خروج المني غير مقارن للذة لا يوجب الغسل عندنا، وعند أبي حنيفة، سواء كان قبل البول أو بعده. فإذا اغتسل من الجنابة ثم خرج منه مني بعد ذلك لم يجب فيه الغسل.
وقال الأوزاعي: إن كان قد بال ثم خرج منه لم يعد الغسل، وإن خرج منه قبل البول أعاد.
وقد حكي عن أبي حنيفة مثل هذا.
[ ٢ / ٦٦٥ ]
وعند الشافعي أنه يعيد الغسل سواء خرج قبل البول أو بعده.
والدليل لقولنا: استصحاب الحال، وكونه على جملة الطهارة قبل خروج هذا منه، فمن زعم أن طهارته انتقضت فعليه الدليل.
فإن قيل: هو غير متطهر - عندكم -؛ لأن الوضوء واجب.
قيل: عنه جوابان:
أحدهما: أن من أصحابنا من قال: الوضوء مستحب وإلا فهو طاهر.
والجواب الآخر: هو أننا قلنا: هو على طهارة، وإطلاق هذا على من اغتسل من الجنابة؛ لأن الله - تعالى - قال: ﴿وإن كنتم جنبا فاطهروا﴾، ولم نقل: انتقض وضوؤه، وإنما قلنا: هو على جملة الطهارة بغسل الجنابة المتقدم.
[ ٢ / ٦٦٦ ]
ولنا أن نقول: قد اغتسل، من زعم أن الغسل من هذا الخارج يجب فعليه الدليل.
فإن قيل: الصلاة عليه بيقين، من زعم أنها تسقط عنه بغير غسل من هذا المني عليه الدليل.
قيل: عنه جوابان:
أحدهما: أن الصلاة واجبة عليه على شرط أن يؤديها بطهارة مأمور بها من جهة الشرع، وقد اغتسل من المني كما أمر، فمن زعم أن طهره بعد ذلك قد انتقض فعليه الدليل.
والجواب الآخر: هو أننا نوافقهم على أن الصلاة واجبة عليه، وأنها تسقط عن ذمته على شرط ما نقوله. فأما على شرطكم فإننا نخالفكم فيه.
ولنا ظواهر آخر: مثل قوله ﵇: (لا صلا إلا بطهور)، وهذا قد تطهر بالغسل الأول، فمن زعم أن عليه طهارة احتاج إلى دليل.
وأيضا قوله: (وإنما لامرئ ما نوى)، وهذا إذا صلى ونوى الصلاة فله ما نواه إلا أن يقوم دليل.
وأيضا قوله: (لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب)، دليله الصلاة
[ ٢ / ٦٦٧ ]
تصح بفاتحة الكتاب، وهذا قد صلى وقرأ فاتحة الكتاب، فنفرض المسألة فيه إذا صلى وقرأ بغير غسل.
ونقول أيضا: إن هذا خارج من غير لذة الجماع، ولا دفق فلا يصير جنبا، أصله المذي.
وأيضا: فإن المذي من أجزاء المني إلا أنه جزء رقيق، وإن كان يوجب الوضوء، المني يوجب الاغتسال، وليس ههنا معنى يفرق بينهما إلا خروج المني مقارن للذة المخصومة، والمزي لغير لذة الجماع، فدل على أن الجنابة تتعلق بالمعنى الذي ذكرناه من خروجه على الشهوة والدفق.
وأيضا فإن أصل هذا الباب ما بيناه في خروج الأحداث على وجه المرض؛ لأن خروج المني موضوع على مقارنة اللذة المخصوصة، فإذا خرج على أصله وعادته فهو مرض كدم الاستحاضة. ألا ترى أن دم الحيض يوجب الغسل، فإذا خرج عن عادته سقط الغسل، فكذلك خروج المني مقارنا للذة يوجب الغسل، فإذا خرج عن عادته سقط الغسل.
فإن قيل: فقد قال ﵇: (الماء من الماء)، فأوجب الغسل من خروج الماء فهو عموم.
