غسل القدمين في الوضوء مع القدرة عليه فرض عند مالك، وأبي حنيفة والشافعي، وجميع الفقهاء، وبه قال أنس بن مالك، وربيعة، والأوزاعي، وأهل الشام، وعبد الله بن الحسن البصري وأهل البصرة وسفيان الثوري، وأبو ثور، وأحمد
[ ١ / ٢٦٥ ]
وذهب ابن جرير الطبري إلى أن الغسل يجوز، ومسح جميع القدمين يجوز، الإنسان مخيَّر بين الغسل والمسح على هذه الصفة.
[ ١ / ٢٦٦ ]
وذهب الشيعة إلى أن الفرض هو المسح، ولا يجوز الغسل، وإن مسح البعض أجزأه.
[ ١ / ٢٦٧ ]
والدليل لقولنا: قوله -تعالى - ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾، فنصب الرجلين، وحدّهما إلى الكعبين، كما نصب اليدين وحدّهما إلى المرفقين.
فإن قيل: فقد قرئ: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾، بالخفض، فنسق على المسح بالرأس فينبغي أن يكونا ممسوحين كالرأس، ويكون العطف على ما يليه من الرأس أولى من عطفه على اليدين.
قيل: قد حصلت القراءتان جميعًا حجة لنا، فالنصبُ والتحديدُ إلى الكعبين ظاهرٌ في العطف على اليدين، ومن قرأ بالجرِّ خفض بالمجاورة لأن من شأن العرب أن تتبع اللفظ اللفظ على المجاورة، كقوله: هذا جُحرُ ضبٍّ خرب، ومعناه: خربٌ لأنَّه صفة للجحر،
[ ١ / ٢٦٨ ]
وكقول الشاعر:
لقد كان في حولٍ ثواء ثويته … تقضي لبانات ويسأم سائم
فخفض الثواء على مجاورته الحول.
فإن قيل: حن نعارضك بمثل هذا فنقول: من قرأ: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾، بالنصب، إنما عطفه على موضع الرأس؛ لأنَّ موضع المجرور منصوب ألا ترى قول الشاعر:
معاوي إننا بشر فأسجح … فلسنا بالجبال ولا الحديد
فنصب الحديد نسقًا على موضع الجبال؛ لأن موضع المجرور منصوب.
قيل: إنما تعمل العرب هذا ضرورة، ولولا أن الشاعر عمله ههنا لتقطعت قافيته، وإنما اراد اتباع القافية.
ثم لو سلمنا المساواة والمعارضة في القراءتين لكان استعمالنا في الغسل أولى من وجوه:
[ ١ / ٢٦٩ ]
أحدهما: أن في الآية صريحًا يدل على أن المراد الغسل، وهو أنه قيد الرجلين بالكعبين، كما قيده في اليدين إلى المرفقين، وتقييده إلى الكعبين يقتضي استيعاب الرجلين إلى الكعبين، وهذا يكون في الغسل؛ لأنَّ من يعتبر المسح يقول: إذا مسح ظاهر القدم أجزأه دون الباطن.
ووجه آخر: وهو أننا نستعمل القراءتين، فنحمل المنصوبة على غسل الرجلين، والمخفوضة على المسح على الخفين.
وأيضًا فجعلها على الغسل أولى؛ لأن فيه المسح وزيادة عليه.
ووجه آخر: وهو أن معنا من الأخبار ما لا يحمل غير ما نقول؛ وذلك أنه روي النبي ﵇ قال للأعرابي: «توضأ كما أمرك الله، واغسل وجهك ويديك وامسح برأسك، واغسل رجلك»، وهذا موضع تعليم، فذكر فيه أن الذي أمره الله به هو الغسل دون غيره.
وأيضًا قوله ﵇ في الخبر الآخر: «لن تجزئ عبدًا صلاته حتى يسبغ الوضوء، فيغسل وجهه ويديه، ويمسح برأسه ويغسل رجليه»، فقوله: «لن يجزئ»، نفي للإجزاء إلا بما ذكره من الغسل، وهذان خبران يصلح الاستدلال بهما في أصل المسالة، ويصلحان لبيان موضع المراد من الآية.
ووجه آخر: هو أن الوجه إنما أُمرنا بغسله؛ لكثرة مباشرته
[ ١ / ٢٧٠ ]
الأشياء من الشموس والغبار والرياح وغير ذلك، وأُمرنا بغسل اليدين؛ لكثرة العمل بهما ومباشرة الأشياء، والرأسُ في أكثر أحواله مغطى، لا يكاد أن يُعمل به شيء ولا يباشر به، فأُمرنا بمسحه تخفيفًا، والرجلان فالسعي بهما وظهورهما أكثر من اليدين وإن كانتا للعمل فلعل عظم الناس تكون أيديهم مغطاة مخبأة، والرجلان أظهر منهما، فلما أمرنا بغسل اليدين كانت الرجلان أولى بأن تكونا مرادتين بالغسل.
