اختلف الناسُ في مس الرجل المرأة على خمسة مذاهب:
فذهب مالك، والشعبي، والنخعي، وسفيان الثوري، إلى أنه إن قبّلها أو مسها لشهوة انتقض وضوؤه، وإن كان لغير شهوة لم ينتقض، وعندي أنه مذهب أحمد على ما يقوله في م الذكر.
وذهب أبو حنيفة وانو يوسف: على أنه لا ينتقض الوضوء بالمس إلاَّ أن ينتشر عليه بالمس فينتقض الوضوء بالمس والانتشار جميعًا.
[ ١ / ٥٠٥ ]
قال الشافعي: ينتقض وضوؤه بكل حال، وبمسها بكل عضو من أعضائه إذا كان بغير حائل، وحكي إنه مذهب زيد بن أسلم، والأوزاعي.
وحُكي عن الحسن البصري، ومحمد بن الحسن - صاحب
[ ١ / ٥٠٦ ]
أبي حنيفة - أنه لا ينتقض وضوؤه وإن انتشر عليه.
وحُكي عن عطاء أنه قال: إن مس امرأة أجنبية لا تحل له انتقض وضوؤه، وإن كانت تحل له مثل زوجته وأنته لم ينتقض وضوؤه.
وأنا أبدأ الكلام على أبي حنيفة فنقول:
الدليل لقولنا: كون الصاة في ذمته بيقين؛ فلا تسقط إلاَّ بدليل أو بطهرة متيقنة؛ لقوله ﷿: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾، إلى قوله: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾، فجعل -تعالى - ظاهر الملامسة حدثًا؛ لأنه أمر بالوضوء منها إذا وجد الماء والتيمم إذا لم يجد الماء.
ومنها أنه قرن اللمس بمجيئه من الغائط، الذي يكون فيه الحدث الأدنى، والظاهر منه اللمس باليد، وحقيقة الملامسة: التقاء البشرتين؛ بدللي ما رُوِيَ عن النبي ﷺ أنه نهى عن الملامسة في بيع الثوب باللمس، وقد قال - تعالى -: ﴿فَلَمَسُوهُ
[ ١ / ٥٠٧ ]
بِأَيْدِيهِمْ﴾، وقال: ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ﴾.
وقال الشاعر:
وألمست كفي طلب الغنى … ولم أدر أن الجود من كفه يعدي
فبان بهذا أن حقيقة اللمس والملامسة هو التقاء البشرتين، وهو اسم يجمع أنواعًا كلها ملامسة، ويختص باسم قبله، والمس باليد من الملامسة، وتخصص باسم، واللمس بالرجل وكذلك اللمس بالفرج ويتخصص باسم الوطي والدوس، والجس أيضًا وكذلك اللمس بالفرج من الملامسة، ويتخصص باسم الوطء والجماع، فإذا أطلق اللمس تناول الجميع، وقد يقع اللمس والمس على كل جزء من البدن، فإن مس الرأس كان ماسا، وإن مس الفم كان ماسا، وإن مس الفرج كان ماسا وكذلك إن مس الدبر فليس اختصاص المس بكل موضع من المرأة بمخرج له أن يكون جميعه مسًّا ولمسًا إذا أطلق.
فإن قيل: لا دليل لكم في هذا؛ لأنكم حملتم الملامسة على المس باليد وعلى الجماع جميعًا، وهذا إحداث قول ثالث؛ لن الصحابة اختلفت على قولين لا ثالث لهما، فقال علي وابن عباس وأبو موسى:
[ ١ / ٥٠٨ ]
المراد بالملامسة: الجماع.
[ ١ / ٥٠٩ ]
وقال عمر وعمار: المراد به اللمس باليد، ولم يقل أحد منهم: إن المراد به المس والجماع جميعًا، فثبت إجماعهم على القولين فلا يقبل قول ثالث.
قالوا: والدليل على أن عمر وعمارًا كانا يذهبان إلى أن المراد بالملامسة المس باليد لا الجماع: هو أن عمر ﵀ ذهب إلى أن الجنب لا يتيمم، والاية تقتضي إباحة التيمم من الجنابة، فلو كان المراد عند عمر بالملامسة الجماع لم يذهب إلى أن الجنب لا يتيمم؛ لن الآية تقتضيه.
وأما عمار فإنه استدل على عمر حيث سمعه يقول: لا يتيمم الجنب بالخبر لا بالآية، فلو كانت الملامسة عند عمار المراد بها الجماع لاستدل على عمر بها لا بالخبر، فلما قال لعمر: أما سمعت أني أجنبت فتمعكت في الصعيد، فقال النبي ﷺ:
[ ١ / ٥١٠ ]
«تكفيك ضربة للوجه واليدين».
