ولا يجوز تفرقة الوضوء وغسل الجنابة إلا اليسير منه، فأما إن فرقه حتى طال مقدار ما يجف فيه الماء على وجهه في هواء معتدل لم يجزئن وهو قول الشافعي في القديم.
وقال أبو حنيفة: يجوز، وهو قول الشافعي في الجديد.
ونحن نوافقهم إذا كان على وجه النسيان ونخالفهم في العمد.
ومن أصحاب مالك ﵀ من قال: الموالاة مستحبة.
والظاهر من قول مالك أنها واجبة على الوجه الذي بيناه.
[ ١ / ٢٨٣ ]
وبمثل قولنا قال الليث بن سعد، والأوزاعي، وربيعة، وأحمد.
وروي هذا عن عمر ﵀.
وقول المخالف هو قول سعيد بن المسيب،
[ ١ / ٢٨٤ ]
وعطاء، والحسن، وسفيان الثوري.
والدليل لقولنا: قوله -تعالى - ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾، فأمر بغسل الوجه وما معه من الأعضاء والأمر يقتضي المبادرة والفور، وحقيقة الفور: أن يقع الفعل في الزمان الثاني من الأمر، وإذا خرج بعض الأعضاء فقد غسل بعض ما أمر به على الفور لا كله.
وأيضًا فإن العضو الثاني مأمور به كالأول، وتقديره: فاغسلوا وجوهكم واغسلوا أيديكم، فإذا ثبت غسل الأول على الفور، فالثاني مثله على الفور، والدليل في هذه المسألة مبني على الأصل.
فإن قيل: فإن الواو للترتيب، فتصير بمنزلة ثم التي هي للمهلة والتراخي.
[ ١ / ٢٨٥ ]
قيل: الواو للجمع على ما بيناه في مَسْأَلَة الترتيب، ثم مع هذا لو ثبت أنها للترتيب لكان أحسن أن يكون بمعنى الفاء، غير أنها توقع الثاني عقب الأول؛ لأنها للعقب، ولو كانت للترتيب لكان قولكم في أول الاية: إنها للعقب في غسل أل وجه يلزمكم التعقيب في باقي الأعضاء للنسق على أل وجه.
وأيضًا: قد روي عن النبي ﷺ توضأ مرة مرة، وقال: «هذا وضوء لا يقبل الله صلاة إلا به»، ونحن نعلم أنه ﵇ لم يغسل وجهه بالغداة، ويديه ضحوة النهار، بل والى تابع بين غسل الوجه واليدين ثم بين أن الله -تعالى - لا يقبل الصلة إلا بذلك الوضوء.
وقد روي أنه ﷺ توضأ، ووالى، وقال: «هذا وضوء لاي قبل الله الصاة إلا به»، وفيه دليلان:
أحدهما: أنه فعل ذلك، وفعله على الوجوب.
والثاني: أنه أعلمنا من طريق القول أن الله لا يقبل الصاة إلا بوضوء هذه صفته، إلا أن تقوم دلالة.
فإن قيل: الرواية أنه ﵇ توضأ مرة مرة، وقال: «هذا وضوء لا يقبل الله الصاة إلا به»، عليه سؤالان.
[ ١ / ٢٨٦ ]
أحدهما: أنه لم ينقل أنه والى وتابع، وإذا لم يكن في الخبر هذا لم يصح الحجاج به؛ لأنَّه حكاية فعل يجوز أن يكون وقع على الوجه الذي ذكرتموه، ويجوز أن يكون وقع على غير ذلك الوجه، فإذا لم يعلم على أي وجه وقع لم يصح الحجاج به.
على أن لو صح أنه والى لم تكن فيه دلالة، لأن قوله: «هذا وضوء»، إشارة إلى الأفعال، والموالاة من صفات الفعل، وليست من أفعال الوضوء، فيقتضي أن لا يقبل الله الصلاة إلا بتلك الأفعال، لا بأفعالٍ صفاتها تلك الصفات.
قيل: أما قولكم: ليس في الخبر أنه والى وتاعن فعليه جوابان: أحدهما: أننا قد روينا في خبر أنه توضأ متواليًا.
والجواب الآخر: هو أنه لا يجوز أن يظن ﵇ غير ذلك؛ لأن التفريق لغير عذر يخرج على طريق اللعب في الدين، وهذا مثله لا يظن به، وإنما يُظهر لنا ما يفعله لِيَسُنّ فَيُتَّبَع، ويُقتدَى به في فعله، ولا يجوز أن يُظن به أنه غسل وجهه بالغداة، وتمم وضوءه عند الظهر، لأن من يرى فعله الثاني يظن أن هذا القدر من الأعضاء يجزئ في الوضوء.