وسألته ﵇ أم سليم عن المرأة ترى الماء في نومها. فقال: (إذا رأت الماء اغتسلت)، ولم يخص ما تقارنه اللذة من غيره.
[ ٢ / ٦٦٨ ]
قيل: أما قوله: (الماء من الماء) فعنه جوابان:
أحدهما: أنه من قول الأنصار لا من قول النبي ﵇؛ بدليل ما روي عن عمر ﵁ أنه سأل الأنصار عن ذلك. قالوا: كنا نقول ذلك في بدء الإسلام. فقال لهم عمر: أسمعتم ذلك من رسول الله ﷺ وأنه فرضه من الحكم؟. فقالوا: لا. فقال: فلا إذن.
والجواب الآخر: وهو أن إطلاق اسم الماء لا يتاول المني؛ لأن اسم المني أخص به، وإنما يتناوله اسم الماء مجازا، واللفظ محمول على الحقيقة دون المجاز، فيجب أن يرجع إلى معناه دون الحكم بظاهره،
[ ٢ / ٦٦٩ ]
ومعنى ما قالت الأنصار: الماء من الماء بمعنى أن الاغتسال من الإنزال، والإنزال لا يطلق فيما خرج على غير وجه اللذة والدفق، وكلام النبي ﵇ يتوجه إلى ما خرج على العادة، وكذلك خرج كلامه في سائر الأحداث التي هي معتادة، كما حكم في الحيض وغيره، ثم لما سئل عما خرج عن العادة من دم الاستحاضة فرق بينه وبين دم الحيض.
فإن قيل: فإنه إنزال فوجب أن يتعلق به الغسل، كالإنزال المقارن للذة.
وأيضا: فإن المني يوجب الطهارة العليا، والبول يوجب الطهارة الصغرى، ثم لو بال الرجل بعض البول وبقي البعض ثم توضأ، ثم أرسل باقي البول وجب عليه أن يعيد الوضوء، وإن كان ذلك البول من بقية ذلك البول كالمني.
قيل: أما القياس على المني للذة فالمعنى في الأصل أنه خارج على وجه العادة، فهو كالحيض، وإذا خرج عن وجه العادة لم يجب الغسل كدم الاستحاضة، وهذا هو الاعتبار الصحيح، وقد قسناه على المذي وهو به أشبه.
وما ذكروه من البول، فعروضه من مسألتنا أن تبقي من المني بقية تخرج مقارنة للذة، كما خرج بقية البول على عادته. وعروض مسألتنا من البول أن يسلس بوله فيخرج عن عادته، فلا يجب عليه الوضوء - عندنا -.
فإن قيل: فإنه خارج من مخرجه، وهو مما يخلق منه الوالد، فأشبه ما خرج منه على وجه اللذة.
[ ٢ / ٦٧٠ ]
قيل: إنه لا معتبر بكون الماء مما يخلق منه الولد؛ بدليل أن ما الخارم والمجبوب وما العقيم لا يكون منه الولد - عندكم - في العادة، وإن كن خروجه على وجه الدفق واللذة، وهو مع هذا يوجب الغسل، فدل ذلك على أن اعتبار ما ذكرناه هو الصحيح، دون خلق الولد.
فأما الكلام على الأوزاعي، وعلى ما حكي عن أبي حنيفة، فإننا نورد عليه الظواهر التي تقدمت.
وأيضا فلا فرق بين ظهوره قبل البول وبعده؛ لأنه خرج عن عادته وموضوعه من مقارنة اللذة، كما لا فرق بين خروج دم الاستحاضة على أي وجه خرج؛ لخروجه عن العادة.
ونقول: هو ضرب من المني خرج غير مقارن للذة فأشبه خروجه بعد البول.
فإن قاسوه على المني المعتاد انتقض عليهم به إذا خرج بعد البول.
