياض بالأصل.
[ ٦ / ٢٣٣ ]
* مَسْألة (٢٨):
إذا أراد إنسان أن يوكل غيره في استيفاء حقوقه؛ فإما أن يوكله بحضرة الحاكم، أو يوكله في غير مجلس الحاكم، ثم يثبت الوكيل وكالته عند الحاكم بالبينة، فإن وكله بحضرة الحاكم؛ فله ذلك، وسواء وكله في استيفاء حقوقه من رجل بعينه، أو وكله على جماعة من الناس، وليس حضور من يستوفي منه الحق شرطا في صحة توكيله، فإن وكله في غير مجلس الحكم؛ كان وكيلا له، فيثبت الوكيل وكالته عند الحاكم بالبينة، ثم يدعي على من يطالبه بحقوق الموكل، وبحضرة مجلس الحكم (^١).
وبه قال الشافعي وابن أبي ليلى (^٢).
وقال أبو حنيفة: إن أراد الرجل أن يوكل وكيلا في استيفاء حقوقه عند الحاكم؛ فإن كان الخصم الذي وكل عليه واحدا؛ كان حضوره شرطا في صحة الوكالة، وإن وكله في استيفاء حقوقه من جماعة؛ كان حضور واحد منهم شرطا في صحة الوكالة، وإن وكل رجلا في غير مجلس الحاكم، فأراد الوكيل أن يثبت وكالته عند الحاكم؛ فإنه يحضر مجلسه، ويحضر الخصم ويدعي عليه الحق، فإن أقر؛ قيل للوكيل: ثبّت وكالتك، واستوف الحق، وإن أنكر؛ قيل للوكيل: ثبّت وكالتك، وأعد دعواك (^٣).
فحصل الخلاف بيننا وبينه في فصلين:
_________________
(١) انظر الإشراف (٣/ ٧٧) بداية المجتهد (٥/ ٢٩٨).
(٢) الأم (٤/ ٤٨٩) روضة الطالبين (٤/ ٣٢٢) وهو مذهب أحمد أيضا. انظر المغني (٦/ ٥٩٨ - ٥٩٩).
(٣) التجريد (٦/ ٣٠٧٤ - ٣٠٧٥).
[ ٦ / ٢٣٤ ]
أحدهما: أن عندنا أنه إذا أراد التوكيل في مجلس الحكم؛ لم يكن حضور الخصم شرطا في صحة التوكيل، وحضوره شرطا عند أبي حنيفة إن كان واحدا أو كانوا جماعة بحضور واحد منهم.
والفصل الثاني: عندنا أن الوكيل يثبت وكالته عند الحاكم، ثم يحضر الخصم ويدعي عليه، وعنده أنه يحضره فيدعي عليه، ثم يثبت وكالته، ويسمع دعواه قبل ثبوت وكالته.
والدليل لقولنا ما ذكرناه في المسألة الأولى، وهو أن عليا ﵇ وكل عقيلا وعبد الله بن جعفر، وقال: "ما قضي له؛ فلي، وما قضي عليه فعلي" (^١).
ولم ينقل أنه كان هناك خصم مع توكيله عند الإمام، فثبت أن الحكم يعلق بنفس التوكيل؛ لأن الحكم إذا نقل مع سبب؛ تعلق بالسبب ولم يتعلق بغيره.
وأيضا فإنه يثبت لاستيفاء حق؛ فوجب أن لا يكون من شرطه حضور من يستوفي منه الحق، أصله إذا وكله في استيفاء حقوقه من جماعة وحضر واحد منهم، وعند أبي حنيفة أنه إذا حضر واحد منهم؛ لم يكن حضور الباقين شرطا في صحة التوكيل، وكان التوكيل ثابتا في حقوقهم.
وأيضا فإنه يوكل في حق يجوز دخول التوكيل [فيه؛ فوجب أن يصح توكيله] (^٢)، أصله التوكيل في البيع والشراء وغير [ذلك] (^٣).
وأيضا فإن كل من لم يكن رضاه شرطا في إثبات وكالته؛ لم يكن
_________________
(١) تقدم تخريجه (٦/ ٢٢٢).
(٢) طمس بالأصل، والمثبت من السياق.
(٣) طمس بالأصل، وما أثبته من السياق.
[ ٦ / ٢٣٥ ]
حضوره شرطا، أصله غير الخصم؛ لما لم يكن رضاه شرطا لم يكن حضوره شرطا، أصله أيضا الخصم الذي لم يحضر من الجماعة إذا حضر غيره (^١).
وأيضا فإنه لا يثبت لهذا التوكيل حق للخصم ولا عليه؛ فلا معنى لحضوره؛ لأنه لا تعلق له به، وما لم يكن له به تعلق، ولم يثبت له حق، ولا عليه؛ كان حضوره وعدمه سواء، فليس الوكيل منه في شيء.
فإن قيل: فإنه يثبت عليه في ذلك حق هو دعوى الوكيل عليه، وإحضاره له مجلس الحكم.
قيل: حضوره عند الحاكم ليس بحق عليه جملة، لا للوكيل ولا للموكل، بيان ذلك: على أنه لو كان حضوره مجلس الحاكم حقا عليه للوكيل؛ فليس ذلك مما استفاده الوكيل بالتوكيل، بل [بل كان للموكل] (^٢) قبل ذلك أن يدعي عليه ويحضره مجلس الحكم، وكذلك دعوى الوكيل عليه ليس بحق عليه [استفاده] (^٣) الوكيل بالتوكيل، ولو كانت دعوى من له أن يدعي على رجل حقا عليه؛ لكان لكل أحد حق على كل واحد من الناس؛ لأن لكل واحد أن يدعي [على] (^٤) كل واحد من الناس، فسقط قولكم إن هذا حكم على الغائب.
_________________
(١) قال في التجريد (٦/ ٣٠٧٥): "إذا حضر واحد من الغرماء وحكم بمحضر منه؛ تثبت الوكالة على خصمه، فصار ثبوتها على واحد بالحكم كثبوتها بالإقرار في حق جميع الناس، وإذا لم يحضر واحد من الغرماء؛ فقد حصل الحكم وليس هناك محكوم عليه، فلم ينفذ الحكم من غير خصم".
(٢) في الأصل: لو كان للوكيل.
(٣) في الأصل: استفادة.
(٤) في الأصل: عن.
[ ٦ / ٢٣٦ ]
وأيضا فإن رضا الخصم غير معتبر في وكالة المدعي؛ فكذلك حضوره؛ لأن الوكالة حق الموكل ونيابة عنه.
فإن قيل: فإن الوكالة حق يدعيه على غائب، والقضاء على الغائب لا يجوز إلا بحضوره أو بحضور من يقوم مقامه.
قيل: ليس الوكالة حقا للمدعي على الغائب، وإنما هي نيابة عن الموكل في الدعوى على الغائب، فلا يحتاج إلى حضوره في تثبيت الوكالة كما لا يعتبر رضاه، ثم إذا ثبت حينئذ؛ توجهت بالدعوى إذا ادعيت، ثم إذا جاز أن يقوم مقام الغائب غيره؛ جاز للحاضر أيضا أن يقيم مقامه غيره، فأما الحكم على الغائب؛ فيجوز عندنا.
فإن قيل: فإن الوكالة حق، ولا تثبت إلا على خصم، كسائر الحقوق.
قيل: إن الوكالة حق، وذلك الحق نيابة عن المدعي، فيحتاج أن يثبت نيابة عنه، ثم ينظر بعد ذلك فيمن يدعى على الخصم.
وأما قولهم: "إن الوكيل لا يدعي على الخصم حتى يثبت وكالته"؛ فإنه غلط؛ بدليل أنه لا يدعي على الرجل إلا خصم، والخصم إما أن يحضر بنفسه، أو يوكل غيره، والوكيل قبل أن يثبت وكالته لا يخاصم عن نفسه؛ لأنه لا يدعي لنفسه شيئا، ولا يخاصم عن الموكل؛ لأنه إنما يخاصم عنه إذا ثبت توكيله، فحينئذ يستحق أن يخاصم عنه، وقبل هذا ليس بخصم، فإذا يكن خصما؛ فلا معنى لدعواه إلا على الموكل أنه قد وكله.
وأيضا فإنه لم يثبت حق النيابة عن غيره، ولا تسمع دعواه عليه بذلك،
[ ٦ / ٢٣٧ ]
أصله إذا ادعى مدة وأنكر الخصم؛ لا خلاف أن دعواه لا تسمع ثانيا حتى تثبت وكالته، فكذلك في المرة الأولى.
فإن قيل: فقد قضى للخصم على الموكل فيكون حقا، فثبت له التوكيل. قيل: هذا عائد على مسألة وكالة الحاضر، فنقول: إن كان المانع من ذلك هو أن الموكل قد يوكل من يكون أقوم بالحجة منه؛ فينبغي أن يجوز إذا وكل عاجزا لا يعرف وجه الحجة؛ لأن فيه حظا. والله الموفق.
* * *
* مَسْألة (٢٩):
وللوكيل الثابت الوكالة أن يعزل نفسه بحضرة الموكل وبغير حضرته (^١).
وبه قال الشافعي (^٢).
وقال أبو حنيفة: ليس له أن يفسخ الوكالة إلا بحضور الموكل؛ لأنه إذا فسخ من غير حضوره؛ ضيع حق الموكل، وليس له ذلك (^٣).
والدليل لقولنا هو أن كل من لم يكن رضاه شرطا في رفع عقد؛ لم يكن حضوره شرطا فيه؛ أصله الرجل يطلق امرأته لما لم يكن رضاها في دفع العقد شرطا؛ لم يكن حضورها أيضا شرطا فيه (^٤)، فكذلك الموكل لما
_________________
(١) انظر الإشراف (٣/ ٧٨) المعونة (٢/ ٨٩٤) بداية المجتهد (٥/ ٢٩٨).
(٢) الحاوي الكبير (٦/ ٥١١ - ٥١٢) المهذب مع تكملة المجموع (١٥/ ٣٣١ - ٣٣٥).
