ولا يجوز الوضوء بالنبيذ، نيه ومطبوخه، مع عدم الماء ووجوده، تمريا كان أو غيره، فإن كان مع ذلك مشتدا فهو نجس، ولا يجوز شربه ولا الوضوء به، وبه قال الشافعي، وأحمد، وأبو يوسف.
واستدل على أن هذا مذهب عمر وابنه عبد الله لما روي عنهما أنهما قالا: النبيذ نجس لا يجوز شربه. فقد قالا: إن الوضوء لا يجوز به.
وقال الأواعي: يجوز التوضؤ بسائر الأنبذة، وروي مثل هذا عن علي بن أبي طالب ﵁.
[ ٢ / ٧٧٩ ]
وقال أبو حنيفة: لا يجوز التوضؤ به في حضر ولا سفر مع وجود الماء. فأما مع عدمه فيجوز بمطبوخ التمر إذا أسكر، فأما الني والنقيع يجوز التوضؤ به.
[ ٢ / ٧٨٠ ]
وذكر بعض أهل العراق أن ابن المبارك ونوح بن دارج رويا عن أبي حنيفة الرجوع عن ذلك.
فعلى الرواية التي يجوزه في المطبوخ فقد اختلفوا في الطبخ.
فقال بعضهم: حتى يذهب ثلثاه ويبقى ثلثه.
وحكيم عن الكرخي أنه شرط الطبخ ولم يوقت.
وحكيم بعضهم أنه ليس عن أبي حنيفة فيه رواية، وإنما اختلفوا هم، فمنهم من يجوز - أعني في مطبوخ التمر الحلو - ومنهم من قال: لا يجوز حتى يسكر.
[ ٢ / ٧٨١ ]
وقال محمد بن الحسن: يتوضأ به كما قال أبو حنيفة ويتيمم معه.
ومعه غرضنا الكلام في تحريم النبيذ المسكر ههنا، وهو يجيء في كتاب الأشربة، وإنما القصد ههنا الكلام على من جوز التوضؤ به.
والدليل لقولنا: كون المحدث على حدث، وأن الطهارة واجبة عليه، فمن زعم أن حدثه يرتفع بالوضوء بالنبيذ فعليه الدليل.
وأيضا قوله - تعالى -: ﴿فلم تجدوا ماء فتيمموا﴾.
وأيضا فإن الله - تعالى - قال: ﴿وأنزلنا من السماء ماء طهورا﴾، وقال: ﴿وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به﴾، وقال النبي ﵇: (خلق الله الماء طهورا)، فجعل الماء المطلق هو الطهور دون غيره، فدل على أن غير الماء المطلق لا يكون طهورا.
[ ٢ / ٧٨٢ ]
فإن قيل: قوله - تعالى -: ﴿فلم تجدوا ماء فتيمموا﴾، نقلنا من الماء إلى الصعيد، وفي النبيذ، ماء لا محالة، فهو واجد لماء؛ لأنه قوله: ﴿فلم تجدوا ماء﴾ منكر، فلم يخص ماء من ماء، فيجوز التوضؤ بالنبيذ؛ لأن فيه ماء.
قيل: إنما قال - تعالى -: ﴿فلم تجدوا ماء﴾، وهذا يقتضي الماء المطلق، ولم يقل: تجدوا ماء فيه ماء. والماء الذي في النبيذ ليس بماء مطلق؛ لأن إنسانا لو حلف ألا يشرب ماء فشرب نبيذا لم يحنث، ولو حلف أن يشرب ماء فشرب نبيذا لم يبر، وكذلك لو أمر غلامه أن يشتري له ماء فاشترى له نبيذا كان مخالفا يجوز تعنيفه، ثم لو انطلق عليه اسم ماء لجاز استعماله مع وجود الماء.
فإن قيل، إن النبيذ وإن لم يقع عليه اسم الماء في اللغة فإنه يقع عليه في الشرع؛ لأن النبي ﵇ قال للنبيذ الذي كان مع ابن مسعود: (تمرة طيبة وماء طهور).
قيل: عن هذا ثلاثة أجوبة:
أحدهما: أن النبيذ لا ينطلقق عليه اسم الماء لا في اللغة ولا في الشرع، فأما قوله ﵇: (تمرة طيبة وماء طهور)، إنما سمي الماء باسمه ولم يسم النبيذ ماء؛ لأنه لم يكن معه نبيذ وإنما كان معه ماء نبذ فيه تمرا ولم يختلط؛ لأن مياه العرب كانت فيها ملوحة، فكانوا
[ ٢ / ٧٨٣ ]
يستعذبونها بالتمر. ألا ترى أنه ﵇ أفرد ذكر الماء فقال: (تمرة طيبة) فأرد ذكرها، وقال: (ماء طهور)، فأفرد اسمه، وذكر أنه طهور، فلو كان مختلطا قد امناع في الماء لكان يقول: نبيذ طيب طهور، وليس يجوز أن يقال: إن النبيذ يقع عليه اسم التمر في الشرع، فكذلك لا يقع عليه اسم الماء.
والجواب الثاني: هو أننا لو سلمنا أن اسم الماء يقع على النبيذ في الشرع لم يكن مرادا بالظاهر ولا تناوله اللفظ من وجهين.
