لا تجوز إزالة النجاسة من الثوب والبدن وغيرهما إلا بما يجوز التوضؤ به من الماء دون سائر المائعات. وبه قال الشافعي؛ ومحمد ابن الحسن وزفر.
وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: تزول بكل مائع طاهر.
فأما الدهن والمرق فعنه رواية أنه لا تجوز إزالتها به. إلا أن أصحابه يقولون: إذا زالت النجاسة به جاز. وكذلك - عنده - للنار والشمس في إزالتها مدخل، حتى إن جلد الميتة إذا جف في الشمس طهر من غير دباغ. وكذلك يقول: إذا كان على الأرض نجاسة فجفت في الشمس فإنه يطهر ذلك الموضع بحيث تجوز الصلاة عليه، ولكن لا يجوز التيمم بذلك التراب، وكذلك يقول في النار: إنها تزيل النجاسة.
[ ٢ / ٨٢٥ ]
والدليل لقولنا استصحاب الحال، وكون ذلك الشيء نجسا، فمن زعم أنه يطهر بالمائع سوى الماء فعليه الدليل.
وأيضا قوله - تعالى -: ﴿وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به﴾، ففي هذا دليلان.
أحدهما: أن الله - تعالى - أخرج هذا مخرج الامتنان والفضيلة للماء، فلو كان غير الماء في إزالة النجاسة في حكم الماء لبطلت فائدة الامتنان بالماء.
والثاني: هو أنه لو نص على الماء لينبه على ما عداه من المائعات لوجب أن ينص على أدون المائعات في الإزالة؛ ليكون فيه تنبيه على أعلاها مثل الماء، فلما نص على الماء نم بين سائر المائعات، وخصه بالذكر - وهو أعلاها - علم أنه خصه بالذكر لتخصيصه بالحكم، ثم إنه - تعالى - أكد ذلك بقوله: ﴿ويذهب عنكم رجز الشيطان﴾، قيل: إنه النجاسة، وإذا كان النص ورد بالماء دل على أنه ما عاداه بخلافه.
[ ٢ / ٨٢٦ ]
وأيضا قوله - تعالى -: ﴿وأنزلنا من السماء ماء طهورا﴾، فدل على أن غير الماء لا يكون طهورا.
وأيضا ما روي أن أسماء بنت أبي بكر سألت رسول الله ﷺ عن دم الحيض يصيب الثوب، فقال ﵇: (حتيه ثم اقرصيه ثم اغسليه بالماء) لا، فأمر ﵇ بغسله بالماء، والأمر إذا توجه معينا بشيء لم يسقط إلا بالإتيان بذلك المعين، فوجب إذا غسل بغير الماء أن يكون حكم الأمر باقيا على المأمور، وإلا فهو بمنزلة من لم يغسله أصلا؛ لأنه خالف الأمر. ودليله ألا يغسل بغير الماء، فقد حصل من هذا الخبر ثلاثة أدلة:
أحدها: أن قوله ﵇: (اغسليه بالماء)، لفظه لفظ أمر فهو على الوجوب، ومن عدل عن الماء ترك الواجب.
والثاني: أنه موضع تعليم وبيان، فلو كان غير الماء
[ ٢ / ٨٢٧ ]
يزيل ذلك لم يغفله وبينه لها.
والثالث: لما نص دل على أن غيره بخلافه.
فإن قيل: الأمر توجه إلى الندم؛ لأن الهاء في قوله: (حتيه ثم اقرصيه ثم اغسليه) هي ضمير الدم؛ وإذا غسل الدم بالخل متى ذهبت حمرته لم يبق هناك دم يجب غسله، فوجب أن يسقط عنه.
قيل عنه جوابان:
أحدهما: أن كلامنا في أن الذي تزال به النجاسة متعين أو لا. وأنتم تقولون: هو مخير بين أن يزيلها بالخل أو الماء، ولا تعينون شيئا. ونحن نقول: إنه متعين إزالته بالماء؛ لأن الخبر يقتضي تعيين الماء، فإذا صح تعيينه بالنص عليه بقوله: (ثم اغسليه بالماء) سقط التخيير.