(٣) التجريد (٦/ ٣٠٧٦ - ٣٠٧٩) بدائع الصنائع (٧/ ٤٦٤).
(٤) الطلاق إسقاط حق الزوج عما ملكه بالعقد، كعتاق العبد وإتلاف المبيع، فأما في مسألتنا؛ =
[ ٦ / ٢٣٨ ]
لم يكن رضاه في فسخ الوكالة شرطا؛ لم يكن حضوره شرطا.
وأيضا فإنه عقد جائز؛ فوجب أن يكون للعاقد فسخه من غير حضور صاحبه، أصله القراض والشركة.
وأعني بقولنا: "جائز" أن له رفعه بعد الدخول فيه من جهة كل واحد منهما، وليس بلازم لا يجوز له فسخه كالبياعات والإجارات.
فأما قولهم: "إنه يضيع حق الموكل"؛ فإننا نقول: ليس الأمر كذلك، بل إنما يبطل بالعزل تصرف الوكيل في ثاني، ويكون المال في يده على سبيل الأمانة والوديعة كما كانت يده عليه قبل أن ينعزل.
فإن قيل: إن عقد الوكالة يتضمن نقل حق الموكل عن العين [إلى] (^١) بدل، فمتى التزمه له؛ لم يسقط لغير حضرته، أصله البيع المشروط فيه الخيار على أصلنا.
قيل: إن الخيار وهذا سواء على أصلنا؛ فلم يسلم ما ذكرتموه.
على أننا لو سلمنا أصلكم في الخيار؛ لم يلزم؛ لأن الخيار تضمنه عقد البيع الذي هو لازم، وعقد الوكالة جائز، ألا ترى أن له أن يعزل نفسه بحضرة الموكل شاء أو أبى، وليس له في عقد البيع أن يرفعه شاء الآخر أو أبي حضوره وعدم حضوره.
فإن قيل: فإنه التزم الأمانة في العين؛ فلم يكن له إسقاطها بغير حضوره،
_________________
(١) = فالوكيل يسقط حق موكله الذي التزمه، فصار كعزله نفسه عن الوديعة. التجريد (٦/ ٣٠٧٧).
(٢) في الأصل: التي.
[ ٦ / ٢٣٩ ]
مثل المودع لا يملك عزل نفسه بغير حضور المال.
قيل: هذا غلط؛ بل للمودع أن يصرف نفسه عن الوديعة بعد ذلك إلى صاحبها أو إلى الحاكم، فهو يصرف نفسه بحضرة المودع وبغير حضرته.
فإن قيل: من أصلنا أن الموكل لا يملك إسقاط حق الوكيل من غير حضرته، فوجب أن يعتبر في ذلك أمر الآخر وهو الوكيل حتى يتساويا جميعا في حكم العقد.
قيل: من أصلنا أن الموكل يملك إسقاط حق الوكيل من غير حضوره، يدل عليه بعد هذا (^١).
ويجوز أن نقول: هو عقد استعانة بأخيه لا يعتبر في الرجوع رضاه، فكذلك حضوره، كالجعالة.
وأيضا فإنها وكالة من غير عوض؛ فأشبه إذا كانا حاضرين.
فَصْل
وللموكل أن يصرف الوكيل عن الوكالة وإن لم يعلم الوكيل بذلك (^٢).
وبه قال الشافعي (^٣).
_________________
(١) سيأتي في الفصل الآتي تفصيل ذلك.
(٢) انظر المعونة (٢/ ٨٩٤) بداية المجتهد (٥/ ٢٩٨).
(٣) وهو الأظهر والأصح من مذهبه، وله قول آخر كمذهب أبي حنيفة. انظر الحاوي الكبير (٦/ ٥١٢ - ٥١٤) روضة الطالبين (٤/ ٣٣٠) المهذب مع تكملة المجموع (١٥/ ٣٣٢ - ٣٤١) وعن أحمد روايتان كالمذهبين. انظر المغني (٦/ ٥٦٤ - ٥٦٥).
[ ٦ / ٢٤٠ ]
وقال أبو حنيفة: لا ينعزل عن الوكالة إلا أن يعلم بها (^١).
وما ذكرناه في المسألة الأولى؛ يدل أيضا على صحة هذه المسألة، وهو أن كل من لم يكن رضاه [شرطا في رفع العقد؛ لم يكن حضوره] (^٢) شرطا فيه، أصله الرجل يطلق زوجته؛ فإن الطلاق يقع وإن لم تعلم، كما يقع وإن لم ترض.
فإن قيل: فإن العزل نهي عن التصرف، والنواهي لا يتعلق بها حكم إلا بالسماع والتمكن منه، أصله نواهي صاحب الشريعة (^٣).
وأيضا فإن العزل حكم يتعلق بالأصول، يتضمن إسقاط حق يثبت لغيره، فأشبه فسخ الشريعة في حق من غاب؛ لما تضمن إسقاط ما ثبت له؛ لم يجز ذلك إلا من الوجه الذي قلناه.
قيل: قولكم: "إن العزل نهي عن التصرف"؛ فإننا نقول: العزل هو ترك استنابته من جهة الموكل وليس بنهي، لأن النهي ها هنا على حسب الأمر، فلما كان الموكل إذا وكل لم يلزمه أمره؛ فكذلك لم يلزمه نهيه، فعلم أن إثبات الوكالة ونفيها ليس بأمر ولا بنهي، وإنما يتضمن في ثاني إباحة التصرف بعد ثبوت الوكالة، وحظر التصرف بعد العزل، فإن تصرف ولم يعلم بالعزل؛ فلا إثم عليه، كمن استباح في الشريعة ما قد حظر ونسخ ولم يعلم به؛ فلا إثم عليه.
_________________
(١) التجريد (٦/ ٣٠٧٦ - ٣٠٧٩) بدائع الصنائع (٧/ ٤٦٠ - ٤٦١) الهداية مع تكملة شرح فتح القدير (٨/ ١٤٣ - ١٤٥).
(٢) ما بين المعقوفتين ساقط من الأصل، والمثبت مما أحال عليه المصنف في المسألة السابقة.
(٣) انظر التجريد (٦/ ٣٠٧٦).
[ ٦ / ٢٤١ ]
وقولكم: "إن العزل حكم يتعلق بالأموال يتضمن إسقاط حق [يثبت] (^١) لغيره"؛ فإننا نقول: هو يتعلق بالتصرف في أموال الموكل عن إذنه، فهو حق للموكل، فيصح عزله من غير علمه، ثم يعلمه في ثان.
على أن ما ذكرتموه يلزم في الطلاق؛ فإنه تسقط به أحكام وحقوق تثبت للمرأة، وتوجب حظر تصرفها في بيت الزوج، وفي المال الذي كانت تتصرف فيه قبل الطلاق.
فإن قيل: إن الطلاق لا يتضمن إسقاط حق يثبت لها؛ لأن الطلاق يتضمن إسقاط النكاح الذي يثبت عليها، وسقوط المهر ليس من موجب الطلاق، ولا يتعلق به؛ بدليل استحقاقه بالدخول، وإنما يسقط ذلك بأمر آخر وهو طريق الحكم لأجل عدم الدخول بها، وليس ما يسقط بالحكم يضاف إلى الزوج أنه أسقطه بطلاقه إياها.
قيل: مثل هذا نقول: إن العزل من الوكالة لا يتضمن إسقاط حق الوكيل، لأن العزل يتضمن إسقاط الوكالة التي تثبت على الموكل، وسقوط ما يتعلق من الأموال هو من جهة الحكم، فلا فرق بين ذلك وبين الطلاق.
فإن قيل: فإنه عزل عن فعل مأذون فيه في مال؛ فأشبه عزل المودع عن حفظ الوديعة.
وأيضا فإن الوكالة من عقود المعاملات، فمتى ثبت الحق فيها لواحد؛ لم يملك إسقاطه بنفسه وحده، أصله الإقالة في البيع.
_________________
(١) طمس بالأصل، وما أثبته من السياق.
[ ٦ / ٢٤٢ ]
قيل: أما الوديعة؛ فإن العزل يصح فيها من غير علم المودع، وإذا لم يعلم؛ صارت الوديعة في يده، كاللقطة التي تصير في يد الملتقط يحفظها من غير أن يستودعه إياها صاحبها.
وأما قولكم: "إن الوكالة من عقود المعاملات وردها إلى الإقالة"؛ فإننا نقول: إن القراض أيضا من عقود المعاملات التي لا تثبت إلا بتراضيهما، وليس يعتبر تراضيهما في العزل عن الوكالة، والإقالة عندنا بيع، والبياعات يعتبر فيها رضا البائع والمبتاع.
ولنا أن نقول: إن الوكالة عقد يصح على مجهول، ومعلوم، وموجود، ومعدوم؛ فجاز العزل فيها قبل العلم، أصله الوصية قبل الموت.
فإن قيل: إن الموصى له لم يتعلق له حق ثابت بغير ما أوصى له، وإنما حقه مراعى، فصار كإيجاب وكالة من غير قبول من الموكل إبطالها على أي وجه شاء، وأما إذا قبل الوكالة؛ فقد استقر حق الوكيل، وجاز تصرفه في العين بغير ضمان يلحقه، فإذا أراد عزله؛ فإنما يريد إسقاط حق له، فأشبه من باع وقبل المشتري المبيع أن حقه لما ثبت؛ لم يكن للبائع إسقاطه.
قيل: مثلما قلتم في الوصية إذا قبلها الموصى له قبل موت [الموصي] (^١) نقول في الوكالة، وأن تصرف الوكيل مراعى [ما لم] (^٢) يعزله الموكل ويصرفه بعد التصرف فلم [] (^٣) به؛ لا يلزمه به ضمان لأنه على الأصل، وقد قلنا:
_________________
(١) ساقط من الأصل، والمثبت من السياق.
(٢) في الأصل: ما لا.
(٣) كلمة مطموسة.