أحدهما: أن النبيذ يقع عليه اسم ماء في الشرع، والماء المطلق يسمى ماء باللغة واللفظة الواحدة لا يجوز أن يراد بها ما يسمى في الشرع وما يسمى في اللغة في حالة واحدة بلفظة واحدة، كان المراد باللفظ أحدهما، وقد أجمعوا على أن الماء المطلق مراد بالآية فوجب أن يكون النبيذ غير مارد بها.
والجواب الثالث: هو أنه لو تناول الظاهر النبيذ كما تناول الماء المطلق لوجب أن يستوي مع الماء المطلق في جواز استعماله، فيكون مخيرا بين استعماله وبين استعمال الماء المطلق، كما يكون مخيرا بين ماءين؛ لأن اللفظ إذا تناول شيئين تناولا واحدا لم يفترقا في الحكم؛
[ ٢ / ٧٨٤ ]
لأن الجنس واحد، كألفاظ العموم. مثل قوله - تعالى - ﴿فاقتلوا المشركين﴾، ﴿والسارق والسارقة﴾، فلما قالوا: إن النبيذ لا يجوز التوضؤ به مع وجود الماء المطلق علم أنه لم يتناوله اللفظ أصلا، وهذا السؤال أجود أسئلتهم على الآية.
وأيضا فإن رسول الله ﷺ روي عنه أنه قال لابن مسعود: (هل معك ماء؟). فقال: لا، ولكن معي نبيذ. فلو كان اسم الماء ينطلق على النبيذ لم يجز لابن مسعود أن يقول ليس معي ماء. وهو من وجوه أهل اللغة، عارف بأسماء الشرع أيضا، وكان النبي ﵇ أيضا ينكر عليه، ويقول هذا ماء في اللغة وفي شرعي.
فإن قيل: ليس يخلو من الذي كان مع ابن مسعود من أحد أمرين: إما أن يكون نبيذا كما نقول. أو يكون ماء قد طرح فيه تمرا لم يمنع فيه. فإن كان نبيذا فقد أنكر عليه بقوله: لا، وقال: (تمرة طيبة وماء طهور)، أو يكون ماء ولم ينمع فيه التمر، فقول ابن مسعود: ليس معي ماء محال.
قيل: لم يكن معه نبيذ على ما تقولون، وإنما قال: ليس معي ماء مفرد ولا ماء أعد للتوضؤ، وإنما معي ماء استعددته للشرب، ولهذا أفرد النبي ﵇ ذكر الماء عن ذكر التمر، فقال: (تمرة طيبة وماء طهور)، ولو جاز لإنسان أن يسمي النبيذ ماء مطلقا؛ لأن النبي ﵇ قال: (ماء طهور) جاز لآخر أن يسمي النبيذ تمرا؛ لأنه ﵇ قال:
[ ٢ / ٧٨٥ ]
"تمرة طيبة"، ولو جاز أن يسمى النبيز ماء؛ لأن فيه ماء جاز أن يسمى الخل ماء؛ لأن فيه ماء.
وهذا أبو عبيد القاسم بن سلام - وهو إمام في اللغة - يقول: وقد ذكر النبيذ أنه لا يكون طهورا أبدا؛ لأن الله - تعالى - اشترط الطهور بشرطين لم يجعل لهما ثالثا، وهما: الماء والصعيد، وأن النبيذ ليس واحدا منهما.
ثم نقول: لو أن الأمر على ما ذكرتم، وأنه يسمى ماء لما فيه من الماء فإن العرف جرى بأن لا يطلق عليه الاسم، فسبيلنا أن نرجع إلى عرف اللغة والشريعة؛ لأن الألفاظ إذا أطلقت ووقع التنازع فيها كان الأول فيها أن تحمل على عرف اللغة والشريعة، كما قيل في قوله - تعالى -: ﴿وجعل الشمس سراجا﴾، ﴿والجبال أوتادا﴾، ثم إذا أطلق اللفظ من هذا حمل على العرف، والغالب من السراج الذي هو المصباح، والوتد هو الذي يوتد في الحائط، وكذلك قوله - تعالى -: ﴿فضحكت فبشرناها بإسحاق﴾، وإنما أريد به الحيض، وفيما بيننا
[ ٢ / ٧٨٦ ]
لو قال قائل لزوجته: إذا ضحكت فأنت طالق. لم يتعلق الحكم إلا بالضحك المعقول في العرف. هذا مذاهب الفقهاء جملة وإن كانوا في مواضع من الإيمان ريما حملوه على كل ما تقتضيه اللغة غير أنهم لا يخرجون به عن اسم الحقيقة.
ثم إننا نقول لهم: قد وجدنا اسم الماء قد ارتفع عن النبيذ بكل وجه حتى لا يسمى ماء مطلقا ولا مقيدا، وقد يسمى غيره من ماء الزعفران وماء الورد والباقلاء ماء بتقييد.
ثم نقول أيضا: أليس قد زعمتم أن الاسم الحقيقي لا ينتفي عن المسمى بوجه؟ فمتى انتفى عنه علمنا أنه ليس بحقيقة له، ولو قيل له: هل معك ماء؟. فقال: لا، ولكن معي نبيذ لم يكن مخطئا، كما قال ابن مسعود للنبي ﵇. فعلمنا بهذا أن إطلاق الماء قد بطل عنه.
