ومن معه إناءان أحدهما نجس والآخر طاهر، واختلطا عليه فلم يعرف النجس من الطاهر، ولا يقدر على غيرهما، وقد حضر وقت الصلاة - وهو على غير وضوء - فظاهر قول أهل المدينة أن الماء لا ينجس إلا أن يتغير طعمه أو لونه أو ريحه على ما تقدم بيانه في الكلام في الماء.
وقال عبد الملك بن الماجشون: إنه يتوضأ من أحدهما ويصلي ثم يتوضأ من الآخر ويعيد الصلاة.
وقال محمد بن مسلمة: يتوضأ من أحدهما ويصلي، ثم يغسل أعضاءه نم الآخر، ثم يتوضأ منه ويعيد الصلاة.
وقال أبو حنيفة: لا يتحرى في الإناءين ويتركهما ويتيمم، وبه
[ ٢ / ١٠٤٧ ]
قال المزني. قال أبو حنيفة: يتحرى في ثلاث أوان أو أكثر.
وقال الشافعي: يتحرى أحد الإنائين، فإذا غلب على ظنه طهارة أحدهما تطهر منه وأراق الآخر.
وذهب عبد الملك ومحمد بن مسلمة في هذا إلى التغليظ في الماء القليل إذا حلته نجاسة ولم يتغير، وقد شدد مالك الكراهية فيه، وإن كان الأصل في المياه على ما ذكرناه؛ لقوة الخلاف فيه.
ووجه قول عبد الملك ومحمد: أنه إذا عمل هذا حصل وضوؤه بماء طاهر بإجماع؛ لأنه إن كان الأول هو الطاهر فقد مضت صلاته
[ ٢ / ١٠٤٨ ]
صحيحة باتفاق، وحصل ما بعدها ملغي، وإن كان الأول هو النجس فاستعماله الثاني يزيل أثر الماء الأول، وتصح الصلاة به، وخاصة إن غسل الأعضاء ثم توضأ، ويكون الأول النجس لغوا.
وكذلك يقولان في الثوبين أحدهما نجس، والآخر طاهر.
وكذلك يقول أبو حنيفة في الثوبين، ويفرق بينهما وبين الإناءين قال: لأنه لو صلى في ثوب نجس أجزأه، ولو توضأ بماء نجس لم يجزئه، وهذا يلزمه في ثلاث أوان وأكثر.
وأيضا فقد ثبت أنه لو نسي صلاة من يوم وليلة لا يدري أي صلاة هي من الخمس الصلوات كلفناه أن يصلي الخمس الصلوات؛ ليكون قد أدى الفرض بيقين، فكذلك ينبغي في الماء.
[ ٢ / ١٠٤٩ ]
فإن قيل: فإنها عبادة تؤدى تارة بيقين، وتارة بالظاهر فجاز دخول التحير عليها عند الاشتباه، أصله القبلة، اليقين فيها أن يكون بمكة في المسجد معاينا للكعبة، أو بالمدينة فتصلي في محراب النبي ﵇ فهذا يقين، وأما الظاهر فهو أن تكون في بعض البلدان أو القرى فتشاهد مسجدا فيه قبلة فيجوز أن تصلي إليها على الظاهر، مع جواز أن تكون القبلة غير تلك الجهة.
وأداء الطهارة بيقين مثل أن تتوضأ من دجلة فتتيقن أن الماء طاهر، وأما الظاهر دون اليقين فمثل أن يجد ماء في إناء على الشط فيجوز له أن يتطهر منه، وهذا الماء في الظاهر طاهر لا بيقين؛ لجواز أن يكون قد حلت فيه نجاسة من ولوغ كلب قد أكل نجاسة هي على فمه أو غير ذلك من بول خنزير أو ترشيش فيه من بول آدمي فيجوز التحري في الإناءين، كالقبلة يصلي إلى جهة تغلب على ظنه، وليس عليه أن يصلي إلى الجهات كلها.
قيل: الفرق بينهما هو أن القبلة قد جوز تركها والصلاة إليها مع القدرة في الصلاة التطوع في السفر، وللمسايف في وجه العدو وغير ذلك، وأما الماء النجس فلا يجوز الوضوء به على وجه، فلهذا
[ ٢ / ١٠٥٠ ]
طلب اليقين فيه كما قلنا فيمن نسي صلاة من خمس صلوات أنه يصلي الصلوات كلها حتى يأتي على اليقين؛ لأن الصلاة لا يجوز تركها مع القدرة ولا مع العذر.
والدليل على أبي حنيفة: هو أن هذا الإنسان معه ماء طاهر بيقين يمكنه الوصول إليه وأداء الصلاة به من الماء النجس فوجب أن يجوز له التحري فيه، أصله الثلاث الأواني.
