الماء الذي يلغ فيه الكلب - عندنا - طاهر؛ لأن الكلب طاهر، وإنما غسل الإناء من ولوغه تعبد، وبه قال الزهري، والأوزاعي، وداود.
وقال الثوري: يتوضأ بذلك الماء ويتمم معه.
وقال أبو حنيفة،
[ ٢ / ٧٣٢ ]
والشافعي، وأحمد، وإسحاق: الكلب نجس، وولوغه نجس، ويغسل الإناء منه؛ لأنه نجس.
والدليل على طهارة الكلب: ما نهي عن الانتفاع به مع القدرة وقد قامت الدلالة على الانتفاع بالكلب لا لضرورة من الكتاب والسنة والإجماع.
فأما الكتاب فقوله - تعالى -: ﴿وما علمتم من الجوارح مكلبين تعلمونهن مما علمكم الله فكلوا مما أمسكن عليكم﴾، فأباح - تعالى - تعليمها والانتفاع بها في الصيد، وأكل ما صاده، لأنه من جملة الجوارح.
ومن السنة قوله ﵇ لعدي بن حاتم
[ ٢ / ٧٣٣ ]
وغيره: (إذا أرسلت كلبك المعلم على صيد فقتله فكل ما أمسك عليك كلبك)، ففيه دليل على إباحة اقتناء الكلب، والانتفاع به، وأكل ما صاده، كما هو في البازي والصقر.
وقول النبي ﵇: (من اقتنى كلبا إلا صيد أو ماشية أو زرع)، فأباح اقتناءه والصيد به، كما أباح ذلك في غيره من الجوارح، فصار كسائر الطاهرات التي أباح لنا الانتفاع بها نم غير ضرورة.
وأما الإجماع فقد أجمعوا على ما دل عليه الكتاب والسنة من ذلك.
[ ٢ / ٧٣٤ ]
وأيضا فإن الكلب إذا قتل الصيد، ونيب أنيابه ومخاليبه فيه جاز أكله، ولم ينقل عن أحد أنه غسله في حال اصطياده، ومعلوم أنهم في موضع الصيد يسمطونه تارة، ويشتوونه، وما ينتقف منه نتف بحيث لا يكون معهم الأواني لغسله، ولو غسلوه بالماء لم ينقلع ما يداخل في لحمه. فلما جاز أكله على هذه الحال إما بغير غسل، أو بغسل يعلم أنه لا يقلع شاع فيه من ريق الكلب أو ملاقاة أنيابه ومخالبه للرطوبة التي فيه من دم وغيره علم أنه طاهر.
أيضا فإن النبي ﷺ سئل عن الحياض التي بين مكة والمدينة تردها السباع والكلاب فقال ﵇: (لها ما شربت في بطونها ولنا ما بقي شرابا وطهورا).
[ ٢ / ٧٣٥ ]
وروى ابن وهب قال: أخبرني ابن جريج أن رسول الله ﷺ ورد معه أبو بكر وعمر على حوض، فخرج أهل الماء فقالوا: يا رسول الله، إن السباع والكلاب تلغ في هذا الحوض. فقال: (لها ما حملت ولكم ما غبر شرابا طهورا).
ورواه ابن وهب عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن
[ ٢ / ٧٣٦ ]
عطاء بن يسار عن أبي هريرة عن النبي ﵇. فهذا نص على طهارة الكلاب؛ لأنه قال في بقية الماء الذي ولغت فيه: (شراب وطهور)، ولم ينقل قدر الماء الذي ولغت فيه، فلو كان يختلف لبينه النبي ﵇ ولفصل بين الحياض، فإن فيها الكبير والصغير، وربما كان الحوض الكبير فيه القليل من الماء، والنبي ﵇ ومن سأله لم يفصلوا.
وكذلك قال عمر ﵁ بحضرة الصحابة لصاحب الحوض: يا صاحب الحوض لا تخبرنا؛ فإننا نرد على السباع وترد علينا، ولم
[ ٢ / ٧٣٧ ]
يفرق بين السباع التي كلب من جملتها، ولا فرق بين قدر الماء في قليله وكثيره.
ولنا أيضا ما روي من حديث أبي قتادة أنه حصل في بيت كبشة بنت كعب بن مالك - وهي زوجة ابنه - فقربت له إناء يتوضأ منه، فجاءت الهرة تشرب منه، فأصغى لها الإناء فشربت منه - وكبشة تنظر إليه -، فقال لها أبو قتادة: مالك تنظرين؟، سمعت رسول الله ﷺ يقول: (الهرة ليس بنجس، إنما هي من الطوافين عليكم والطوافات)، ففي هذا الخبر دليلان.
