وما لا نفس له سائلة مثل العنكبوت والزنبور والعقرب والخنفساء والجعل والبرغوث وما يتولد من دود الخل والباقلاء والجبن والفواكه وغير ذلك فإنه لا يفسد شيئا من المائعات، الماء وغيره في ذلك سواء عندنا، وعند أبي حنيفة.
وقال أصحاب الشافعي: إن ما يتولد من شيء كالدود الذي ذكرناه فإنه إذا مات في ذلك الشيء الذي تولد فيه فإنه بموته ينجس، ولا
[ ٢ / ٩٧١ ]
ينجس ذلك الشيء، بل إن أخرج الدود الميت منه فطرح في شيء نجسه، وما لم يتولد من ذلك الشيء مثل العنكبوت والعقرب والزنبور والذباب والبرغوث إذا مات في شيء من المائعات فإنه على قولين:
أحدهما: أنه ينجسه.
والثاني: أنه لا ينجسه وإن كان في نفسه نجسا.
والدليل لقولنا: هو أن ذلك المائع طاهر قبل وقوع هذه الأشياء فيه، فمن زعم أنه انتقل عن حاله فعليه الدليل.
وأيضا قوله - تعالى -: ﴿وأنزلنا من السماء ماء طهورا﴾، وقوله: ﴿وينزل عليكم من المساء ماء ليطهركم به﴾، فوصف الماء عموما بأنه طاهر مطهر لم يخص من جنسه شيئا، فمن زعم أنه انتقل عن طهارته فعليه الدليل.
وأيضا قول النبي ﵇: (خلق الله الماء طهورا لا ينجسه شيء إلا ما غير طعمه أو ريحه أو لونه)، وهذا ماء لم يتغير فهو طاهر.
ولنا أن نفرض المسألة في مائع يؤكل وقع فيه شيء من ذلك
[ ٢ / ٩٧٢ ]
فنقول: قال الله - تعالى - ﴿قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير﴾، فهو عام في كل شيء لا يكون ميتة، ولم يقل: إلا يكون في ميتة، وإنما حرم الميتة نفسها دون ما وقعت فيه، وهذا المائع ليس ميتة ولا دما ولا لحم خنزير فهو غير محرم.
وأيضا ما رواه سعيد بن المسيب عن سلمان أن النبي ﷺ قال: (كل طعام وشراب وقعت فيه دابة ليس لها دم فماتت فيه فهو الحلال أكله وشربه ووضوؤه).
[ ٢ / ٩٧٣ ]
وأيضا ما روي أنه ﵇ قال: (إذا وقع الذباب في إناء أحدكم)، وفي حديث: (في طعام أحدكم فامقلوه؛ فإن في أحد جناحيه داء. وفي الآخر دواء، وأنه يقدم الداء)، وقد يقع الذباب حيا فيموت بالمقل فيه، وقد يقع أيضا فيه ميتا كما يقع فيه حيا، فلو كان ينجس بموته، أو ينجس ذلك الشيء لم يأمر بمقله فيه.
[ ٢ / ٩٧٤ ]
فإن قيل: فقد قال - تعالى -: ﴿حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير﴾، وهذا ميتة، والذم يقتضي وجوب الاجتناب منه والامتناع. وما تلوتموه من القرآن في طهارة الماء فهو عموم لم يخص بتحريمه الميتة، وقوله: (خلق الله الماء طهورا لا ينجسه إلا ما غيره) محمول على الكثير منه.
قيل: ظاهر قوله - تعالى -: ﴿حرمت عليكم الميتة﴾ يتناول عين الميتة ولا يتناول ما وقعت فيه، وما يكون ميتة محرمة بإجماع تقع في الماء الكثير فلا تغيره هي ميتة محرمة بإجماع، والماء غير محرم فصارت الآية متوجهة إلى نفس الميتة لا إلى ما وقعت فيه.
ثم لو ثبت العموم لكان حديث سلمان عن النبي ﵇ يقضي عليه، وكذلك حديث الذباب ومقله في الطعام.
فإن قيل: مقل الذباب فيه ليس بقتله فلهذا أباح مقله فيه.
على أنه ليس يمتنع أن يبيح ذلك وإن كان يخاف موته، وتنجس الطعام لغرض صحيح، وهو زوال الداء، كما أباح الكي في الحيوان، وقد يخاف منه الموت، وإتلاف المال، ولكن ما تعلق به غرض صحيح جازت إباحته.
[ ٢ / ٩٧٥ ]
قيل: إن قولكم: إن مقل الذباب ليس بقتله محال، فهو وإن سلم في شيء فليس يسلم في كل شيء مثل الشيء الحار والعسل والدهن وما أشبهه، والنبي ﵇ لم يخص شيئا مما وقع فيه.
وقولكم: ليس يمتنع أن يبيح مقله فيه ويتنجس ذلك لغرض صحيح فإننا نقول: غرض فاسد؛ لأنه إذا كان في أحد جناحيه داء، وفي الآخر دواء كان الدواء بإزاء الداء فلم يربح من هذا أكثر من فساد المائع حتى لا يصلح لشيء، ففيه إضاعة المال، وقد نهينا عنه، وإنما أعلمنا ﵇ أن أكل ذلك الشيء لا يضرنا، ولا شربه؛ لأن الداء الذي في أحد جناحيه قد أزاله الذي الجناح الآخر، فلا يفسد علينا شيء مما وقع فيه.
وأما كي الحيوان فلنا فيه غرض صحيح لا يفسد علينا به شيء، فنظيره أن لا ينجس الماء، ولا يفسد علنيا ما وقع فيه الذباب.
