قال مالك ﵀: ولا يستنجي بعظم ولا روث، ويستحب بالحجارة، وذكر بعض أصحابنا أنه يجزئه، وليس ذلك كذلك، وإن كان نفس الإزالة غير فرض إلاَّ أنه إذا وجب من طريق السنة لم ينبغ أن يجزئه هذا الفعل من السنة، كما أن صلاة التطوع ليست بفرض، وإذا فعلت إلاَّ بطهارة بماء طاهر، كما أن الاعتكاف ليس بواجب، فإذا فعل فمن شرطه أن يقع في صوم.
وعند أبي حنيفة أن الاستنجاء بذلك يجزئ، ولكنه مكروه، قال الشافعي: لا يجزئه.
[ ١ / ٤١٣ ]
وهذا الذي نختاره، وإن كنا نختلف في نفس الإزالة.
والدليل لما قلناه: ما رُوِيَ أن النبي نهى عن الاستجمار بالروث والعظم، وأمر الاستنجاء بالحجر، وظهار النهي إذا تجرد يقضي فساد المنهي عنه أن يقوم دليل، وأمر بالحجر أمر ظاهر الوجوب إلاَّ
[ ١ / ٤١٤ ]
أن يقوم دليل، ودليله أن غير الحجر لا يجزئ حتى يقوم دليل.
وأيضًا ما رواه أبو هريرة أن النبي قال: «إنما أنا لكم مثل الوالد، أعلمكم أمر دينكم». وأمر أن يستنجي بثلاثة أحجار، ونهى عن الروث والرمة، وهذا موضع تعليم فلا ينبغي عنه إلا بدليل، والاستدلال منه أيضًا كالاستدلال بما قبله.
وكذلك أيضًا قال لابن مسعود: «ائتني بثلاثة أحجار»، فأتيته بحجرين وروثة، فاستنجى بالحجرين وألقى الروثة، وقال: «إنها ركس»، وقيل في بعض الأخبار: «أما العظام فزاد إخوانكم من الجن، وأما الروث فزاد دوابهم»
[ ١ / ٤١٥ ]
ومن طريق المعنى: فإن العظم جسم صقيل، لا يزيل العين في غالب الحال، وقد أخذ علينا إزالتها وإن كان قد عفي عن أثرها، وكلك ينبغي أن يكون ما في معناه من الأجسام الصقيلة، مثل الزجاج والصفر والعاج، هذا لو تحققنا أن العظم ذُكي، فكيف وربما كان ميتة؟ فيلاقي النجس فيزداد نجاسة، وليس لشيء من النجاسات في الطهارة مدخل.
وأما الرواية فهي -عندنا - مكروهة، وعند قوم نجسة، فإذا لاقتها النجاسة الرطبة تنجست، ولم تكن لها قوة الطاهرات المتفق عليها فتدخل مدخلها في هذا الموضع؛ لأنه موضع رخصة قد أخذ علينا فيه إزالة العين، وعفى عن الأثر خوف المشقة، فلا ينبغي أن يدخل على الرخصة ما فيه رخصة أخرى لقول المخالفين إنه نجس.
وأيضًا فقد روى سلمان قال: نهانا رسول الله أن نستنجي بالعظم والرجيع.
[ ١ / ٤١٦ ]
وقد قال أبو عبيد: الرجيع ما رجع عن حالة الطعام، فهو عام في كل ما يسمى رجيعًا من جهة اللغة إلاَّ أن يقوم دليل.
وعند أبي حنيفة أن الروث نجس فيقال له: إنه أحد ما يستعمل في إزالة النجاسة فوجب أن لا يجوز استعماله فيها وهو نجس؛ أصله الماء؛ لأن النجاسة تزال بمائع وجامد، ثم إذا كان المائع نجاسًا لم يجز، فكذلك إذا كان الجامد - عندك - نجسًا.
وأيضًا فإن النجاسة تزيد في النجاسة ولا تزيلها، فوجب أن لا يجوز الاستنجاء به على أصلك.
وقد روى رويفع عن النبي أنه قال له: «عسى أن يطول بك العمر بعدي، فأخبر الناس أن من استنجى بالعظم والروث فقد برئت عنه ذمة محمد»، وقد رُوِيَ: «برئت ذمتي منه»، وهذا توعد، ولا يمتنع أن يكون التوعد في الفرع أشد منه في ترك الأصل، ألا ترى أنه لو ترك صلاة التطوع أصلًا لم يتوعد، ولو قام يصليها بغير أصلًا
[ ١ / ٤١٧ ]
مع القدرة كان متوعدًا، وكذلك حج التطوع لم يتوعد عليه ثم لو دخل فيه وتعمد إفساده كان متوعدًا.
فإن قيل: الغرض في الاستنجاء إزالة النجو مع بقاء أثره اللاصق، فمتى ذلك حصل الإجزاء.
قيل: هذا غلط؛ إنما الفرض إزالته بما يزيله من الأشياء الطاهرة الناشفة التي تقلع عينه، ولو كان على ما تقول لجاز أني زيله بالعذرة اليابسة كما يجوز - عندك - بالروث، ويجب أيضًا أن يجوز له دلكه بأنه كما يجوز بالعظم.
فإن قيل: فإن النبي علل فقال: «أما العظم فزاد إخوانكم من الجن، وأما الروث فزاد دوابهم»، فينبغي أن يكون زادهم مثل زادنا نحن، وهو -عندكم - يعمل في الاستنجاء ويجزئ.