ولنا أن نبني المسألة على أصلنا في أن النبيذ المشتد حرام نجس. فإن سلموا ذلك فلا قول إلا قولنا، وإن لم يسلموه دللنا على صحته بقول النبي ﵇: (ما أسكر كثيره فقليله حرام)، وبالأدلة المذكورة في مَسْأَلَة النبيذ.
دلائل القياس:
نقول: إن النبيذ مائع لا يجوز التوضؤ به مع وجد الماء فلا يجوز
[ ٢ / ٧٨٧ ]
التوضؤ به مع عدمه. أصله ماء الباقلاء وماء الورد وقولنا: مائع احتراز من الصعيد.
ونقول: هو مائع لا يجوز التوضؤ به في الحضر فكذلك في السفر، أصله جميع الأنبذة.
ونقول: هو مائع غلب عليه طعم التمر ولونه فلا يجوز الوضوء به، أصله النبيذ الني.
أو نقول: هو اء غلب عليه لون التمر فأشبه الخل.
أو نقول: هو شراب مسكر فلا يجوز التوضؤ به أصله الخمر.
أو نقول هو مائع غلب عليه طعم ما يؤكل فأشبه الماء إذا بل فيه الخبز وإنماع فيه.
ثم إن الاعتبار الصحيح معنا؛ وذلك أن الماء في الخل أكثر منه في النبيذ؛ لأنهم يكثرون الماء في طبخ التمر حتى يرق فتسرع إليه الحموضة، فالتمر الذي فيه أقل منه في النبيذ، وماؤه أكثر، فلما لم يجز التوضؤ بما فيه الماء أكثر مع قلة التمر كان في الموضع الذي يقل فيه الماء ويكثر التمر أولى أن لا يجوز.
وأيضا فإننا رأينا الخل من جنس النبيذ؛ لأنه ماء مع تمر، فلما لم يجز التوضؤ بالخل مع الإجماع على طهارته وكونه من جنس النبيذ كان النبيذ أولى أن لا يجوز التوضؤ به.
وأيضا فإننا وجدنا الأصول كلها تدل على أن ما جاز التوضؤ به استوى حكم مطبوخه وغير مطبوخه. ألا ترى أن الماء الطاهر يجوز الوضوء به طبخ أو لم يطبخ، والماء النجس لا يجوز الوضوء به طبخ أو لا.
[ ٢ / ٧٨٨ ]
فلو جاز الوضوء بالنبيذ لاستوى حكم مطبوخه وغير مطبوخه، فلما افترق حكم النبيذ - عندهم - في نيه ومطبوخه خرج عن الأصول.
وأيضا فإن الأبدال في الأصول موضوعة على ما هو أسهل وجودا وأهون من المبدلات، كالتراب في الطهارات، والإطعام في الكفارات.
والحكمة أيضا توجب ذلك، لأنه يبعد في الحكمة أن يؤمر من لا يقدر على أسهل الموجود وأهونه بالعدول إلى أصعبها مأخذا وأعزها مطلبا، ونحن نعلم أن النبيذ أشد تعذرا وأعز من الماء، فوجب أن يكون العدول إلى الصعيد عند عدم الماء هو البدل عنه؛ أسهل وأهون وجودا.
وأيضا: فإنه لا تعدو حال النبيذ في جواز التوضؤ به أحد أمرين: إما أن يكون أصلا أو بدلا. فإن كان أصلا فيجب أن يترتب على العدم كالماء، أو يكون بدلا فيجب أن يكون أعم وجودا من الأصل، وأن يستوي فيه حكم الحدثين الأعلى والأدنى، وأن يختص باسم كالتيمم، فلما لم يوافق الأصل ولا البدل بطل أن كون له مدخل في التطهير. ألا ترى أن الصعيد لما كان بدلا عن الماء استوى حكمه في الطهارتين جميعا الأعلى والأدنى، وهو الاقتصار على العضوين المخصوصين، وهم قالوا: يتوضأ بالنبيذ إن كان محدثا، ويغتسل به إن كان جنبا، فعلم بهذا أنه ليس ببدل عن الماء.
فإن قل: جميع الظواهر والاستدلالات والقياسات على ما قلتم، وإنما عدلنا إلى الخبر الصحيح المشهور الذي يترك لمثله قياس
[ ٢ / ٧٨٩ ]
الأصول، وهو ارواه أبو فزارة العبسي عن أبي زيد - مولى عمروا حريث عن ابن مسعود أنه قال: كنت مع النبي ﵇ ليلة الجن، فقال: (يا عبد الله أمعك ماء؟). فقلت: لا، معي نبيذ، فأخذه وقال: (تمرة طيبة وماء طهور)، فتوضأ به، وهذا نص، وهذا استدل به أبو حنيفة وشيوخهم.
والجواب: أن هذا الحديث ضعيف؛ لأن أبا فزارة وأبا زيد مجهولان، ولم يعرفهما أحد من أصحاب الحديث.
[ ٢ / ٧٩٠ ]
وقال موسى بن هارون: هذا حديث باطل، ولا نعلم أحدا روى هذا الحديث عن ابن مسعود إلا أبا زيد هذا، وهو رجل مجهول، - وعندنا - أنه إذا لم يعلم إسلام الرجل وعدالته لم يجز قبول خبره.