[ ٢ / ٧٣٨ ]
أحدهما: أنه أثبت طاهرة الهر التي هي سبع من السباع، تفرس الحي ولا ترعى الكلأ. فنبه به على ما هو مثلها؛ لئلا يظن ظان أن السباع التي هذه صفتها بخلاف الهر، فأعلمهم أن الأمر في السباع واحد.
والدليل الثاني: أنه ﵇ علل لطهارتها بكونها من الطوافين عليهم والطوافات، والكلب أشد طيافة على العرب من الهر، خاصة
[ ٢ / ٧٣٩ ]
للزرع والضرع والصيد، فينبغي أن تجري العلة في الكلب كهي في الهر.
فإن قيل: فقد قال ﵇ في هذا الخبر: (إن الهر ليس بنجس) فدل على أن غير الهر نجس. وقال: (إنها من الطوافين عليكم والطوافات) التي لم ينه عن اقتنائها، وقد نهي عن اقتناء الكلب، فدل على أن الكلب نجس من دليل الخطاب، ومن جهة النهي عن اقتنائه، ولم ينه عن اقتناء الهر.
قيل: قد اجتمع في الخبر دليل خطاب وتعليل والتعليل صريح فقضى على الدليل، فنحمل الدليل على أنه أراد أن الهر ليست بمعبدة؛ لأن النجس في اللغة هو المبعد، كما قال - تعالى -: ﴿إنما المشركون نجس فلا تقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا﴾، والكافر ليس بنجس العين، فكأنه أراد أن الكلب مبعد، والهر ليست بمبعدة.
والتعليل بكون الهر من الطوافين يدل على طهارتها؛ لكونها من الطوافين، والكلب كذلك يطوف عليهم للانتفاع به في الصيد والزرع والضرع فلا فرق بين أن يطوف عليهم في بيوتهم أو مواضع ماشيتهم وصيدهم وزرعهم.
وأما النهي عن اقتناء ضرب منها لأنها في الحلل تروع المسلم
[ ٢ / ٧٤٠ ]
لا يدل على تنجيسها، إذ لو كانت نجسة لم يفترق حكمها في كل موضع، فإن دل على كونها نجسة للمنع من اقتنائها في البيوت دل على طهارتها إذا اقتنيت للصيد والضرع والزرع؛ إذ لا أحد يفرق في تطهيرها أو تنجيسها في الموضعين.
وإذا ثبت بالتعليل طهارة الكلاب كلها لم يدل النهي على اقتناء بعضها في حال دون حال على تنجيسها. ألا ترى أن النبي ﵇ قد نص على تحريم الربا في البر لعلة من العلل، وتلك العلة موجودة في الأرز والدخن، فلو قال: لا تأكلوا البر في هذا الوقت، أو في هذه الدار، أو إذا بيع قبل قبضه، لم يكن هذا مزيلا لعلة الربا، فكذلك نهيه عن اقتناء الكلاب في موضعما، وأن لا يطوف عليهم في الحلة لا يزيل حكم طهارته؛ للعلة التي وردت في الهر واستوائهما فيها.
على أننا قد نهينا أيضا عن اقتناء ما يتأذى بها، ويتأذى بها الناس، وليس في ذلك دليل على زوال طهارتها.
على أنه ﵇ قد أباح اقتناء الكلب لصيد وزرع وضرع فهو طاهر كالهر.
وأيضا فقد روي عن عائشة أنها قالت: كنا نتوضأ أنا ورسول الله من إناء قد أصابت منه الهر، وقد علم أنها سبع من السباع ذو
[ ٢ / ٧٤١ ]
ناب، تفترس الحي ولا ترعى الكلأ، ولم تنقل إلينا ذلك إلا لتفيدنا أن هذا الجنس طاهر، لا تخصيصا للهر؛ لأن جميع المعاني التي في السباع موجودة فيها - لم سن بد من أن تبين لأي معنى خصصت، فلما لم تبين علمنا أنها نهبت على جملة السباع التي هي مثلها وأنها بهذه المنزلة. ألا ترى أنها لما قالت: كنت أتوضأ أنا ورسول الله ﷺ من إناء واحد. أرادت أن تعلمنا بأننا كلنا يجوز لنا ذلك، لا انها أرادت تخصيص عينها وعين النبي ﷺ، فكذلك لم ترد تخصيص عين الهر بذلك.
