إذا جامع الرجل المرأة والتقى ختانهما فقد وجب عليهما الغسل وإن لم ينزلا، وهو مذهب جميع الفقهاء غير داود.
ووجوب الغسل مذهب أكثر الصحابة.
وقد ذهب بعضهم إلى أن الغسل لا يجب إلا بالإنزال، منهم أبي ابن كعب، وسعد بن أبي وقاص، وأبو سعيد الخدري وغيرهم.
[ ٢ / ٦٥٠ ]
والدليل لقولنا: قول الله - تعالى -: ﴿وإن كنتم جنبا فاطهروا﴾، وقوله: ﴿ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا﴾، والمجانبة في اللغة هي المفارقة، وهي كناية عن الوطء، فهو إذا كان مجامعا ثم فارق فقد حصلت المفارقة، سواء أنزل أو لم ينزل، فهو عام في كل مجامع فارق إلا أن يقوم دليل.
وهذا قول النبي ﵇: (الكذب مجانب الإيمان)، أي مفارقه.
فإن قيل: قوله - تعالى -: ﴿فاطهروا﴾ و﴿حتى تغتسلوا﴾ يفيد طهارة ما، وغسلا ما، لا يدل على غسل جميع البدن، ونحن نوجب عليه غسلا ما وهو الوضوء.
قيل: هذا غلط؛ لأن الله - تعالى - فرق بين الوضوء وبين الغسل والتطهير، فقال في آية الوضوء: ﴿إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم﴾، حتى ذكر الأعضاء، ثم لما ذكر الجنابة غير اللفظ، فقال: ﴿وإن كنتم جنبا فاطهروا﴾، وقال: ﴿حتى تغتسلوا﴾، فعلمنا أن الثاني غير الأول.
[ ٢ / ٦٥١ ]
ومن جهة اللغة أيضا لا يعقل من قول القائل: قد اغتسل، غسل بعضه، وإنما يعقل منه غسل جميع بدنه.
وكذلك حكت عائشة - رضي اله عنها - أن النبي ﵇ كان إذا كان جنبا يتوضأ وضوءه للصلاة، ثم يخلل أصول شعره بالماء، ثم يفيض على سائد جسده، فعبرت عن فعله بلفظ الجنابة التي هي المفارقة ثم وصفت فعله وأن فيه غسل جميع البدن.
ولنا أيضا: ما رواه سعيد بن المسيب أن أبا موسى الأشعري ﵁ سأل عائشة ﵂ عن التقاء الختانين، فقالت: قال رسول الله ﷺ: (إذا التقى الختانين فقد وجب الغسل).
[ ٢ / ٦٥٢ ]
وأيضا: ما رواه الحسن عن أبي رافع عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: (إذا قعد أحدكم بين شعبها الأربع وألصق جناحيه بجناحيها فقد وجب الغسل، وأنزل أو لم ينزل)، وهذا نص قد ذكره أبو داود.
وقد روي مثل هذا عن عائشة أنها قالت: إذا قعد بين شعبها الأربع، ومس ختانه ختانها فقد وجب الغسل.
[ ٢ / ٦٥٣ ]
فإن قيل: فإنه لم يذكر في هذه الأخبار غسل جميع البدن، وإنا فيها ذكر الغسل، فإذا توضأ تناوله اسم الغسل.
قيل: عنه جوابان:
أحدهما: أن الألف واللام في الغسل للجنس. فقوله (وجب الغسل) يوجب جميع الغسل، قليله وكثيره إلا أن يقوم دليل.
والجواب الآخر: هو أن إطلاق الغسل يقتضي غسل جميع البدن لا غسل أعضائه مخصوصة، وقد فرق بين اسم الوضوء واسم الغسل.
وأيضا ما روي عن عائشة قالت: قال النبي ﵇: (إذا التقى الختانان وجب الغسل)، ثم زادت بيانا فقالت: فعلته أنا ورسول الله فاغتسلنا. وعائشة رائية ومباشرة بذلمك، فقد أخبرت بحقيقة الباطن فيه.
فإن قيل: إن هذا الحديث موقوف عليها.
وأيضا فإن إضافة الفعل إليها لا يلزم لو صح، فنحن نحمله على الوضوء أو على الاستحباب؛ بدليل ما روي عن عثمان ﵁ أنه سئل عن الذي يجامع أهله فلا ينزل، قال: ليس عليه إلا الوضوء، هكذا سمعت رسول الله ﷺ.