قيل: لا يمتنع فيه معنى معقول قد عقلناه فلم يحتج إلى ذكره لنا، ثم بينهما على معنى آخر يزيد على ما عقلناه، فكأنه أعلمنا أن الذي نجتنبه نحن ونرمي به ونبتعد عنه يتزودونه هم، فينبغي ا، نتركه لهم، فهذا يؤكد ما نقول في ألا ينبغي أن نتعرض له، وأما زادنا فليس مقصورًا على شيء واحد كاقتصار الجن على العظام.
فإن قيل: ظاهر النهي في ذلك على الكراهية، كما نهى أن يستنجي الرجل بيمينه،
[ ١ / ٤١٨ ]
ويأكل بشماله، بدليلٍ وهو ما ذكرناه من المعنى في الإزالة.
قيل: ظاهر النهي على التحريم، وما ذكرتموه لم يستقم، وهو ساقط.
ورأيت هذا الإنسان من أصحابنا قد ألزم ظاهر النهي، وأنخه للتحريم كالنهي عن الذبح والظفر، فالتزم أن هذا محرم، فرّق بينه وبين العظم في الاستنجاء، ولم يكن ينبغي له ذلك؛ لأنَّ الذبح بالسن والظفر إن كان السن مركبًا غير منزوع فإنما منع لأنه يقرض الحلقوم، وكذلك الظفر المركب إن كان رقيقًا فهو يثقب الحلقوم، فيكون فيه التعذيب للبهائم المنهي عنه. وإن كان السن منزوعًا عريضًا يشق الحلقوم ويقطع الودجين فإنه يجوز، وكذلك الظهر مثله، وهذا
[ ١ / ٤١٩ ]
لا يكره ولا يراعى فيه أنه صقيل؛ لن السكين أصقل منه، ولا تراعى نجاسته، لأنه لو ذبح بسكين ملطخة بدم أو بغيره من النجاسات لوقعت الذكاة موقعها، والذي رؤي في إزالة النجو أن يكون المزيل طاهرًا يقلع العين وينشف رطوبتها فإذا لم يقع بذلك لم يقع موقعه.
وهذا الذي ذكرته في السن والظفر في الذكاة قد ذكره جماعة من شيوخنا منهم أبو بكر وغيره.
فإن قيل: هذه المسألة فرع على أن ألاستنجاء غير واجب، ومتى ثبت ذلك صح جوازه بهذه الأشياء؛ لن أحدًا لا يفصل بينهما.
قيل: هذا غلط، وقد بينا أنه قد يكون الأصل غير واجب، ثم إذا فعل كان فعله على صفة تجب لأجل فعله.
فإن قيل: إن الإبقاء الذي ندب الله غليه يحصل بهذا الفعل - عندنا -، وإن كانت الآلة التي حصل بها الإنقاء قد مُنع من استعمالها، كما أن إزالة الحديث تحصل بالماء المغصوب، وإن كان المستعمل له منهيًّا عن استعماله.
[ ١ / ٤٢٠ ]
والذي يدل عليه: أنَّ المأمور به الإبقاء، وهذا معنى يرجع إلى المشاهدة وقد حصلت،، لن النبي بيَّن العلة في الروث أنها علف دوابهم - يعني الجن - والعظم طعامهم، فدل ذلك على أ، المنع لم يثبت فيه لحق الله - تعالى -، وإنما ثبت لحق الغير، فلم يمنع الإبقاء، مثل مَنْ غصب حجر غيره فاستنجى به، أو ماء غيره فتطهر به.
وعلى أن النهي فيه غير متعلق لمعنى في نفس المنهي عنه فلا يفيد الفساد، مثل البيع يوم الجمعة عند إتيانها، والصلاة في الدار المغصوبة وقياسًا على الحجر بعلة وجود الإنقاء.
قيل له: نظير مسألتنا الماء النجس؛ لأنه لا يزول به الحدث، والماء المغصوب يُمنع منه لأجل حق الآدمي، فلما كان النهي عن الماء النجس من اجل حق الله - تعالى - كان العظم والروث مثله.
وقولكم: إن الإبقاء موجود مشاهد، فهو يوجد أيضًا بالماء النجس، ومع هذا لا يجوز.
ثم لا نسلم أن الإبقاء بالعظم، يصقله ويلبده في مكانه.
وقولكم: إن النبي علل بأن العظم والروث ممنوع لأجل حق الغير من الجن عنه جوابان:
أحدهما: إنه قد يجوز أن يكون علفهم الأشياء النجسة؛ لأنه لا عبادة عليهم، وليس كل ما تعلق به حكم الغير يجوز أن يتطهر به.
[ ١ / ٤٢١ ]
ألا ترى أن الخمر يتملكها الكفار، ولا يجوز أن يزوال بها الحديث، وكذلك الدهن النجس - عندكم - يجوز بيعه وتملكه، ولا مدخل له في الطهارات، فسقط هذا.
وأما الحجر الغصب فهو كالماء الغصب، فلما جاز الوضوء بالماء الغصب جاز الاستنجاء بالحجر الغصب، ولما لم يجوز رفع الحدث بالماء النجس لم يجز الاستجمار بالنجس، وكذلك لا يجوز الاستنجاء بالماء النجس؛ فالاستجمار مثله لا يجوز بالنجس.
وقولكم: عن النهي غير متعلق بمعنى في نفس المنهي عنه غلط؛ لأنه لم يتعلق إلاَّ بمعنى في العظم، لأنه جسم صقيل لا يقلع العين ولا ينشف رطوبتها، وأما البيع يوم الجمعة - فعندنا - أنه يفسخ، فلم يلزم ما ذكرتموه.
[ ١ / ٤٢٢ ]