وقولكم: إنه أشار إلى الأفعال، والموالاة من صفة ألفعال فإننا نقول: إنه إذا فعل فعلًا على صفة ثم أشار إليه، وقعت الإشارة إلى ذلك الفعل على صفته إلا أن تقوم دلالة.
فإن قيل: يحتمل أن يكون ﵇ فعل ذلك في الوقت المضيق، الذي لو أخر الطهارة أو بعضها حتى خرج الوقت لم يجز، وهذا الوقت لا يمكن فيه إلا الموالاة، فأما إذا كان الوقت متسعًا، أو لم يدخل جازت التفرقة.
[ ١ / ٢٨٧ ]
قيل: إنما أراد ﵇ أن يعلمنا صفة الوضوء الذي لا تصح الصلاة إلا به، سواء توضأنا قبل الوقت أو في أوله أو في آخره، كما علم الأعرابي ذلك، وكما تقولون: إنَّه على الترتيب، ولم يتعرض لوقت الصلاة تضيَّق أو اتسع، وكذلك أعلمنا أن الفرض مرة، والفضل في الثا، ولم يتعرض للأوقات، والتعليم يكون في وقت الصلاة وفي غير وقتها، ونحن أبدًا كذلك نعلم الناس كيف يتوضؤون ويصلون، وإن لم يحضر وقت الطهارة ولا وقت الصلاة.
ويدل على أن النبي ﷺ قصد تعليمنا صفة الوضوء: قوله لنا: «هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به»، ولو كان يختلف لكان يقول: وهذا إذا تضيق الوقت، حتى نعلم الفرق بينهما، كذا ينبغي أني كون التعليم، وإلا التبس علينا، ولم نعلم الفرق بين الوقتين، مع جواز أن يكون هناك وضوء على غير هذه الصفة يقبل الله الصلاة به، فلما لم يبن لنا الفرق علم أن الأمر فيها سواء.
[ ١ / ٢٨٨ ]
فإن قيل: إن الله -تعالى - أمر بغسل هذه الأعضاء في الآية، فمن غسلها مجتمعة، قيل: قد غسلها وإذا غسلها متفرقة، قيل: قد غسل أعضاءه، فإذا كان يسمى غاسلًا لأعضائه سواء فرق أو جمع فقد امتثل المأمور به.
قيل: عنه جوابان.
أحدهما: أننا قد ذكرنا أن الأمر يقتضي المبادرة في جملة الطهارة في كل عضو منها.
والجواب الآخر: هو أنَّه إذا غسل وجهه وصبر، لا يقال: قد غسل أعضاءه، ولا بد أن يغسل يديه ثم يؤخر الباقي يقال: قد غسل أعضاءه، وأما إذا غسل وجهه وأخر الباقي، قيل: قد غسل وجهه حسب. وقد قلنا: إن التفريق على هذا الوجه يخرج إلى حد التواني واللعب الممنوعين في دين الله ع ز وجل.
فإن قيل: فإن الاتفاق قد حصل لو قدم جملة الطهارة من ضحوة من النهار للظهر أجزأه، وهذا قبل توجه الأمر عليه، فإذا جاز تقديم الكل على زمان الأمر كان تقديم بعض الأعضاء على زمان الأمر وتأخير البعض إلى وقت الأمر أولى بالجواز، وتقدير ذلك: أن يغسل
[ ١ / ٢٨٩ ]
وجهه ويديه، ضحوة النهار، وإذا زالت الشمس غسل الباقي، فيكون قد حصل غسل وجهه ويديه قبل زمان الأمر بغسلهما، وحصل مسح الرأس وغسل الرجلين بعد وقت الأمر فيهما.
قيل: هذا لا يلزم؛ وذلك أن الآية خوطب بها من قام إلى الصلاة وهو محدث أيوقع غسل كل عضو على المبادرة، فثبتت الموالاة، وصار لكل عضو في المبادرة به حكم صاحبه، وهو أن يقع الثاني مواليًا للأول، فإذا ثبت في الثاني أني كون عقيب الأول، وثبت في الثالث أن يكون عقيب الثاني، فمتى قدمنا الكل لم يتغير حكم كل عضو عما ثبت فيه من موالاته لصاحبه، وليس كذلك إذا قدمنا البعض وأخرنا البعض؛ لأنه يزول الحكم الذي كان يثبت فيه من أن يتلو كل عضو صاحبه.