فإن قيل: إنها لم ترد تخصيص تلك الهر دون غيرها من السنانير، وإنما أرادت جنس السنانير دون سائر السباع، كما أنها لم ترد عينها وعين النبي ﷺ، وإنما أرادت ما هو من جنسها دون الحمير والدواب وغير ذلك.
قيل: لا فرق بين الأمرين إذا كان المعنى الهر وسائر السباع واحد إلا أن يبين موضع التخصيص؛ إذ جنس السباع واحد فإن اختلفت صورها وخلقها، كما أن جنس بني آدم واحد وإن اختلف خلقهم وصورهم.
[ ٢ / ٧٤٢ ]
وعلى أننا عقلنا أنها أرادت بالوضوء جنس بني آدم دون الحمير والدواب؛ لأنها خصصته بذكر الوضوء الذي لا يصح إلا من المتعبدين دون غيرهم.
على أننا لو قلنا: إنها أفادتنا أن كل حي إذا لم تكن عليه نجاسة، وانغمس كله أو بعضه في الماء فإنه طاهر، كما أن النبي ﵇ وهي غمسا أيديهما في الماء وهما حيان، فالماء طاهر.
ولنا أن نستدل بقوله - تعالى -: ﴿قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير﴾، والولوغ من هذه الأشياء، والماء مما يطعم فلا يكون محرما إلا بدليل.
وأيضا فإن الكلب في حياته ذو روح فوجب أن يكون طاهرا، أو فوجب أن لا يكون ولوغه نجسا، دليله سائر الحيوان المتفق عليه. ولا يلزمنا الخنزير؛ لأنه - عندنا - طاهر في حياته.
فإن قيل: هذه العلة فاسدة من وجهين: أحدهما أنه لا تأثير لها؛
[ ٢ / ٧٤٣ ]
لأننا نجد الشاة طاهرة في حياتها لكونها ذات روح، ثم تذكي وقد زالت الروح فتكون طاهرة أيضا، وكذلك السمك حيه وميته بمنزلة واحدة، وإذا لم يكن للعلة تأثير سقطت.
والوجه الآخر: هو أنه لو كانت صحيحة لوجب أن يوجد الحكم بوجودها، ويرتفع بارتفاعها من جهتها، فلما وجدنا السمك الميت والشاة المذكاة طاهرين مع ارتفاع العلة علم فسادها.
قيل: علتنا صحيحة. ألا ترى أن الشاة في حياتها طاهرة، ثم تموت حتف نفسها فتصير نجسة، ولم تكن كذلك إلا لعدم الروح منها فاستمر هذا. ثم لا ننكر أن تخلف علة الحياة علة أخرى تقوم مقامها في الطهارة، فالتذكية تقوم في الطهارة مقام الحياة، وكذلك موت السمك يقوم مقام حياته.
وهذا كما يقول أصحاب الشافعي إن علة نجاسة الخمر كون الشدة المخصوصة فيها، ثم تخلل فتزول الشدة وهي نجسة بالتخليل، فخلفت هذه العلة المتقدمة وهي الشدة.
وكذلك نقول جميعا: إنه لو طرح في الخمر ميتة أو دم، ثم خللت لكانت نجسة باتفاق؛ لأن النجاسة التي وقعت فيها خلفت النجاسة التي هي الشدة بعد زوالها، وهذا في الأصول كثير.
[ ٢ / ٧٤٤ ]
قياس آخر: اتفقنا على أن الطهر، فكذلك الكلب؛ بعلة أنه سبع من السباع، أو بعلة أنها بهيمة ذات ناب، أو بعلة أنها تفرس الحي ولا ترعى الكلأ.
قياس آخر: اتقنا على أن الصقر والبازي طاهران، فكذلك الكلب؛ بعلة أنه جارح أبيح لنا الاصطياد به.
فإن قيل: العلة في سائر الحيوان أنه لا يجب غسل الإناء من ولوغه، والكلب والخنزير يجب غسل الإناء من ولوغهما.
قيل: عنه جوابان:
أحدهما: أن علتنا متعدية فهي أولى؛ لأنها تجلب حكما.
والجواب الآخر: هو أن غسل الإناء من ولوغ الكلب والخنزير ليس بفرض - عندنا -، وهو كالهر إذا كانت تأكل الجيف.