وقد قيل: إنا أبا فزراة راشد بن كيسان كان نباذا بالكوفة، فروي هذا لنفق سلعته.
فإن قيل: فقد روى سفيان الثوري عن أبي فزارة، فدل على أنه ثقة معروف.
وأما بيعة النبيذ فلا يرد به خبره؛ لأن شرب النبيذ حلال كالماء، وليس هذا إلا كبيعه الخل وغيره من المائعات.
[ ٢ / ٧٩١ ]
قيل: نقل الثوري عنه لا يدل على كونه ثقة، كما روى الشعبي عن حارث الأعور، قال: كان والله كذابا.
وأما جواز شربه - عندكم - فإن بيعه من الخاساسات والأكساب الدنيئة، وقد ترد شهادة من يسقط المروءة، وكذلك نقول فيمن يتعاطى شرب المسكر جهارا ويسقط مروئته، ولعل أكثر من يعتقد هذا المذهب لا يستحسن لنفسه الإدمان عليه، فضلا عن بيعه والمجاهرة بشربه، وبيعه على السفهاء الذين لا خلاق لهم يخونون به.
ثم قد وقع الاضطراب في الحديث أيضا فقيل: أبو زيد، وقيل؛ زيد، وقيل: أبو زياد، وأبو زيد.
وأيضا فلو كان الخبر صحيحا لنقله الثقات الإثبات من أصحاب
[ ٢ / ٧٩٢ ]
عبد الله بن مسعود مثل علقمة، والأسود؛ لأنه من مفاخر عبد الله انفراده مع النبي ﵇ ليلة الجن بحث لم يحضراه أحد من الصحابة غيره، فلما لم ينقل هؤلاء الخبر علم أنه لا أصل له.
وأيضا فإن ابن مسعود سئل عنه فأنكره؛ لأنه روى إبراهيم النخعي عن علقمة قال: قلت لعبد الله: هل كنت مع النبي ﵇ ليلة الجن؟. فقالا: لا، وددت أني كنت معه. قال: فقلت: إن الناس يقولون إنك كنت معه. فقال: فقدنا رسول الله ﷺ ليلة، فقلنا: اغتيل أو استطيل - أي
[ ٢ / ٧٩٣ ]
قتل -، فبتنا بشر ليلة بات بها أهلها، فلما أصبح أقبل من ناحية حراء وذكر أن داعي الجن أتاه، فقرأ لهم القرآن. فكما رووا عنه أنه قال: كنت معه، فقد روي عنه أنه قال: ما كنت معه، فتعارضنا.
فإن قيل: خبرنا مثبت فهو أولى. ثم يجوز أن يكون نسى فقال: ما كنت.
وعلى أنه قد كان للجن غير ليلة، فلعل هذه الليلة التي قال فيها: ما كمنت، هي ليلة منها.
قيل: إن قولكم: إن خبرنا مثبت، فإنا كلانا نثبت؛ لأنه من روى أنه كان مع النبي ﵇ أثبت كونه معه، ومن روى أنه لم يمكن معه أُبت كونه مع الصحابة فهما سواء.
وعلى أن هذا ليس من حيث المثبت والنفي؛ لأن الذي أثبت ههنا هو ابن مسعود، وهو الذي ينفي، ويقول: ما كنت. وليس هو قول الراوي عنه: إنه كان، ويقول آخر: إنه لم يكن.
وقولكم: يجوز أن يكون ابن مسعود نسى، فهذا يبعد؛ لأن ليلة الجن مشهورة معروفة،
[ ٢ / ٧٩٤ ]
ولا يظن بمثل ابن مسعود حضورها فينسى، كما يبعد أن ينسى رجل امرأة ولدت له أولادا وماتت فورثها.
وقولكم: قد كانت للجن ليال فلعل ابن مسعود لم يحضر ليلة منها فسئل عنها فقال: ما كنت. فإنا نقول: إن قال نقلة الأخبار والتواريخ إنها كانت ليالي نظرنا فيه.
على أن هذا لا يقع فيه نزاع بين أصحاب عبد اله حتى يسألوه.
فإن قيل: فإننا نستعمل الرواتين فنقول: من روى عنه أنه كان معه، أي في أول الليل، ثم رجع في آخره، ومن روى عنه أنه لم يكن، يعني في آخر الليل ووقت الصبح.
قيل: هذا غلط؛ لأن من روى أنه كان معه أثبت كونه معه في آخر الليل وقت الصبح.
فروى أبو فزارة عن أبي زيد - مولي عمرو بن حريث.
[ ٢ / ٧٩٥ ]
وقد روى أيضا من طريق آخر عن سعيد عن عمروا بن مرة عن عبد الله بن سلمة عن ابن مسعود أنه كان مع النبي ﵇ ليلة الجن.
[ ٢ / ٧٩٦ ]
وعن ابن المبارك عن موسى بن علي بن رباح عن أبيه عن عبد الله أن النبي ﵇ ناداه ليلة الجن.
