غسل الإناء من ولوغ الكلب مسنون إذا أريد استعماله، وإن لم يرد استعماله لم يجب غسله، هذا مذهب الفقهاء إلا قوما من المتأخرين فإنه حكي عنهم: أنه يجب غسله سبعا، سواء أريد استعماله أم لا.
والأصل أنه لا يخلو أن يكون غسله إما لنجس أو لطهارة حدث أو لتعبد على ما نقول، وليس في الأصول ما يجب غسله إلا إذا أريد الشيء الذي من أجله وجب الغسل. ألا ترى أن الوضوء وغسل الجنابة والحيض لا يجب إلا إذا أراد الإنسان الصلاة، وغسل سائر الأنجاس لا يجب إلا إذا أراد الصلاة في ذلك الشيء النجس، إما من بدنه أو غسله، وما كان غسله للعبادة، مثل الخلوق من ثوب المحرم لم يجب مما ليس فيه طيب لم يجب غسل الثوب الذي تركه وفيه الخلوق، فإذا ثبت هذا في الأصول لم يخرج غسل الإناء من ولوغ الكلب عنها.
وأيضا فإن الغسل المفروض في الطهارات التي تراد للصلاة لا تجب إلا إذا أراد الصلاة فالغسل المسنون في الإناء المراد غسله لأجل الصلاة أولى ألا يجب إلا إذا أراد استعماله.
[ ٢ / ٩٦٧ ]
فإن قيل: فإنه فرض - عندنا -.
قيل: فيكون كسائر الغسل المفروض للصلاة.
ويجوز أن نحرز هذا قياسا فنقول: هو غسل قد تعبدنا به فلا يجب إلا عند إرادة ما يغسل من أجله قياسا على غسل النجاسة نم الثوب أو طهارة الحدث.
ونقول أيضا: إن الأمر ورد بغسل الإناء من ولوغه تغليظا عليهم حتى لا يقتنوا الكلاب، فغلظ عليهم في غسل الأواني إذا أرادوا استعمالها. ألا تراه ﵇ قال: (طهور إناء أحدكم)، فسماه طهورا، والطهور يقتضي مطهرا، وهو الإناء الذي يطهره الماء، فهو كالإنسان الذي يلزمه أن يتطهر بالماء، ويكون به مطهرا للصلاة، أو يكون كالثوب الذي يطهره الماء من النجس فيصير مطهرا، ولا يجب ذلك إلا إذا أريد للصلاة.
فإن قيل: فإن النبي ﷺ قال: (فليغسله سبعا)، ولم يفرق بين أن يريد استعماله أو لا.
قيل: وكذلك قال الله ﵎: ﴿وثيابك فطهر﴾، ولم يقل: إذا أردت الصلاة أو لم ترد، ومع هذا فلم يجب إلا إذا أرد الصلاة، فكذلك دل
[ ٢ / ٩٦٨ ]
الدليل على وجوب غسل الإناء إذا أريد استعماله، وهو ما ذكروه من الاستدلال والقياس.
فإن قيل: فإذا كان هذا ورد في الكلب تغليظا من بين سائر الأنجاس وجب أن يثبت التغليظ فيه، فسواء أريد استعماله أو لا، حتى يبين من نظيره مما لم يقع التغليظ فيه.
قيل: إن التغليظ ورد في غسله سبعا إذا أريد استعماله، وغيره من الأواني لم يغلظ فيه بعدد، فالتغليظ من هذا الوجه قد حصل، وليس إذا وجب التغليظ من وجه وجب من كل وجه؛ لأنه لو وجب ذلك لوجب غسل الإناء سبعا، وأن يمنع بعد الغسل من استعماله أصلا حتى يكون أغلظ، فلما سقط هذا، وجاز استعماله بعد غسله علمنا أن التغليظ قصد على الوجه الذي ذكرناه، هذا لو كان غسله لنجاسة، فكيف وقد بينا أنه عبادة؟، فهو كالوضوء الذي يراد للصلاة، أو كغسل الطيب من ثوب المحرم إذا أراد الإحرام فيه.
ثم قد بينا في قوله ﵇: (طهور إناء أحدكم) أنه كسائر الأشياء التي يجب تطهيرها إما لأجل الصلاة أو لتكون طاهرة إن جعل فيها ما يؤكل أو يشرب لم ينجس مثل سائر الأواني التي تستعمل فلا يجب غسل جميعها إلا إذا أريد استعمالها.
فإن قيل: يجب غسله سواء أراد صاحبه استعماله أو لا؛ لئلا يستعمله غيره ممن لا يعلم حاله.
[ ٢ / ٩٦٩ ]
قيل: فيجب أن يغسل ثوبه النجس وإن لم يرد استعماله؛ لئلا يصلي فيه من لا يعلم خبره، ويجب على الإنسان أن يكون على وضوء؛ لئلا ينسى فيصلي بلا طهارة، ويجب على الإنسان أن لا يكون في ثوبه طيب؛ لئلا ينساه فيحرم فيه، وكذلك يجب عليه أن وقت أصاب ثوبه نجس أن يبادر بغسله؛ لئلا ينساه فيصلي به، فلما كان هذا كله ساقطا سقط ما قلتموه، والله أعلم.
[ ٢ / ٩٧٠ ]