وعلى أن غسل ذلك تعبد، كغسل الخلوق والطب من ثوب المحرم.
فإن قيل: العلة في طهارة الشاة في حياتها: كونها مأكولة اللحم وليس كذلك الكلب.
قيل: عن هذا أجوبة:
أحدهما: أن هذه العلة غير متعدية وعلتنا متعدية فهي أولى عند التعارض.
[ ٢ / ٧٤٥ ]
والوجه الثاني: أن علتنا مستمرة في كل حيوان في حال حياته من السباع وغيرها مما هو طاهر ولا يؤكل لحمه، مثل بني آدم.
وجواب آخر: وهو أننا قسنا الكلب على الهر؛ بعلة أنه سبه يفرس الحي ولا يرعى الكلأ، وهذا أصل لم يحصل ما يعارضه.
وقسناه أيضا على البازي والصقر فهو أشبه.
وقياسنا أولى أيضا؛ لأننا رأينا سائر الحيوان على ضربين: فضرب منه يجوز أكل لحمه، كالأنعام والصيد المباح وغير ذلك مما يجوز أكله، وضرب آخر لا يجوز أكله، كابن آدم والسباع، ووجدنا هذين الضربين جميعا طاهرين، فوجب أن لا يخرج حكم السبع والكلب والحمار عن ذلك؛ لأنها من جملة الحيوان.
فإن قيل: فقد روي أن النبي ﵇ حرم الكلب وحريم ثمنه، وحرم الخنزير وحرم ثمنه، فأخبرنا أن الكلم محرم، فيقتضي أن يكون محرما من جميع الوجوه.
[ ٢ / ٧٤٦ ]
وأيضا فالدليل على نجاسة ولوغه ما رواه أبو هريرة أن النبي ﵇ قال: (إذا ولغ الكلب في إناء فليرقه وليغسله سبع مرات)، فأمر بإراقة ما فيه، وقد يكون المولوغ لبنا وعسلا وغيرهما، فلولا أنه نجس لم يأمر بإراقته؛ لأنه تضييع المال، وقد نهى عنه.
[ ٢ / ٧٤٧ ]
وايضا فقد روي أبو هريرة أن النبي ﵇ قال (طهور إناء أحدكم إذا ولغ الكلب فيه أن يغسله سبع مرات)، والطهور إما أن يكون عبارة عن رفع الحدث أو رفع النجاسة، فلما لم يكن بالإناء حدث علم أن فيه نجاسة.
قيل: أما قولكم: إن النبي ﵇ حرم الكلب وحرم ثمنه فإن عين الكلب ليست محرمة؛ لأن الأعيان لا تحرم، وإنما تحرم أفعالنا فيها، كقوله: ﴿حرمت عليكم أموالكم﴾، المراد حرم علينا نكاحهن. فإذا كان المراد تحريم أفعالنا في الكلب فهو عموم قد أبيح لنا بعضها من الاقتناء للصيد والزرع والضرع، ولم يدل ذلك على تنجيسها؛ لأن النجس لا يجوز الانتفاع به لغير ضرورة كالبول والخمر.
وأما تحريم ثمنه فإنما هو مكروه - عندنا - لا واجب.
وقد روي أنه ﵇ نهى عن ثمن الكلب إلا كلب صيد أو زرع أو ماشية.
[ ٢ / ٧٤٨ ]
ثم لو ثبت تحريم ثمنه لم يدل على تنجيسه؛ لأن بيع أم الولد لا يجوز وهي طاهرة.
فإن قيل: فإن النهي عن ثمنه لا يخلو من احد ثلاثة أوجه:
إما أن يكون لحرمته، كالنهي عن ثمن الحر وأم الولد، أو يكون لعدم منفعته، كثمن العقارب والخنافس، وغير ذلك مما لا منفعة فيه، فيكون صرف الثمن فيه من إضاعة المال، أو يكون النهي لأجل نجاسته كالنهي عن ثمن الخمر والخنزير والميتة. فلما بطل أن يكون لحرمته؛ لأنه لا حرمة له، وليست مع هذا حرمته لو كانت له حرمة بأوكد من حرمة البقر والغنم، وقد جاز بيعها. وبطل أيضا أن يكون لعدم منفعته لان فيه منافع كثيرة موجودة، فلم يبق إلا أن يكون النهي لنجاسته.