يبين هذا: أن الصلاة الواحدة يتناولها قوله: «صلوا»، ولفظه لفظ الأمر، والأمر يتوجه إلى الركعة الثانية كتوجهه إلى الأولى، وإن الفور في الثانية كهو في الأولى، فلا بد من أن تقع عقيبها ومواليه لها، فإذا ثبت فيها هذا الحكم لم يجز أن يتغير عنه حيث وقعت. ألا ترى أن صلاة الظهر إذا أخر وقتها أوقعت كذلك، متوالية، ولو قدمت في أول وقتها لكانت كذلكن حتى لا يتغير وقت الموالاة فيها ولو جاز إيقاعها قبل الزوال لما جازت إلا كذلك من أجل ما ثبت فيها من الموالاة، فإذا كان هذا هكذا سقط السؤال.
[ ١ / ٢٩٠ ]
ويجوز أن يستدل في الأصل بكون الحديث حاصلًا بيقين فمن زعم أنه يزول بالوضوء المتفرق فعليه الدليل.
وأيضًا فإن النبي ﷺ توضأ بالموالاة، فمن خالف فعله كان مردودًا بقوله ﷺ: «من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو مردود»، وقد علم أن الفعل لا يمكن رده، فثبت أنه اراد أنَّ حكمه مردود.
وأيضًا فإن الصاة عليه بيقين، فلا تستطيع إلا بيقين.
فإن استدلوا بقوله ﷺ: «لا صلاة إلاب فاتحة الكتاب»، وهذا قد صلَّى بفاتحة الكتاب.
قيل: وقد قال: «لا صلاة إلاب طهور»، فينبغي أن يسلم أنه قد تطهر.
فإن قيل: فقد قال: «وإنما لكل امرئ ما نوى»، وهذا قد نوى أن تكون له طهارة.
قيل: قوله: «لا صلاة إلا بطهور»، أخص منه؛ لأنَّه يتناول اسم الطهارة بالذكر.
على أن معنا القياس فنق ول: هي عبادة تسقط إلى شطرها في
[ ١ / ٢٩١ ]
حال العذر، فجاز أن تبطلها التفرقة كالصلاة.
أو نقول: هي عبادة تنتقض بالحدث فجاز أن تبطلها التفرقة كالصلاة.
أو نقول: هي عبادة تجمع أشياء متغايرة، تتقدم على الصلاة للصلاة، فجاز أن تبطلها التفرقة كالأذان، لو قال: الله أكبر ثم سكت ثم قال: أشهد ألا إله إلا الله، فذكر الشهادة الأولى قبل أن تتم التكبيرة لم يجز.
وقولنا: تجمع أشياء متغايرة احتراز من الكسوة، فإنه لو غطى عورته بالغداة، وبعضها عند القيام إلى الصلاة جاز.
وقولنا: احتراز من الحج؛ لأنَّه لا يراد للصلاة.
فإن قيل: فإنَّه تفريق طهارة فوجب أن لا يمنع صحة الطهارة، أصله التفريق اليسير.
[ ١ / ٢٩٢ ]
ولأن الحدود طهارة وكفارة، وقال النبي ﷺ «الحدود كفارات لأهلها»، ثم يصح تفريق الحد؛ لأنَّه لو جلد عشرين سوطًا بالغداة وعشرين بالعشي جاز، فنقول: هو تفريق تطهير فوجب أن لا يمنع صحته أصله الحدود.
أو نقول: كل ما لا يمنع منه التفريق اليسير لا يمنع من التفريق الكثير، أصله الحج، وعكسه الصلاة؛ لأنَّه لو وقف بعرفة وطاف يوم النحر أجزأه، وهذا تفريق يسير، ولو وقف وطاف بعد شهر أجزأه أيضًا.
[ ١ / ٢٩٣ ]
وكذلك لو طاف خمسة أشواط ثم طاف في وقت آخر أجزأه.
قيل: أما قياسكم على التفريق اليسير فغلط؛ لأنَّ الأصول قد جوزت العمل القليل في اصلاة ومنعت من الكثير، ثم ينتقض أيضًا بالصلاة، لأنه لو تعمد قتل عقرب أو خطأ ليسد الصف جاز، ولو اشتغل بإخراج غريق وهو في الصلاة بطلت الصلاة، وقد عفي عن يسير الدماء، ويسير العمل في الصلاة، ويسير الغرر في البياعات، بخلاف الكثيرة، وقد قلنا: إن تعمَّدَ التفرقة ضرب من اللعب، ويؤدي إلى التواني الذي هو ممنوع في الدين.
وأما القياس على الحدود فإن الحدود تكون تطهيرًا وكفارة بالتوبة، وإن لم يتب فإنها لا تطهره.
على أننا قد رددنا ذلك على الصلاة فهو أولى من رده إلى
[ ١ / ٢٩٤ ]
لحدود؛ لأن الطهارة تراد للصلاة، والحدود لا تراد للصلاة والا للحج، ورددناه إلى الأذان المراد للصلاة، فرد ما يراد للصلاة إلى مثله أولى.