والجواب الثاني: أن الهاء فيه راجعة إلى المحل لا إلى الدم، والمحل موجود، فالأمر عليه باق، وإن زال عين الدم بالخل.
فإن قيل: فقد قال ﵇: (حتيه ثم اقرصيه)، وليس كل ذلك واجبا.
قيل: عنه جوابان:
أحدهما: أن دلكه واجب، وهو قرصه حتى يزول بالماء.
[ ٢ / ٨٢٨ ]
والثاني: أن الظاهر يقتضي عموم ذلك، فما خص منه خرج بالدليل، وبقي الباقي من غسله بالماء على ما يقتضيه الخبر.
على أن سقوط الحت والقرص من الوجوب لا يدل على أن الغسل بالماء ليس بواجب، كما لم يدل على أن نفس الغسل ليس بواجب.
فإن قيل: فإن الأمر بغسله - عندكم - ليس بواجب؛ لأن إزالة الأنجاس ليس بفرض - عندكم -.
قيل: في رواية عن مالك أنه واجب.
وإن قلنا: إنه ليس بفرض وإنما هو مسنون لم يخرج أن تكون صفة غسله المسنون بالماء دون غيره؛ لأن النص والتعيين وقع فيه على الماء دون غيره.
ولنا أيضا ما روي أن أعرابيا بال في المسجد فقال النبي ﵇: (صبوا عليه ذنوبا أو ذنوبين من ماء)، والاستدلال منه كهو من الخبر الأول.
فإن قيل: إن خبر أسماء قد تناول اليسير من الدم؛ لامتناع حمل اللفظ على الحقيقة والمجاز في حالة واحدة.
قيل: لو كان الحكم يختلف في غسل القليل من الدم والكثير بالماء
[ ٢ / ٨٢٩ ]
لبينه ﵇؛ حتى يعلم الفرق بين ذلك، فلما لم يفرق علم أن المسنون والمفروض والمستحب كله بالماء.
ولنا من جهة القياس أن نقول: هو مانع من الصلاة، أمر في رفعه بضرب من المائع، فوجب أن يكون ذلك المائع ماء، دليله رفع الحدث.
أو نقول: غسله عبادة تعلقت بالصلاة فلم يجزئ بغير الماء المطلق، دليله ماء فع الحدث.
فإن قل: الفصل بنهما أن من شرط رفع الحدث - عندكم - النية.
قيل: فأنتم لا توجبونها في الجميع.
على أن هذه علة لا تتعدى فلا تصح - عندكم - أيضا، وتصح - عندنا -، ولكن المتعدية أولى منها عند اجتماعها.
ونقول أيضا: هي طهارة لا تلحق المشقة في اعتبار الماء فيها غالبا فوجب أن لا تجوز بغير الماء. أصله طهارة الحدث.
ونقول أيضا: إن المائع إذا لاقى النجس على الثوب والبدن تنجس؛
[ ٢ / ٨٣٠ ]
لأن المائع الكثير إذا حلت فيه نجاسة يسيرة، غيرته أو لم تغيره فإنه نجس كله.
فعلى هذا لا يطهر الثوب؛ لأنه كلما غسله بالخل تنجس الخل، فيلاقي النجس النجس، والماء بخلاف ذلك؛ لأن إذا كثر رفع النجس عن نفسه، كما أنه يرفع الحدث.
ونقول أيضا: هي طهارة شرعية فوجب ألا تصح بالخل، وماء الباقلاء، ولا الماء كرفع الحدث.
أو نقول: هو غسل واجب أن لا يصح بغير الماء، أصله الغسل من الجنابة وغسل الميت.
وهذا التعليل إنما يلزمهم في النجاسة إذا كانت على البدن، ولا يلزمهم ذلك في الثوب؛ لأنهم يقولون غسله ليس بواجب.
[ ٢ / ٨٣١ ]
ولنا أن نقيسه على الدهن والمرق، لأنه لا يزيل النجس، بعلة أنه مائع لا يرفع الحدث فوجب ألا يرفع النجس. أصله ما ذكرنا من الدهن.