فإن قال قائل من أصحاب ابن جرير: إن ما ذكرتموه من تقييد الرجلين بالكعبين، وأنه يوجب الاستيعاب فإننا نقول: إن الاستيعاب واجب في المسح كما هو واجب في الغسل.
قيل: التخيير إحداث قول ثالث؛ لأنَّ أحدًا من الصحابة والمتقدمين لم يحمل الآيتين على التخيير.
فإن قيل: معنا أخبار بإزاء أخباركم، وذلك أنَّه روي أن أنس بن
[ ١ / ٢٧١ ]
مالك سمع الحجاج يخطب، ويقول: أمر الله -تعالى - بغسل الوجه وغسل اليدين ومسح الرأس وغسل الرجلين، فقال أنس: صدق الله، وكذب الحجاج. إنما أمر الله -تعالى - بمسح الرجلين فقال: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾، بالخفض، فدل على أن القراءة بالخفض.
وأيضًا فقد روي عن ابن عباس أنَّه قال: «غسلتان ومسحتان»،
[ ١ / ٢٧٢ ]
وروي عنه أنه قال: كتاب الله المسح، ويأبى الناس إلا الغسل، فدل على أن الآية توجب المسح.
وروي عن ابن عباس عن علي - رضوان الله عليهما - أنه وصف وضوء رسول الله ﷺ فغسل وجهه ويديه، ومسح برأسه، وأخذ حفنة فصكها على قدميه في نعليه، وبصك الماء على القدم لا يحصل
[ ١ / ٢٧٣ ]
الغسل فعلم أنه حكي عن النبي ﷺ أنه مسح.
وأيضًا فقد روى حذيفة أن النبي ﷺ أتى سباطة قوم فبال قائمًا ومسح على نعليه.
[ ١ / ٢٧٤ ]
وروي عن ابن عباس أنه وصف وضوء رسول الله ﷺ فمسح على رجليه، فدل على ما ذكرناه.
قيل: أما خبر أنس وقوله للحجاج ما قال: فإنما أنكر على الحجاج قوله: أمر الله بغسل الرجلين، فقال: لم يأمر به، وإنما أمر بالمسح، أي أن الكتاب يقتضي المسح ولكن الفرض فيهما الغسل؛ لأنَّ رسول الله ﷺ بيَّن أن الفرض الغسل.
وأما حديث ابن عباس: فقد روي عنه أنه قرأ الآية بالنصب فيكون لما قاله تأويلان.
أحدهما: انَّه كان يذهب إليه قديمًا ثم رجع عنه فقال: الفرض فيهما الغسل.
أو يكون قاله على حسب ما قاله أنس؛ لأنَّ الآية تقتضي المسح، ولكن بين رسول الله أن المراد به الغسل، فالفرض فيهما الغسل.
وما ذكروه من حديث على أنَّه أخذ حفنة فصك بها قدميه في
[ ١ / ٢٧٥ ]
نعليه، فإننا نقول: إن هذا ليس بمسح؛ لأنَّ هذا صب ماء، والمسح هو أن يبل يديه ويمسح بهما على قدميه.
وحديث حذيفة ففيه أنه مسح على نعليه، وهم لا يجيزون المسح على النعلين.
[ ١ / ٢٧٦ ]
وحديث ابن عباس: أنه ﵇ مسح على رجليه معناه أنَّه مسح على خفيه؛ بدليل قراءة ابن عباس بالنصب، وبالدلائل التي ذكرناها.
على أن هذا كله حكاية أفعال، والأفعال لا تقع إلا على وجه واحد، فيجوز أن يفعل الشيء في وقت لعذر، وما كان فيها من الأقوال فهي محتملة، وقد روينا بإزاء هذه الأخبار ما هو أقوى منها، وذلك انَّه روي عن عبد الله بن زياد، قال: مر بنا أبو هريرة ونحن نتوضأ، فقال: أحسنوا الوضوء، قال أبو القاسم ﷺ: «ويل للأعقاب من النار».
وروت عائشة أنَّ النبي ﷺ قال: «ويل للأعقاب من النار».
فتواعد على ترك غسل العقب، فلو كان يجوز له تركه لم يكن متواعدً عليه؛ لأن الشيعة تقول: إذا مسح ظاهر القدم ولم يمسح على عقبيه جاز.
وروى عاصم بن لقيط بن صبرة عن أبيه قلت يا رسول الله:
[ ١ / ٢٧٧ ]
كيف الوضوء؟ فقال: «أسبغ وضوءك وخلل بين الأصابع»، وهم يقولون: إذا مسح ظاهر القدم أجزأه.
وهذه الأخبار لا تلزم الطبري؛ لأنه لا يجوز في المسح ترك شيء من القدم حتى يستوفيه كالغسل، ولكن الخبرين اللذين ذكرتهما من قوله ﷺ للأعرابي: «توضأ كما امرك الله»، إلى أن قال: «واغسل رجليك»، وقوله: «ويغسل رجليه» يلزمان الطائفتين جميعًا.