وأما تفريق الطواف حتى يطول فإنه لا يجوز عندنا.
فإن قيل: فإن كل عبادة جاز تقطيع النية على أبعاضها جز تفريق أبعاضها، أصله الزكاة، بيان ذلك: أنه لو كان عليه خمسة دراهم زكاة، جاز أن يفرقها دانقًا دانقا، وينوي مع كل دانق أنه زكاة أجزأه، فقد فرق النية على أبعاضها، وفرق أبعاضها، وكذلك الطهارة لو غسل وجهه ونوى رفع الحدث أجزأه، وكذلك في الرجل فلما جاز أن يفرق النية ويقطعها جاز تفريق أبعاضها، وعكس ذلك الصاة؛ لما لم يجز بالتكبير أنه للظهر لم يجزئه، ولو ركع ونوى به ركوعًا عن الظهر لم يجزئه، فلا بدَّ من جملة النية في استفتاح الصلاة فيقول: نويت به صلاة الظهر أو الفرض.
[ ١ / ٢٩٥ ]
قيل: إن الطهارة جعلت شروطًا تراد لأمر شرطه الموالاة، وهو الصاة، فكان من شرطها الموالاة كالأذان، وليس كذلك الزكاة.
ثم لا فرق -عندنا - بين الطهارة والصلاة في المنع من تقطيع النية؛ لأنَّه لو نوى بغسل وجهه رفع الحدث ما ارتفع، وإنما يرتفع الحدث بالفراغ من الطهارة، ألا ترى أنه لو بقي عليه غسل عضو لم يصح أن يصلي فلم يرتفع حدثه، وإنَّمَا ينوي حين يشرع في الطهارة أنه يرفع الحدث بطهارته التامة، فتفرقة النية لا تجوز كما لا يجوز تفرقة النية في الصلاة.
على أنه فاسد بالشهرين المتتابعين، فإن تفريق النيات في كل ليلة جائز، ولا يجوز تفريق الفعل الذي هو الصيام، فلو أجزنا تفريق النية في أعضاء الطهارة لم يلزم جواز تفريق الأعضاء، كما لا يجوز تفريق النية في ليالي صيام الشهرين ولا يجوز تفريق الصيام، وكذلك شهر رمضان أيضًا.
وقولنا هو قول عمر بن الخطاب ﵀، ولا مخالف له
[ ١ / ٢٩٦ ]
من الصحابة، فجرى مجرى الإجماع.
وما يحتجون به من خبر ابن عمر أنَّه توضأ وخرج إلى السوق، فدعي إلى جنازة فمسح على خفيه، فإنه حكاية عن فعلة وقعت، فيجوز أن يكون ناسيًا لمح الخف فذكر، ويجوز أن يكون كان بخفه أذى من بول أو غائط أو طين فمسحه عنه بالماء، وقد كان يتقبل في أفعاله فعل رسول الله ﷺ ولم يكن ﵇ يتوضأ على الوجه الذي يجيزونه؛ لأنَّه يجري مجرى اللعب، ولم يظهر مظهر ابن عمرو في جواز التفرقة، وظهر مذهب عمر ﵁ فهو حجة.
فإن قيل: فإن النسيان إذا حصل في الصلاة حتى طالت التفرقة أعيدت الصلاة من أولها، وليس كذلك الطهارة.
[ ١ / ٢٩٧ ]
قيل: هذا لا يضر؛ لأن العمد في الصاة قد خالف حكم النسيان، فلو فرق الصاة على طريق العمد أفسد، مثل أن ينصرف من اثنتينن ولو انصرف ناسيًا لم يفسد، فكذلك التفريق في الطهارة على طريق العمد في الطول لا يجوز، وفي النسيان لا يفسد، فلا يمنع أن يكون الأمر في الطهارة أوسع منه في الصلاة.
فإن قيل: لو كانت الموالاة شرطًا في صحة الطهارة لم ي فترق الحكم بين العمد والنسيان، كالنية والماء الطاهر.
قيل: هذا غير لازم؛ لأن في الأصول ما هو واجب وقد افترق عمده ونسيانه، ألا ترى أن الإمساك عن القيام إلى خامسة في الصلاة الرباعية واجب، ولو قام إليها ناسيًا لم تفسد، وكذلك الإمساك عن الكلام فيها واجب ويفترق عمده ونسيانه، وكذلك الإمساك عهن الأكل في الصوم واجب ويفترق -عندكم - حكم عمده ونسيانه، وكذلك التسمية على الذبيحة، وكذلك في مسألتنا لم يفترق حكم
[ ١ / ٢٩٨ ]
النية والماء الطاهر في باب العمد والنسيان، اختلف في الموالاة في الطهارة.
[ ١ / ٢٩٩ ]