فإن قيل: - عندنا - أن الدهن والمرق يجوز إزالة النجاسة بهما.
قيل: قد قال أبو حنيفة أيضا: إنه لا يجوز. فقولكم: إنه لا يزيل لا يخلو من تريدوا أنه لا يزيل حكمها أو عينها. فإن أردتم أنه لا يزيل عينها فهو دفع المشاهدة؛ لأن النجاسة لو كانت على شيء أملس، وصب عليها الدهن والزيت، وغسلت به انقلع عينها حتى لا يبقى منها شيء.
وإن أردتم أنه لا يزيل حكمها فكذلك سائر المائعات - عندنا - لا تزيل حكمها.
فإن سلموا أن النجاسة لا تزال بالدموع والعرق قسنا عليه المائعات كلها؛ بعلة أنه ليس بماء مطلق، أو بعلة أنها لا ترفع الحدث.
ومن طريق الاستدلال نقول: رأسنا جنس الماء إذا كان كثيرا يدفع الأنجاس عن نفسه إذا لم يتغير، وليس كذلك جنس المائع، فإذا لم يدفع النجس عن نفسه فبأن لا يدفعه عن غيره أولى.
[ ٢ / ٨٣٢ ]
هذا قد ذكره أصحابنا والناس، ولكنهم لا يسلمونه ويقولون: المانع الكثير لا يقبل النجاسة إذا لم تغيره، فيدفعها عن نفسه كالماء، ولكننا إذا اعتبرنا أصولهم كان ما قلناه صحيحا وذلك أن النجاسة أغلظ حكما وأقوى من الحدث أو مثله؛ لأن الماء المزال به النجاسة مسلوب الصفتين - عندهم - من الطهارة والتطهير، فيكون نجسا، أو يسلب التطهير وحده فيكون طاهرا غير مطهر، - وعندهم - أن الماء المستعمل نجس على مذهب أبي حنيفة وأبي يوسف فينبغي أن لا تجوز إزالة النجاسة به.
فإن ركبوا قول محمد بن الحسن في أن الماء المستعمل طاهر.
قيل لهم: فعلى كل حال إزالة النجاسة أكد - عندكم - من رفع الحدث؛ بدليل أن إنسانا لو كان معه ماء لا يكفيه لرفع الحدث وإزالة النجس جميعا، وهو يكفي لأحدهما فإنه يزيل به النجس ويتيمم للصلاة، فإذا كانت إزالة النجس أقوى ولم يرتفع الحدث بالمائع فأولى ألا يزول به النجس.
وأيضا فإن تيمم المحدث يسقط الفرض، وتيمم من عليه نجاسة لا
[ ٢ / ٨٣٣ ]
يسقط الفرض، فإن صلى وعليه النجاسة كانت عليه الإعادة، فعلم بهذا أن إزالة النجس - عندهم - أغلظ وأقوى من رفع الحدث -، فلما كان الحدث الذي هو دونها لا يرتفع إلا بالماء دون سائر المائعات غيره كانت النجاسة التي هي أقوى أن لا ترتفع بالمائعات غير الماء.
وأما على أصولنا فإن إزالة النجاسة أخفض من إزالة الحدث لا محالة؛ لأن الناس اختلفوا في وجوب إزالة النجس. فقال بعضهم: فرض، وقال بعضهم مسنون، ولم يختلفوا في فرض إزالة الحدث.
وإزالة النجس لا تفتقر إلى نية، ورفع الحدث يفتقر إلى نية - عندنا - غير أن إزالة النجس طهارة من أجل الصلاة، ورفع الحدث طهارة، وليس قوة إحدى الطهارتين على الأخرى بمخرج لها عن الماء إلى المائع. ألا ترى أن الوضوء من الحدث طهارة، وغسل الجنابة طهارة، وهو أقوى من الوضوء؛ لأن فيه غسل جميع البدن، ومع هذا فقد استوى حكمها في الماء، فكذلك يستوي حم إزالة النجس والوضوء في الماء، وإن كانت إزالة النجاسة أضعف من الوضوء.