وقد رُوِيَ: «ضربة للوجه وضربة لليدين»، فقال له عمر: قد وليتك ما توليت.
فإذا كان هذا مذهب عمر وعمار، ومذهب غيرهما أن المراد بالملامسة الجماع بطل قول من خرج عنهم فجعله للأمرين جميعًا.
قيل: قد روينا عن ابن عمر وابن مسعود أن المراد بها الأمران جميعًا، الجماع واللمس باليد.
[ ١ / ٥١١ ]
وذلك أن ابن عمر قال: قبله الرجل امرأته وجسها بيده من الملامسة، فجعل هذين من جنس الملامسة، ومن للتبعيض والألف واللام في الملامسة للجنس.
وقال ابن مسعود: إذا أقبل الرجل امرأته أو مسها انتقض وضوؤه استدلالًا بالآية، فبان بهذا أن قول آخر من الصحابة فلم يخالفهم؛ لأن هذين الصحابيين حملاه على الأمرين جميعًا.
[ ١ / ٥١٢ ]
وأيضًا فإن الصحابة اختلفت في المراد بالملامسة على ثلاثة مذاهب:
فذهب علي وابن عباس إلى أن المراد به الجماع.
وذهب عمر وعمار إلى أن المراد به اللمس.
وذهب ابن عمر وابن مسعود في آخرين إلى أن المراد الأمران جميعًا، فإذا لم يكن بد من الأخذ بأحد المذاهب فالمصير إلى قول من قال: إن المراد بالآية اللمس لا الجماع أولى من وجهين:
أحدهما: أن من حمل الآية على الجماع جعل اللمس كناية عنه، ومن حمله على اللمس حمله على الحقيقة؛ لأن عليًّا وابن عباس ﵄ قالا: كنى الله - تعالى - بالملامسة عن الجماع.
والوجه الثاني: هو أنه إذا حمل اللمس على الجماع حمل على التكرار الذي لا فائدة فيه؛ لأن الله - تعالى - ذكر في الآية الجنب بقوله: ﴿وإن كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾، فوجب أن يحمل اللمس على المس دون الجماع؛ كلا يكون حملًا على التكرار، وتكون فيه فائدة أخرى.
فإن قيل: فإن ابن عباس قال: إن اللمس كناية عن الجماع، ومتى حمل اللفظ على الكناية لم يجز حمله على الصريح لاختلافهما.
وأما ابن عمر وقوله: قبلة الرجل امرأته وجسها بيده من الملامسة فإنه حمل ذلك على ما سوى الجماع، فقد بقي مما لم
[ ١ / ٥١٣ ]
يذكره أنواع، مثل المعانقة وغيرها لم يذكرها في قوله، فيصير المكور مقصورًا على ما ذكر، ويبقى ما عداه، فليس لأحد حمله على ما يقوله إلا ولغيره حمله على غيره من الجماع.
قيل: قول ابن عباس ﵁: إن اللمس كناية عن الجماع لا يمنع غيره أن يقول: هو صريح في اللمس، ولكن يكنى به عن الجماع، فيكون حمله على صريحه أولى؛ لأنه الحقيقة، ثم لا يمتنع أيضًا أن يحمل صريحه على اللمس إذا وقع، ويجعل كناية عن الجماع إذا حصل.
على أن ابن عمر أيضًا من أهل اللغة، فقوله: قبلة الرجل امراته وجسها بيده من الملامسة يدل على أن الملامسة اسم جنس لا يتناول جميع المس، سواء كان باليد أو بالفرج او بغير ذلك، وأعلمنا أن القبلة والجس من هذا الجنس، فأي نوع حصل من الجنس تناوله اسم اللمس، وهذا جواب حديث ابن عمر.
ونقول أيضًا: إن الآية قرئت بقراءتين فقرأ بعض القراء: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ﴾، ولا خلاف بين أهل اللغة أن اللمس لا الجماع، وهو فعل من واحد، ليس هو من فاعلتم؛ كقوله: ﴿لَامَسْتُمُ﴾، يكون من اثنين.
فإن قيل: فقد قرئت: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ﴾، وهذا لا يكون إلاَّ من اثنين؛ لنه فاعلتم، فدل أن المراد الجماع الذي يكون من اثنين.
قيل: فأحسن الأحوال أن يستعمل الحكم بالقراءتين، فتحمل القراءة بـ ﴿لَامَسْتُمُ﴾، في الجماع، والقراءتان كالخبرين.
[ ١ / ٥١٤ ]
وأيضًا فقد رُوِيَ عن زيد بن أسلم مذهب حسن في الآية فقال: ظاهر قول الله - تعالى -: ﴿وإن كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾، يدل بظاهره أن نفس المرض والسفر والمجيء من الغائط حدث، وبالإجماع ليس نفس ذلك حدثًا، وإنما فيه ضمير - وأنتم محدثون - ففي الآية تقديم وتأخير.