[ ٦ / ٢٤٣ ]
إن البيع يعتبر فيه رضا البائع والمشتري، والعقد لازم فيعتبر في رفعه رضاهما، ولما كانت الوكالة ليست بلازمة؛ لم يعتبر في رفعها رضاهما، فلم يعتبر علم الوكيل.
فإن قيل: فإن علم الوكيل يحتاج إليه حتى يمنع من التصرف؛ فلا يلحقه ضمان في شيء أذن له أن يتصرف فيه على وجه الأمانة، ورضاه لا يعتبر به؛ لأن تصرف الإنسان جائز في ملكه على أي وجه شاء.
قيل: قد ذكرنا أن العزل يصح، وإذا لم يعلم (^١)؛ فلا ضمان عليه فيما يتصرف فيه إلى أن يعلم. وبالله التوفيق.
* * *
* مَسْألة (٣٠):
وإذا نهى الموكل الوكيل عن الإقرار عليه، أو أطلق الوكالة ولم يذكر فيها نهيا عن الإقرار؛ لم يجز إقرار الوكيل على الموكل، ولم يقبل إذا نهاه عن الإقرار (^٢).
_________________
(١) اختلف قول مالك في الوكيل يعزله موكله ويشهد بعزله فينفذ ما وكل به بعد ذلك وهو لا يعلم، فروي عنه أن تصرفه بعد ذلك مردود، سواء علم بالعزل أو لم يعلم، وهو قول ابن القاسم، وبه أقول قياسا على اتفاقهم أنه لو وكله ببيع شيء ثم باعه الموكل؛ أن ذلك خروج للوكيل عن الوكالة، وعزل وإن لم يعلم، وروي عن مالك أنه إن علم بالعزل؛ فتصرفه باطل، وإن لم يعلم؛ فتصرفه صحيح؛ لأنه على ما جعل إليه حتى يصح عنده عزله. الكافي (٣٩٥).
(٢) قال ابن عبد البر: "واختلف قول مالك في قبول إقرار الوكيل بالخصومة عند القاضي على موكله، فمرة أجازه، ومرة أباه، وقال: لا يلزم موكله ما أقر به عليه، ولا يقبل القاضي ذلك منه، وجرى العمل عندنا على أنه إن جعل إليه الإقرار عليه؛ لزمه ما أقر به عند القاضي، =
[ ٦ / ٢٤٤ ]
ولا خلاف أن إقراره [عليه غير جائز إذا نهاه،] (^١) وإنما الخلاف فيه إذا وكله في الخصومة ولم يجر للإقرار ذكر؛ فعند العراقيين إلا زفر فإن إقراره عليه مقبول (^٢).
وبقولنا قال الشافعي (^٣) وزفر (^٤).
[وقال أبو حنيفة: إن أقر عليه في مجلس الحكم؛ قبل إقراره، ولا يقبل إقراره عليه في غيره] (^٥).
والدليل لقولنا؛ هو أن الإقرار سبب يسقط به الحق، فإذا لم يملكه الوكيل في غير مجلس الحكم؛ لم يملكه في مجلس الحكم، ألا ترى أن أبا حنيفة يقول: إن الوكيل لو أقر على موكله في غير مجلس الحكم؛ لم يقبل إقراره، وإنما يقبل إذا أقر في مجلس الحكم، فقد جعلنا إقراره في غير مجلس الحكم أصلا نقيس عليه.
وأيضا فإن كل حق لو أبرأ منه لم يصح إبرائه؛ فإنه إذا أقر على غيره بقبضه؛ لم يصح إقراره، أصله لو أقر في غير مجلس الحكم.
_________________
(١) = وزعم ابن خويز منداد أن تحصيل مذهب مالك عندهم أنه لا يلزمه إقراره، وهذا في غير المفوض إليه". الكافي (٣٩٥) وانظر الإشراف (٣/ ٧٨ - ٧٩) الذخيرة (٨/ ١٤ - ١٥).
(٢) طمس بالأصل، والمثبت من السياق.
(٣) التجريد (٦/ ٣٠٨٠ - ٣٠٨٥) الهداية مع تكملة شرح فتح القدير (٨/ ١١٨ - ١٢٠).
(٤) وهو مذهب أحمد بن حنبل. انظر المغني (٦/ ٥٣٣ - ٥٣٥).
(٥) الحاوي الكبير (٦/ ٥١٣ - ٥١٤) روضة الطالبين (٤/ ٣٢٠ - ٣٢١).
(٦) ما بين المعقوفتين ساقط من الأصل، والمثبت من عيون المجالس. وانظر الهداية مع تكملة شرح فتح القدير (٨/ ١١٨ - ١٢٠).
[ ٦ / ٢٤٥ ]
فإن قيل: الفرق بين مجلس الحكم وغيره أنه إنما وكله في الخصومة، وذلك يتضمن الإقرار والإنكار، والخصومة لا تكون إلا في مجلس الحكم.
قيل: إن الخصومة لا تكون [إلا] (^١) في مجلس الحكم، ولكن لِم قلتم: إنه إذا أذن له في الخصومة؛ كان له أن يقر، والإقرار يتضمنه التوكيل؟!
وعلى أنه لو كان له أن يقر في مجلس الحكم؛ كان له أن يقر في غير مجلس الحكم، كالموكل نفسه.
وأيضا فإنه وكيل لا يملك إسقاط الحق بالإقرار بالقبض في غير مجلس الحكم؛ فوجب أن لا يملك إسقاطه والإقرار في مجلس الحكم، أصله لو نهاه الموكل عن الإقرار عنه.
ثم الذي يدل على ذلك أيضا؛ أن إطلاق التوكيل في الخصومة يتضمن النهي عن الإقرار بالحق؛ لأنه إذا قال له: "خاصم"؛ فقد أمره بطلب الحق وتحصيله، وإقامة البينات والحجج على استخراجه من يد الخصم، والإقرار يسقط الحق ويبطله، فكان ذلك منافيا لما وكله فيه، ومن أمر بشيء فأذن له فيه؛ فقد نهى عما يضاده وينافيه، ألا ترى أن من أمر ببيع شيء؛ فقد نهى عن التمسك، ومن أمر بإمساك شيء؛ فقد نهى عن إخراجه بسبب ذلك، وقد تقرر أنه لو نهى عن الإقرار عنه؛ لم يصح إقراره، فكذلك إذا أطلق له الوكالة بالخصومة، لأن إطلاقه يقتضي النهي عن الإقرار.
فإن قيل: قد وكل علي عقيلا وقال: "هذا عقيل، ما قضي عليه فعلي،
_________________
(١) ساقط من الأصل، والمثبت من السياق.
[ ٦ / ٢٤٦ ]
وما قضي له فلي" (^١).
فأخبر أنه يقضى عليه بما يلزم الوكيل، فيجب إذا أقر الوكيل أن موكله قبض الحق؛ أن يقضى على الموكل بذلك.
وأيضا فإن الخصومة تتضمن الإنكار والإقرار، فإذا وكله في الخصومة؛ فقد وكله فيها، وفيما تتضمنه الخصومة الإقرار، فيجب إذا أقر أن يقبل إقراره؛ لأنه مأذون له فيه.
قيل: أما حديث علي ﵀؛ فلا دلالة فيه؛ لأنه قال: "هذا عقيل، ما قضي عليه فعلي"، فأخبر أنه إنما يكون عليه ما يقضي به على الوكيل، وعندنا أن الوكيل إذا أقر على موكله؛ لم يقض عليه به، فلم يقض به على الموكل أيضا.
فإن قيل: أليس تسقط بذلك وكالته -عندكم- ويحكم بفسخها، فهلا قلتم إنه يحكم على الموكل بسقوط حقه.
قيل: لنا في فسخ وكالته بإقراره نظر.
وعلى أنه ليس إذا قبل إقراره في حق نفسه؛ قبل إقراره في حق غيره، ألا ترى أنه لو قال: "قد أبرأه الموكل من الحق"؛ سقطت وكالته، لأنه اعترف أنه لا حق هناك، ولم يقبل إقراره على موكله في الإبراء.
وقولهم: "إن الخصومة تتضمن الإقرار والإنكار"؛ فإننا لا نسلم؛ بدليل الخصومة تتضمن الجحود والإنكار (^٢)، والإقرار هو موافقة الخصم وإزالة
_________________
(١) تقدم تخريجه (٦/ ٢٢٢).
(٢) الخصومة تتضمن من جهة الوكيل الإنكار لما عليه من المعونة وحفظ الحق، ومن جهة =
[ ٦ / ٢٤٧ ]
الخصومة، والأمر بالخصومة ينافي ذلك، فصار الإقرار كالإبراء.
فإن قيل: إن الموكل أقامه مقام نفسه في الجواب، والجواب يكون تارة بلا، وتارة بنعم، فيجب إذا أجاب بنعم؛ أن يقبل منه؛ لأن الموكل مكنه من ذلك فأقامه مقام نفسه.
وأيضا فإن من ملك القبض؛ ملك الإقرار بالقبض، أصله الموكل يقر بالقبض.
وأيضا فإن من ملك الاستيفاء؛ ملك الإقرار به، أصله الوصي، والولي، والأمين.
قيل: أما قولكم: "إنه أقامه مقام نفسه في الجواب"؛ فنقول: إنما أقامه مقام نفسه في الجواب الذي هو لا، ولم يقمه مقام نفسه في نعم، ولم يجعل له ذلك؛ لأنه أمره بالخصومة ليحصل الحق لا ليسقطه.
وأما الموكل والوصي والأمين؛ فالمعنى فيهم أنهم يملكون الإقرار بالقبض في غير مجلس الحكم، فملكوه في مجلس الحكم، وليس كذلك الوكيل؛ لأنه لما لم يملك الإقرار بالقبض في غير مجلس الحكم؛ لم يملكه في مجلس الحكم.
فإن قيل: فإن الوكيل ملك التصرف بتمليك مِن الذي يملك الإقرار، فأشبه العبد المأذون له في التجارة يقر باستيفياء دين، وهذا لا يشبهه؛ لأن تصرف المأذون [له] (^١) لنفسه؛ بدليل أن ديونه تختص به ولا يرجع بها عن
_________________
(١) = الموكل الإقرار والإنكار. انظر الحاوي الكبير (٦/ ٥١٤).