[ ٢ / ٦٥٤ ]
قيل: أما قولكم: إن الحديث موقوف على عائشة فقد أسندته، وأبو هريرة معها. وأما إضافة الفعل إليها فإنه لم يتجرد حتى أضافته إلى رسول الله ﷺ، والصحابي إذا حكى أن النبي ﷺ فعل هذا ففعل من أجله كذا، فهو كأن النبي ﷺ قال: فعلت كذا ففعلت لأجله كذا، وهو مثل قول الراوي: سها النبي فسجد، وزنا ماعز فرجمه.
وأما حديث عثمان ﵁ فيمن جامع، فلفظ المجامعة يفيد المباشرة، مأخوذ من الاجتماع، فهو اجتماع البشرة مع البشرة، وليس فيه ذكر الجنابة، ولا ذكر الإيلاج، ونحن نقول بموجبه، والحديث الذي فيه التقاء الختانين بين صريح في موضع الخلاف، فأحسن أحوال حديث عثمان أن يكون عموما في كل مجامع، وخبر الختان أخص من هـ فيقتضي عليه.
[ ٢ / ٦٥٥ ]
فإن قيل: فقد روي أبو سعيد الخدري أن انبي ﵇ قال: الماء من الماء يعني الاغتسال من الإنزال، فجعل جنس الماء إنما هو من الإنزال، فصار كأنه قال: لا ماء إلا من الماء.
وروي أبي بن كعب أن رسول الله ﷺ قال: (إذا جامع أحدكم ولم يمن فلا غسل عليه)
وروى أبو سعيد الخدري أن النبي ﵇ قال: (إذا أكسل أحدكم ولم يقحط فلا غسل عليه) لا، فقوله: (أكسل) أي انقطع جماعه، وقوله: (ولم يقحط) أي لم ينزل.
[ ٢ / ٦٥٦ ]
قيل: أما الخبر الذي فيه: (الماء من الماء)، فقد روى أبو حازم عن سهل بن سعد الساعدي عن أبي بن كعب أنه قال: الماء من الماء رخصة رخصها النبي ﷺ في بدء الإسلام، ثم أمر بالاغتسال.
وعلى أن دليل الخطاب من قوله (الماء من الماء) عموم تقديره: إن الماء لا يجب من غير الماء إلا أن يقوم دليل، وقد ذكرنا قوله: (إذا التقى
[ ٢ / ٦٥٧ ]
الختانان وجب الغسل)، فصار تقديره: الماء من الماء ومن التقاء الختانين.
وقوله: (إذا جامع أحدكم ولم يمن فلا غسل عليه)، فقد ذكرنا أن ظاهره اجتماع البشرتين بغير إيلاج.
وعلى أن قولنا: إذا التقى الختانان أخص منه فيقضي عليه.
وأما الخبر الذي قيل فيه: (إذا أكسل أحدكم ولم يقحط فلا غسل عليه) فعنه أجوبة.
فأحدهما: أنه قد روى أبو الزبير عن جابر عن أم كلثوم عن عائشة ﵂ أن رجلا سأل النبي ﷺ عن الرجل يجامع
[ ٢ / ٦٥٨ ]
أهله ثم يكسل، هل عليه غسل؟. فقال: (نعم، إني لأفعل ذلك فأغتسل)، وهذا ضد ذلك.
وجواب آخر: وهو أنه يحتمل أن يكون جامع البشرة بالبشرة، ثم يكسل فتلحقه الفترة التي في اللذة فلا ينزل، ولم يكن قد أولج. فأما الإكسال مع الإيلاج ففيه الغسل بخبر عائشة أن النبي ﵇ قال: (إني لأفعل ذلك فأغتسل)
وجواب آخر: وهو أن أخبارهم تقتضي ألا غسل، وأخبارنا تقتضي الغسل، ففيها زيادة حكم فهي أولى.
ونجعل أخبارهم منسوخة أيضا؛ لأن أخبارهم متقدمة، وأخبارنا متأخرة.
والدليل على أن أخبارهم منسوخة متقدمة: ما رواه محمود بن لبيد قال: سألت زيد بن ثابت عمن أولج ولم ينزل. فقال: يغتسل.
[ ٢ / ٦٥٩ ]
فقلت: إن أبيا كان يقول: لا يغتسل. فقال: إن أبيا ﵀ كان قد نزع عنه قبل أن مات. أي رجع، فدل على أن ما ذكروه متقدم في أول الإسلام.
