وبول ما يؤكل لحمه طاهر - عندنا - وبه قال محمد بن الحسن.
وقال أبو حنيفة والشافعي: هو نجس.
والدليل لقولنا: قوله - تعالى -: ﴿قل لا أجد في ما أوحي إلا محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير﴾، فإذا لم يكن محرما لم يكن نجسا.
[ ٢ / ١٠١١ ]
وأيضا قوله: ﴿أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم﴾، وهذا يقتضي جملة البهيمة، ومن جملتها بولها كلبنها وغيره إلا أن يقوم دليل.
ولنا أن نبني المسألة على أصل: وهو أن الأشياء في الأصل على الإباحة حتى يقوم دليل الحظر.
وأيضا ما رواه البراء بن عازب أن النبي ﷺ قال: (ما أطكل لحمه فلا بأس ببوله)، والبأس: الشدة والضيق عندنا فيه، وحصلت هذه اللفظة في الشريعة عبارة عن الإباحة، فكل موضع يسأل فيه عن إباحة شيء قيل فيه: لا بأس.
وقد روي أن النبي ﵇ قال: (فلا بأس بسحله).
[ ٢ / ١٠١٢ ]
وعن ابن الزبير مثله.
وأيضا ما روي عن أنس أن النبي ﵇ قال: (ليس بشرب بول كل ذي كرش بأس).
وأيضا ما روي في حديث العرنيين أن النبي ﷺ أباحهم شرب ألبان الإبل وأبوالها، فجعل ذلك بمنزلة اللبن، فلو كانت نجسة ما أباحهم ذلك، فظاهر الإباحة لا يصرف عن ظاهره إلى ضرورة أو مرض إلا أن يذكر في الخبر ما يوجب ذلك.
فإن قيل: إنما أباحهم شرب البول للمرض؛ لأنهم لما اجتووا المدنية استوخموها فاصفرت وجوههم وانتفخت بطونهم فأباحهم ذلك.
[ ٢ / ١٠١٣ ]
قيل: إن صح هذا وكان اللبن لا يخلو أن ينتفع به كمنفعة البول أو يضاده، فإن كان يضاده فلا ينبغي أن ينتفعوا بالشيء وضده، أو تكون المنفعة فيهما واحدة فينبغي أن يستغنوا اللبن الذي هو حلال عن البول النجس الحرام، فلما أباحهم ذلك علمنا أنه لم يبحهم ذلك للمرض.
وأيضا فإن المرض لا يجوز أن ينتفع فيه بشيء نجس؛ لقول النبي ﵇: (ما جعل شفاؤكم فيما حرم عليكم).
وأيضا فلو حملناه على الضرورة لكان تأكيدا للآية التي فيها ذكر المضطر إلىالميتة وغيرها مما أبيح للمضطر، هذا لو كانت ضرورة الجوع، وإذا أمكن أن يستعمل الخبر على فائدة مجددة كان أولى من تكرار آية أو تأكيدها.
وكذلك إن قالوا: استعمل قول النبي ﵇: (ما أكل لحمه لا بأس
[ ٢ / ١٠١٤ ]
ببوله) في الضرورة.
قيل: لا يخلو أن تحملوه على ضرورة الجوع أو ضرورة المرض، فإن كان في المرض فقد قال ﵇: (لا شفاء لكم فيما حرم عليكم)، وإن كان لضرورة الجوع فقد استفدنا ذلك بغير هذا الخبر فلا تكون فيه فائدة.
فإن قيل: فإننا نخص هذه الظواهر كلها بما روي أن النبي ﷺ مر بقبرين فقال: (إنهما ليعذبان، وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فكان لا يستبرئ من البول)، وهذا عام في كل بول.
قيل: قد اختلف اللفظ في هذا الخبر، فقيل: (لا يستنزه من بوله)، وقيل: (لا يستبرئ من البول)، والاستبراء هو من بوله، وكذلك ينبغي أن يكون التنزه أيضا من بوله؛ لأن اللفظ إذا كان في خبر واحد واختلف حمل مطلقه على مقيده؛ لأنه قد قيل: (لا يستنزه من بوله)، ولو كان العموم فيه لكان مخصوصا بقوله: (ما أكل لحمه فلا بأس ببوله)؛ لأنه نص في ذكر ما يؤكل لحمه.
فإن قيل: فقد روي عنه ﵇ أنه قال: (استنزهوا من البول؛ فإن
[ ٢ / ١٠١٥ ]
عامة عذاب القبر منه)، فهو عموم في كل بول، فيحمل خبركم على الضرورة.
قيل: قد بينا حكم الضرورة إن كانت بجوع أن مرض فلا فائدة فيه، بل ينبغي أن يقضي على عموم خبركم في ذكر البول؛ لأنه مخصوص بالذكر فيما يؤكل لحمه.
[ ٢ / ١٠١٦ ]
فإن قيل: فإننا نخص خبركم بالقياس فنقول:.
هو ما استحال في مالا يؤكل لحمه بالذكاة، وليس كذلك بول الأغنام.
قيل: قد اتفقنا على أن ريق ما يؤكل لحمه وعرقه طاهر، والمعنى فيه: أنه مائع مستحيل في حيوان مأكول اللحم ليس بدم ولا فيح فكذلك بوله.
فإن قيل: لا تأثير لهذه العلة - عندكم -؛ لأن ريق كل حيوان وعرقه طاهر، وأبواله مختلف.
قيل: لها تأثير فيما بيننا وبينكم؛ لأنكم تزعمون أن ريق الكلب والخنزير وعرقهما نجس، وعند أبي حنيفة أن سؤر السباع تتنجس الماء - وعندنا - نحن أن بعض الحيوان الذي يؤكل الجيف مكروه،
[ ٢ / ١٠١٧ ]
وريق الأنعام غير مكروه.
فإن عارضوا بعلة أخرى. قلنا لهم: لا تتعدى، فعلتنا أولى.
فإن قيل: إن رد البول إلى البول أولى من رده إلى الريق والعرق.
قيل: علتنا أولى؛ لأنها تستند إلى السنة المخصوصة بذكر بول ما يؤكل لحمه، وإلى قول النبي ﷺ: (لا بأس بسحله)، ولأن رد ما يستحيل في لحم يؤكل بالذكاة إلى مثله أولى من رده إلى ما لا يؤكل لحمه.
وقد روى زيد بن علي عن آبائه عن علي ﵁ أن النبي ﷺ
[ ٢ / ١٠١٨ ]
قال: (لا بأس بأبوال الإبل والبقر والغنم، وكل شيء يحل أكل لحمه أصابه أو أصاب الثوب)، ولا فائدة في حمل هذا على الضرورة؛ لأن الضرورة لا تختص بالأنعام دون غيرها فلا يكون في تخصيصها هذا الجنس فائدة، ثم قد كشفه قوله: (وما أصابنه أو أصاب الثوب)، وبالله التوفيق.
[ ٢ / ١٠١٩ ]