[ ٢ / ٧٩٧ ]
وعن عبد الله بن رجاء عن إسرائيل عن أبي إسحاق
[ ٢ / ٧٩٨ ]
عن أبي عبيدة عن أبيه قال: كنت مع النبي ﵇ ليلة الجن فقال لي: (التمس ثلاثة أحجار)، فوجدت حجرين وروثة.
وعن معمر عن أي إسحاق عن علقمة بن قيس عن ابن مسعود أن النبي ﵇ ذهب لحاجته فأمر ابن مسعود أن يأتيه بثلاثة أحجار. فجاء بحجرين وروثة.
[ ٢ / ٧٩٩ ]
فأما حديث ابن عباس فرواه ابن مصفى عن أبي عمرو بن سعيد عن ابن لهيعة عن قيس بن
[ ٢ / ٨٠٠ ]
الحجاج عن حنش عن ابن عباس عن ابن مسعود الحديث، وقال فيه: فتوضأ رسول الله ﷺ وقال: (هذا شراب وطهور).
[ ٢ / ٨٠١ ]
وأما حديث أبي رافع فرواه أبو الحسين بن أحمد بن أبي بشر السراج، ومحمد بن عبدوس قالا: حدثنا محمد بن عباد المكي عن أبي سعيد - مولى
[ ٢ / ٨٠٢ ]
بني هاشم - عن حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن أبي رافع عن ابن مسعود أن النبي ﵇ قال ليلة الجن (أمعك ماء؟). قال: لا. قال: (معك نبيذ؟). قال: نعم. فتوضأ به.
[ ٢ / ٨٠٣ ]
وأما حديث أبي وائل فرواه أبو العباس الفضل بن صالح الهاشمي عن الحسين بن عبد الله
[ ٢ / ٨٠٤ ]
العجلي عن أبي معاوية محمد بن حازم عن الأعمش عن أبي وائل قال: سمعت عبد الله بن مسعود قال: كنت مع النبي ﵇ ليلة الجن، فأتاهم فقرأ عليهم القرآن. قال لي رسول الله ﷺ: (أمعك ماء يا بن أم عبد؟) قلت: لا والله يا رسول الله إلا إداوة فيها نبيذ. فقال: (تمرة طيبة وماء طهور). فتوضأ به رسول الله ﷺ.
وحديث أبي زيد بإسناده معروف.
[ ٢ / ٨٠٥ ]
وقد روي هذا عن ابن عباس، وعكرمة، وأبي العالية، ولا نعلم أحدا من الصحابة روى عنه خلاف هذا.
والحديث عن علي أنه كان لا يرى بأسا بالوضوء بالنبيذ.
وعن الحسن مثل ذلك.
[ ٢ / ٨٠٦ ]
والجواب:
أن الناس قد طعنوا على هذه الأحاديث المروية عن أبي زيد، وأنا أذكر ما قيل في كل واحد منها.
فأما حديث أبي رافع، فأبو رافع مجهول، وعلي بن زيد الذي روى عنه ضعيف.
وأما حديث أبي وائل فروايه الحسين بن عبد الله العجلي قيل: إنه يضع الحديث.
[ ٢ / ٨٠٧ ]
وأما حديث ابن عباس فرواه عنه حنش الصنعاني، وهو ضعيف ورواه عن حنش قيس بن الحجاج، وهو مجهول.
وأما حديث أبي عبيدة عن عبد الله فقد قيل: إنه لا يصح له سماع من أبيه.
والذي ذكروا من أن ابن مسعود قال: أتيت النبي ﷺ بحجرين وروثة، فإن هذا كان ليلة الجن، فقيل له: إن هذا حديث آخر عن وكيع عن إسرائل عن أبي إسحاق عن عبد الله قال: خرج رسول الله ﷺ في طلب ثلاثة أحجار وذكر الحديث، فكيف يجوز أن يخلط هذا بليلة الجن؟؛ لأن هذا حديث معروف ليس فيه ذكر ليلة الجن.
[ ٢ / ٨٠٨ ]
والجواب عما ذكروه من الرواية عن علي وابن عباس وغيرهما، فإنه لا يعرف خلاف هذا، فأول ما يقال فيه: إن حديث علي رواه الحارث الأعور، فلا يلزم القول به، والمحفوظ عن علي ﵁ خلاف هذا، وهو قوله بحضر الصحابة لا ينكره أحد: لا لا أوتى بشارب خمر أو مسكر إلا حددته، ولم ينقل عن أحد من الصحابة جوازه.
وقال: جماعة من علماء الحديث: إن الحديث المروي عنه في ذلك لم يثبت.
على أنه لو ثبت لم يخل إما أن يستدلوا به إجماعا أو توقيفا.
فإن استدلوا به إجماعا لم يصح؛ لأننا قد نقلنا عن عمر وابنه
[ ٢ / ٨٠٩ ]
عبد الله أنهما قالا: النبيذ نجس لا يجوز شربه، وإذا كان عندهما نجسا لم يجز عندهما التوضؤ به.
وإن استدلوا به من حيث التوفيق أنهم ما قالوا ذلك إلا توقيفا قلنا: يجوز أن يكونوا قالوه نم الظاهر؛ لأنه - تعالى - قال: ﴿فلم تجدوا ماء فتيمموا﴾، فقالوا: في النبيذ ماء فجاز التوضؤ به. أو يكونوا قالوا بجوازه لحديث عبد الله بن مسعود، وقد بينا فساد الدلالة منه بما بيناه من تركهم ماء البحر بالنبيذ، وأبو حنيفة لا يتركه به.