قيل: قد ذكرنا أن النهي إنما هو تنزيه وكراهية - عندنا -؛ لا لأنه
[ ٢ / ٧٤٩ ]
محرم، وإنما غلط بذلك عن اقتنائه حيث يروع المسلم وإلا فبيعه جائز. ألا ترى أنه قد روي في الخبر أنه نهى عن بيعه إلا يكون كلب صيد أو ماشية أو زرع.
وللكلاب في جواز بيعه مَسْأَلَة مفردة تجيء في موضعها.
وليس يمتنع في الأصول أن ينهى عن اقتناء شيء أو عن ثمنه تنزها وكراهية، كالنهي عن كسب الحجام، وثمن الصور. وقد قال ﵇: (إن الملائكة لا تدخل بيتا فيه صورة)، فكذلك النهي عن اقتناء الكلب وبيعه، وليس كذلك الميتة والدم والخنزير الذي لم يبح استعماله واقتناؤه في غير ضرورة. ألا ترى أننا قد أبحنا اقتناء الكلب للصيد والزرع والماشية لغير ضرورة. ولو كان كالميتة والدم لم تجز الوصية به ولا قسمته إذا كان مباحا استعماله، فلما جازت الوصية به وقسمته في المواريث واقتناؤه للصيد وغيره فارق حكم سائر الأجناس.
فإن قيل: لو قتل لم يجب على قاتله قيمة.
قيل: تجب - عندنا -.
[ ٢ / ٧٥٠ ]
فإن قيل: لو سرقه سارق لم يقطع.
قيل: يقطع - عندنا -.
على أننا لو قلنا: إنه لا تجب قيمته ولا القطع في سرقته لم يدل على نجاسته؛ لأنه لو صال عليه جمل فقتله لم تجب فيه قيمته ولو سرق حرا لم يجب قطعه إن كان صغيرا - عندكم - وكبيرا - عندنا وعندكم -، ولم يدل ذلك على كونهما نجسين.
وأما قوله ﵇: (إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليقه وليغسله
[ ٢ / ٧٥١ ]
سبع مرات)، فإنه لا يلزم؛ لأن الانتفاع بالكلب واقتناؤه قد أبيح لغير ضرورة، فهو كالطاهرات في الشرع. فأما الأمر بإراقته وغسل الإناء من ولوغه فلا يدل على نجاسته، بل هو لأن النفس تعافه، كما لو بصق إنسان في الماء، وامتخط فيه لعافته نفسه وجازت إراقته. ألا ترى أن إنسانا لو اضطر إلى أكل الميتة ثم يشرب من إناء لعافته النفس حتى يراق الماء ويغسل الإناء منه تنظيفا وتنزها، فكذلك الكلب إذا ولغ فيه؛ لأنه لا يجتنب أكل الأنجاس في الغالب، فتعافه النفوس، فيؤمر الإنسان بإراقته وغسل الإناء؛ لأن التنزه من الأقذار مندوب إليه، وليس إراقته - عندنا - فرضا، ولا غسل الإناء منه فرضا.
ويحتمل أن يكون ذلك تغليظا عليهم في الماء؛ لأنهم نهوا عن اقتنائها؛ لأنها تروع الضيف والمجتاز كما قال ابن عمر، والحسن، فلما لم ينتهوا غلط عليهم في الماء؛ لقلة المياه عندهم في البادية حتى يشتد عليهم فيمتنعوا من اقتنائها، لا لأنها نجسة.
والدليل على أنه على وجه التغليظ: دخول العدد والتراب فيه؛ لأنه مع قلة المياه عندهم يجتمع عليهم إراقة الماء من الإناء، وتكرير الغسل سبع مرات بالماء، ثم بالتراب الذي لم يدخل في سائر الأجناس التي هي أغلظ من ولوغ الكلب؛ لأن الدم والبول والعذرة المتفق على نجاستها أغلظ من ريق الكلب المختلط في طهارته، فلما لم يدخل
[ ٢ / ٧٥٢ ]
العدد والتراب في الأغلظ، ودخل في الولوغ الذي هو أضعف علم أنه لم يدخل لنجاسة. وقد رأينا العدد في الغسل قد دخل عبادة لا لنجاسة كوضوء الإنسان، ودخل التراب في غسل الإناء أيضا عبادة كما دخل في التيمم لا لنجاسة.