فإن قيل: قد قال النبي ﵇ في المستيقظ من النوم: (لا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثا)، ولم يخص غسلها بشيء من المائعات، فهو عموم.
[ ٢ / ٨٣٤ ]
وقال في الولوغ: (إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله).
وقال لعمار: (إنما يغسل الثوب من المني والدم والبول)، ولم يخص شيئا مما يغسل به، فوجب إجراؤه على عمومه في كل ما يتأتى به الغسل إلا ما خصه الدليل.
قيل: هذه عمومات يقضي عليها نصه على الماء في حديث أسماء،
[ ٢ / ٨٣٥ ]
وهو قوله: (ثم اغسليه بالماء)، دليله ألا يغسل بغير الماء.
فإن قيل: قد روي عن أم سلمة قالت: قلت يا رسول الله، إني امرأة أطيل ذيلي، فأجره على المكان القذر. فقال ﷺ: (يطهره ما بعده)، وليس ما بعده إلا الأرض والتراب.
[ ٢ / ٨٣٦ ]
على أن الغرض من الأخبار الغسل، ثم بماذا يغسل مأخوذ نم قوله: ﴿وأنزلنا من المساء ماء طهورا﴾، وقوله: ﴿ليطهركم به﴾، وقوله لأسماء: (ثم اغسليه بالماء)، وغسل الإناء من ولوغ الكلب - عندنا - ليس بنجاسة، وإنما هو عبادة بالماء.
وأيضا قوله ﵇: (إذا أصاب خف أحدكم أذى فليدلكه بالأرض). وروي: (فليمسه).
[ ٢ / ٨٣٧ ]
وأيضا فقد روي أن عائشة ﵂ أصاب ثوبها الدم، فبلته بريقها ومصته، فدل على أن الريق يزيل النجاسة.
قيل: أما قوله ﵇ لأم سلمة: (يطهره ما بعده) أراد به إذا علق به النجس اليابس، وجرته على التراب انقلع؛ بدليل أن النجاسة الطرية إذا أصابت ثوبا أو خفا أو نعلا لم تزل بالدلك وغيره بإجماع. وقد وافقونا على أن التراب لا يزل النجس في غير المخرج، فصال للحديث معنى، وهو ما ذكرناه.
[ ٢ / ٨٣٨ ]
فإن قيل: فما معنى قوله: (يطهره ما بعده)؟.
قلنا: لو بقي في الثوب لم يجز أن يصلي به حتى يلقيه، كما لا يصلي إنسان وهو حامل للميتة أو غيرها من الأنجاس؛ لأن الثوب نفسه نجس.
ثم نتأول بتأويل آخر فنقول: يجوز أن يصيب ثوبها شيء نجس رطب فيطهره ما بعده إذا كان ماء واقفا في طرق وانجر الثوب فيه؛ لأن الغريبة من النساء تجر الثوب خلفها نحو الذراع وأكثر، وإذا احتمل هذا خصصناه بما ذكرناه من قوله ﵇ لأسماء في الماء.
وأما قوله ﵇ في الخف يصيبه الأذى. معناه من أرواث الدواب والبغال والحمير؛ لأن الغالب كونها في الطرقات، وهي - عندنا - مكروهة لا نجسة، وليس الغالب أن الناس يتغوطون ويبولون في الطرقات إلا في الجوانب.
ويجوز أن يريد النجاسة اليابسة أيضا بدليل ما ذكرناه من الآيات، وخبر أسماء في الماء.
وأما حديث عائشة في بل الدم بالريق ومصه، فإنه في دم يسير
[ ٢ / ٨٣٩ ]
معفو عنه لو لم تزله؛ بدليل أن الكثير لا يمكن بله بالريق ولا إزالته به.
ثم يجوز أن يكحون مصته ثم غسلته بعد ذلك، كما قال ﵇ لأسماء: (حتيه ثم اقرصيه ثم اغسليه بالماء).
فإن قيل: فقد قال - تعالى -: ﴿وثيابك فطهر﴾، ولم يخص ما يطهر به.
وأيضا فإننا نفرض المسألة في هل يجوز أن تطهر النجاسات بغير الماء؟. فإن سلمتم لنا ذلك سلمت المسألة.