وترتيبه: أن الله - تعالى - قال: إذا قمتم إلى الصلاة من النوم، أو جاء أحد منكم من الغائط وقد احدث، أو لامستم النساء فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم على الكعبين وإن وجدتم الماء، ثم قال: وإن كنتم جنبًا فاطهروا، ثم قال: وإن كنتم مرضى أو على سفر وحالكم ما تقدم من الجنابة أو الحدث فحكمك ما ذكرناه من التيمم عند عدم الماء.
ولنا أيضًا ما رواه عبد الرحمن بن أبي ليلى عن معاذ بن جبل أنه كان مع النبي ﷺ فأتاه جبريل فسأله عن رجل يصيب من امرأة لا تحل له ما يصيب من امرأته إلاَّ الجماع، فقال النبي ﷺ
[ ١ / ٥١٥ ]
يتوضأ وضوءً حسنًا، وهذا أمر بالوضوء فيما سوى الجماع.
فإن قيل: قد بالغ فيما عمله، فلم يترك شيئًا سوى الجماع إلاَّ فعله، فيدل على أنه بالغ في المباشرة بالفرجين المباشرة الفاحشة، وهذه حال يكون فيها المذي لا محالة أو يقاربه؛ لبلوغه الغاية في الشهوة.
[ ١ / ٥١٦ ]
قيل: إذا كان جنس المس تكون منه الشهوة وجب أن يعتبر المس لشهوة، سواء قل نوعه في المس أو أكثر، ألا ترى أن الإيلاج في أوله له هذا الحكم، وكلما بالغ في الإيلاج كان ابلغ في الشهوة، والحكم فيه واحد، فكذلك ينبغي أن يحكم في المس لشهوة، باليد وبغيرها، كما يحكم به في المباشرة الفاحشة، وإن كان لهما فضل في الشهوة، ثم لو كان الحكم يختلف لسأله النبي ﵇ عن تفصيله، فلما لم يسأله وأوجب الوضوء لم يختلف.
ومما يدل على أن إطلاق اللمس يتناول باليد دون الجماع؛ ما رواه عكرمة عن ابن عباس أن الأسلمي أتى رسول الله ﷺ فاعترف بالزنا فقيل في بعض الأخبار: إنه ﵇ قال: «لعلك قبلت
[ ١ / ٥١٧ ]
أو لمست»، فأطلق اللمس، فلو كان للجماع على ما يقول أبو حنيفة لم يكن في هذا فائدة؛ لأنه يكون قد قال لمن اعترف بالجماع؛ لعلك جامعت، ولا يجوز هذا من النبي ﷺ فلما فرق النبي ﷺ بين قول الرجل زنيت، وبين قوله ﵇: «لمست.، علمنا أن اللمس غير الجماع، والنبي ﵇ سيد أهل اللغة، وبحضرته سادات في اللغة - يقول: «لعلك لمست»، فلا يقول أحد منهم: يا رسول الله، اللمس: الجماع، فلما سكتوا مع إطلاقه علم أن إطلاق اللمس في لسانهم هو المس دون الجماع.
وكذلك روت عائشة ﵂ أنه ما كان من يوم إلاَّ ورسول الله ﷺ يطوف علينا فيقبل ويلمس، فإذا جاء إلى من هي في يومها أقام عندها، وعائشة ﵂ من المعرفة باللغة واللسان بالمكان الذي لا يخفى، فأطلقت اللمس على ما دون الجماع، فبان بهذا أن إطلاق اللمس لما قلناه.
فإن قيل: يجوز أن يكون صريحًا في اللمس إذا أطلق لما ذكرتم، ثم قد يجعل كناية عن الجماع كما قَالَ ابْنُ عباس، وإذا اختلفوا في حكم المراد بالآية عن الجماع كما قَالَ ابْنُ عباس، وإذا اختلفوا في حكم المراد بالآية فإما أن تحملوه على الصريح من المس فقد أسقطتم قول من قال: إنه في الآية كناية، أو تحملوه عن الكناية فتسقطوا حكم من حملها على الصريح، وهذا لا يسلم لأحد القولين دون الآخر،
[ ١ / ٥١٨ ]
أو تحملوه على الأمرين فإن الصريح والكناية لا يجتمعان في المراد بلفظ واحد.
قيل: قد أجبنا عن هذا وقلنا: من مس ولم يجامع قلنا: عليك الوضوء؛ للصريح من اللمس، ومن جامع قلنا: عليك الغسل؛ لن من قال: هي كناية عن الجماع لم يقل: إن من فعل ما يقتضيه الصريح لا يتوجه غليه.