وأما قولهم: إنه قد يكون في الإناء لبن أو غسل فيكون فيه تضييع المال، فإننا نقول: إن الخبر لم يرد إلا في الماء على طريق الاستحباب، والماء يسير القيمة في الغالب، وقد قال ﵇: (إذا وجد أحدكم قذى في إنائه فليرقه ولا ينفخ فيه)، وكله - عندنا - مستحب.
وقد سئلت عائشة ﵂ عن القدر يلغ فيها الكلب. فقالت: يؤكل المرق، ويغسل القدر سبعا. وكانت تفتي به بحضرة الصحابة ﵃.
[ ٢ / ٧٥٣ ]
وما روي أنه ﵇ قال: (طهور إناء أحدكم)، فإننا نقول: طهور اسم مشترك يصلح لإزالة النجس، ويصلح لتمييز الشيء من الأشياء الدنية، ويصلح للتعبد.
فأما إزالة النجس، كالثوب والبدن والمكان إذا كان عليه نجس طهور بإزالة ذلك بالماء.
وأما التعبد فكغسل الجنابة والوضوء الذي قيل فيه: ﴿وإن كنتم جنبا فاطهروا﴾.
وأما تمييز الشيء من الأشياء الدنية فكقولنا في أزواج رسول الله ﷺ: الطاهرات، وكقولنا: فلان طاهر ويكون طاهر مطهر، أي متميز ممن يدخل فيما لا يجوز من الدناءة، ويكون أيضا لرفع درجة كقوله - تعالى - لعيسى ﵇: ﴿إني متوفيك ورافعك إلي ومطهرك من الذين كفروا﴾. فإذا كان طهور من الأسماء المشتركة لم يجز الحجاج به حتى يعلم أي ذلك أريد به، ولا يدعي في الاسم المشترك العموم، فإذا احتمل ما يقولونه من إزالة النجاسة احتمل أن يكون للعبادة كغسل الخلوق من ثوب المحرم الذي لا هو لإزالة حدث ولا لرفع نجاسة.
على أن حقيقة الطهارة إنما هي نقل من حال إلى حال في جميع المواضع، فهو نقل مما لا يجوز إلى ما يجوز، فقد نقل امتناع جواز استعمال الإناء إلى جواز استعماله.
[ ٢ / ٧٥٤ ]
وإراقة الماء فقد ذكرنا أنه على وجه التنزه والتنظف، ويحتمل أن يكون تغليظا ليمتنعوا من اقتناء الكلب. فإن كان للتنظف أو التنفس تعافه فهو كمن كان يجد القذى في إنائه قد أمر بإراقته ولا ينفخه؛ لأنه بالنفخ يتطاير من البصاق في الإناء مع يساره قيمة الماء في الأغلب، وقد ندب الإنسان إلى التنزه والتنظف، كما ندب المتوضئ إلى غسل يده قبل إدخالها في وضوئه.
فإن قيل: فكيف خصت الأواني بذلك دون غسل الصيد إذا نيبه الكلب - عندكم -؟، وخص داخل الإناء بالغسل كما خص غسل موضع النجاسة، والأواني لا تعبد عليها؟، وخص الماء وحده نم بين غيره من المائعات.
قيل: أما تخصيص الأواني فلأن الكلاب في الحضر وبين الناس تروع المجتاز والضيف، وتلغ في الأواني، وفي الصحاري ومكان الصيد والمواشي والزرع لا ينتشر الناس في الغالب فتروعهم، ولا تكون الأواني هناك.
وأما تخصيص داخل الأواني فإنه موضع الاستعمال، والقذر من الريق هو المستقذر يحصل داخل الإناء وإن لم يكن نجسا.
وأما تخصيص الماء داخل الأواني فإنه موضع الاستعمال، والقذر من الريق هو المستقذر يحصل داخل الإناء وإن لم يكن نجسا.
وأما تخصيص الماء وحده فإنه في الأغلب لا يحفظ كما يحفظ غيره من المائعات، فالكلب في الغالب يشرب الماء دون غيره من المائعات.
وقولهم: لا تعبد على الأواني فإننا نقول: نحن المتعبدون فيها، كما تعبدنا بأن تربص الصغيرة المتعدة، وتعبدنا بغسل الطيب من ثوب
[ ٢ / ٧٥٥ ]
المحرم، وكما تعبدنا بغسل الميت الذي لا يخلو أن يجب غسله لنجاسة تزول، أو لعابدة. فإن كان الميت نجسا بالموت فإن نجاسته لا تزول بالغسل، وإن ذهب عنه الدرن. وإن كان طاهرا وعليه نجاسة فليس هو متعبدا بإزالتها بعد الموت؛ لأن العبادة قد انقطعت عنه، فصرنا نحن المتعبدين بغسله، فكذلك النجاسات التي على الثياب والبقاع نحن المتعبدون بها، فكذلك نحن المندوبون بغسل الإناء من ولوغ الكلب تنزها وتنظفا، فلا معنى لقولهم: إنه لا عبادة على الأواني.