ولنا أيضا أن نقول: إن طريق الإجماع فيه وجهان:
أحدهما: أن الصحابة ﵃ لما اختلفت في هذه المسألة، فقال الأكثرون: فيه الغسل. وقالت الأنصار: لا يجب، والماء من الماء، ثم أرسلوا إلى عائشة ﵂ بأبي سعيد الخدري حتى سألها عن ذلك، فقالت: قال رسلول الله: (إذا التقى الختانان وجب الغسل). فعلته أنا ورسول الله ﷺ فاغتسلنا. فرجعوا إلى قولها، حتى قال عمر ﵁: لو خالف أحد بعد ها جعلته نكالا. وقال لزيد ابن ثابت: إن أفتيت بعد هذا بخلافه وتوعده.
[ ٢ / ٦٦٠ ]
وروي عن علي ﵁ أنه قال: كيف توجبون فيه الحد، ولا توجبون فيه صاعا من ماء؟.
[ ٢ / ٦٦١ ]
والوجه الثاني: هو أن المسألة متى كانت على وجهين بعد انقراض الصحابة ثم أجمع العصر الثاني من التابعين بعدهم على أحد القولين كان ذلك مسقطا للخلاف قبله، ويصير إجماعا، وإجماع الأعصار عندنا - حجة كإجماع الصحابة.
ثم لو تعارضت الأخبار لكان ما ذهبنا إليه أولى؛ لاستناده إلى أقاويل الأئمة مثل: عمر وعلي، والإنكار منهم ولشهادة الأصول باستدلال وقياس.
[ ٢ / ٦٦٢ ]
فأما الاستدلال فهو أن الحد يسقط بالشبه ويحتاط والغسل يجب على وجه الاحتياط وبالشباهة، فإذا تعلق الحد بهذا الفعل فلأن يتعلق به الغسل أولى.
وأيضا فإن النوم لما كان حالا لا يؤمن معه الحدث جعل المتيقن في وجوب الطهارة، فجاز أن يجب الغسل في مسألتنا؛ لأنه غاية ما تطلب به الشهوة فأشبه الإنزال.
وأيضا: فإن الوطء يتعلق به فساد الحج والصوم والكفارة، وتكملة المهر والحد والحصانة، وتحريم الربيبة والخروج من الإيلاء وبطلان العدة، والتحليل للزوج الأول، ولما استوى في جميع هذه الأشياء والإنزال وغير الإنزال، فكذلك الاغتسال، بل هو آكد.
وأما من جهة القياس فنقول: هو حكم يتعلق بالجماع فلا يعتبر فيه الإنزال كالحد والإحصان.
ونقول أيضا: إن الأحكام التي تجب في الإيلاج مع وجود الإنزال هي في الإيلاج بلا إنزال آكد منها في الإنزال دون الإيلاج؛ وذلك أن الإيلاج يتعلق به جميع الأحكام التي تتعلق به إذا وجد معه الإنزال، من الحصانة والحد وغير ذلك من الأحكام، فيجب أن يتعلق وجوب الغسل عليه كما يتعلق على المولج سائر الأحكام.
ويجوز أن نقول: كل الإيلاج في فرج يتعلق به الحد والحصانة وتكملة المهر يجب فيه الغسل. أصله إذا أولج فأنزل.
[ ٢ / ٦٦٣ ]
فإن قيل: فإن للإنزال في الغسل مزية ليست للإيلاج والمنفرد؛ لأن الإنزال يوجب الغسل في النوم واليقظة؛ وخارج الفرج وداخله، وليس الإيلاج كذلك؛ لأنه لو أولج في النوم ولم ينزل لم يجب الغسل، ولو أنزل ولم يولج وجب عليه الغسل.
قيل: الإيلاج لقوته في اليقظة وتعلق سائر الأحكام به هو كالإيلاج الذي يقارنه الإنزال، وما أوجب الأحكام التي ذكرناها آكد مما لم يوجب بانفراده إلا الغسل، فيجب أن يكون في وجوب الغسل أولى.
وعلى أن الإيلاج في النوم ليس هو شيئا موجودا حقيقته، والإيلاج في اليقظة هو موجود وحقيقة، فهو كوجود الإنزال حقيقة، فعلى أي وجه وجد الإنزال حقيقة وجب الغسل، وعلى أي وجه وجد الإيلاج حقيقة وجب الغسل، والله أعلم.
[ ٢ / ٦٦٤ ]