ووجه آخر: وهو أن الجميع - عندنا - صريح على ما بيناه من أن الجنس واحد في المس وإن كان بعضه أبلغ من بعض، فمن قال: هو كناية؛ أراد أنه ليس بالاسم الأخص في الوطء؛ لأن اسم الجماع أخص به وإن كان لمسًا، ألا ترى أن اسم السرق للجنس، ومعناه: أن يسرق الشيء على طريق الاستخفاء سواء كان المسروق سعدًا أو لحظًا أو ما يقول، وقد اختص في الإطلاق إذا قيل: قد سرق توجه إلى سارق ما يتمول، ولا يمتنع إطلاق العموم عليه إلا أن يقوم دليل يخصه.
ومما يدل على صحة ما ذهبنا إليه: أن الله - تعالى - قال في هذه الآية: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾، وقرئ: ﴿أَوْ لَامَسْتُم﴾، وقال في آية أخرى: ﴿وإن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾، وقال: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾، وقال: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾، وقرئ:
[ ١ / ٥١٩ ]
﴿تماسوهن﴾، وقال في الظهار: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾، والمراد في هذه الآيات بالمماسة الجماع، فلو جعلنا اللمس بهذا اللفظ أيضًا للجماع أبطلنا فائدة تغيير العبارة؛ لأن لفظ اللمس غير لفظ المس، وإذا جعلنا للفظين المختلفين حكمين كان أكثر في الفائدة من حملها على حكم واحد.،
وأيضًا فإنه - تعالى - قال: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾، والبداية بأولا يصلح إلاَّ بأن يكون لهما مقدمة تعطف بها عليها، وإذا لم يكن بدٌّ من مقدمة تعطف بأو عليها نظرنا، فلا يخلو أن تكون المقدمة قوله -تعالى -: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾، فيكون تقديره: إذا قمتم من النوم أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فاغسلوا وجوهكم، أو تكون المقدمة قوله: ﴿وإن كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾، أو لامستم النساء، أو تكون المقدمة لقوله: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ﴾، هي قوله: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾، فيبطل أن تكون المقدمة قوله: ﴿وإن كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾؛ لأن بعدها: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾؛ لأن الجنابة توجب الغسل، والمجيء من الغائط لا يوجبه، وإن جعلنا قوله: ﴿لمستم النساء﴾، عطفًا على قوله: ﴿وإن كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾، لم يكن فيه فائدة إن كان لامستم للجماع، لأن الجنابة قد ذكرت.
[ ١ / ٥٢٠ ]
ويبطل أن تكون المقدمة قوله: ﴿وإن كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾؛ لأن المرض والسفر ليسا بحدث، وإنما تقديره: وأنتم محدثون، فإن أراد: وكنتم محدثين الحدث الأصغر فالعطف عليه باللمس الذي هو دون الجماع يصح، وإن أراد وأنتم يا مرضى مسافرين محدثين بالوطء، فلا فائدة بالعطف عليه باللمس المراد به الجماع؛ لأنه يكتفي بقوله: وأنتم محدثون بالجماع، فصح أن قوله - تعالى - ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ معطوف على أحد موضعين: غما قوله: إذا قمتم من النوم، أو على قوله: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾، وعطف على قوله: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾، أولى؛ لأنه أقرب المذكور إليه، وهو معطوف عليه، والغائط كناية عما ينوب الناس من الحدث الأصغر، واللمس باليد لا يكون في الغائط، وإنما يفعل خارج الغائط، ولكنه في حكم الحدث الأصغر الذي يكون في الغائط.
هذا يقوي قول زيد بن اسلم في التقديم والتأخير في الآية إن جعلنا اللمس عطفًا على قوله: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾، ونقول أيضًا: إن الآية لو احتملت ما ذكروا، واحتملت ما نقول وفرض الاصة بيقين، كان قولنا أولى؛ لأننا نوجب الضوء احتياطًا للصلاة حتى يسقط حكمه بيقين، وتعارض التأويلين بهذا الوجه، وفيه أيضًا نقل من براءة الذمة إلى إيجاب الطهارة. فإن قيل: لو ثبت لكم ما ذكرتم لكان ظاهر الآية يدل على أن الوضوء يجب على من لمس جميع النساء بقوله: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾، فدليله إذا لمس بعض النساء لم يجب عليه شيء؛ لأنكم تقولون بدليل الخطاب. قيل: إن هذا وإن كان بلفظ الجمع في
[ ١ / ٥٢١ ]
الرجال والنساء فالمراد به كل واحد في نفسه؛ كلأن الأمة قد عقلته، وها كقوله: - تعالى -: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾، المراد: أن كل قائل إلى الصلاة يلزمه ذلك؛ لأن الله -تعالى - أوجب على عباده من أمه نبيه ﵇ ذلك، ولما لم يكن الخطاب لكل شخص في نفسه بما يلزمه من ذلك، لم يكن بدٌّ من جمعهم في اللفظ والمراد كل واحد منهم، فإذا ثبت ذلك في كل ملموس على هذا الصفة.