(٢) ساقطة من الأصل.
[ ٦ / ٢٤٨ ]
الغير، فأشبه الحر من هذا الوجه.
قيل: أما العبد؛ فعندنا أنه يملك، فإذا أذن له سيده في التجارة؛ [فإقراره بالقبض إقرار] (^١) في ملكه؛ فهو كالحر من هذا الوجه، والوكيل إنما يقر بالقبض في ملك غيره.
فإن قيل: فإن الوكيل بالخصومة يملك ما يقطع به الخصومة، بدليل جواز سماع البينة عليه، وكل من جاز أن يتعلق انقطاع [الخصومة] (^٢) به؛ جاز أن يملك قطعها بإقراره بالاستيفاء كالموكل.
وأيضا فإن الإقرار والإنكار أحد جوابي الدعوة، فإذا ملك الوكيل أحدهما؛ ملك الآخر.
وأيضا فإنه يقبل البينة عليه بالاستيفاء؛ فجاز إقراره فيه، أصله الموكل.
قيل: قولكم: "إن الموكل يملك ما يؤدي إلى قطع الخصومة"؛ فإنه يفسد بوجهين:
أحدهما: إقراره في غير مجلس الحكم.
والآخر: الإبراء.
وأما الموكل؛ فقد قلنا: إنه يملك الإبراء والإقرار في غير مجلس الحكم.
وأما قولكم: "إن الإقرار والإنكار أحد جوابي الدعوى"؛ فإننا نقول:
_________________
(١) في الأصل: بإقراره بالقبض أقر أن.
(٢) زيادة ليست في الأصل، والسياق يقتضيها.
[ ٦ / ٢٤٩ ]
إن الذي يملك منهما بالتوكيل هو الإنكار؛ لأنه يملك في مجلس الحكم وغيره، ولو ملكا الإقرار؛ لاستوى حكمه في مجلس الحكم وغيره، كما استوى حكم الإنكار.
وقولكم: "تقبل البينة عليه بالاستيفاء كالموكل"؛ فقد فرقنا بينه وبين الإقرار في غير مجلس الحكم إن كانت البينة [تسمع] (^١) عليه وعلى الوكيل بالاستيفاء، والوكيل لا يملك الإبراء ولا الإقرار في غير مجلس الحكم؛ فافترقا. والله أعلم.
فإن قيل: فإننا نفرض الكلام في إقرار الوكيل أنه بنفسه استوفى الدين وملكه في يده، ويستدل فيه بما ذكرنا أنه أقر بما يملكه فأشبه المالك، وإذا جاز إقراره بالاستيفاء بنفسه؛ [وجب فيما] (^٢) يتعلق به البراءة، وهذا المعنى موجود في استيفاء موكله.
قيل: عن هذا جوابان:
أحدهما: أن إقرار الوكيل بالقبض وقد ملك في يده؛ لا يقبل عندنا إلا ببينة تثبت لمن عليه الحق أنه قبّضه إياه [في يده] (^٣).
والجواب الآخر: هو أن الموكل لم يوكله في الإقرار عليه، وإنما وكله في الاستيفاء والطلب، فلم يجز إقراره بما يوجب بطلان الحق، أصله إذا أقر في غير مجلس الحكم، وإذا وهب أو كان دم عمد فعفا عنه.
_________________
(١) كلمة غير واضحة بالأصل، وما أثبته أقرب إلى رسمها.
(٢) طمس بالأصل، والمثبت من السياق.
(٣) كلمة عليها طمس شديد بالأصل، والمثبت من السياق.
[ ٦ / ٢٥٠ ]
فإن قيل: فإن الموكل أقامه مقام نفسه في الخصومة والمطالبة من الوجه الذي كان إليه […] (^١) منه لما يتعلق بالخصومات من الإقرار والإنكار […] (^٢) بدليل أنه لم يستثن له حالا، مع علمه أنه يجوز أن يكون […] (^٣) ويسقط حقه.
ويبطل أيضا هذا بإقرار الوصي فنقول: إن الوصي أقامه مقام الصبي في التصرف له فيما يؤدي إلى استيفاء حقه دون الإقرار عليه، وكذلك أمين القاضي وإن أجاز إقرارهما بالاستيفاء.
وعلى أن العفو عن الدم والهبة تبرع، فلا يملكه الإنسان في ملك غيره، يدلك عليه أن الوصي لا يملك ذلك وإن كان إقراره مقبولا في الاستيفاء.
قيل: إن قولكم: "إن الموكل أقامه مقام نفسه ولم يستثن له حال الإقرار" فإنه يلزم في الإبراء وفي الإقرار في غير مجلس الحكم، وهذا لم يستثنه عليه، وقد أقامه مقام نفسه في شيء دون شيء، فإنما هو في الخصومة وما يؤدي إلى الاستيفاء، لا إلى الإسقاط من غير استيفاء.
وقد بينا الفرق بين الوصي والأمين وبين الوكيل بما قدمناه، فأغنى عن إعادته.
وقولكم: "إن العقود والهبة تبرع"؛ فإننا نقول: إن إقراره تبرع؛ لأنه إسقاط [للحق] (^٤) من غير استيفاء كالهبة والعفو.
_________________
(١) كلمة مطموسة.
(٢) طمس بمقدار ثلاث كلمات.
(٣) نصف سطر مطموس.
(٤) في الأصل: والحق.
[ ٦ / ٢٥١ ]
فإن قيل: الفرق بين مجلس الحكم وغيره؛ هو أنه أقامه مقام نفسه في الخصومة، والخصومات تتعلق بالحكام، بدليل أنه لو استخلفه عند غير حاكم؛ لم يقع موقعه، فإذا كان قد أقامه مقام نفسه بحضرة الحاكم؛ جاز إقراره عليه (^١).
قيل: إن الموكل لو أقر بالقبض في غير مجلس الحكم؛ قبل، وهو مخاصم فيما وكل فيه، ولم يقم الوكيل مقامه في إقراره في غير مجلس الحكم.
وأما الموكل أيضا؛ فإنه استخلف خصمه بغير حضرة الحاكم؛ فلم يكن عليه أن يعيد عليه اليمين عند الحاكم، فليس الوكيل كذلك، فبان الفرق من هذا الوجه أيضا.
والله الموفق للصواب.
* * *
* مَسْألة (٣١):
يجوز للأب والوصي أن يشتريا لأنفسهما من مال اليتيم، وأن يبيعا مال أنفسهما بمال اليتيم إذا لم يحابيا أنفسهما، فأما إذا حابيا اليتيم مثل أن يشتري الأب أو الوصي من ماله ما يساوي مائة بأكثر منها، أو يشتري بما يشتري به الأجنبي؛ جاز، وإن كنا نكره أن يفعل ذلك (^٢).
_________________
(١) وأيضا المنازعة في غير مجلس الحكم لغو، ولهذا لا يلزم الخصم الجواب عنها، ولو حلف؛ لم يعتد بيمينه، ولم تسقط الخصومة بها، ومتى أقر في حال لم يقمه مقام نفسه؛ فهنا لم ينفذ إقراره عليه. التجريد (٦/ ٣٠٨٣).
(٢) انظر الكافي (٣٩٦) الإشراف (٣/ ٨٠) المعونة (٢/ ٨٩٢) بداية المجتهد (٥/ ٢٩٩).
[ ٦ / ٢٥٢ ]
وبه قال أبو حنيفة (^١).
وكذلك يجيء في الوكيل، [وإن كان أبو حنيفة يمنع في الوكيل (^٢)، وقول الأوزاعي في الوكيل كقولنا (^٣).
وقال الشافعي: لا يجوز ذلك] (^٤)، [ولا يصح لواحد منهم] (^٥)، وهو مردود (^٦).
والدليل لقولنا عموم قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (^٧).
والمرجع في الأحسن إلى العرف والعادة، ومعلوم أن من باع من نفسه شيئا ليتيم يساوي مائة درهم بمائتين، ووفر ذلك على اليتيم؛ فقد أحسن غاية الإحسان، وكفى ذلك حسنا، ومثل هذا يقبح رده وتخصيصه بخبر واحد أو قياس يمنع من جوازه، لأن كل عاقل مميز يعلم أن اليتيم إذا احتاج إلى بيع شيء له فأعطي به مائة، فاشتراه الوصي بمائتين؛ أنه قد عمل الحسن لليتيم
_________________
(١) وخالفه صاحباه فقالا بقول الشافعي. انظر التجريد (٦/ ٣٠٨٩) الهداية مع تكملة شرح فتح القدير (٨/ ٤٩ - ٥٠).
(٢) وهو رواية عن مالك أيضا كما في بداية المجتهد (٥/ ٢٩٩).
(٣) وهو رواية عن أحمد، واشترط لجوازه شرطين: أحدهما: أن يزيدا على مبلغ ثمنه في النداء. والثاني: أن يتولى النداء غيره. وعنه رواية أخرى مثل مذهب الشافعي. انظر المغني (٦/ ٥٥٧ - ٥٥٩).
(٤) ما بين المعقوفتين ساقط من الأصل، والمثبت من عيون المجالس.
(٥) في الأصل: وإن كان لواحد منهم لا يصح، والمثبت من عيون المجالس.
(٦) الحاوي الكبير (٦/ ٥٣٦ - ٥٣٨) روضة الطالبين (٤/ ٣٠٥ - ٣٠٦).
(٧) سورة الإسراء، الآية (٣٤).
[ ٦ / ٢٥٣ ]
لا محالة، وإنما ولي عليه لحفظ ماله والنظر في مصالحه، وفي هذا حفظ لماله وغاية ما يكون من مصلحته.
وأيضا فإن الله تعالى قال: ﴿وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾ (^١).
فأباحهم أن يخلطوا نفقاتهم بنفقة أنفسهم، وعلم مَن منهم يحابي اليتيم ويرفقه فيكون مصلحا، ومَن منهم يحابي نفسه بالترفيه من مال اليتيم فيكون مفسدا، وإذا أباحهم مثل هذا؛ كان فيما ذكرناه أولى.