قالوا: ولعاب الهر مائع طاهر، ثم قد اتفقنا على أنها لو أكلت ميتة، ثم ولغت في إناء لم تنجسه، ولم نجد ههنا ما أزال تلك النجاسة إلا لعابها فدل على ما ذكرناه.
قيل: أما قوله - تعالى -: ﴿وثيابك فطهر﴾، لا نسلم أنها تطهر بغير الماء، ولكنها تطهر بما ذكره - تعالى - من قوله - تعالى -: ﴿وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به ﴿، وبما ذكره لأسماء.
[ ٢ / ٨٤٠ ]
على أن قوله ﴿وثيابك فطهر﴾ معناه - عندنا -: وقلبك فنقه على ما ذكره ابن عباس، ولم يرد به طهره من نجاسة.
وأما ولوغ الهر فلا يلزمنا من وجوه:
أحدهما: أن نفس لعابها لو كان نجسا وحل في الماء لم يغيره وهو طاهر كسائر الأنجاس التي لا تغير الماء، فكيف ولعابها طاهر؟. ولو بقي في فمها شيء من دم الميتة، فشاهده، ثم حصل في الماء ولم يغيره لكان الماء طاهرا - عندنا -.
ثم لا يلزم أيضا لغيرنا ممن ألزموه؛ لأنهم على ضربين:
منهم من يقول: إن لم تبرح الهر بعد أكلها الميتة حتى شربت من الإناء فإنه نجس، وإن غابت ثم رجعت فشربت من الإناء كان طاهرا؛ لجواز أن يكون قد شربت في غيبتها ماء فغسل ما فيها.
ومنهم من يقول: هذه حال ضرورة، ولا يمكن الاحتراز منها؛ لأنها من الطوافين عليكم، فعفي عن ذلك للضرورة، كما عفي عن دم البراغيث.
[ ٢ / ٨٤١ ]
فإن قيل: رأينا المحرم ممنوعا من استعمال الطيب على بدنه، فلو أنه أطلى بخلوق لأجزاه أن يزيله بالخل، كما يجزئه بالماء، فدل على أن المائعات تعمل عمل الماء في العبادات غير إزالة الحدث.
ولأنها عين استحق إزالته لحرمة عبادة فأشبه إزالة الطيب نم ثوب المحرم.
وأيضا فإذا أزيلت بمائع طاهر فإنها عين من النجاسة قد عدمت من الثوب في حال الصلاة فوجب أن يحكم بجوازها. دليله القطع، يعنون إذا قطعت عين الموضع من الثوب.
قيل: أما زوال الخلوق من ثوب المحرم بالخل فهو دعوى، ولا أعرف فيه نصا عن مالك ﵁.
فإن قلنا: إنه لا يزول إلا بالماء سقط السؤال. وإن قلنا: يجوز. فليس الطبيب نجسا يمنع من الصلاة فيه، وإنما منع منه مع كونه طاهرا؛ لئلا يلتذ بريحه فتدعوه نفسه إلى الجماع، أو يخرج به عن قشف الإحرام ومتعته، وخلافنا وقع في إزالة نجس، فإن كان ذلك من أجل سقوط الفدية وجبت بحقوله إن علم به ولم يزله، وإن أزاله فهو كما يزيله بالماء النجس، فإن الفدية تسقط كما تسقط بزواله بالخل، والأنجاس فلا تزول بالماء النجس.
وأما قطع موضع النجاسة فهو أبلغ من الماء؛ لأن العين والأثر ينقلع لا محالة، فلا يحصل مصليا بما فيه خلاف، كما لو طرح الثوب جملة ولم يصل فيه. وإذا غسله بمائع فإن النجس - عندنا - لم يفارقه؛ لأن المائع ينجس، فإن انقلعت تلك العين النجسة خلفتها نجاسة أخرى، فهو كما يزيل العين بالبول.
[ ٢ / ٨٤٢ ]
فإن قيل: فإنه مائع طاهر فجاز إزالة النجاسة به أصله الماء.