وجواب آخر: وهو أن الناس قائلان: فقائل يقول: المراد بالآية اللمس، فجعله للجنس، وقائل يقول: المراد: الجماع، فجعله في جنس النساء، فكل واحد من الجماعة يراد بذلك على هذا الوجه وعلى الوجه الآخر.
وجواب آخر: وهو أن ظاهر هذا يوجب أن جماعتنا إذا لمسوا جماعة النساء وجب الوضوء، فإذا حصل لنا هذا فقد سلمت المسألة، وإذا ثبت لنا ذلك فقد حصل لنا استعمالنا الآية على مذهبنا من وجهين:
أحدهما: أن نقوي قول من قال من الصحابة: إن المراد بها اللمس دون الجماع بما ذكرناه من صريح اللمس، وبأنه أحوط، وأنه ناقل، وأنه تكون فيه زيادة فائدة حتى لا يحمل على التكرار إن حمل على الجماع، وقد تقدم قوله - تعالى -: ﴿وإن كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾.
والوجه الآخر: أن نحملها على الأمرين جميعًا بما ذكرناه عن ابن مسعود وابن عمر.
[ ١ / ٥٢٢ ]
وقد روى الأعمش عن أبي عبيدة قال: قال عبد الله: القبلة من اللمس وفيها الوضوء.
وسالم عن أبيه أن عمر قال: القبلة من اللمس، وفيها الوضوء.
وهو قول الشعبي،
[ ١ / ٥٢٣ ]
وإبراهيم، ومكحول، والحكم، وحماد، والزهري، وربيعة، وعبد الله بن يزيد بن هرمز، وزيد بن اسلم، ويحيى بن سعيد،
[ ١ / ٥٢٤ ]
والليث، وعبد العزيز، وهذه الآثار كلها في الفتوى في نفس ما اختلفنا فيه، وفي تفسير اللمس.
ولنا من القياس: أنه لمي يحرم الربيبة فوجب أن ينقض الطهر، أصله التقاء الختانين؛ لأن أبا حنيفة يوافقنا على أنه إذا قبلها للشهوة حرمت عليه ابنتها كما نقول.
وأيضًا فإن اللمس لشهوة يفضي في الغالب إلى نقض الطهر؛ لأنه قد يلمسها لشهوة فيمذي، فجاز أن يتعلق نقض الطهر بنفس المس، كالنوم لما أن يفضي في الغالب إلى نقض الوضوء؛ لأنه قد يخرج منه الريح جاز أن يتعلق نقض الوضوء بعينه.
ونقيسه أيضًا عليه لو عانقها متجردًا؛ بعلة إلصاق بشرته
[ ١ / ٥٢٥ ]
ببشرتها لشهوة، ونقيسه عليه لو أمذى باللمس بعلة حصول التقاء البشرتين ملتذًا.
ويؤيد ما نقوله: أن الجماع في الحج يوجب الكفارة العليا، والقبلة فيه توجب الكفارة الصغرى، فكذلك لما كان الإيلاج يوجب الطهارة العليا جاز أن توجب القبلة لشهوة الطهارة الصغرى.
فإن استدلوا باستصحاب الحال في الأصل، وأنه على جملة الطهارة قبل ان يمس.
فلنا أن نعارضهم بما هو أقوى من ذلك فنقول: الصلاة في ذمته بيقين، فمن زعم أنه تسقط بطهارة وقد لمس فعليه الدليل، والطهارة تراد للصلاة.
ثم لو سلمت لهم الحال لكانت الدلائل التي تقدمت تنقل عنها.
وإن استدلوا بقوله ﵇: «لا وضوء إلاَّ من صوت أو ريح»، وبقوله في قصة صفوان: «لكن من غائط وبول ونوم»، إلاَّ أن يقوم دليل.
قلنا: وقال ﵇: «لا صلاة إلا بطهور»، ولا نسلم أن هذا متطهر، والصلاة عليه بيقين فلا تسقط إلاَّ بدليل.
على أن هذه كلها ظواهر تخص ببعض ما ذكرناه، كما أوجبوا هم
[ ١ / ٥٢٦ ]
الوضوء في الرعاف والقيء وغير ذلك مما لم يذكر في الخبر.
فإن قيل: فقد روى عروة عن عائشة أنها قالت: قبل رسول الله ﷺ بعض نسائه، ثم خرج ولم يتوضأ، قال عروة: ما هي إلاَّ أنت فضحكت.
وروى هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أنها فقدت
[ ١ / ٥٢٧ ]
رسول الله ﷺ ليلة من فراشه، فوقعت يدها على أخمص قدميه، فلما فرغ قال: «يا عائشة أتتك شياطينك»، ولم يقطع الصلاة بوقوع يدها عليه.