وأيضا فإن تصرف الولي من جهة الولاية؛ بدليل أنه يجوز تصرفه بعد موت الموصي، ومن كان تصرفه على اليتيم بالولاية؛ فقد ملك أن يبيع من نفسه ما لم يحابها، أصل ذلك الأب والجد فإنهم وافقونا فيهما (^٢).
وأيضا فإن الإمام يلي على المسلمين في أشياء، فمتى ولي الحق في أن يبيع شيئا من الأموال التي يتصرف فيها ويشتريها لبيت المال أو جهة من مصالح المسلمين؛ جاز أن لا يصرفه من جهة الولاية، وهذا المعنى موجود في مسألتنا؛ لأنه متى باع من نفسه بزيادة على ما يباع به ذلك الشيء زيادة متيقنة؛ [ظهر بذلك] (^٣) منفعة اليتيم، وما حصل بهذه الصفة؛ فتصرفه فيه نافذ، أصله لو باع ذلك من أجنبي، مع أنه يجوز له بيعه من الأجنبي بما لا زيادة فيه متيقنة، فمن نفسه بالزيادة المتيقنة أولى.
_________________
(١) سورة البقرة، الآية (٢٢٠).
(٢) يعني بذلك الشافعية؛ لأن الحنفية موافقون في هذه المسألة، وإنما خالفوا في الوكيل كما تقدم.
(٣) طمس بالأصل، والمثبت من السياق.
[ ٦ / ٢٥٤ ]
وأيضا فإن وصي الأب قد أقامه الأب مقام نفسه؛ فأشبه تصرفه تصرف الأب، وقد جوزتم للأب أن يشتري لنفسه ويبيع من نفسه.
وأيضا فإن الوصي قائم من طريق الحكم مقام الأب؛ فأشبه الجد، والجد يجوز عندكم أن يبيع مال اليتيم من نفسه، ألا تري أن كل واحد من الجد والوصي ولايته منتقلة من جهة الأب، فما يجوز لأحدهما يجوز للآخر مثله.
ونقول أيضا: إنه إذا باع من الأجنبي بمثل القيمة؛ جاز، وأن المنفعة للصغير مطلوبة باجتهاده، وإذا باع من نفسه بزيادة على القيمة؛ فقد حصلت المنفعة بيقين، فإذا جاز تصرفه في الموضع الذي يطلب المنفعة فيه باجتهاد؛ فلأن يجوز فيما تيقنا فيه المنفعة أولى.
وأيضا فإن الغرض من البيع هو حصول الثمن [لا] (^١) أعيان مَن يشتري؛ بدليل أن الوكيل لو اشترى لموكله شيئا ولم يذكر الموكل في عقد البيع؛ صح الشراء، فلو كان غير المشتري مقصودا؛ لم يكن بد من ذكر من يقع له الشراء في العقد، ألا ترى أن النكاح لما كان المقصود منه العين؛ لم يكن له بد إذا وكل في تزويج أن يذكر في العقد عين الرجل، فيجب بحصوله أن يصح، ولا فرق بين أن يكون المشتري هو الوصي أو غيره.
فإن قيل: فقد روي "أن رجلا أوصى إلى رجل وكان فيما خلف دابة، فأراد أن يشتريها، فسأل ابن مسعود فقال: لا" (^٢).
_________________
(١) في الأصل: ألا.
(٢) أخرجه البيهقي (٦/ ٤٦٦) عن صلة قال: "شهدت عبد الله -يعني ابن مسعودـ وأتاه رجل من همدان على فرس أبلق فقال: إن رجلا أوصى إليّ وترك يتيما، أفأشتري هذا الفرس =
[ ٦ / ٢٥٥ ]
وهذا صحابي لا مخالف له (^١).
قيل: هذا الخبر غير معروف، فإن صح؛ فعنه جوابان:
أحدهما: أننا نحن نقول: لا يفعل، فإن فعل؛ نظرنا فيما فعله، فإن لم يحاب نفسه وحابى اليتيم؛ أجزناه، فنحمل قول ابن مسعود على [الكراهية] (^٢).
والجواب الآخر: أن هذا قضية في عين، فيحتمل أن يكون ابن مسعود علم [أن الرجل حابي نفسه فعمل] (^٣) على ظنه ذلك فقال له: لا.
فإن قيل: فإنه يحتمل قبول ممن أوجب الفعل لغيره؛ فوجب أن لا يصح الشراء، أصله لو قال لرجل: بعتك، فقال الآخر: قد قبلت البيع، لأنه إذا قال لرجل: "بعتك عبدي"؛ فقد أوجب له، فإذا قال غير ذلك الرجل: "قد اشتريت"؛ لم يصح؛ لأنه قبول ممن أوجب العقد لغيره، فكذلك الوصي إذا اشترى لنفسه أو الوكيل؛ لأن الموكل إذا قال له "بع"؛ فإنما جعل الإيجاب له، ومعلوم أنه إذا جعل الإيجاب له فإنما يجعل القبول لغيره، لأن الإيجاب وهو قوله "بع" لا يتضمن إلا الإيجاب فقط، والقبول لغير من له الإيجاب؛ بدليل قوله: بعتك عبدي، فإذا اشترى الوكيل لنفسه؛ فقد قبل من أوجب البيع لغيره؛ فوجب أن لا يصح شراؤه.
قيل: إن الموكل إذا قال للوكيل: "قد وكلتك في البيع" أو قال له:
_________________
(١) = أو فرسا آخر من ماله؟ فقال عبد الله: لا تشتر شيئا من ماله، وفي الكتاب: لا تشتر شيئا من ماله، ولا تستقرض شيئا من ماله".
(٢) انظر الحاوي الكبير (٦/ ٥٣٧).
(٣) كلمة غير ظاهر بالأصل، وما أثبته أقرب إلى رسمها وإلى السياق.
(٤) بياض بالأصل، وما أثبته أقرب للسياق.
[ ٦ / ٢٥٦ ]
"بع"؛ إنما أذن له في البيع، ولم يعين له من يشتريه ولا من يقبل، فعلى أي وجه يحصل البيع؛ فقد باع وامتثل ما أمر به، وقد بينا أن الغرض والمقصود هو حصول الثمن، فلم يسلم لهم ما ذكروه؛ لأن [الوكيل] (^١) [حصّل المقصود من] (^٢) البيع، فسواء أوجبه على نفسه أو على غيره.
أما قوله لرجل: "قد بعتك عبدي" فيقول الآخر: "قد قبلت"؛ فإن هذا لم يصح؛ لأن البيع قد تعين على إنسان بعينه، فقبول غيره لا يثبت إلا بوكالة منه، وليس كذلك الموكل؛ لأنه قال له "بع"، ولم يقل له من إنسان بعينه، ألا تري أنه لو عين له فقال له: "بعه من فلان"؛ لم يصح له أن يبيعه من نفسه، فلم يلزم ما ذكروه، وبان الفرق.
فإن قيل: فإن الوكيل يتصرف بإذن الموكل وكله على ذلك، وأقامه مقام نفسه، وقد تقرر أن الموكل لا يبيع [الشيء من نفسه، فكذلك الموكل] (^٣).
قيل: إن الموكل لا يصح أن يبيع الشيء من نفسه؛ لأن المبيع والثمن جميعا ملك له، فكيف يبيع ملكه بملكه، وإذا باع الوكيل من نفسه؛ حصل الثمن للموكل عوضا عن المبيع كما يحصل له من الأجنبي، ألا ترى أن الموكل يصح أن يبيع من الوكيل ومن أجنبي، ولا يصح أن يبيع من نفسه، فسقط ما ذكروه، وعلى أنه يسقط بالأب.
فإن قيل: فإن مقصود البائع هو طلب الزيادة والفضل في الثمن، وطلب
_________________
(١) في الأصل: الموكل، وهو خطأ.
(٢) كلمات لم أتبيها من الأصل، وما أثبته أقرب إلى رسمها وإلى السياق.
(٣) طمس بالأصل بمقدار نصف سطر، والمثبت من السياق.
[ ٦ / ٢٥٧ ]
المشتري الاسترخاص واستنقاص الثمن، فلم يجز أن يكون الشخص الواحد بائعا مشتريا؛ لأنه لا يمكن أن يطلب الزيادة في الثمن، ويطلب نقصانه والغبن فيه، وإذا استحال أن يجتمع المعنيان في الشخص الواحد بائعا ومشتريا؛ [لم يجز أن يبيعه من نفسه] (^١).
قيل: ليس يستحيل ذلك في الشخص الواحد إذا كان المبيع لغيره والشراء له؛ لأنه قد يطلب للبائع الذي هو غيره ما ذكرتموه، ويطلب لنفسه ما ذكرتموه.، فإذا عدل أو [جاء بالموكل] (^٢)؛ حصل الغرض المطلوب للبائع، ألا ترى أن هذا موجود في الأب يشتري من مال ابنه لنفسه.
فإن قيل: فإن الأب لا يطلب الفضل لنفسه مع الابن، ولا يقصد مغابنته (^٣).
قيل: إننا ننظر فيما عمله الوكيل، فإذا لم يحاب نفسه؛ حصل ما يطلبه البائع، وينبغي إذا زاد أيضا على غيره في القيمة أن يجوز، وأنتم لا تجوزونه مع حصول غرض المالك في البيع، فلم يلزم ما ذكرتموه.
وإذا اعتبرنا ما صنعه الوكيل فلم نجده متهما فيما فعله؛ صار في معنى الأب لزوال التهمة عنه في محاباة نفسه، ولا يلزمنا نحن الفرق بين الأب والوصي وبين الوكيل؛ لأن الأمر فيه واحد، وقد قدمنا الكلام على الجميع. والله الموفق.
_________________
(١) ما بين المعقوفتين ساقط من الأصل، والسياق يقتضيه.
(٢) هكذا بالأصل.
