وليس يعتبر مالك ﵀ في سائر الأنجاس قدر الدرهم، وقليلها وكثيرها سواء في حكم الإزالة إذا كان على وجه الصحة سوى الدم فإن قليله معفو عنه في دم الحيض وسائر الدماء.
وروى ابن وهب عنه أنه فرق بين دم الحيض وبين غيره من الدماء، فجعل دم الحيض قليله ككثيره، كما يقول في المني والمذي وسائر الأنجاس.
واعتبر أبو حنيفة في سائر الأنجاس قدر الدرهم البلخي فمتى كان دونه عفا عنه، وما كان مثله فكذلك، وما زاد على الدرهم لم يعف عنه.
وعند الشافعي أن سائر الأنجاس يستوي قليلها وكثيرها كقولنا، وخالف في الدم فقال: قليله غير معفو عنه ككثيره إلا في الموضع
[ ٢ / ٩٨١ ]
الذي لا يمكن التحرز منه مثل دم البراغيث.
والدليل لقولنا: ما روي أن النبي ﵇ خلع نعله في الصلاة، وقال: (أخبرني جبريل أن فيه قذارا)، ولم يبين هل كان قدر الدرهم أو أكثر، ولو كان يختلف لبينه.
وأيضا ما روي أنه ﵇ مر بقبرين فقال: (إنهما ليعذبان، وما يعذبان في كبير. أما أحدهما فكان لا يستبرئ من البول)، وهذا عام في قليل البول وكثيره، ولو كان الحكم فيه يختلف لبينه، ونحن وإن كنا نقول: إن إزالة النجاسة ليست بفرض فإن المسنون في القليل والكثير واحد.
فإن قيل: هذا توعد منه ﵇ وإخبار عن تعذيب، وأنتم لا توجبونه.
قيل: قد بينا حكمه فثبت منه حكم القليل والكثير، وأنه ممنوع
[ ٢ / ٩٨٢ ]
منه، ثم قامت دلالة على سقوط حكم التوعد وثبت أنه تغليظ، وصار كقوله: (من قتل عبده قتلناه)، فإنه تغليظ لمنع القتل.
ولنا أيضا ما روي أنه ﵇ سئل عن دم الحيض يصيب الثوب فقال: (حتيه ثم اقرصيه ثم اغسليه بالماء)، ولم يفرق بين قليله وكثيره، ولا سألها عن مقداره، وهذا دليل للوجه الذي يقوله في دم الحيض، وأن قليله ككثيره.
وأيضا ما روي عنه ﵇ انه صلى في ملحفة ثم رأى فيها لمعة من
[ ٢ / ٩٨٣ ]
دم فأنفذها إلى عائشة ﵂ لتغسلها، واللمعة من الدم أقل من قدر الدرهم بكثير.
وأيضا ما رواه المقداد في قصة علي حين سأله عن المذي فقال: (اغسل ذكرك)، وموضع المذي من الذكر أقل من درهم.
وأيضا فقد اتفقنا وأبو حنيفة على الاستنجاء مسنون، إما بالماء أو بالأحجار، ونفس المخرج أقل من قدر الدرهم، فكذلك كل موضع من البدن والثوب إذا أصاب النجس منه هذا القدر.
فإن قيل: إنما وجب في هذا الموضع؛ لأن إزالته منه سنة، وسائر المواضع إزالته - عندنا - فرض.
قيل: الجميع - عندنا - سنة.
على أن هذا أولى أن يعفى عن قليله في الاستنجاء؛ لأن الموضع الذي عفي عنه إزالته سنة، والموضع الذي لم يعف عنه إزالته فرض، والعفو عن المسنون أولى، فلما لم يعف في الاستنجاء عن القليل كان في الفرض أولى أن لا يعفى عنه.
[ ٢ / ٩٨٤ ]
وأيضا: فإنه لما وجب غسل ما زاد على قدر الدرهم وما دونه في حكمه، لأنه من جنسه في الموضع الذي لا تتعلق بها ضرورة وليس غرضنا في هذه المسألة أن إزالة النجاسة فرض، ولا التفرقة بينها وبين إزالة النجو، وأن ذلك يزال بجامد والباقي مائع، وإنما الغرض الجمع بين القليل والكثير، فهو في النجو وغيره سواء في حكم الإزالة إما فرضا أو سنة فكذلك في سائر البدن إذا لم يتعلق بموضع ضرورة.
ولأن ما يخرج على طريق المرض فقليله وكثيره ربما اتفق وربما اختلف، وفي سائر الدماء سوى دم الحيض فقليله يخالف كثيره لموضع الضرورة، وهو أن الإنسان لا يخلو في غالب حاله من بثرة أو دمل أو ذباب أو برغوث فعفى عن القليل منه، ولأجل هذا حرم الله - تعالى - المسفوح منه فقال: (﴿أو دما مسفوحا﴾، فدل على أن غير المسفوح ليس بمحرم، وأحل - تعالى - من جنسه الكبد والطحال.