ويؤيد ما قلناه: ما عليه المسلمون خلفهم عن سلفهم من لدن رسول الله ﷺ إلى وقتنا هذا، فإنهم يستعملون ما وقع فيه البق والذباب والزنبور، ولا يجتنبونه ولا يكرهونه، ولا ينكر بعضهم على بعض ذلك، ولم ينقل عن أحد منهم فيه خلاف، وهذا يدل على أنه موضع إجماع، ولو وقع بينهم فيه خلاف أو حكي عن واحد منهم أنه
[ ٢ / ٩٧٦ ]
حرمه أو أنكره لم يخل من ينقله، ومن المحال أن يتنجس شيء من ذلك فلا يذكر حكمه عن أحد منهم مع عموم البلوي به.
ثم من المحال أن يموت دود الخل فيه فلا يتنجس، فيؤخذ ذلك الدود فيجعل في خل مثله أو غير الخل فيتنجس؛ لأنه لو تنجس ما ينقل إليه لكان ما هو فيه أولى أن يتنجس؛ لطول مكثه فيه، ونحن نعلم أن الباقلاء المطبوخ بالماء يكون في الباقلاء الدود والذباب الميت، فيتهوى في ماء الباقلاء بالطبخ، ولم يقل أحد من المسلمين: إن ماء الباقلاء نجس، وربما أكل الدود والذباب الذي فيه، خاصة العميان، ومن يفطر بالليل، ولم نسمع عن أحد إنكار ذلك.
ثم كيف يكون ذلك الماء طاهرا فيخرج منه الذباب - وقد تهوى بالطبخ فيه - فيجعل في ماء مثله فينجس ذلك الماء. وإن كان هذا نجسا فالماء الذي كان فيه أولى بالتنجس، فلا يصح لهم الفرق ههنا إلا بأن يقولوا: إذا طبخ الباقلاء فإن ماءه ورد على نجاسة الدود والذباب الذي في الباقلاء، وإذا ورد الماء على النجاسة طهرها وإن كان دود القلتين، وليس كذلك إذا أخرج الدود في الباقلاء وطرح في ماء قليل؛ لأن هذه نجاسة وردت على الماء، وهذا قد تكلمنا عليه.
[ ٢ / ٩٧٧ ]
ثم نقول: هذا فاسد بالخل والمائعات غير الماء، فإن ورود النجاسة على المائع غير الماء كورود المائع على النجاسة، وهذا الخل الذي فيه الدود طاهر فينبغي إذا أخذ الدود منه وطرح في خل آخر ألا ينجس. (وأن يتنجس بالخل الذي تولد فيه الدود أولى أن يتنجس).
وإذا أنصف الإنسان نفسه، واتقى ربه علم صحة هذا، ولم يخرج عن الإجماع فيه، ونحن نعلم أن الشافعي ﵀ لم يقل في القول الآخر: إنه لا ينجس شيئا وقع فيه إلا وقد بان له الحق فيه، فينبغي أن يعمل على هذا القول، ونطرح القول الآخر، ولا نتعرض له.
ونقول أيضا: إنه نفس له سائلة فلا ينجس بموته، ولا ما وقع فيه كالجراد.
ويجوز أن نقول: إنه لا يمكن الاحتراز منه، وأن يقع الذباب والبرغوث والبق وما أشبهه في الماء والطعام فوجب أن يكون معفو عنه، كدود الخل والماء والجبن.
[ ٢ / ٩٧٨ ]
فإن قيل: فإنه ميتة لا يؤكل لا لحرمته فوجب أن يكون نجسا، أصله البهائم.
قيل: إن أردتم أنه لا يؤكل؛ لأنه محرم فليس هو محرما - عندنا -، ويجوز أكله، وإنما تعافه النفس، كالضب الذي لم يأكله النبي ﵇.
فإن قيل: فإن الحيوان على ضربين: ماله نفس سائله، وما لا نفس له سائلة، ثم ماله نفس سائلة منه ما ينجس الماء بموته، ومنه مالا ينجسه، مثل السمك والجراد، كذلك ما لا نفس له سائلة يجب أن يتنوع نوعين: نوع منه ينجس الماء بموته، ونوع لا ينجسه مثل دود الماء.
قيل: هذه دعوى بلا برهان، فلم يجب أن يكون إذا تنوع ماله نفس سائلة أن يتنوع مالا نفس له. وأي شيء المعنى الجامع بينهما؟.
على أن الفرق بين السمك وما ذكرتم واضح؛ لأن السمك لما لم ينجس الماء الذي تولد فيه لم ينجس ما نقل إليه، فينبغي أن يكون دود
[ ٢ / ٩٧٩ ]
الخل إذا ل ينجس ما تولد فيه لم ينجس ما نقل إليه، فلما فرقتم بينهما كفانا هذا الفرق.
ثم إن السمك الذي مات في الماء الذي تولد فيه طاهر فلم ينجس الماء. وأنتم تقولون: إن الدود الذي تولد في الماء نجس فينبغي أن ينجس الماء، وإن لم ينجس الماء الذي تولد فيه لم ينجس ما نقل إليه كالسمك.
وكل قياس توردونه فقياسنا أولى منه؛ لأن رد مالا نفس له سائلة إلى مثله من الجراد أولى، ولأنه يستند إلى استعمال المسلمين ذلك على ما بيناه.
فإن قيل: لا يمكن الاحتراز من البق والذباب، وخاصة في عمل الدبس، ووقوعه على التمر مع الزنبور، ولم يتحفظ أحد من ذلك فسقط هذا، وبالله التوفيق.
[ ٢ / ٩٨٠ ]