فإن قيل: إنما وجب غسل الإناء لحدوث حادث فيه فوجب أن يكون عن نجاسة، كالبول وغيره من النجاسات إذا وقعت في الإناء.
وأيضا فإنه مائع ورد الشرع بإراقته فوجب أن يكون نجسا كالخمر. قال ففي الولوغ: (فأريقوه)، وقال في الخمر: (اقلبوها في البطحاء).
وأيضا فإنه غسل بالماء تعلق بموضع الإصابة فوجب أن يكون
[ ٢ / ٧٥٦ ]
غسل نجاسة لا غسل تعبد، وأصله النجاسة إذا وقعت على ثوبه أو على بدنه.
وأيضا فإن الكلب لم يماس الإناء ولا أصابه، وإنما أصاب الذي في الإناء، فلما وجب غسل الإناء على أنه وجب غسل الإناء لحدوث حادث فيه، فإننا نقول: ليس غسله فرضا، فلم تسلم علتكم وإنما غسله مسنون، وليس ما كان غسله مسنونا يكون لنجاسة، كالطيب من ثوب المحرم، فلم يسلم القياس على البول، وإنما كان بول ابن آدم نجسا؛ لأنه محرم أكله، وإن كان في حياته طاهرا. فأما الكلب فأكله مكروه فبوله مثله، وكذلك سائر السباع غير الخنزير محرم كابن آدم وبوله مثله.
وعلى أن إزالة النجاسات - عندنا - ليست بفرض، فكيف ولوغ الكلب الذي هو - عندنا - طاهر؟.
وقولهم: إنه مائع ورد الشرع بإراقته، فقد قلنا: إن النبي ﵇ قال: (إذا وجد أحدكم قذى في إنائه فليرقه ولا ينفخه)، فقد ورد الشرع بإراقته لا لنجاسة، وهذا ندب، وكذلك ولوغ الكلب إراقته ليست
[ ٢ / ٧٥٧ ]
بفرض، وأما الخمر فنجسة محرمة الثمن، كبول ما لا يؤكل لحمه.
وقولهم: إنه غسل بالماء علق بموضع الإصابة فوجب أن يكون غسل نجاسة، فنقول: غسل داخل الإناء مندوب وليس بمفروض، وإنما هو تغليظ أو للنظافة؛ فإن النفس تعاف الشرب من الإناء بعد ولوغ الكلب فيه إن لم يغسل بالماء، فهو - عندنا - مندوب إلى غسل بول ما لا يؤكل لحمه من السباع وهي طاهرة، ومندوب إلى غسل ما يؤكل لحمه من الدواب أيضا وهي طاهرة، وهذا هو الجواب عن قولهم: إن الكلب لم يماس الإناء، وإنما مس ما فيه؛ لأنه إذا ولغ في الماء اختلط ولوغه فقذر الإناء لا لنجاسة، كما لو امتخط في الإناء قذره بلا نجاسة.
على أن قياسنا الكلب في طهارته على سائر الحيوان أولى من هذا.
ويجوز أن نستدل على طهارة الماء الذي ولغ فيه بقوله ﵇: (خلق الله الماء طهورا لا ينجسه شيء إلا ما غير لونه أو طعمه أو ريحه).
فإن قيل: فقد روي أن النبي ﵇ أراد أن يدخل بين رجل فقيل له: إن فيه هرا. فقال: (الهر ليست بنجس)، فدليله أن الكلب نجس.
[ ٢ / ٧٥٨ ]
قيل: قد ذكر أن هذين خبران، قد دخل أحدهما في الآخر.
