لا يدخل الجنب المسجد ولا عابر سبيل، وبه قال أبو حنيفة.
وقال الشافعي: يجوز أن يمر فيه عابر سبيل.
والدليل لقولنا: ما روي أن أفضل البقاع المساجد، وأنها بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر بها اسمه، وأنها بنيت للصلاة والتسبيح، فوجب تعظيم حرمتها بكل وجه، ومن تعظيم حرمتها ألا يدخلها الجنب إلا أن يقوم دليل.
[ ٢ / ١٠٠٣ ]
وأيضا ما روته جسرة بنت دجاجة عن عائشة ﵂ أنها قالت: جاء رسول الله ﷺ ووجوه بيوت أصحابه شارعة في المسجد، فقال: (وجهوا هذه البيوت عن المسجد)، ثم دخل النبي ﵇ ولم يصنع القوم شيئا؛ رجاء أن تنزل فيهم رخصة، فخرج عليهم بعد فقال: (وجهوا هذه البيوت عن المسجد؛ فإني لا أحل المسجد لحائض ولا جنب)، فهذا يقتضي ألا
[ ٢ / ١٠٠٤ ]
يحله (إلا) على كل وجهه إلا أن يقوم دليل.
وأيضا فلو جاز دخوله المسجد لجاز أن يستديم الجلوس فيه، كالمتوضئ والمحدث بغير الجنابة والحيض، فلما لم يجز للجنب ذلك صار كالحائض التي لما لم يجز لها استدامة الكون فيه لم يجز لها دخوله.
وتحرر من هذا قياسنا على الحائض فنقول: كل من منع من الاستدامة في المسجد منع من دخوله، أصله الحائض، وكذلك الجنب لما منع من استدامة كونه فيه منع من دخوله.
وأيضا فإن للمسجد حرمتين: إحداهما: للصلاة فيه، والأخرى: تلاوة القرآن فيه، فلما منع الجنب من الصلاة وقراءة القرآن فيه منع من دخوله؛ لأنه ظرف لهما، ولا يلزم على هذا المحدث بغير جنابة؛ لأنه غير ممنوع من القراءة فيه.
والمشرك - عندنا - بمنزلة الجنب والحائض لا يدخل المسجد؛ لأنه ممنوع من استدامة كونه فيه.
[ ٢ / ١٠٠٥ ]
فإن استدلوا بقوله - تعالى - ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا﴾، وأن المراد منه مكان الصلاة؛ لأنه هو الذي يقرب لا نفس الصلاة، فتقديره: لا تقربوا مكان الصلاة جنبا إلا عابري سبيل، والعابر هو المجتاز.
قيل: إذا أمكن أن يحمل الظاهر على حقيقته لم يصرف المجاز، والظاهر المذكور هو نفس الصلاة، فقوله - تعالى - ﴿لا تقربوا الصلاة﴾ أي لا تصلوا، كما قال: ﴿ولا تقربوا الزنا﴾ معناه: لا تزنوا، فتقدير الآية: لا تصلوا وأنتم على حال سكر (وجنابة) حتى تعلموا ما تقولون في الصلاة، ولا جنبا إلا عابري سبيل، وهو إذا كنتم متيممين عند عندم الماء أو تعذر استعماله في السفر، وعلى هذا تأوله علي بن أبي طالب ﵁؛ لأن عابر سبيل هو الغريب المسافر، كما قيل فيه: ابن سبيل، فقد حملنا الظاهر على حقيقته في الصلاة، ولم نحمله على المكان الذي لم يجر له ذكر، وإنما يدعون أنه مضمر، فإذا تنازعنا الظاهر، وصرفناه إلى حقيقته لم يصح لهم دلالة في جواز
[ ٢ / ١٠٠٦ ]
دخوله المسجد، والخلاف واقع فيه فصحت أدلتنا في أن الجنب لا يدخل المسجد.
