عند مالك ﵀ أن المياه كلها طاهرة مطهرة، قليلها وكثيرها، من ماء بحر أجاج، أو عذب، لا يغيره عن طهارته وتطهيره شيء يخالطه من غير قراره إلا ما غير طعمه أو لونه أو ريحه.
فإن خالطه شيء طاهر من غير قراره وغلب عليه فهو طاهر غير طاهر ولا مطهر، قليلا كان الماء أو كثيرا.
وأجمع فقهاء الأمصار أن مياه البحر عذبها وأجاجها بمنزلة واحدة في الطهارة والتطهير، إلا ما حكى عن قوم أنهم لا يجيزون التوضؤ بماء البحر.
والمروي عن أبي بكر وعمر ﵄ وابن عباس
[ ٢ / ٦٩٣ ]
وغيرهم ﵃ أنه لا فرق بين مياه البحار وغيرها.
وقد حكي عن أبي هريرة وعبد الله بن عمرو وعبد الله بن عمر ﵃ أنهم قالوا بالتيمم مع وجوده.
وقال عبد الله بن عمرو: والتيمم أحب إلي منه.
وقد حكي عن بعض الناس أنه أجاز التوضؤ به عند الضرورة.
[ ٢ / ٦٩٤ ]
والدليل لما عليه الجماعة: قول الله - تعالى - ﴿وينزل عليكم من السماء ماءا ليطهركم به﴾، وطهور اسم للطهارة يطهر غيره.
وأيضا قول النبي ﵇ في البحر: هو الطهور ماؤه والحل ميتته)، وقال هذا حين قيل له: إننا نحمل معنا القليل من الماء ونحن في البحر، فإن توضأنا به عطشنا، أفنتوضأ بماء البحر؟. فقال: (هو الطهور ماؤه الحل ميتته).
[ ٢ / ٦٩٥ ]
وأيضا ما روي عنه عليه السلم أنه قال: (خلق اله الماء طهورا لا ينجسه شيء ما غير طعمه أو لونه أو ريحه) ى. وهذا عام في كل ماء.
وأيضا ما روي عنه ﵇ أنه قال: (من لم يطهره البحر فلا طهره الله).
وهذه الآيات والأخبار بعضها عام في جميع المياه لم يخص بها
[ ٢ / ٦٩٦ ]
ماء بحر من غيره، وبعض الأخبار خصوص في ماء البحر.
فإن قيل: كيف جعلتم طهورا بمعنى مطهر؟، وإنما الطهور هو الطاهر في نفسه، ولا يعقل منه أنه مطهر إلا بدلالة. والدليل أن الطهور بمعنى طاهر: قوله - تعالى -: ﴿وسقاهم ربهم شرابا طهورا ﴿. بمعنى طاهر؛ لأننا نعلم أنه ليس في الجنة عبادة حتى يكون الطهور مطهرا لغيره.
قيل: قد ذكرنا قوله - تعالى -: ﴿وينزل علكم من السماء ماء ليهركم به﴾، يبين أن قوله: ﴿طهورا﴾ بمعنى مطهر.
والحدث الذي ذكرناه في ماء البحر يدل على ذلك أيضا، لأنه ﵇ قال: (توضؤوا فهو الطهور ماؤه الحل ميتته).
وأيضا فإنه صحيح على ما قلناه؛ لأن طهورا عند أهل اللغة اسم لما يتطهر به، كقولهم: سحور اسم لما يتسحر به، وسعوط لما يستعط به، ولو كان بمعنى طاهر لقيل لكل شيء طاهر: فكان يقول للإنسان: طهور، ويستمر هذا في الثوب واللحم والخل وغير ذلك، لا يقوله أحد.
[ ٢ / ٦٩٧ ]
وأيضا فإنه لا يكون للماء خصيصة من غيره من المائعات لو قيل فيه: ماء طاهر، فخص هذا الاسم الذي هو طهور ليبين به سائر الأشياء، ومن المائعات التي هي طاهرة غير مطهرة، ثم يستفاد به فائدة أخرى تزيد على كونه مطهرا، وهي المبالغة في تطهيره حتى إنه يتكرر من التطهير لغيره، كما قيل: رجل شكور وصبور، وسيف قتول، وهذا اسم موضوع لمن يتكرر منه الفعل، فحصل في طهور فائدتان: إحداهما: كونه مطهرا لغيره، والأخرى: تكرار ذلك منه.
فإن قيل: فقد حصلت في هذه ثلالثة ألفاظ طاهر وطهور ومطهر، فإذا جاز لكم أن تحملوا طهورا ومطهرا على معنى واحد.
قيل: إنما نحمل طاهرا على العموم في الماء وسائر الأشياء، ونحمل طهورا ومطهرا على أنهما يفعلان الطهارة في الغير، وتكون كل لفظة منها وإن كانت مشاركة لصاحبتها مرجحة على الأخرى. ففي اسم طهور مبالغة فوجب تكرار الفعل، وأنتم إذا حملتم طاهرا وطهورا على معنى واحد أسقطتم فائدة تطهيرة لغيره، وفائدة التكرار، ولم تجعلوا للماء مزية على غيره من الأشياء الطاهرة، ونحن نعلم أن الله - تعالى - قد خص الماء من بين غيره بقوله: ﴿وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به﴾.
وجواب آخر: وهو أننا قد اتفقنا على أنه يجوز أن نسمي المطهر طهورا، فإذا وقع النزاع في لفظة، فقلتم: المراد طاهر، وقلنا نحن: المراد مطهر. فإنهما لا يتنافيان، فهو طاهر مطهر، وكل مطهر طاهر،
[ ٢ / ٦٩٨ ]
وليس كل طاهر مطهرا. ثم مع هذا فإن جميع ما أطلق في هذا الباب في الشرع إنما يقتضي المطهر للغير، فمن ذلك: قول النبي ﷺ: (جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا)، فأرد أن الأرض لي مطهرة ولم يرد أنها لي طاهرة، ولو كان كذلك لم يكن موضع فضيلة.
