عند مالك، وأبي حنيفة وجميع الفقهاء، أن المرفقين تدخلان في غسل الذراعين في الوضوء.
وذهب زفر بن الهذيل إلى أنه لا يجب غسل المرفقين، قال: لأنَّ الله -تعالى - قال: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾، فأمر بغسلهما إلى المرفقين، وجعلهما حدًّا، والحد لا يدخل في المحدود، كقوله - تعالى -: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾، فجعل الليل حدًّا للصوم، ثم لم يدخل شيء من الليل فيه، وكما يقول: دار فلان تنتهي إلى دار فلان، فتكون دار فلان حدًّا لها، ولا تدخل فيها، فكذلك ههنا.
[ ١ / ٢٥٥ ]
والدليل لقولنا: قوله تعالى -: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ وأن الله -تعالى - لما أراد منا استيفاء الغسل إلى هذا الحد، وعلم أنه لا يمكن تكلف إخراج الْمِرْفَقَيْنِ عنه لمقاربته، وأنَّه لا فصل بينهما أوجب غسل الْمِرْفَقَيْنِ.
كما أنه لما لم يكن بين النهار والليل فصل وجب إدخال جزء من اللَّيْل في حكم الصيام بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾، وكذلك لما لم يكن بين اللَّيْل والْفَجْر فصل وجب أن يدخل جزء من اللَّيْل في ابتداء الصيام في باب النية والإمساك، حَتَّى يحصلا مقدمين على الصوم الذي يجب من طلوع الْفَجْر؛ لأنه لو تكلف ابتداء الإمساك: حين يطلع الْفَجْر لشق ولم يمكن، فكذلك في الْمِرْفَقَيْنِ مع الذراعين.
فإن قيل: فينبغي ان يكون الوجب إدخال جزء منه لا جميعه كما ذكرتم في اللَّيْل والنهار.
قيل: المرفق، فتكلف إدخل بعض المرفق دون بعض يشق ولا يمكن وإذا لم يمكن، استيفاء الذراع إلاَّ بجزء من المرفق، ويشق تمييز ذلك الجزء منه لقلته في نفسه صار جميعه في حكم الجزء من اللَّيْل.
[ ١ / ٢٥٦ ]
وقد حكي عم المبرد أنه قال: لغة العرب أن الحد إذا كان من جنس المحدود داخل الحد في المحدود، كقولهم: بعتك هذا الثوب من هذا الطرف إلى هذا الطرف الآخر، دخل الطرف الآخر في البيع، وإن كان قد جعله حدًّ؛ لأنَّه من جنس الثوب، وإن كان الحد من غير جنس المحدود لم يدخل في المحدود، كقوله -تعالى - ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾، لما لم يكن الليل من جنس النهار لم يدخل فيه، كذلك أيضًا دخل المرفق فيه؛ لأنه من جنس المحدود.
قال القاضي أبو الحسن: وعندي أن إلى إذا كانت في موضعها حقيقة للغاية فلا فصل بين الجنسين وغيره إذا لم يمكن الفصل بينهما عند انتهاء الغاية فأما في المواضع التي تكون إلى بمعنى مع، كقوله - تعالى -: ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾؛ أي: مع الله، فهي في هذا الموضع
[ ١ / ٢٥٧ ]
ليست للغاية، ولا تكون حقيقة فيه؛ لخروجها عما وضعت له.
وفي الآية أيضًا دليل آخر، وهو أن اسم اليد يتناول جميعها إلى الإبط، بدليل ما رُوِيَ عن عمار بن ياسر أنه لما تَيَمَّمَ مسح إلى الآباط؛ امتثالًا لما اقتضاه الاسم؛ أعني اسم اليد، وعمار من وجوه
[ ١ / ٢٥٨ ]
أهل اللغة فإذا تقرر أن اليد اسم لها لها إلى الآباط، ثم أمر الله -تعالى - بغسل اليدين، اقتضى الاسم غسلهما إلى الإبطين، واستثنى مما أوجبه الاسم ونُقص منه بقوله: ﴿إِلَى الْمَرَافِقِ﴾، فبقي المرفق مغسولًا مع الذراعين بحق الاسم؛ لأن الاستثناء لم يلحقه ولم ينته إليه، هذا إن سلمنا أن الحد لا يدخل في المحدود فقد صح ما قلناه.
ثم يقوي ما ذهبنا إليه: ما روي أن النبي ﷺ غسل يديه، ثم أدار الماء على مرفقيه، وقال في الحديث: «هذا وضوء لا يقبل الله
[ ١ / ٢٥٩ ]
الصلاة إلاَّ به». لما تَوَضَّأَ مَرَّةً مَرَّةً، وهذا يمكن أن يجعل دليلًا مبتدأ، فإذا أورد عليه الكلام في الحد ذكر فيه ما تقدم.
ويَدُلُّ على ذلك أيضًا: ما رُوِيَ عن جابر بن عبد الله وأنه قيل له: أرنا كيف كان وضوء رسول الله ﷺ. فأراهم ذلك، وفيه: أنه لما بلغ الْمِرْفَقَيْنِ أدار الماء عليهما، وهو قول عدد من الصحابة، وظاهر أن فعل النبي ﵇ واجب إلاَّ أن تقوم دلالة.
ويجوز أن تجعل إلى ههنا بمعنى مع؛ بدليل ما رَوَى عن النبي ﷺ أنه أدار الماء على مرفقيه، وبخبر جابر.
[ ١ / ٢٦٠ ]