ونحن وإن قلنا: إن الفعل يقع به البيان كما يقع بالقول، فإننا نقول: إن البيان بالقول أبلغ منه بالفعل؛ لأن الأمر إنما يكون لغير الآمر وهو لا يدخل تحت ما يأمر به، وفعله يخصه، ونحن وإن جعلنا أفعاله
[ ١ / ٢٧٨ ]
يقع بها البيان لأن القول في باب البيان أبلغ منه لا محالة بلا خلاف بين من تكلم في أصول الفقه، فإذا كان هذا هكذا، فقوله ﵇ للأعرابي: «توضأ كما أمرك الله»، إلى أن قال: «واغسل رجليك»، وقوله: «لن تجزئ عبدًا صلاته حتى يسبغ الوضوء»، إلى أن قال: «ويغسل رجليه»، ابلغ من فعله ﵇، هذا لو تجرد ما روي من فعله المسح فكيف وقد روينا عنه فعله الغسل؟
وعندي أن هذه الطريقة في لزوم هذين الخبرين لا تثبت لهما شيئًا من الأخبار.
وأيضًا فإنَّه إجماع الصحابة لأنه روي عن علي وابن عباس وابن مسعود أنهم قرأوا بالنصب، وقال انس: كتاب الله المسح، وبين
[ ١ / ٢٧٩ ]
رسوله ﷺ أنه الغسل، فدل أنه إجماع منهم.
وقد روي عن عثمان وجابر وغيرهما لأنهم كانوا إذا قيل لهم: أرونا وضوء رسول الله ﷺ حكوا وضوءه، وأنه غسل رجليه، وهذه أفعالكما رووا أنه مسح، غير أننا نقول: إنه قد يفعل الشيء تارة يريد به البيان، وتارة يفعله لعذر، وتارة للتعليم إلا
[ ١ / ٢٨٠ ]
أن البيان بالقول أبلغ على ما بيناه.
ونقول: هما عضوان تجب فيهما الدية، أمرنا بإيصال الماء إليهما في الوضوء، فوجب أن يكونا مغسولين مع القدرة كاليدين.
أو نقول: هما عضوان تُعُبِّدنا بتطهيرهما في الوضوء، مذكوران بحدٍّ فيهما، فهما كاليدين.
أو نقول: الرجل عضو مفروض في أحد طرفي الطهارة، فوجب أن يكون مغسولًا كالوجه.
فإن قيل: هو عضو يسقط في التيمم فكان فرضه المسح كالرأس.
وأيضًا فإن الخف بدل عن الرجلين فلما كان البدل ممسوحًا فكذلك مبدله.
قيل: القياس على الرأس منتقض بالجنب، قد يسقط حكم رأسه ورجليه في التيمم، ثم فرض في ذلك الغسل في الجنابة.
وقولهم: لما كان بدله ممسوحًا وكذلك مبدله، باطل بالوجه هو بالتيمم ممسوح، وفي المبدل في الوضوء والجنابة مغسول.
ثم لو صح القياس لرجح قياسنا من وجوه:
أحدها ما ذكرناه من مباشرة الرجلين بالسعي وظهورهما كالوجه واليدين.
ومنها: استناده إلى تعليم النبي ﷺ وتفسيره لما أمر الله -تعالى - به.
[ ١ / ٢٨١ ]
ومنها: استنتاده لفعل الصحابة ﵃، ومداومتهم على الفعل وحكايتهم لوضوء رسول الله ﷺ.
ومنها: أن رد المذكور بحد إلى مثله من اليدين أولى.
ومنها: أننا نرى أشياء من البدن يجب غسلها في الجنابة، مثل الرجلين، ولا يجوز المسح فيها مع القدرة، ثم تسقطان مع سائر الجسد في الجنابة عند التيمم.
وأيضًا: فقد أجمعوا على أنه إذا توضأ وغسل رجليه فقد فعل المراد، واختلفوا فيه إذا مسح، فالتمسك بموضع الإجماع أولى.
فإن قيل: ما ذكرتموه أن العرب تتبع اللفظ اللفظ للمجاورة، وأن القراءة بالجر في ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾، عطف بها على الرأس للمجاورة، فإنما تعمل العرب ذلك في الموضع الذي لا يلتبس، وها الموضع ملتبس؛ لأنَّه يجوز مسح الرجلين كما يجوز مسح الرأس.
قيل: قد رأيناهم يفعلون ذلك، وليس علينا تفصيل المواضع.
على أنه لما كان يلتبس قُيِّدت الرجلان بالكعبين كاليدين، فإذا عطف بهما على الرأس للمجاورة لم يلتبس، والله أعلم.
[ ١ / ٢٨٢ ]