ومن ذلك: قوله ﵇ في البحر، وقد سئل عن التوضؤ بمائه: (هو الطهور ماؤه الحل ميتته)، فخرج جوابه عما سئل عنه من الطهر به.
وأما ما ذكروه من قوله - تعالى -: ﴿وسقاهم ربهم شرابا طهورا﴾، وأنه ليس في الجنة عبادة، فنقول: إن الآية توجب أن يكون الشراب طاهرا في نفسه مطهرا لغيره، وليس إذا لم تكن على أهل الجنة عبادة ما يجب أن نسلب الماء صفته.
ثم إنه ينقلب عليهم في طاهر إن كان هذا معناه - عندهم -؛ لأنه إنما يقال: طاهر ونجس في موضع العبادة، فإذا لم تكن هناك عبادة وقد ذكر الطاهر جاز أن يخبر عن تطهيره لغيره وإن لم تكن هناك عبادة، وإنما أرد - تعالى - أن يخبرهم أن لهذا الشراب فضيلة تزيد على شراب الدنيا، وهو مما لو تعبدتكم بعبادة لجاز أن تتقربوا إلى باستعماله، كما أني في دار الدنيا جعلت للماء فضيلة على غيره، وهو أنه يطهركم، فكذلك لسائر أشربة الجنة فضيلة على سائر أشربة الدنيا.
[ ٢ / ٦٩٩ ]
وجواب آخر: وهو أنه - تعالى - أراد أن يصف لنا شراب الجنة بشيء مما نعرفه بيننا، ووجدنا أشرف الأشربة عندنا هو الماء الذي هو طاهر مطهر، فوصف شراب أهل الجنة بأشرف شيء نعرفه. ألا ترى أنه - تعالى - ذكر الأشياء التي نعرفها في الدنيا ونستلذها من الخمر والعسل واللبن، وقال: ﴿ولحم طير مما تشتهون﴾، وذكر الحور العين، وقال: ﴿ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا﴾، وليس في الجنة بكرة ولا عشي، فكذلك هذا.
فأما ما روي عن عبد الله بن عمروا، وقوله: التيمم أحب إلي من ماء البحر. فإنه يحتمل تأويلين: أحدهما أنه أراد أنني أركب البر فأعدم الماء فأتيمم أحب إلي من أن أركب البحر فأتوضأ منه؛ وهذا لهو البحر وخطره.
ألا ترى أنه لما قال له عمر ﵁: صف لي أمر البحر. قال: خلق شديد، يركبه خلق ضعيف، دود على عود، إن ضاعوا هلكوا، وإن سلموا فرقوا. فامتنع عمر ﵁ من أن يركبه أحد.
[ ٢ / ٧٠٠ ]
والتأويل الثاني: هو أن يكون قوله: التيمم أحب إلي منه لو كان ذلك يجوز، وقد يحب الإنسان شيئا غير ما يجب عليه إلا أن الشرع قد منع منه، وأوجب عليه غيره إذا كان ذلك الشيء الذي قد أحبه مما قد كان يجوز أن يتعبد به، فلا يمتنع أن يقول: قد كان هذا أحب إلي من هذا.
على أنه لو ثبت على ما يذكرونه لقضي عليه قول النبي ﷺ في البحر وقد سئل: (هو الطهور ماؤه الحل ميتته).
فإن قيل: فقد روي عنه ﵇ أنه قل في البحر: (هو نار من نار) وقال - تعالى -: ﴿والبحر المسحور﴾.
[ ٢ / ٧٠١ ]
قيل: ليس في هذا دليل يمنع من التوضؤ به؛ لأنه قوله: (هو نار من نار) يحتمل أحد معنيين.
إما أن يكون لهو له وغرره وشدته هو نار من نار، كما قال في الإبل: (إن جن من جن).
والمعنى الآخر: أي أنه يؤول إلى نار، فكأنه سماه للمقارنة. أي من ركب البحر وخاطر بنفسه وماله آل أمره إلى نار.
ويحتمل أن يكون أراد البحر يكون يوم القيامة نارا، ولهذا قال - تعالى -: ﴿والبحر المسحور﴾. وجملته أنه ليس في ظاهر ذلك ما يمنع التطهر منه، كما لا يمنع غسل النجاسة به.
ولنا أن نستدل بظواهر فنقول: إذا كان معه ماء البحر هل يستعمله أو يتيمم؟. قال الله - تعلى - ﴿فلم تجدوا ماء فتيمموا﴾، وهذا واجد لما يقع عليه اسم ماء.
وأيضا فإنه ﵇ قال: (لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ثم يتوضأ منه، فدليله أنه إذا لم يبل فيه جاز له أن يتوضأ منه، والبحر ماء دائم.
[ ٢ / ٧٠٢ ]
ولنا أيضا القياس على ماء البئر؛ بعلة أنه ما اكتسب الملوحة من قراره.
وأيضا فإنهم لا يخلون في الامتناع منه إما لأنه ماء بحر أو لأنه ملح أو لركوده، فيبطل ذلك لكونه بحرا؛ لأن ماء البحر العذب يجوز، ويبطل لكونه ملحا بماء الآبار المالحة، ويبطل لكونه راكدا بماء المصانع وغيرها، وقد قال - تعالى - ﴿وأنزلنا من السماء ماء بقدر فأسكناه في الأرض﴾، قيل: إنه
[ ٢ / ٧٠٣ ]
ماء البحار، وقال: (وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به).
[ ٢ / ٧٠٤ ]