فإن قيل: فإن المسجد قد سمي باسم الصلاة في قوله: ﴿لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد﴾، فإذا احتمل الأمرين جميعا - ما تقولون وما نقول - جاز أن نحملها على العموم فنقول: لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى ولا مكان الصلاة على هذا الحال إلا عابري سبيل.
قيل: إن الحقيقة في الظاهر هو الصلاة على ما ذكرناه، وليس تتناول حقيقته المكان، بل هو مجاز، لا يجوز ادعاء العموم في حقيقته المجاز بلفظة واحدة.
على أننا نحن نحمله أيضا على عمومه من هذا الطريق فنقول: لا تقربوا الصلاة ولا مكانها على هذا الحال إلا أن تكونوا مسافرين فتيمموا واقربوا ذلك وصلوا، ونكون بهذا أسعد منكم؛ لأن فيه تعظيما لحرمة المسجد، وبمثل ذلك تأوله علي - وهو إمام هدى -.
وفيه أيضا أن عابر سبيل إذا أطلق للمسافر حقيقة لا للحاضر، بل إذا أطلق قوله: عابر احتمل ما يقولون، وإذا أضيف إلى سبيل فهو المسافر أخص، وإن احتمل الحاضر أيضا فنحن نقول: إن الحاضر إذا عدم الماء أو تعذر عليه استعماله وخاف فوت الوقت تيمم ودخل المسجد وصلى، فيكون قوله - تعالى -: ﴿عابري سبيل﴾ مصروفا إلى الحاضر على هذا الوجه، وإلى المسافر على هذا الوجه، فيحتمل
[ ٢ / ١٠٠٧ ]
الظاهر على حقيقته مع تعظيم حرمة المسجد.
فإن قيل: قوله: ﴿عابري سبيل﴾ مضافا إلى منكر، فأي سبيل كان جاز، مسافرا أو غير مسافر.
قيل: لا فرق بين أن يضاف إلى منكر أو معروف، وهذا بمنزلة قولنا: ابن سبيل منكرا لا يعقل منه إلا المسافر، كقوله: ابن السبيل، فصار تقدير قوله: ﴿عابري سبيل﴾ أي ابن سفر ما، وابن السبيل ابن السفر.
على أننا قد ذكرنا أننا نستعمله على الحاضر وأيضا إذا عدم الماء وتيمم جاز له دخول المسجد وهو جنب؛ لأن التيمم لا يرفع الجنابة.
وأشد ما في الباب أنه إذا احتمل ما تقولون وما نقول قضينا عليه بالخاص الذي لا يحتمل، وهو قوله ﵇: (فإني لا أحل المسجد لحائض ولا جنب)، ومعناه: لا أحل فيه فعل حائض ولا جنب على كل حال من دخول واجتياز واستدامة وصلاة وقراءة قرآن وغير ذلك؛ لأنه لم يرد أن عين المسجد ونفسه محرمة؛ ى لأن ذلك لا يقع عليه تحليل ولا تحريم، وإنما الحلال والحرام فعلنا فيه، بمنزلة قوله: ﴿حرمت عليكم الميتة﴾، و﴿حرمت عليكم أمهاتكم﴾، وإنما المحرم فعلنا فيهن الذي هو تزوجهن، والمحرم أكل الميتة، والتصرف فيها لا أن نفس الأعيان محرمة، فإذا كان هذا هكذا قضينا بهذا النص في ذكر المسجد على
[ ٢ / ١٠٠٨ ]
المحتمل في الآية، لأنه أخص منه.
فإن قيل: ففي خبركم أيضا عموم في المجتاز وغير المجتاز، وفي الآية خصوص، وهو ذكر المجتاز، فقضينا بهذا الخصوص على عموم خبركم.
قيل: قوله: ﴿عابري سبيل﴾ حقيقة للمسافر، ونحن نقول في المسافر كذلك، ثم قد استعملناه على ما ذكرتم نم الحاضر إذا عدم الماء وتيمم، وبقي معناه ذكر المسجد نصا، وليس بإزالة مثله.
[ ٢ / ١٠٠٩ ]