وأيضا فإن الخمر إذا انقلبت خلا فقد طهرت هي والدن جميعا. ونحن نعلم أن الخمر كانت نجسة والدن نجس، ولم يطهره إلا الخل الذي انقلبت عينه من الخمر، فدل على أن الخل يزيل النجاسة.
وأيضا فإن الحكم إذا ثبت بمعنى زال بزوال ذلك المعنى. الدليل على ذلك الأصول كلها، فلما تقرر أن المنع من الصلاة كان لوجود عين النجاسة على البدن والثوب، وقد نفدت العين وعدمت المشاهدة إذا أزيلت بالخل فوجب أن يرتفع المنع منها.
قيل: أما القياس على الماء، فإن المعنى في الماء أنه يرفع الحدث، والمائعات سواه لا ترفع الحدث.
وما قالوه من نجاسة الدن وزوالها بالخل، فإننا نقول: إن الدن جامد كان طاهرا قبل حدوث الشدة في الخمر، وإنما حصل على وجهه أجزاء نجسة من الخمر، فإذا انقلبت الخمر خلا انقلبت تلك الأجزاء أيضا خلا، فلم تزل باخل أصلا، وإنما انقلبت كما انقلبت نفس الخمر، فوزان مسألتنا: أن تصيب الثوب نجاسة، فتنقلب عينها فتصر طاهرة، فنقول: إن هذا لا يحتاج إلى غسل.
ثم نقول: لو كان الدن إنما طهر بالخل على طريق الغسل لوجب أن لا يحكم بطهارته، ولا بطهارة ذلك الخل. ألا ترى أن إناء لو كان فيه بول أو دم فصب عليه الخل حتى ملأ الدن، فإن الخل ينجس ولا يطهر الإناء، فعلمنا أن الدن لم يطهر بكون الخل فيه، وإنما طهر بما ذكرناه. ويبين ذلك: أن الدن لو جرد حتى تنقلع منه تلك الأجزاء لحكمنا بطهارته؛ لأن الأجزاء النجسة زالت عنه.
[ ٢ / ٨٤٣ ]
ثم نقول أيضا: إن من مذهبهم أن الماء الذي تغسل به النجاسة يكون نجسا، فكيف بالخل؟. فلو كان الدن إنما طهر بغسل الخل له لوجب أن يكون ذلك الخل نجسا. ألا ترى أنه لو كان الدن نجسا بالخمر ثم غسل بخل آخر لم يطهر وينجس الخل.
وقولهم: إن الحكم إذا وجب لعلة زال بزوالها باطل على مذهبهم بعظم الخنزير أو شعره إذا غمس في الماء فإن الماء نجس بوجوده فيه، ثم إذا أخرجه منه زالت العين ولم تزل نجاسة الماء، وقد ارتفعت العلة ولم يرتفع الحكم، وقال بعضهم: قد يبقى في الماء جزء لطيف فلهذا بقيت نجاسة الماء، وهذا ليس بشيء؛ لأنه لا ينحل من الشعر شيء.
فإن قيل: النجاسة التي حصلت لأجله قد زالت بزواله ولكن تعقبته علة أخرى، فهو نجس بمعنى آخر؛ لأن العلة تخلف العلة.
قيل: نحن كذلك نقول: إن الخل إذا لاقى النجاسة زالت تلك النجاسة، ولكنه يصير الخل نجسا فيصير الكل نجسا فلم يزل حكم النجاسة.
على أننا نقول: إن العين لو انقلعت بالخل لم نقل: إن أثره ينقلع. ولو قلنا: إنه لم تكن العلة وجود النجاسة حسب لجاز؛ لأننا نقول: إنه قد كان يجوز أن نتعبد بترك زوالها، وإنما منعنا الشرع، فقد صار
[ ٢ / ٨٤٤ ]
الشرع أوجب ذلك مع وجودها، فإذا زال وجودها لم يزل الحكم إلا بشرع.
فإن قيل: إن الشرع قد أوجب زوالها لما حدثت.