وروي أنه ﵇ كان يحمل أمامة بنت أبي العاص - وهي بنت بنته
[ ١ / ٥٢٨ ]
زينب - في صلاته، فكان إذا سجد وضعها، وإذا رفع حملها، ونحن لا نعلم أنه كان يصيب بشرتها.
قيل: أما الأخبار عن عائشة ﵂ فقد وردت من طرق لا تثبت.
فروى معبد بن نباتة عن محمد بن عمرو بن عطاء عن عائشة أن النبي ﷺ كان يُقبّل ولا يتوضأ.
[ ١ / ٥٢٩ ]
والصحيح أن عروة روى عنها أن النبي ﷺ قبلها صائمًا.
وروى إبراهيم التيمي عن عائشة، وهو لم
[ ١ / ٥٣٠ ]
يسمع منها شيئا.
وقال موسى بن هارون: وقد رواه بعض الكوفيين عن الثوري فقال فيه: عن إبراهيم التيمي عن أبيه عن عائشة، وهذا وهم على الثوري.
[ ١ / ٥٣١ ]
وقد رواه يحيى بن سعيد وعبد الرحمن بن مهدي ووكيع عن إبراهيم التيمي عن عائشة مرسلًا.
وقد رواه الأعمش عن حبيب بن أبي ثابت
[ ١ / ٥٣٢ ]
عن عروة عن عائشة.
قال موسى بن هارون: حبيب دخل عليه الوهم جدًّا، وهو حديث منكر.
وقيل: إن حبيبًا إنما روى عن عروة المزني، وهو رجل مجهول.
وحكي عن يحيى بن سعيد أنه قال: لم يكن أحد أعلم بحبيب بن أبي ثابت من سفيان الثوري: وقد قال: لم يسمع حبيب من عروة شيئًا.
[ ١ / ٥٣٣ ]
وروى الزهري عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ يخرج إلى الصلاة ثم يُقبلني ولا يتوضأ.
[ ١ / ٥٣٤ ]
وقال موسى بن هارون: وأما حديث سعيد بن بشير عن منصور عن الزهري عن أبي سلمة عن عائشة فإن حديث منكر، وهو والريح اثنان، وإنما رواه الزهري عن أبي سلمة عن عائشة أن النبي ﵇ كان يقبل وهو صائم، وابن شهاب يرى في القبلة الوضوء ولو كان عنده عن النبي عليه الاسم إلاَّ وضوء فيه لم يخالفه وقد روى من طرق أخر كلها منكرة.
على أننا لو سلمنا ذلك كله استعملناها عليه إلا مس بغير شهوة، أو نعارضها بالحديث الذي قيل فيه: إني أصبت من المرأة كل شيء غير الجماع، فأمره ﵇ أن يتوضأ، فإذا تعارضت الأخبار وأمكن الاستعمال فهو واجب، وقد استعملنا الجميع، ففي أخباركم إذا كان لغير شهوة، وفي الأخبار الموجبة للوضوء إذا كان لشهوة؛ لأنها كلها
[ ١ / ٥٣٥ ]
قضايا في أعيان مخصوصة محتملة، ويمتنع أن تكون يد عائشة وقعت على أخمص النبي ﵇ وهو في الصاة، مقبل على ربه - تعالى - مشغول بخشوعه فليتذ بوقوع يدها عليه.
ويحتمل أن يكون ﵇ كان في دعاء، والدعاء يسمى صلاة، ولا يحتاج إلى وضوء، ولو التذ أيضًا لجاز أن يكون مخصوصًا بذلك.
وأما حديث أمامة وحمله ﵇ لها في الصلاة، فهو حجة لنا على الشافعي؛ لأنه ﵇ لا يمسها لشهوة، ثم لو ثبت العموم في الأخبار كلها جاز أن تخص بالقياس الذي ذكرناه.
فإن قيل: فإنا نعارض بقياس فنقول: إنه لمس جسمًا ظاهرًا فلم ينتقض وضوؤه، أصله إذا مس الرجل وإذا مس الرجل الرجل وإذا مس لغير شهوة.
وأيضًا فإن شعر المرأة بدنها؛ لأنه لو طلق شعرها لطلقت، ومع هذا لو مس شعرها لم ينتقض وضوؤه.
قيل: إذا مس الرجل أو لمس شعر المرأة لشهوة فعليه الوضوء.