قيل: لم يرو هذا، وقد روي عن أبي العالية كراهية ذلك، فروي عنه أنه سئل عن رجل أجنب ولي عنده ماء أيغتسل بالنبيذ؟ فكرهه.
[ ٢ / ٨١٠ ]
فقيل له: أرأيت ليلة الجن؟. فقال: أنبذتكم هذه؟. إنما كان ذلك زبيبا وماء.
وقد ثبت عن جمهور الصحابة تحريم النبيذ، فأي خلاف يكون أكثر من هذا؟. ولعل النقل في منع التوضؤ بالنبيذ مما يقل لشهرة المنع منه، كما قل النقل في التوضؤ بالخمر والمياه النجسة.
على أننا نقول: لو صح كون عبد الله مع النبي ﵇ ليلة الجن لكان الجواب عن الخبر من وجوه:
أحدهما: أنه لا دلالة في ظاهره؛ لأن قوله ﵇: (تمرة طيبة وماء طهور) يقتضي أن يكون في الحال تمرا وماء، ولا يكون نبيذا، وعلى ما يقولون قوله: (تمرة طيبة وماء طهور) على المجاز، أي: كان تمرا طيبا وماء طهورا.
فإن قيل: قال عبد الله بن مسعود: معي نبيذ.
قيل: له تأويلان:
أحدهما: أن قوله: معي نبيذ. أي: ماء منبوذ.
والثاني: أي يؤول إلى نبيذ، كقوله - تعالى -: ﴿إني أراني أعصر خمرا﴾، وكقوله: ﴿ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه فقد
[ ٢ / ٨١١ ]
رأيتموه﴾، رأوا أمارته، وكقوله: ﴿حتى إذا حضر أحدهم الموت﴾.
فإن قيل: فنحن نقول: تمرة طيبة وماء طهور، أي كان لا في الحال؛ بدليل قول عبد اله: معي نبيذ.
قيل: إذا لم يكن بد من تحقيق أحد الكلامين، فتحقيق قول النبي ﵇، وتأويل قول عبد الله أولى، فنحمل قول عبد الله على المجاز بالتأويل بقول النبي ﵇، وقوله: (تمرة طيبة وماء طهور).
فإن قيل: فقد نفى عبد الله أن يكون معه ماء. ألا ترى لما سأله ﵇: (هل معك ماء؟)، قال: لا. فعلم أنه كان نبيذا لا ماء منبوذا، أو نبذ فيه تمر.
قيل: الجواب عنه تأويلين:
أحدهما: وقد ذكرناه أنه قال: لا. يعني الماء للتوضؤ؛ لأن الماء الذي كان معه للشرب؛ لأن مياههم كان فيها ملوحة، فكانوا يستعذبونها بالتمر للشرب، ويتوضؤون بها غير مستعذبة، فلهذا قال: ليس معي ماء لم ينبذ فيه تمر.
والثاني: أن الخبر منسوخ؛ لأن ليلة الجن كانت بمكة في صدر
[ ٢ / ٨١٢ ]
الإسلام، وقوله ﷿: ﴿فلم تجدوا ماء﴾ متأخر؛ لأنها نزلت في غزوة المريسيع حيث فقدت عائشة ﵂ عقدها، فاشتغلوا به حتى فتتهم الصلاة، فأنزل الله - تعالى -: ﴿فلم تجدوا ماء فتيمموا﴾، والمتأخر - عند أبي حنيفة - ينسخ المتقدم، سواء كان المتأخر عاما أو خاصا.
على أننا نقول: لو لم يكن منسوخا لم يسع الحجاج به؛ لأن النبي ﵇ توضأ بنبيذ التمر التي منه لا المطبوخ؛ لأن العرب لم تكن تطبخ الأنبذة - وعند أبي حنيفة - لا يجوز التوضؤ بالني، وإنما يجوز بالمطبوخ المسكر.
فإن قيل: يجوز - عندنا - أن سنسخ الأصل ويبقى الفرع.
قيل: لا يجوز - عندنا - أن يثبت الفرع ويرتفع الأصل. ألا ترى
[ ٢ / ٨١٣ ]
أن القياس في الأرز على البر صحيح، ولا يجوز لأحد الربا في الأرز الذي هو فرع للحنطة ويسقط حكم البر.
فإن قيل: النسخ لا يكون بالاحتمال، سيما إذا أمكن الاستعمال.
وعلى أن هذا يكون نسخا للسنة بالقرآن، وهذا لا يجوز.
قيل: لم ينسخ بالاحتمال، فإذا ثبت لنا التاريخ لم يبق هناك احتمال. ألا ترى إلى قول الراوي: كنا نأخذ بالأحدث فالأحدث من فعل النبي ﵇.
[ ٢ / ٨١٤ ]
وقولهم: إن نسخ السنة بالقرآن لا يجوز فإنه يجوز - عندنا -، ولو قلنا: إنه لا يجوز لقلنا: إن إباحة النبيذ بالقرآن في سورة النحل، ثم نسخ بما ذكرناه.