فإن قيل: إنه إذا خرج بعد البول فالظاهر منه أنه لم يحصل من الإنزال الأول، وإنما حصل إنزالا بغير دفق ولا شهوة. ألا ترى أنه لو كان من الأول لم يجز بقاؤه مع خروج البول، وإذا خرج قبل البول فهو
[ ٢ / ٦٧١ ]
من الإنزال الأول، والغسل يجب بظهور ذلك من بدن الإنسان، فإذا ظهر قبل البول حكمنا بوجوب الاغتسال بالسبب المتقدم.
قيل: أما قلوكم: إنه إذا خرج بعد البول لم يكن من المني الأول وليس كذلك قبل البول. فعنه جوابان.
أحدهما: أنه يجوز أن يتولد بعد انقطاعه قبل البول، كما يتولد بعد البول؛ لخروجه عن صفة الأول المقارن للذة.
والجواب الآخر: هو أنه إذا ظهر قبل البول فإنه لا حكم له لعدم اللذة وإن كان الأول قد مضى على صفته، فلو أن هذا بقية الأول لوجب أن يكون فيه شيء من اللذة، فلما عدمت اللذة منه جملة فارق حكمه حكم الأول وإن كان ضربا من المني. ألا ترى أن المذي هو ضرب من المني؛ لأنه يتولد عن الشهوة، فإذا كان المذي هو ضرب من المني يتولد عن الشهوة، مع هذا لا يوجب الغسل، فالمني الذي هذه صفته، وإنما هو ضرب من ذلك المني غير أنه لا شهوة معه، ولم يخرج ملتذا به أولى أن لا يجب فيه الغسل، والله أعلم.
فإن قال قائل ممن لا يفصل بين قبل البول وبعده: وجدنا الصائم ممنوعا من الأكل وهو يفسد، وكذلك يفسده الإنزال للذة في اليقظة على وجه، ثم لو أكل شيئا غير ملتذ، وأنزل فيه غير ملتذ عند مباشرة لكان مفسدا لصومه وعليه القضاء، ولم يجز أن يقال: إن موضوع ذلك على الانتفاع بما يأكله، وكذلك لو بلع حصاة، فكذلك لا ينبغي أن تراعى في مسألتنا اللذة.
[ ٢ / ٦٧٢ ]
قيل: إن الصوم هو الإمساك عن الأكل الذي يحصل به ضرب من الغذاء أو ما يقوم مقامه مما يصل إلى الجوف، فعلى أي وجه حصل فهو ضد الإمساك. والصائم أيضا ممنوع من الجماع والمباشرة التي يقارن بها الالتزاز والإنزال، وقد يخرج أيضا منه المني ولا ينقض صومه مثل المحتلم، ومن كانت منه نظرة فأنزل.
وكذلك إن خرج منه المني المتعري من اللذة لم يفسد صومه، ولم يجب فيه غسل، وإن كان على وجه اللذة وجب فيه الغسل، ولم يفسد صومه في مواضع، فعلم أن الصوم ليس بأصل لمسألتنا، وهذا كدم الحيض والاستحاضة، فإن الصوم يفسد مع وجود الحيض، ولا يفسد مع دم الاستحاضة.
فإن قيل: اتفقنا على أن الغسل يجدب بشيئين: أحدهما: الإنزال والثاني: التقاء الختانين. ثم اتقنا على أن التقاء الختانين قد استوت فيه اللذة وعدمها، فكذلك ينبغي ان يكون الإنزال.
قيل: إن الغالب من أمر الصحيح أنه لا يبلغ إلى الإيلاج إلا وقد
[ ٢ / ٦٧٣ ]
أخذ غاية من الالتزاز التي هي أبلغ من الجسة والقبلة. ثم إن للإيلاج من الأحكام ما ليس للإنزال المتعري من الإيلاج، فلغلط أمر الإيلاج وتحصين الفرج لزمت فيه تلك الأحكام، فكان الغسل من جملتها، ولما سقطت تلك الأحكام في الإنزال بغير إيلاج افترق الحكم فيه بين خروجه مقارنا للذة وبين عدمها، والله أعلم.
[ ٢ / ٦٧٤ ]