ويغسل بول الصبي والصبية عند مالك وهما سواء في الحكم، وسواء أكلا الطعام أو لا.
وقال أبو حنيفة والشافعي: يرش على بول الصبي، ويغسل بول الصبية.
واحتج لهما بما روي من حديث أم قيس بنت محصن، وأن النبي ﵇ أمرها أن ترش على بول الصبي.
[ ٢ / ٩٩١ ]
قال مالك: وهذا الحديث ليس بالمتواطأ عليه - عندنا -، ويعني على العمل به.
وهذا على أصل أبي حنيفة لا يستقيم ولا ينبغي أن يعمل عليه؛ لأنه مما يعم البلوى به، فكان سبيله أن ينقل نقلا مستفيضا منتشرا حتى يصير في معنى نقل الصلوات والزكوات وغير ذلك مما تقع البلوى به عامة، ولعل عموم هذا في النساء أكثر منه في الرعاف والقيء في الصلاة، وقد قيل في الجميع الحديث، ولم ينتشر نقله ولا استفاض.
ولا يستقيم أيضا على أصول الشافعي؛ لأنه لا يعدل عن قياس الأصول بقضية في عين تحمل وجودها من التأويل وهذا الخبر يخرج حكم هذا الجنس عن الأصول فيه؛ لأنه كسائر الأبوال النجسة التي لا فرق فيها في الكبار بين الذكر والأنثى.
[ ٢ / ٩٩٢ ]
وأيضا فإن كان ثفلهما جميعا نجسا فبولهما نجس، فينبغي أن يستويا في الغسل كالثفل، وإن كان بول الصبي وثفله ليسا بنجسين فكذلك في الصبية؛ لأن الأصول تشهد له، فالخبر محتمل إن صح لأمور منها:
أنه أمر بالرش عليه، والرش يكون في معنى الغسل، لأنه إذا كثر حتى تضاعف الماء عليه غلب عليه وأزاله، فيكون رشا هذه صفته، ولم يخصص النبي ﵇ رشا من رش.
ويحتمل أيضا أن تكون هذه المرأة قد كثر عليها بول الصبي، ولا ثوب عليها غير ذلك الثوب، ويكون الزمان شديد البرد فلو كلفها غسله في كل نقطة تصيبه لحقتها المشقة التي لا تخفى، ونحن نجوز لها هذا وتصير منزلته منزلة العفو عن دم البراغيث، ومنزلة النجو الذي خفف إزالته بالأحجار.
ويحتمل أيضا أن يكون ﵇ أراد أن يعلمنا أن إزالة النجاسة ليست بفرض حتى يسقط مذهب من يخالفنا في ذلك، وأمر بغسل بول الصبية على الأصل.
[ ٢ / ٩٩٣ ]
فإن قيل: فإن النبي ﷺ فرق بين بول الصبي والصبية فقال: (يرش على بول الصبي) فأفادنا بهذا الفرق بينهما.
قيل: إذا خرج هذا على سؤال سائل احتمل أن يكون ﵇ عرف حال المرأة مع الصبي على ما ذكرناه، ولم تكن البلوى وقعت ببول الصبية على مثل ما وقعت ببول الصبي. ولو أنه ﵇ ابتدأ هذا على غير سؤال سائل احتمل أن يكون ﵇ أراد أن ينبهنا على أن الرش يكون بمعنى الغسل؛ لأننا نعلم أن نقطة بول تصيب ثوب إنسان؛ ويشاهد موضعها، فيصرها في يده ويأخذ ماء فيرشه عليها فإننا نعلم أن هذا رش يغلب على حكم النقطة من البول، فيفهم بذكر الغسل في بول الصبية أن الرش على بول الصبي هذه صفته، ولم يرد ﵇ الفرق بينهما في الحكم وإنما أتى بالمعنى بلفظين مختلفين، فلو قال فيهما جميعا: يرش عليهما، لاحتمل رشا كثيرا ورشا قليلا، فلما قرن الرش مع الغسل نبه على رش في معنى الغسل؛ لأننا نجد رشا هذه صفته، إذ لو أراد الفرق في الحكم لبين لأي معنى فرق بينهما؛ حتى يزول ما نعلمه من الجميع بينهما؛ لأن بوليهما نجسان كثفلهما، ولا يجوز أن يفترقا، فإما أن يكونا نجسين أو طاهرين، فإذا كان هذا مقدرا لم نزل عنه بخير محتمل.
وقد روى في الخبر أنه ﵇ أمر بالنضح على بول الصبي،
[ ٢ / ٩٩٤ ]
والنضج وهو في معنى الغسل، كقوله ﵇ للمقداد في قصة علي: (انضح فرجك)، وكما قال في دم الحيض: (انضحه)، فجعل النضح عبارة عن الغسل، ولا يمتنع أن يورد ﵇ لفظين بمعنى واحد، فتستفيد الأشهر منه لمعنى واحد، ولا ينصرف عن قياس الأصول بمثل هذا؛ لأنه إن كان بول الصبي نجسا فبول الصبية مثله، فما وجب في بولها وجب في بوله مثله، كالذكر والأنثى الكبيرين، وكذلك في ثفلهما فيجب تساويهما في الحكم؛ لاجتماعهما في المعنى الذي نم أجله وجب غسل بول الصبية.
[ ٢ / ٩٩٥ ]
ويجوز أن تقول: هو بول آدمي فأشبه بول الصبية، ويستمر هذا في جميع بني آدم.
وأيضا فإنه مائع خارج من فرج آدمي على وجه الصحة فأشبه بول الصبية والكبير، وقد ذكرنا أن الفرض في هذه المسألة تساويهما في حكم الإزالة إما فرضا أو إما سنة، والله أعلم.
ويجوز أن يحتج بقوله - تعالى -: ﴿وثيابك فطهر﴾، وهذا تطهير نجس لم يفرق فيه بين أن يكون من صبي أو صبية، والتطهير واحد فيهما جميعا فينبغي أن تستوي صفة التطهير فيهما.
[ ٢ / ٩٩٦ ]