وأما القياس على المس لغير شهوة فيه: أنه في الغالب لا يؤدي إلى نقض الطهارة، وليس كذلك إذا كان لشهوة، ألا ترى أنكم قد أوجبتم الوضوء في المباشرة الفاحشة بهذا المعنى، وكذلك تحرم الربيبة بالمس لشهوة، ولا تحرم بالمس لغير شهوة، فثبت ما ذكرناه، وقياسنا أولى؛ لأنَّ فيه احتياطًا للصلاة لتسقط بيقين، ولأنه ناقل من براءة الذمة إلى وجوب الطهارة. وبالله التوفيق.
[ ١ / ٥٣٦ ]
فصل
كلام على الشافعي في الملامسة لغير الشهوة.
قال القاضي: الدليل لقولنا: براءة الذمة من وجوي شيء إلا بدليل.
وأيضا فقد اتفقنا على كونه ظاهرا قبل أن يمس، فمن زعم أن طهارته انتقضت عليه بالدليل.
وإن عارضوا باستصحاب مثله وهو أن الصلاة عليه بيقين فلا تسقط بطهارة فيها لمس إلا بدليل.
قيل: إنما نسلم أن الصلاة عليه حتى يؤديها بطهارة من جهة الشرع، وهذا قد تطهر كما أمر بقوله تعالى: ﴿إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم﴾ إلى آخر الأية وهذا قد غسل ما أمر به.
وأيضا قول النبي ﷺ: (لا صلاة إلى بطهر). وقد بين لنا كيف الطهارة من الكتاب وفعله، وهذا قد تطهر.
فإن قيل: فقد قال الله تعالى: ﴿أو لامستم النساء﴾، وقدرئ: ﴿لمستم﴾، فجعل اللمس كالأحداث المقرونة معه، وأوجب الوضوء، ولم يفرق بين لامس ولمس.
قيل: إن الصحابة اختلفت في هذه الآية على وجهين.
[ ٢ / ٥٤٧ ]
فقال علي وابن عباس وأبو موسى - رضوان الله عليهم -: إن المراد باللم الجماع.
وقال عمر وابن عمر وابن مسعود ﵃: إن المراد اللمس لشهوة كالقبلة والجسة، ولم يقل أحد منهم: إنه اللم على كل حال، فمن حمله على اللمس لغير شهوة عن القولين فوجبا أن يسقط قوله.
وخلافهم في هذا وأنهم أرادوا اللمس على طريق الشهوة أظهر عندي من أن يستدل عليه؛ وذلك أن الذين قالوا هو للجماع، أرادوا به الغاية في بلوغ اللذة، وقال لهم من بإزائهم: إن دواعيه من الملامسة: لأنهم قالوا: قبلة الرجل امرأته وجسها بيده من الملامسة. أفترى أنهم قصدوا قبلته على طريق التحنن والرحمة إذا هي بكت فقيل رأسها، كما يفعل بأمه وابنته؟، وأرادوا إذا جسها بيده لمداواة أو غيرها؟ هذا لا يظن بهم، وإنما يكون الشيء من جنس الشيء إذا كان معناه فيه أو يقاربه، وليس تقارب قبلة الرجل امرأته وجسها بيده من الملامسة التي هي الجماع إلا إذا كان لشهوة.
وذا أمر إذا راعيناه أطرد في كل مس للشهوة على كل وجه من كل أحد؛ لأن فيه معنى من اللذة المقصودة بالجماع، المخالف لا يطرد قوله في كل مس لا يكون لشهوة؛ لأنه ينوعه في ذات المحارم وفي
[ ٢ / ٥٤٨ ]
الأصاغر، ويقول في بعضه قولين، وعلى وجهين، فيخرج عن مراعاة قول أحد ممن تقدم، وقولنا يصير كالعلة المستمرة في الطرد والعكس، كما قلنا لهم في تطهير الماء وتنجيسه: إن العلة التغير بالجنس، فيطرد في قليل الماء وكثيره، وبارتفاعها يكون الماء طاهرا في قليله وكثيره.
قيل: هذا لا يصح؛ لأنهم قالوا لمن قال إنه الجماع: هذا ضرب منه؛ لأن فيه بعض المعاني التي فيه من وجود اللذة. وقد يقال: هذا الشيء من هذا المكان فيه معنى من معانيه أو يقاربه. كقوله ﷺ: (مولى القوم منهم)، (والأذنان من الرأس).
فإن قيل: إن المس معنى من معاني الجماع وإن كان لغير شهوة، وهو إلصاق البشرة بالبشرة.
قيل: هذا فاسد بذوات الماحرم والصغار وغيرهم،
[ ٢ / ٥٤٩ ]
وبظاهر الكف.
ويفسد أيضا؛ لأن للذة العظمى تحصل بالاحتلام، وهو الإنزال، كما تحصل بالإيلاج، ويجب فيه الغسل كما يجب بالإيلاج، وليس فيه إلصاق البشرة بمثلها، فثبت بهذا أن المراد على ما نراعيه من الالتذاد.