(٣) لأنه مجبول بحنوة الأبوة وشدة الميل والمحبة على طلب الحظ لولده، والشح على نفسه في الجمع والاستكثار لولده، ولذلك قال النبي ﷺ: "الولد مبخلة محزنة مجبنة"، فانتفت التهمة عنه في مبايعة نفسه، وهذا المعنى مفقود فيمن عداه، فصار هذا الحكم لاختصاصه بمعناه مقصورا عليه، منتفيا عمن سواه. الحاوي الكبير (٦/ ٥٣٧).
[ ٦ / ٢٥٨ ]
* مَسْألة (٣٢):
إذا وكله في البيع مطلقا وقال له: "بع"؛ [فعندنا أن ذلك يقتضي بيعه بثمن المثل، نقدا بنقد البلد، فإن باعه بمثل ما لا يتغابن الناس في مثله، أو نَساء، أو بغير نقد البلد] (^١)؛ لم يجز بيعه إلا برضا الموكل (^٢).
وبه قال الشافعي (^٣)، وأبو يوسف، [ومحمد، وأحمد،] (^٤) وأبو ثور (^٥).
وقال أبو حنيفة: يجوز أن يبيعه كيف شاء نقدا أو نساء، وبثمن مثله، [ودون ثمن المثل] (^٦)، وبما لا يتغابن الناس بمثله (^٧)، وبنقد البلد وغير نقده (^٨).
فأما إذا وكله في شراء عبد؛ فقد اتفقوا مع أبي حنيفة أنه لا يجوز أن يشتريه بأكثر من ثمن مثله، ولا إلى أجل.
والدليل لقولنا في البيع وأن للمالك الخيار؛ قد تقدم في البيوع، لأنه
_________________
(١) ممحو بالأصل، والمثبت من عيون المجالس.
(٢) انظر الكافي (٣٩٦) الإشراف (٣/ ٨١ - ٨٢) المعونة (٢/ ٨٩٢) بداية المجتهد (٥/ ٢٩٩).
(٣) وفي قول: يصح كل ذلك موقوفا على إجازة الموكل، وهذا هو القول المنقول في بيع الفضولي، والصواب الأول، وعليه التفريع. أفاده النووي في روضة الطالبين (٤/ ٣٠٤).
(٤) ممحو بالأصل، والمثبت من عيون المجالس.
(٥) الحاوي الكبير (٦/ ٥٣٨ - ٥٤٤) روضة الطالبين (٤/ ٣٠٤) المغني (٦/ ٥٨١).
(٦) زيادة ليست في الأصل، والمثبت من عيون المجالس.
(٧) التجريد (٦/ ٣٠٩٩ - ٣١٠١) و(٦/ ٣٠٩١ - ٣٠٩٥) الهداية مع تكملة شرح فتح القدير (٨/ ٥٩) و(٨/ ٨١ - ٨٦).
(٨) لأن من حجته أنه كما أن الرجل قد يبيع الشيء بأقل من ثمن مثله، ونَساء لمصلحة يراها في ذلك كله، كذلك حكم الوكيل؛ إذ قد أنزله منزلته، وقول الجمهور أبيَن. أفاده ابن رشد في بداية المجتهد (٥/ ٢٩٩).
[ ٦ / ٢٥٩ ]
خلاف على الجماعة.
والدليل على عين هذه المسألة؛ هو أنه توكيل في عقد معاوضة؛ فوجب أن لا يجوز فيه التغابن المتفاوت، أصله التوكيل بالشراء؛ لأنه لو وكله بالشراء؛ لم يملك أن يشتري بما لا يتغابن الناس بمثله، فكذلك فيما ذكرناه.
فإن قيل: الفرق بين الموضعين؛ هو أنه إذا وكله بالبيع فإن الموكل يملك السلعة ويملك بيعها نقدا أو نساء، وبثمن مثلها وبأقل وأكثر، فجاز أن يملك وكيله ذلك، وليس كذلك الشراء؛ لأن الموكل لا يملك المشترى ولا أن يشتريه بأقل من ثمن مثله، وإنما يملك أن يشتريه بثمن مثله، فلم يكن لوكيله أن يشتري إلا بثمن مثله كالموكل.
قيل: لا فرق بين الموضعين؛ لأن الوكيل في الموضعين جميعا يتصرف في مال الموكل؛ لأنه إذا وكله بالبيع؛ ملك بيعه، وإذا وكله بالشراء؛ ملك الشراء بماله، و[للموكل] (^١) أن يبيع بثمن مثله وبأقل منه؛ لأن الموكل في نفسه يملك ذلك، فيجب أن يملك الشراء بثمن مثله وبأكثر منه؛ لأن الموكل نفسه يملك ذلك، فلا فرق بينهما.
وأيضا فإن كل جهة إذا ملك بها الشراء لم يجز أن يشتري بأكثر من ثمن مثله؛ فإنه إذا ملك بها البيع؛ لم يجز له أن يبيع بأقل من ثمن موكله، دليله الوصية؛ لأن الوصي إذا أوصى إليه بالشراء؛ لم يملك أن يشتري بأكثر من ثمن مثله، [وإذا أوصى بالبيع] (^٢) إليه؛ لم يملك أن يبيع بأقل من ثمن
_________________
(١) لعل الصواب: الوكيل.
(٢) طمس بالأصل، والمثبت من السياق.
[ ٦ / ٢٦٠ ]
مثله […] (^١) فكذلك الوكيل، بل الوكيل أولى بذلك؛ لأن الوصي آكد وأقوى تصرفا من الوكيل، بدليل أن الوصي لا يملك عزله وصرفه عن تصرفه، والوكيل يملك الموكل عزله عن الوكالة.
وأيضا فإن المحاباة تجري مجرى الهبة؛ بدليل أن المريض إذا باع وحابى في البيع؛ وقف مقدار المحاباة على الثلث، ولو وهب شيئا؛ لكان أيضا كذلك معتبرا من الثلث، ثم قد تقرر أن الوكيل إذا وهب شيئا من المبيع؛ لم يجز، وكان بيعه مردودا، وكذلك محاباته في البيع في بعض الثمن، ولا يدخل على هذا ما يتغابن الناس بمثله (^٢)؛ لأنه مأذون له فيه، فهو كما لو أذن له أن يهب له منه جزءا.
ومما يدل على أنه لا يجوز له أن يبيعه إلى أجل؛ هو أنه لا خلاف أنه لو قال له "بعه نساء"؛ لم يجز، بخلاف لو قال له "بعه نقدا" (^٣)؛ كان له ذلك، وإنما الخلاف فيه إذا أطلق ولم يذكر له نقدا ولا نساء، وقلنا نحن: يقتضي بيع النقد، وقال المخالف: لا يقتضي ذلك، فالذي يقطع الخلاف هو معرفة ما يقتضيه البيع المطلق في الشرع، وقد تقرر أن مطلق البيع الشرعي يقتضي [النقد] (^٤)؛ بدليل أنه لو قال لرجل "بعتك هذا الشيء
_________________
(١) ممحو بمقدار ثلاث كلمات.
(٢) الاعتبار بالغبن عرف الناس في مثل المبيع، وليس له حد مقدر، وقال مالك: حد الغبن في البيوع الثلث فصاعدا لقوله ﷺ: "الثلث والثلث كثير"، وقال أبو حنيفة: حد الغبن نصف العشر فصاعدا؛ لأنه أقل ما يجب في زكوات الزروع والثمار. الحاوي الكبير (٦/ ٥٤٠).
(٣) هكذا بالأصل، ولعل الصواب، لا خلاف أنه لو قال له "بعه نقدا" لم يجز، بخلاف لو قال له "بعه نساء" كان له ذلك.
(٤) في الأصل: التقدير.
[ ٦ / ٢٦١ ]
[نقدا"] (^١)؛ لكان كما قال، ولو قال "بعتك هذا [نسيئة"] (^٢)؛ لكان كما قال، وإذا قال له "بعتك هذا بكذا وكذا" وأطلق ولم يذكر نقدا ولا نساء؛ اقتضى ذلك بيعا بنقد، فثبت أن مقتضى البيع المطلق النقد (^٣)، كحال الموكل مع الوكيل، فقوله له "بع" إذن ببيع مطلق، فوجب أن [يكون ما ينطلق] (^٤) إليه، وهو بيع النقد؛ لأنه أذن له في بيع مطلق، وقد تقرر أن البيع المطلق يقتضي النقد، وإذا اقتضى ذلك؛ لم يجز للوكيل […] (^٥) اقتضاء الإذن؛ لأن قول الموكل "بع"؛ يقتضي قول الوكيل […] (^٦) الأمر.
وأيضا فإن العقد إذا كان الثمن فيه مؤجلا؛ كان […] (^٧) المثمن فيه مؤجلا، فهو بيع بدين، وإذا كان المثمن والثمن معجلين؛ فإن ذلك بيع حاضر، ثم قد ثبت أنه لو وكله بشراء عبد؛ لم يكن له أن يشتريه إلى أجل؛ لأن مقتضى ذلك النقد، ولم يجز أيضا أن يسلم له في عبد، فكذلك إذا أذن له في بيع عبد؛ وجب أن يكون مقتضاه بيعا حاضرا؛ لأنه مطلق، فلا يجوز بيعه بدين.
ومما يدل على أنه لا يجوز أن يبيعه بغير نقد البلد؛ هو أن معرفة النقد لا بد منه، وجهله في عقد البيع يؤذن بفساده، وقد يكون معلوما بالصفة مثل
_________________
(١) ساقطة من الأصل.
(٢) ساقطة من الأصل.
(٣) انظر الحاوي الكبير (٦/ ٥٤٠).
(٤) كلمات لم أتبينها من الأصل، وما أثبته أقرب إلى رسمها وإلى السياق.
(٥) طمس بمقدار ثلاث كلمات.
(٦) سطر ممحو.
(٧) طمس بالأصل، وعبارة صاحب الحاوي الكبير (٦/ ٥٤٠): "الأجل في البيع يدخل تارة في المثمن فيصير سلما، وتارة في الثمن فيصير دينا، فلما لم يجز للوكيل أن يدخل الأجل في المثمن فيجعله سلما؛ لم يجز أن يدخل الأجل في الثمن فيجعله دينا".