على أننا نقول: إن كان هذا تعليلا في الكلب، وأنه لم يدخل البيت الذي هو فيه؛ لأنه نجس فينبغي أن تجري العلة في كل موضع فيه نجس، ولو كان كذلك لوجب أن لا يدخل بيتا فيه دم ولا بول، ولا غير ذلك من الأنجاس التي هي أغلظ من الكلب، فلما كان ﵇ يدخل البيوت التي فيها الأنجاس دل على أن هذا ليس بتعليل، وإنما معناه أن الكلب مبعد والهر ليست مبعدة؛ لأن النجس في اللغة وهو المبعد،
[ ٢ / ٧٥٩ ]
كقوله - تعالى - ﴿إنما المشركون نجس﴾، وهذا أولى من تعليل لا يصح، وقد كانت مبولة النبي ﵇ معه في البيت تحت سريره، ولم يمتنع من دخول البيت.
وعلى أنه ﵇ لم ينص في الكلب على شيء، وإنما قال في الهر: (إنه ليست بنجس)، فاستدلوا بالتنبيه ودليل الخطاب على الكلب، ونحن ننازعهم في النص على الهر
[ ٢ / ٧٦٠ ]
وفي دليله، وهل أراد النجس اللغوي أو غيره؟.
فإن قيل: اسم النجس والطاهر إذا أطلقنا في الشريعة عقل منه خلف اللغة، كالصلاة التي هي الدعاء في اللغة، ثم إذا أطلقت في الشرع عقل منها هذه الأفعال المخصوصة.
قيل: إن الأحكام معلقة على الأسماء اللغوية حتى يقوم الدليل على نقلها، وليس إذا نقلت في موضع بدليل ينبغي أن تنقل في كل موضع ولم تقم - عندنا - دلالة في هذا الموضع أنه أريد به غير اللغوي.
ثم لو ثبت الدليل على ما يذكرونه من دليل الخطاب لم يمتنع أن يلحق الكلب بالهر بدليل، وقد ذكرنا دلائل تقدمت تدل على طهارة الكلب، ودليل الخطاب يحض، ويسقط بالدلالة، فإسقاطه ههنا بالدلالة، ويصير تقديره كأنه قال: الهر ليست بنجس ولا الكلب، كما قال - تعالى - في خبر الصيد: ﴿ومن قتله منكم متعمدا﴾، فالخاطئ بخلافه، ثم قامت دلالة ألحقت الخاطئ بالعامد، وصار تقديره:
[ ٢ / ٧٦١ ]
متعمدا أو مخطئا.
وإن كان ذلك تعليلا من النبي ﵇ جاز أيضا تخصيصه بدليل، فيحمل على النجس اللغوي بدليل.
على أن التعليل إنما ورد في الهر، فكأنه ﵇ قال: دخلت لأن الهر طاهرة، والعلة لا يكون لها دليل فيما عداها، ولا إذا حصلت علة في أصل يقع منها تنبيه على علة أخرى تضادها في أصل آخر، وإنما يكون هذا فيما طريقه النطق في الأسماء والأوصاف، فكأنه ﵇ جعل العلة في دخوله البيت الذي في الكلب لشيء آخر، وهو تغليظ عليهم حتى لا يقتنوه إلا أباحهم منها، فيدخل عليهم في صيدهم وضرعهم وزرعهم، ومكان صيدهم وفيه الكلاب، فلو كان نجسا لم
[ ٢ / ٧٦٢ ]
يدخل ﵇ عليهم في هذه المواضع، فلما كان يدخل عليهم فيها علم أن الكلب ليس بنجس؛ إذ لو كان نجسا لامتنع من الدخول عليهم في كل موضع حتى تجري العلة في معلولاتها؛ لأنه لا يجوز أن يعلل فيقول: لا أدخل عليهم؛ لأن الكلب نجس، ثم يدخل عليهم وهو نجس، فلما أباحهم اقتناءها للصيد والزرع والضرع، ودخل عليهم علم أنه ليس بنجس؛ لأنه لو كان نجسا لكانت هذه مناقضة، والنبي ﵇ لا يناقض.
فإن قيل: فإن العلة المنصوص عليها يجوز أن تخص.
قيل: قد خصصناها لو نص عليها في الكلب بالأدلة، فنحملها على أنه أراد أنه مبعد، وهذا اسم لغوي.
ويجوز أن نقول: قد جعل الله - تعالى - ورسوله ﵇ الكلب المعلم مذكيا للصيد، ومحال أن يبيحنا تذكية نجس العين؛ لأن كل حي حصلت منه التذكية طاهر العين مثل بني آدم، والخنزير - عند المخالف - نجس العين، فلو كان الكلب مثله لم يجز أكل ما قتله الكلب الصيد، كما لا يجوز أكل ما ذكاه الخنزير، وبالله التوفيق.
[ ٢ / ٧٦٣ ]