وقولهم: إن الاستعمال ممكن فليس كذلك؛ لأن النبيذ منعوا شربه منعوا التوضؤ به.
وجواب آخر: وهو أن هذه قضية واحدة في عين، فيحتمل أن يكون قول ابن مسعود: توضأ به، أي غسل شيئا كان عليه أراد أن يزيله به لا لصلاة، وهذا يسمى وضوءا.
فإن قيل: روى أنه توضأ وصلى.
قيل: غسل الذي قلناه، وصلى بوضوء متقدم. وإذا احتمل ما قلناه، واحتمل ما قلتموه لم يعترض به على عموم الآية والأخبار.
وأيضا: فليس عند أبي حنيفة أن أفعال النبي ﷺ على الوجوب.
وأيضا: فهم أبعد الناس نم هذا؛ لأنهم يزعمون أن الزيادة في النص نسخ، والله - تعالى - نص على الصعيد عند عدم الماء، فإذا قالوا: معناه فلم تجدوا ماء ولا نبيذا فقد زادوا في النص بخبر واحد، وهذا نسخ.
[ ٢ / ٨١٥ ]
وهو مع هذا خبر ضعيف على ما بيناه، وقد ألزمونا هذا في الشاهد واليمين.
فإذا قالوا: فإذا فعلتم هذا في اليمين مع الشاهد، وفي التغريب مع الجلد فلم تمتنعون منه ههنا؟.
قيل: إنا أنكرنا عليكم انتم؛ لأنكم لا تجوزونه، ونحن نجوزه. فأما امتناعنا نحن منه ههنا فليس لأنه زيادة في النص، ولكن لما سمعتموه من الدلال.
مع أننا وإن زدنا التغريب مع الجلد فلم نسقط شيئا ورد به القرآن، وأنتم إذا استعملتم النبيذ أسقطتم التيمم مع وجوده لا محالة. وهذا إسقاط لشيء من القرآن في غير موضعه.
فإن قيل: قولكم إن النبيذ كان نيا فقد خالفتم الخبر لا يلزمنا؛ لأن النبي ﵇ لم يستفسر ابن مسعود عنه، هل هو ني أو مطبوخ؟. فصار كالعموم، ثم قامت الدلالة على تخصيصه، فلم يجز الني وبقي المطبوخ. وقد يجوز أيضا أن يكون نيا كما زعمتم فكان يجوز هو والمطبوخ، ثم لما خص النبي ﵇ التي بالمنع بقي الباقي على الجواز على ما دل عليه الخبر؛ لأن النبي ﵇ لم يبين في وقت قيل له: معي نبيذ.
[ ٢ / ٨١٦ ]
قيل: لا يجوز التخصيص بمثل معنى المخصوص منه، ونحن نعلم أن الطبخ لم يغير من حكمنه شيئا؛ لأن الغلبة من التمر للماء والشدة المخصوصة فيه على ما هي عليه في الني، فإذا لم يجز التوضؤ بالأصل الذي نص عليه وارتفع حكمه كان فيما لم يرد النص فيه وعلة الني فيه موجودة أولى أن لا يجوز.
ثم مع هذا فإن النبي ﵇ كان ينهى عن النبيذ المشتد، وينهى عن الانتباذ في أوعية مخصوصة؛ لئلا يسرع إليها النش والشدة، ويعلم
[ ٢ / ٨١٧ ]
أن ابن مسعود لا يكون معه نبيذ مشتد وهو ني طاهر بإجماع. فإذا ثبت عنه المنع بالتوضؤ بمثل هذا كان محالا أن يجوزه فيما قد اشتد وقد نهى عن شربه، وصار مختلفا في نجاسته، ويمنع من جوازه في الحلال بإجماع.
فإن قيل: إنكاركم علينا نسخ الأصل وبقاء الفرع قد قلتم بمثله في القرعة، فزعمتم أن الأصل فيها قصة مريم، وقوله - تعالى - ﴿إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم﴾، وقوله في قصة يونس: ﴿فساهم فكان من المدحضين﴾، ثم قلتم إن القرعة لا تصح في الإلقاء في البحر، ولا في الكفالة، فأبطلتموها فيما وردت فيه، وأخذتم بالقرعة منها في القسمة وغيرها.
[ ٢ / ٨١٨ ]
قيل: اعترفوا بأنكم قد فعلتم ذلك، وأنه منكر، ثم ننظر فيما عملناه نحن.
على أننا لم نفعل في القرعة ما ذكرتموه، وإنما الأصل - عندنا الأحاديث المروية عن النبي ﵇، وأنه استعمل القرعة في شرعه في قسمة الأرض، والقسم
[ ٢ / ٨١٩ ]
بين نسائه، وبين العبيد الذين أتقهم الأنصاري عند موته، ولو جعلنا الأصل قصة يونس لكتن كما ذكرتم.
فإن قيل: إن خبر ابن مسعود كان قبل تحريم الخمر.
قيل: فقد جاء من هذا ما يريد، وأن الوضوء بالنبيذ منسوخ، لأن فيه معنى الخمر.