[ ٦ / ٢٦٢ ]
أن يقول: "بعتكه بكذا وكذا درهما" […] (^١) فإذا لم يوصف وأطلق العقد؛ انصرف العقد إلى نقد البلد، أو الغالب منه مما تباع به تلك السلعة، فإذا كان في البلد نقد معلوم على صفة واحدة؛ صح العقد، وإن كان مختلفا والغالب منه مما تباع به مثل تلك السلعة [معلوم؛ صح العقد] (^٢)، وإن كان النقد مختلفا كله؛ فسد العقد إلا أن يتبين أي نقد هو من تلك النقود، وإذا قال الموكل "بع"؛ فقد أطلق ولم يصف النقد، فيجب أن ينصرف ذلك إلى نقد البلد، ويتعلق به أو بما ذكرناه من الغالب أن تلك السلعة تباع به، فلا يجوز للوكيل أن يعدل عن ذلك إلا بإذن.
فإن قيل: إن قول الموكل "بع هذه العين"؛ أمر مطلق، وظاهر اللفظ العموم، فعلى أي وجه باع؛ فقد دخل تحت العموم إلا أن يقوم دليل.
قيل: قد بينا أن قوله "بع" يقتضي أن يقول له "قد بعتك" مطلقا، وإذا قال الإنسان "قد بعت سلعتي"؛ اقتضى في الشرع بيع النقد، واقتضى أن يكون بنقد البلد، واقتضى أيضا أن يكون فيه حظ للمالك، إذ الوضع يقتضي أن المالك يطلب للنقد والفضل، ألا ترى أنه لو وكله بالشراء؛ اقتضى في الشريعة أن يشتريه بثمن مثله، [وبما] (^٣) يتغابن الناس بمثله، وعلى الوصف الذي يقوله في البيع.
فإن قيل: الظاهر اقتضى ما يسمى شراء إلا أن يقوم دليل.
_________________
(١) ثلاث كلمات لم تتبين لي.
(٢) زيادة ليست في الأصل، والسياق يقتضيها.
(٣) في الأصل: وإنما.
[ ٦ / ٢٦٣ ]
قيل: ليس الدليل أكثر من حمله على مطلق الشرع، فالبيع والشراء في هذا سواء (^١).
فإن قيل: قول من مكلف، فصح حمله على العموم، أصله قول النبي ﵇؛ لأن قوله إذا احتمل العموم؛ صح حمله عليه، فكذلك في قول الموكل "بع" يحمل على العموم في كل بيع إلا أن يمنع منه دليل.
قيل: هذا باطل في الشراء إذا قال له "اشتر" هو قول من مكلف، ولا يصح حمله على العموم.
فإن قيل: الدليل على أنه يجوز أن يبيع إلى أجل هو أن الأجل شرط يلحق بالعقد، فصح أن يملكه الوكيل، أصله خيار الثلاث.
وأيضا فإن الأجل من صفات العقد، والوكيل يملك صفات العقد، ألا ترى أنه يملك بيعه بدراهم […] (^٢) كما يملك بيعه بدراهم سود، فوجب أن يملك بيعه إلى أجل (^٣).
قيل: قولكم: "إن الأجل شرط يلحق بالعقد فيجب أن يملكه كخيار الثلاث"؛ فإنه باطل بالشراء، فإن الأجل فيه شرط ملحق بالعقد ولا يملكه الوكيل.
على أن المعنى في خيار الثلاث هو أن الوكيل يملكه في الشراء فجاز
_________________
(١) فكما أن إطلاق الإذن بالشراء لا يقتضي عموم الأشرية؛ فكذلك إطلاق الإذن بالبيع لا يقتضي عموم البيوع. الحاوي الكبير (٦/ ٥٤٠).
(٢) كلمة مطموسة.
(٣) انظر التجريد (٦/ ٣١٠٠).
[ ٦ / ٢٦٤ ]
أن يملكه في البيع، وليس كذلك الأجل؛ لأن الوكيل لا يملكه.
[وأيضا فإنه] (^١) باطل به إذا وكله في الشراء؛ فإن الأجل صفة فيه والوكيل لا يمكله.
فإن قيل: فإن عادة الناس في البياعات المخادعة وطلب النقصان في الأثمان، وقد علم ذلك الموكل، فلو كان غرضه مقدارا من الثمن؛ لبينه له، ولأنه سمى ما يصح أن يكون ثمنا في بيعه مال موكله، فأشبه إذا باعه بمثل القيمة.
ولا يلزم على مثل هذا الوصي والأب؛ لأن تصرفهما من طريق الحكم دون الأمر، فلا يعترض على قولنا.
ولا يلزم عنه ما ذكروه في الشراء؛ لأن تصرفه من طريق الحكم دون الأمر؛ بدليل أن أمر الإنسان لا يصح في ملك غيره، ولو جعلناه متصرفا بأمر؛ لصار مأمورا بالتصرف في ملك الغير.
قيل: أما قولكم: "إن عادة الناس في البياعات المخادعة وطلب النقصان في الأثمان"؛ بإزائه أن عادتهم في بيع أملاكهم المخادعة وطلب الزيادة في الأثمان لا النقصان، والوكيل وُكل في البيع الذي عادة الموكل فيه المخادعة وطلب الزيادة في الأثمان، وعلى ذلك دخل الوكيل، فلم يحتج الموكل أن يبين له قدر الثمن لجواز أن يبعه بأكثر منه، ألا ترى أن المشتري عادته المخادعة والاستنقاص في الثمن، فإذا وكل في الشراء؛ دخل الوكيل على ذلك، فلم
_________________
(١) في الأصل: أيضا باطل.
[ ٦ / ٢٦٥ ]
يقدر له مقدار ما يشتري به، فلم يملك أن يشتريه بأكثر من قيمة مثله.
وأما القياس عليه إذا باعه بثمن مثله؛ فإن المعنى فيه هو أن الوكيل لم يحاب، ولا أزال غرض الموكل.
وقولكم: "إنه لا يلزم ذلك الأب والوصي والوكيل بالشراء؛ لأن تصرفهم من طريق الحكم بدليل أن الإنسان لا يملك الأمر في غيره"؛ فإننا نقول: هو إذا أمره بالشراء؛ فقد أمر بالتصرف في ملكه الذي هو الثمن، ومع هذا لم يملكه أن يشتري بأكثر من ثمن مثله، ولو كان هذا صحيحا؛ لكان أيضا إذا وكل في البيع فقد ملكه التصرف في ملك المشتري وهو الثمن، وهذا لا يصح فلما كان إذا وكله في البيع فقد ملكه التصرف في ملك نفسه وهو البيع، وكان في توكيله بالشراء قد ملكه التصرف في الثمن الذي هو ملكه أيضا، ثم لم يجز أن يشتري بأكثر من ثمن مثله؛ لم يجز أن يبيع بأقل من ثمن مثله ولا فرق.
فإن قيل: الشراء المانع منه حق الوكيل وهو التهمة التي تلحقه كذلك عليه أن الوكيل بالشراء ينتقل إليه الشيء، ومن جهته ينتقل إلى غيره، فإذا اشترى بثمن كثير؛ فقد حصل مغبونا فيه، فلو ألزم موكله ذلك بأمره؛ لكان قد تخلص من الغبن، فيحصل متهما في تصرفه في حق الغير.
قيل: مثله سواء في البيع؛ لأن الوكيل يحصل متهما، والثمن الذي ينتقل إليه من جهته ينتقل إلى غيره، فإذا باع بثمن قليل؛ فقد حصل مغبونا فيه، فلو ألزم موكله ذلك بأمره؛ لكان قد تخلص من الغبن، فيحصل متهما في تصرفه في حق الغير ولا فصل.
[ ٦ / ٢٦٦ ]
فإن قيل: فإنه ملك البيع في حق من لا يولي عليه؛ فأشبه المالك في نفسه، فجاز تقليل الثمن.
قيل: عن هذا جوابان:
أحدهما: لا يلزمنا نحن؛ لأن المالك نفسه إذا باع بما لا يتغابن الناس بمثله؛ كان له الخيار في الفسخ أو الإجازة، فله الخيار في بيع وكيله.
والجواب الآخر: هو أنه يبطل بالتوكيل في الشراء؛ لأن الوكيل بائع للثمن، فقد ملك بيعه في جواز من لا يولى عليه، فأشبه المالك بنفسه، فلما بطل هذا في الشراء؛ بطل في البيع.
فإن قيل: لا يقع عليه اسم مشتري إذا هو باع، فلم يلزم ما ذكرتموه.
قيل: أنتم كنتم تطلبون العموم في البيع، والعموم يتناول بيع الثمن كما يتناول بيع المثمن.
فإن قيل: على الوكيل أن يملك البيع بثمن إلى أجل لقوله تعالى: ﴿إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ (^١).
ولم يفرق بين الوكيل والمالك.
قيل: عنه جوابان:
أحدهما: أنه إذا ثبت الدين إلى أجل؛ كتب، وكلامنا في هذا [هل] (^٢)
_________________
(١) سورة البقرة، الآية (٢٨٢).
(٢) ليست في الأصل.
[ ٦ / ٢٦٧ ]
يثبت هذا الدين أم لا؟ فإذا منعنا منه في الأصل؛ لم يثبت ها هنا دين يكتب.
والجواب الآخر: هو أنه خطاب للوكيل، فعليه أن يكتب، أو المندوب أن يكتب، وإذا كتب؛ نظر فيما للبائع، فإن رضي به؛ جاز، وإن أبطله؛ بطل، كما نقول في جهة المشتري، فإن الوكيل إذا اشترى بالدين؛ دخل تحت الآية، ثم لا يلزم موكله ذلك إلا باختياره.
فإن قيل: فإن لفظ البيع لا يخلو إما أن يعتبر ظاهره، أو العادة الجارية في المأمور به، فإن اعتبر ظاهره؛ فإن البيع ظاهر في الحال، والموكل يقال باع مؤجلا وباع حالّا، وإن اعتبر بالعادة؛ فإن الناس يتعارفون البيع المؤجل كما يتعارفون الحالّ، فوجب اعتبار العادة فيهما.