[ ٢ / ٩٨٥ ]
قالت عائشة ﵂) لو حرم قليل الدم لتتبع الناس ما في العروق، ولقد كنا نطبخ اللحم - البرمة تعلوها الصفرة -.
وليس الغالب من أمر الناس كون الغائط والبول وغير ذلك في ثيابهم وأبدانهم، لأن التحرز يمكن منه.
[ ٢ / ٩٨٦ ]
فإن قيل: قد يكون المخرج وما لا ينفك منه أكثر من قدر الدرهم، ثم قد جوزتم إزالته بالجامد في السنة، وعفوتم عن يسيره في سائر البدن حتى لا تجب إزالته بالنسبة لا بمائع ولا جامد.
فإن قيل: فقد روى يزيد ابن أبي حبيب عن عيسى بن طلحة عن أبي هريرة أن خولة أتت النبي ﵇ فقالت: ليس لي إلا ثوب
[ ٢ / ٩٨٧ ]
واحد، وأنا أحيض فيه، فكيف أصنع؟. فقال ﵇: (إذا طهرت فاغسليه ثم صلي فيه)، فقالت: فإن لم يخرج الدم؟. قال: (يكفيك الماء ولا يضرك أثره)، فلما أباحها الصلاة مع وجود أثر الدم دل على أنه جعله في حيز المعفو عنه لقتله، قالوا: وهذا يخص ظواهركم التي ذكرتموها، فتحمل ظواهركم على الكثير منه بهذه الدلالة.
قيل: عن هذا أجوبة:
أحدهما: أننا نوافقكم على العفو عن قليل الدماء، ومنها دم
[ ٢ / ٩٨٨ ]
الحيض على أظهر الروايتين عن مالك، فنقول بموجب هذا الخبر في الدم، وليس في هذا دليل على ما عدا الدم من سائر الأنجاس.
وجواب آخر: وهو أن الخبر حجة لنا على الرواية التي تحرم قليل دم الحيض وكثيره؛ لأنه قال لها: (اغسليه)، ولم يفرق لها بين قليله وكثيره، فأما إذا لم يخرج وبقي أثره فلا شيء عليها فيه؛ لأن سائر الأنجاس إذا غسلت وكان فيها ما يبقى أثره فلا ينقطع، وقد انقلعت عينه وريحه فقد مضى حكمه، ولو كان أثره بمنزلة عينه لم يأمرها بغسله؛ لأنه معفو - عندكم - عن عينه، كما هو معفو عن أثره، فلما أمرها بغسله ولم يفرق بين قليله وكثيره دل على ما قلناه، وليس في هذا ما يخص الظواهر التي ذكرناها، بل هو يؤكدها.
وجواب آخر: وهو أنهم لا يخلون معنا من أحد أمرين: إما أن يجعلوا هذا الخبر حجة علينا في سائر الدماء، ويحملوه على العفو عن قليله، فنوافقهم على إحدى الروايتين. أو يجعلوه حجة علينا في دم الحيض على الرواية الأخرى، فقد قلنا: إنه ﵇ قد أمرها بغسله أمرا ظاهره الوجوب، ولم يفرق لها بين قليله وكثيره، ولا يضر أن ينقلع أثره على ما بيناه. ولو كان يختلف لقال لها: اغسليه إن كان كثيرا؛ حتى يعلم الفرق بين قليله وكثيره.
ثم لا ينفك من قدر القليل بدرهم بلخي ممن قدره بدرهم غير البلخي إما أصغر منه وإما أكبر؛ لأنه يقدره اجتهادا لا ينص، وإنما القليل ما يغلب على ظن الإنسان كالعمل القليل في الصلاة.
فإن قيل: فقد ثبت أن الدم نجس فإذا جاز العفو عن قليله جاز في سائر الأنجاس؛ لكونه نجسا قليلا.
[ ٢ / ٩٨٩ ]
قيل: قد ذكرنا الفصل بين الدم وسائر الأنجاس، وأن الله - تعالى - حرم المسفوح منه فدل أن غير المسفوح بخلافه، وإنما لم يحرم غير السفوح؛ لئلا يلحق فيه المشقة؛ لأن الإنسان لا يخلو في غالب حاله من أن يصيبه الذباب والبق والبراغيث والبثور وما أشبه ذلك، ومن أكله في اللحم والعروق، وليس كذلك الغائط والبول، فصار يسير البول في التحفظ منه مثل كثير الدم في التحفظ منه إذا لم تكن ضرورة، وكذلك دم الحيض على الرواية التي تحرم قليله؛ لأنه ليس الغالب منه إصابة الثياب، ومع هذا فيختص به النساء، وليس كذلك سائر الدماء، ولان قليله ينقض الطهر ويوجب الغسل، كالمني فلهذا فرق مالك بينه وبين سائر الدماء.
ويجوز أن يحتج بقوله - تعالى - ﴿وثيابك فطهر﴾، وهذا المراد به تطهير من نجس، ولم يفرق بين القليل والكثير فهو عموم إلا أن يخصه دليل.
[ ٢ / ٩٩٠ ]