قيل: إن الشرع قد يوجب الحكم لوجود شيء، ثم يزول ذلك الشيء فلا يزول الحكم، مثل: المطلقة ثلاثا، قال الله - تعالى -: ﴿فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره﴾، ثم قد تنكح فلا تحل لعلة أخرى، وهكذا الحائض لا يجوز وطؤها لأجل الدم، ثم ينقطع الدم لأكثر مدة الحيض فلا يحل وطؤها لعلة أخرى، وهي الغسل.
فإن قيل: إن المقصود من إزالة النجاسة إزالتها حسب من غير تعبد؛ بدليل أنه لو جاء عليها مطر لطهر الموضع، فإذا كان المقصد فيها إزالتها حسب كان الخل أبلغ في باب الإزالة، وكان إزالتها به أولى.
وأيضا فقد حصل الإجماع بأن لغير الماء مدخلا في إزالة النجاسة، وهو الاستنجاء بالأحجار.
وأيضا فإن النص ورد في الاستنجاء بالأحجار ثم أقيم غيرها مقامها، كذلك أيضا لا ننكر أن يقوم مقام الماء غيره في إزالة النجاسة.
قيل: قولكم إن المقصود من إزالة النجاسة زوالها لا تعبدا فإننا نقول: إنه لابد من اعتبار معنى آخر مع إزالتها. ألا ترى أنه لو أزالها
[ ٢ / ٨٤٥ ]
بالدهن والمرق زالت العين ولم يحكم بزوالها.
على أن قولكم: لا تعبد فيها محال؛ لأن الإزالة وجبت من طرق الشرع، وتعبدنا بأن لا نصلي والنجس في ثيابنا وأبداننا.
وقولهم: إن غير الماء يزيل النجاسة كالأحجار في الاستنجاء فإننا نقول: إن الحجر في الاستنجاء لا يزيل النجاسة، وإنما يخففها، والنجاسة باقية سومحنا بذلك. ألا ترى أنه لو عرق بعد المسح بالحجر، نفسه لا يزيل النجاسة الرطبة من غير هذا الموضع، فعلم أن الاستنجاء مخصوص. ألا ترى أن الاستنجاء - عندنا وعندكم - غير واجب، وإزالة النجاسة - عندكم - في غيره واجب.
وقولهم لما أقيم غير الحجر مقام الحجر في الاستنجاء مع ورود النص في الحجر، كذلك في غير الماء من المائعات فإننا نقول: عنه جوابان:
أحدهما: أن النص هو في حكم الحجر.
والثاني: أن النص ورد في الحجر وأقيمت الجامدات الطاهرات مقامه؛ لأنها في معناه؛ لأنها طاهرة، والحجر طاهر، وليس كذلك
[ ٢ / ٨٤٦ ]
المائعات مع الماء؛ لأنها ليست في معنى الماء الذي هو طاهر مطهر، والمائعات طاهرة غير مطهرة، فلم يجز أن تقوم مقامه.
فإن قيل: قد قلتم إن الأرض إذا وقعت عليها نجاسة، وطلعت عليها الشموس ومضت عليها دهور فإنها تطهر، فقد زالت النجاسة بغير الماء - عندنا وعندكم -.
قل: إن كانت أرضا صلبة لا رمل ولا تراب فإنها لا تطهر، وإن كان عليها رمل أو تراب كثير يعلم أن النجس لم يصل إلى الأرض ثم جاءت الرياح فأزالت ذلك فإن عين النجس وأثره يزول ولم يكن وصل إلى الأرض، اللهم إلا أن تكون الأرض المكشوفة يعلم أن الأمطار قد جاءت علها فأزالت عين النجاسة وأثرها فإنها تطهر، فلم يلزم ما ذكروه.
فذكرنا ظواهر واستدلالات وقياسات، وذكروا مثل ذلك فما قلنا أولى؛ لأن النصوص وردت في طهارة الماء وتطهيره، ووجد العمل على استعماله في الطهارات إلا الموضع المخصوص من الاستنجاء، ولأنه أحوط لزوال الخلاف، ولأنه موجب للماء وهم يخيرون بين الماء وبين المائع، ولأنه يسقط حكم الصلاة بيقين، وهم يسقطونها بخلاف.
[ ٢ / ٨٤٧ ]