وأيضا: فإن التحري في الإناءين أمكن منه في الثلاث لوجهين:
أحدهما: أنه بالتحري يطلب الطاهر، ولا يتوصل إلى معرفة الطاهر إلا بمعرفة النجس؛ لأه يطلب العلامة والأثر، والعلامة والأثر قد يكون على الماء النجس من أثر الرجل أو قلة الماء وكثرته وما يشبه ذلك، فصار كأنه لا يطلب إلا النجس، فإذا كان كذلك فتمييز الشيء بين شيئين أمكن وأقرب منه نم الثلاث وأكثر، كما أن تمييز عبد أشكل أمره من بين عبدين أمكن منه وأسهل من بين مائة عبد.
والوجه الثاني: هو أن التحري أن ينظر في كل إناء على الانفراد، ويضبط صفاته ويحفظها حتى إذا وجد اختلاف الصفة حكم حينئذ إما بنجاسة أو طهارة، فإذا ضبط (ذلك فهو إذا ضبط) صفة الإناء ثم نظر في الآخر كان أقر عهدا بالأول منه أن ينظر في ثالث.
فإن قيل: فأنتم لا تتحرون بل تأمرون باستعمال الجميع.
[ ٢ / ١٠٥١ ]
قيل: نحن نقول يتحرى أولا فيتوضأ بما يغلب على ظنه أنه طاهر ويصلي، ثم يتوضأ بالآخر ويصلي احتياطا؛ لأنه قد يجوز أن يخطئ اجتهاده في الأول فإذا احتاط بالثاني أصاب لا محالة.
فإن قيل: يلزمكم هذا في أكثر من إناءين حتى لو كانت أواني كثيرة وجب أن يستعملها كلها، وهذا يشق.
قيل: إذا خرج إلى المشقة تركنا ذلك وتحرى الواحد. ألا ترى أنه لو اختلط على إنسان أو أشكل أمر امرأتين وثلاث في أن إحداهن أخته من الرضاعة منعناه أن يتزوج إحداهن، وقلنا له: احتط واترك الجميع، ولو اختلطت عليه بأهل بلد جاز أن يتزوج إحداهن؛ لأن منعه من ذلك يشق، وكذلك لو اختلطت عليه شاة ميتة باثنتين وثلاث من المذكاة وجب أن يمتنع من الجميع، ولو اختلطت بشيء كثير جاز له أن يأكل.
فإن قال عراقي: إن هذا يشهد لنا؛ لأننا لا نتحرى في إناءين ونتحرى في أكثر، كما قلتم في المرأتين إحداهما أخته من الرضاعة، وشاتين إحداهما ميتة.
قيل: قد فرقتم أنتم بين الموضعين؛ لأنكم لا تجيزون له أن يتزوج إحدى عشرة فيهن أخته من الرضاعة، كما لا يتزوج واحدة من اثنتين، ولا تعملون في الأواني كذلك؛ لأنكم لا تجيزون التحري في
[ ٢ / ١٠٥٢ ]
إناءين، وتجيزونه في ثلاث.
فإن قال الشافعي: فقولنا أولى؛ لأنه يستمر في إناءين وثوبين، وفي اجتهاد الحاكم والقبلة في أنه ليس عليه أن يحكم بالاجتهادين، ولا الصلاة إلى جهات القبلة كلها.
قيل: أما الحاكم فإنه ينظر لقطع الخصومات، فإذا غلب على ظنه الحكم لأحدهما حكم، فلو قلنا له: احكم للآخر أدى ذلك إلى إحكام الخصومة بينهما، ولعل خصومتهما قبل هذا الحكم تكون أسهل، فلا يجوز أن يفعل ذلك، والصلاة حق محضة لله فنعمل بما ذكرناه، وقد ذكرنا الفرق بين الإناءين وبين القبلة بما فيه كفاية.
ويجوز أن نستدل على أبي حنيفة في تركه الإناءين وعدوله إلى التيمم بقوله - تعالى -: ﴿وأنزلنا من السماء ماء طهورا﴾، وبقوله: ﴿وينزل عليكم من السماء ما ليطهركم به﴾، وظاهر هذا طهارته، وبقول النبي ﵇: (خلق الله الماء طهورا لا ينجسه شيء إلا ما غير لونه أو طعمه أو ريحه)، وهذا ماء لم يغيره شيء من ذلك، وقد قال - تعالى -: ﴿فلم تجدوا ماء فتيمموا﴾، ولم يخص ماء من ماء، وهذا واجد للماء فلا يجوز العدول عنه إلى التيمم إلا بدليل.
[ ٢ / ١٠٥٣ ]