إذا حاضت المرأة الجنب فلا غسل عليها للجنابة حتى تطهر، ثم يجزئها غسل واحد، هذا مذهب جميع الفقهاء إلا أهل الظاهر فإنهم يوجبون عليها غسلين.
والدليل لقولنا: أن هذه المرأة إذا انقطع دمها وكانت جنبا فاغتسلت جاز لزوجها وطؤها لقوله - تعالى -: ﴿ولا تقربوهن حتى يطهرن فإذا تطهرن فأوهن من حيث أمركم الله﴾، فإذا سميت متطهرة يجوز لزوجها وطؤها وصلت قبل الوطء فقد دخلت تحت قوله ﵇: (لا صلاة إلا بطهور).
فإن قيل: فإنها جنب وقد قال الله - تعالى -: ﴿ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا﴾، وقال: ﴿وإن كنتم جنبا فاطهروا﴾، فوجب أن تتطهر وتغتسل للجنابة.
[ ٢ / ١٠٤٣ ]
قيل عن هذا جوابان:
أحدهما: أن ظاهر الآية يتناول جنبا مفردا، وهذا جنب حائض ولم يرد لها ذكر، فدليله أن الجنب الحائض بخلاف ذلك.
وأيضا إن هذه قد اغتسلت وفعلت ما سميت به طاهرة لقوله - تعالى -: ﴿فإذا تطهرن﴾، وليس في الظاهر: فاطهروا للجنابة دون الحيض، وكذلك قوله - تعالى -: ﴿ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا﴾، ولم يقل: تغتسلوا للجنابة دون الحيض، وهذا قد اغتسلت.
وأيضا فليس في الظاهر وإن كنتم جنبا، وفيه تنازعنا، فدليله بخلافه.
وعلى أن الظواهر كلها وردت بلفظ يتناول الذكور أو الذكور والإناث، وليس فيها ذكر الإناث منفردات، وقد ذكرنا نحن ما يتناول الإناث منفردات بقوله - تعالى -: ﴿فلا تقربوهن حتى يطهرن فإذا تطهرن فأتوهن﴾، فهذا خاص فيهن فلا يقربن حتى يطهرن بالماء، سواء تطهرن للجنابة أو للحيض؛ لأن المرأة هي التي يجتمع فيها الأمران جميعا الجنابة والحيض.
على أن الأصول كلها تدل على أن الأحداث إذا كان موجبها واحدا واجتمعت تداخل حكمها، وناب موجب أحدها عن الآخر، كاجتماع البول والغائط والريح والمذي ينوب عن جميعها وضوء واحد، وكذلك لو وطئ دفعات كثيرة أجزأه غسل واحد، وكذلك لو حاضت امرأة ثم
[ ٢ / ١٠٤٤ ]
جنت أو برسمت، والدم ينقطع ثم يعود. أو تعمدت ترك الغسل حتى حاضت دفعات، ثم اغتسلت أجزأها غسل واحد، فقد استوى حكم سائر الأحداث المختلف منها والمتفق إذا اتفق موجبها في أن الوضوء الواحد أو الغسل الواحد ينوب مناب صاحبه، ويدخل حكم بعضها في بعض، وكذلك مثل هذا في الحدود إذا اجتمعت وكان موجبها واحدا سواء اتفقت أنواعها أو اختلفت، مثل أن يسرق مرارا، أو يشرب الخمر مرارا، أو يقذف مرارا، أو يشرب خمرا ويقذف، فإن حدا واحدا ينوب عن الآخر، وكذلك المحرم إذا قتل صيدا في الحرم فإن عليه جزاء واحدا، وإن كان لو انفرد بقتله محرما دون الحرم وجب عليه جزاء واحد، ولو قتل حلال في الحرم وجب عليه جزاء، ثم إذا قتله محرم في حرم وجب فيه جزاء واحد، فكذلك يجب على الحائض الجنب غسل واحد؛ لأن الموجب واحد، وبالله التوفيق.
[ ٢ / ١٠٤٥ ]