ثم نقول لهم: أنتم أبعد الناس من الاستدلال بمثل هذا؛ لأنكم تزعمون أن الحديث إذا كان خبر واحد وجاء بما لا يطابق الأصول لم يعمل به، وألزمتمونا ذلك في مس الذكر وغيره، ثم وجدنا خبر النبيذ من أشد شيء منافاة للأصول؛ لأننا نجد الخل أخف حالا، وكذلك ماء الزعفران وماء الورد والباقلاء من النبيذ، ومع هذا فلم يجز الوضوء بذلك، فالنبيذ أولى.
فإن قيل: إن هذا الخبر لم يعترض على الأصول نفسها، وإنما اعترض على قياس الأصول.
قيل: كل شيء رددتموه من أخبار الآحاد فإنما رددتموه؛ لأنه يزاحم الأصول فأما نفس الأصول فلا يبطلها إلا نفس النطق، مثل أن
[ ٢ / ٨٢٠ ]
تكون الأصول مبنية على أن القاتل يقتل، فيرد خبر واحد فيه لا يقتل قاتل.
فإن قيل: قد قلتم أنتم بخبر القرعة، وهو ينافي موجبات الأصول؛ لأن العتق إذا توجه إلى جماعة فقد حصل في كل عبد جزء من الحرية، فإن قلتم في ذلك بالقرعة فهو منافاة للأصول بخبر واحد.
قيل: إنما ألزمناكم هذا؛ لأنكم أنتم استدللتم به، وأنتم تنكرونه، فلا يلزمنا نحن.
فأما قصة العتق فلا نقول: إن العتق وقع على كل واحد منهم، وإنما هو مراعى إلى أن تقع القرعة، كما نقول في الذي لا يملك إلا عبدا واحدا فأعتقه في مرضه إنه موقوف.
وأيضا فإنهم يقولون: إن الخبرين إذا وردا وكان أحدهما متفقا على استعماله، والآخر مختلفا في استعماله فالمتفق على استعماله أولى. قالوا ذلك: (فيما سقت السماء العشر)، وليس فيما دون خمسة أو سق صدقة)، وما أشبه ذلك. فقد روينا أخبارا ههنا متفقا
[ ٢ / ٨٢١ ]
عليها في الاستعمال في الماء إما من حيث النطق، أو من حيث الدليل، ورووا خبر ابن مسعود في النبيذ، وهو مختلف في استعماله. فوجب أن لا يقولوا به.
فإن قيل: فقد روى عكرمة عن ابن عباس أن النبي ﵇ قال: (النبيذ وضوء من لم يجد الماء) لا، ولا يمكن حمل هذا الخبر على شيء إلا بإسقاطه.
قيل: الخبر ضعيف.
على أنه يمكن استعماله وتأويله فيحتمل أن يكون أراد الماء الذي يسمى نبيذا، وهو الذي طرح فيه التمر ولم يمنع فيه، وإنما سمي بذلك لما يؤول إليه كقوله: ﴿إني أراني أعصر خمرا﴾.
ويحتمل أيضا أن يكون منسوخا.
ويحتمل أيضا أن يريد الوضوء الذي يغسل به الشيء فإنه يسمى وضوءا.
[ ٢ / ٨٢٢ ]
ويحتمل أن يكون أراد غسل اليدين الغمر، فإن النبيذ الحلو يقلع ذلك، ويسمى ذلك وضوءا. كما قال معاذ: كنا نسمي ذلك وضوءا، بالدلائل التي ذكرناها.
فإن تعسف منهم متعسف بقياس يذكره فيقول: يجوز الوضوء بالماء الذي فيه تمر قليل، طبخ طبخا لم يتغير فكذلك إذا تغير؛ بعلة أنه ماء طبخ فيه تمر فلم يمنع من استعماله عند عدم الماء.
أو نقول: هو مائع يسمى طهورا في الشريعة، يدل عليه: قوله ﵇ في حديث ابن مسعود: (هو شراب طهور)، وإذا سمي طهورا في الشريعة أشبه الماء.
قيل: أول ما في هذا: أن صاحب هذه المقالة يعترف بأنه مخالف للقياس في هذه المسألة، وإنما يحتج بالخبر، وقد قال بعض شيوخهم في شرحه مختصر الطحاوي: إن القياس يمنع - عند أبي حنيفة - من جواز التوضؤ بالنبيذ؛ لاتفاق فقهاء الأمصار على الامتناع من جوازه بالخل والمرق.
[ ٢ / ٨٢٣ ]
وأيضا فهو منتقض به إذا لم يذهب ثلثاه.
وقولهم: هو مائع يسمى طهورا فإننا لا نسلم له ذلك، وقد قلنا إن قول النبي ﵇ إن صح ذلك عنه - ينصرف إلى الماء الذي فيه تم لم يمنع فيه ولا غيره، وإلا فطهور - عندنا - لا يسمى به غير الماء المطلق.
ثم قولهم: فأشبه الماء غلط؛ لأنه لا يجوز مع وجود الماء.
ولنا إذا سئلنا ابتداء عن هذه المسألة أن نقول: القياس عليه، فيصير الكلام في هذا الأصل، فإن سلم طرح الخبر إن صح ولم يكن التأويل فيه، وإن قلنا: إن الخبر مقدم فقد ذكرنا ما فيه كفاية، وبالله التوفيق.
[ ٢ / ٨٢٤ ]