قيل: إن البيع المطلق يعتبر ظاهره في الشريعة ثم العادة تطابقه، فإذا أطلق "فقد باع"؛ اقتضى النقد؛ لأنه إذا باع بالنَساء؛ قيل: قد باع بأجل، فقيد فأخرج عن إطلاقه.
والدليل على ذلك أن البائع إذا قال للمشتري: "هذا الثوب بعشرة دراهم"؛ اقتضى النقد، وإن كان يقال فيه: باع بنقد، وباع بأجل، ألا ترى أن اسم الشراء يصح فيه أن يقال: اشترى بنقد، واشترى بنسيئة، ومع هذا فإذا قال البائع "بعتك" وقال "اشتريت"؛ اقتضى النقد،، ثم كان كذلك في شراء الوكيل، فكذلك يكون في بيع الوكيل، وبالله التوفيق.
* * *
[ ٦ / ٢٦٨ ]
* مَسْألة (٣٣):
ومن كان عليه حق لرجل سواء كان ذلك دينا في ذمته، أو عينا قائمة في يده مثل العارية والوديعة، فجاء رجل وقال له: قد وكلني صاحب الحق عليك في قبض ذلك [منك] (^١)، وصدقه الذي عليه الحق في أنه وكيل، ولم يكن على الوكالة بينة، فهل يجبر الذي عليه الحق على دفع ذلك إلى الوكيل أم لا؟
لست أعرفها منصوصة [لمالك] (^٢)، والصحيح عندي على مذهبه أنه لا يجبر على تسليم ذلك إلى الوكيل (^٣).
وبه قال الشافعي (^٤).
وقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد: إنه يجبر على تسليم ما في ذمته.
وأما الأعيان القائمة؛ فعند أبي حنيفة وأبي يوسف أنه لا يجبر على ذلك.
وقال محمد: يجبر كتسليم ما في الذمة (^٥).
والدليل لما قلناه؛ هو أن الدين ثبت عليه، لا يلزمه دفعه إلى غير
_________________
(١) في الأصل: منه، والتصحيح من عيون المجالس.
(٢) في الأصل: لنا.
(٣) انظر الإشراف (٣/ ٨٢) المعونة (٢/ ٨٩٣).
(٤) الأم (٤/ ٤٨٩) الحاوي الكبير (٦/ ٥٤٤ - ٥٤٦) وإليه ذهب أحمد بن حنبل. انظر المغني (٦/ ٥٥٣ - ٥٥٥).
(٥) التجريد (٦/ ٣١٠٢ - ٣١٠٦) الهداية مع تكملة شرح فتح القدير (٨/ ١٣٠ - ١٣١).
[ ٦ / ٢٦٩ ]
صاحبه إلا بدليل.
وأيضا فإن الدين ثابت في ذمته، وما ثبت في ذمته؛ لا يبرأ منه إلا بإبراء صاحبه أو دفعه إليه، وبدفعه إلى الوكيل لا يبرأ إلا ببينة تثبت بالوكالة، فأما باعتراف من عليه الدين؛ فلا، ألا ترى أن صاحب الحق لو أنكر الوكالة؛ لحلف ولم [يبرأ] (^١) الذي عليه الحق، فلا يلزمه دفعه إلى وكيل لم تثبت وكالته؛ كالأعيان الحاضرة.
وأيضا فإن الذي عليه الحق إذا اعترف بالوكالة من غير بينة عليها؛ فإنه معترف على غيره، فلا يلزمه ما اعترف به على غيره.
ولنا أيضا قوله ﵇: "على اليد ما قبضت حتى ترده" (^٢).
معناه: إلى من قبضته منه، فدليله أنه ليس عليها أن ترده إلى غيره.
فإن قيل: إن المقر بالوكالة مقر بثبوت المطالبة قبله، فوجب أن يلزمه موجب إقراره، مثل من أقر لرجل بدين أن إقراره لما تضمن ثبوت المطالبة له؛ لزمه تسليم المال إليه.
قيل: إقراره بالوكالة من غير بينة لا تتضمن ثبوت حق مطالبته في نفسه؛ لأنه يقول: إنما يثبت لك حق مطالبتي بشيء إذا دفعته إليك وأشهدت به عليك؛ برئت من الحق، كما لو دفعته إلى صاحبه وأشهدت به عليه، لأن
_________________
(١) في الأصل: يبر.
(٢) أخرجه أبو داود (٣٥٦١) والترمذي (١٢٦٦) وابن ماجه (٢٤٠٠) وأحمد (٥/ ٨) وحسنه الترمذي، وقال الحاكم: صحيح على شرط البخاري، وتعقبه الحافظ في التلخيص (٣/ ٥٣) فأعله بالاختلاف في سماع الحسن من سمرة.
[ ٦ / ٢٧٠ ]
الوكيل يقوم مقام الموكل في القبض وإبراء من عليه الحق، فلما كنت لو دفعته إليك لم أبرأ منه لجواز أن ينكر صاحبه الوكالة فيأخذ مني الحق ثَم؛ لم يكن إقراري بالوكالة يثبت لك به حق مطالبتي بذلك.
فإن قيل: الفرق بين الأعيان وما في الذمة؛ هو أن الإقرار بالدَّين اعتراف بثبوت المطالبة قبله، فهو مقر بحق عليه فلزمه، ألا ترى أن ما يعطيه هو غير ماله، ولو حضر الموكل فجحد؛ لكان دينه بحاله كما كان، فأما الأعيان الحاضرة فاعترافه فيها اعتراف على العين، ولو سلمها بحضر […] (^١) وجحد كانت العين التي أخذها الوكيل تالفة، فلم يقبل إقراره في جواز الغير وإن أجاز إقراره على نفسه.
قيل: قولكم: "إن الإقرار بالدين اعتراف بثبوت حق المطالبة قبله"؛ فإننا قد بينا أنه لا يثبت به حق المطالبة قبله، فإنما يثبت على الوجه الذي إذا وقع ما توجبه المطالبة سقط الدين عن الذمة، كما لو دفع إلى صاحبه، فصار ها هنا مقرا في حق الغير فلا يقبل، فلا فرق بين هذا وبين الأعيان الحاضرة، ألا ترى أنه في الجميع يبرأ بالدفع على صاحبه، ولا يبرأ بدفعه إلى هذا الوكيل.
فإن قيل: إن الذي اعترف بالوكالة مقر على نفسه وعلى غيره، فما اعترف به على نفسه؛ جاز، ولا يعتبر فيه جواز أن يحضر الغير فيستحقه، يدلك عليه أن من أقر بعين لإنسان، ثم ادعى أن هذه العين قد ادعاها فلان، وله بينة في ذلك، فأنا لا أسلم مخافة أن يستحقها ويطالبني بها؛ لم يكن له
_________________
(١) كلمة مطموسة.
[ ٦ / ٢٧١ ]
ذلك، وإن كان فلان متى أثبت ما يدعيه؛ لم يبرأ الدافع مما دفعه بنفسه إلى المقر له.
قيل: قد ذكرنا أنه ليس معترفا على نفسه بشيء يلزمه، وإنما هو معترف بجواز تصرف الوكيل في مال الموكل بغير بينة، وإقراره على الموكل لا يقبل؛ لأنه يقول للوكيل: إقراري لك بجواز التصرف وقبض مال الموكل إنما يقبل متى إذا كنت أبرأ بدفع المال إليك، كما أن إقراري لصاحب الحق بدينه يبرئني إذا دفعته إليه، فلما كان دفعي إليك لا يبرئني؛ صار إقراري بالوكالة اعترافا في حق الغير لا اعترافا على نفسي، لأن اعترافي على نفسي بشيء أبرأ به إذا دفعته كما أبرأ بدفعه إلى الموكل، فلما كنتَ لا تقوم مقام الموكل في إبرائي؛ لم يلزمني دفع الدين إليك، فدل على صحة هذا إذا كان للوكيل بينة على الموكل بالوكالة لبرئ الدافع بدفع الحق إلى الوكيل، وبعدم البينة وإقراره لا يبرأ، فلم يجبر على الدفع.
فأما من أقر أن هذه الدار لفلان، ولكن فلان قد ادعاها وله بينة بذلك؛ فإننا نقول: إن فلانا إذا أقام البينة؛ أخذها من يد من أقررت أنت أنها له، وأنت تكون بمنزلة شاهد، فإن لم تقبل شهادتك؛ لم يلزمك شيء، اللهم إلا أن يقر بها الإنسان، ثم يقر بها للآخر، فإنه قد أتلف بإقرار الأول على الثاني ما أقر به، فلزمه ما أتلف بإقراره، وبإقراره بالوكالة نقول: إنما أقر لك بشيء إذا ثبت برئت بالدفع إليك كما لو كانت البينة ثابتة على الوكالة، فأما إذا لم أبرأ؛ فلا يلزمني بإقراري لك بالوكالة شيء؛ لأنه إقرار على غيري، فأخذك ما تستحقه علي فلا يقبل إقراري.
[ ٦ / ٢٧٢ ]
ويجوز أن نقول: إن الذي عليه الحق إنما يلزمه الدفع الذي يبرأ به، ألا ترى أنه لو كان عليه بينة يطالبه صاحبه به؛ لكان له أن يمنعه حتى يحضر تلك الوثيقة وتسقط شهادة الشهود؛ لأن مجرد الدفع لا تبرأ ذمته في الحكم، لأنه متى أراد صاحب الحق بعد قبض حقه أن يقيم عليه البينة ويأخذ حقه منه مرة أخرى؛ أمكنه ذلك، فكان لمن عليه الحق أن لا يدفع إلا دفعا يبرأ به، فكذلك إذا أقر بالوكالة؛ لم يلزمه أن يدفع إلا دفعا تبرأ به ذمته من المطالبة، كما يدفع على صاحبه. والله أعلم.
* * *
[ ٦ / ٢٧٣ ]