ولنا في المسألة: الظواهر التي ذكرناها لأصحاب أبي حنيفة، وظواهر آخر، مثل قوله ﷺ: (لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب)، وهذا قد قرأها في صلاته، وإن مس.
وقوله ﷺ للأعرابي: (توضأ كما أمرك الله، فاغسل وجهك ويديك)، وهذا قد فعل.
وقوله: (لن تجزئ عبدا صلاته حتى يسبغ الوضوء)، وفيه: (حتى يضع الوضوء مواضعه فيغسل وجهه ويديه)، وهذا قد فعل، وما أشبه هذا، فمن زعم أن المس قد أفسد عليه فعله المأمور به فعليه الدليل.
وأن أعيد بعض الظواهر التي تقدمت لأصحاب أبي حنيفة، وهي
[ ٢ / ٥٥٠ ]
حجة لنا على الشافعي.
فمنها ما روته عائشة ﵂ أنه ﷺ كان يقبلها وهو صائم ثم يصلي ولا يتوضأ، فقيل لها في ذلك، قالت: وأيكم أملك لإربه من رسول الله ﷺ؟. وهذا نص لا محالة في أنه إذا كان لغير شهوة فلا حكم له.
فإن قيل: يحتمل أن يكون قبلها من فوق حائل.
قيل: حقيقة قولها: قبلني المباشرة، وفي الحائل: قبل ثوبي، والكلام محمول على الحقيقة.
فإن قيل: يجوز أن يكون ﵇ مخصوصا بذلك.
قيل: قد عللته بقولها: وأيكم كان أملك لإربه منه؟. أي إنما ذلك منه لأنه يملك إربه، ولو كنتم انتم تملكون إربكم فلا تلتذون ولكنتم كذلك.
والحديث الذي قالت فيه: فوقعت يدي على أخمص قدميه وهو يصلي، ولم يقطع الصلاة، ولو كان ذلك ينقض الوضوء لقطع الصلاة
[ ٢ / ٥٥١ ]
وتوضأ، ولو فعل ذلك لنقلته عائشة، وإنما نقلت إلينا ما جرى لتفدينا أن ذلك لا ينقض الوضوء، ومحال أن تنقل ما يتعلق به حكم، وتترك ما هو أظم منه.
فإن قيل: إنما نقلت ذلك لتفدينا الدعاء الذي سمعته منه.
قيل: هو للجميع.
فإن قيل: هذه قضية في عين، فيحتمل أن يكون ﵇ مخصوصا بذلك، ويحتمل أن يكون بينهما حائل، أو نحمله على أحد قولي الشافعي في الملموس، وخلافنا في الملامس.
قيل: قولكم: إنه مخصوص بالحجة لنا من فعله الذي هو على الوجوب، ولا نخصه إلا بدليل، وأيضا فلو كان الحكم يختلف لنقلت الحائل.
وأيضا فإن الأشياء التي تنقض الطهارات من الأحداث قد استوى حكمه ﵇ وحكمنا فيها، مثل الغائط والبول والريح وغير ذلك فلا ينبغي أن نجعله مخصوصا بشيء منها بغير دليل. والذي نخصه من هذا الباب هو أنه يملك إربه بخلافنا، وأنه في حال صلاته مقبل على ربه - تعلى -، مشغول بخشوعه، بخلاف الغالب منا؛ لأنه لا يتطرق عليه طرو الالتذاذ والشهوة باللمس، ونحن إن اتفق لواحد منا مثل ذلك في نادر الحال فهو في مثل حكم النبي ﵇، فلا ينتقض وضوؤه، كما فرقت عائشة بيننا وبينه ﵇ في القبلة في الصيام، فقالت: وأيكم أملك لإربه منه ﵇؟. أي الغالب منكم أنتم بخلافه، فإن قبلا نحن
[ ٢ / ٥٥٢ ]
لغير شهوة، فنحن وهو في الحكم سواء.
وقولهم يحتمل أن يكون بينهما حائل فلا تقول وقعت يدي على أخمص قدميه ويهما حائل، هذا هو الحقيقة.
وعلى أنه لو كان الحكم يختلف لذكرته، أو ذكره ﵇.
وقولهم: إنه في الملموس على أحد القولين، فهذا هو القول الضعيف منهما.
على أنه يفسد في الاعتبار؛ لأن اللذة تحصل تارة بلمسه، وتحصل تارة بأن يلمس، وتحصل الشهوة منهما جميعا، كما لو مكنته من الإيلاج، أو مكنها منه، وهذا تحكم في صرف المعاني عن حقائقها لنصرة المذاهب، وإنما ينبغي أن تبنى المذاهب على ما توجبه الأدلة، وإطراد المعاني فيها، وأن لا يفرق بين حقائقها مع الإمكان.
وأيضا فقد وافقونا على أن استعمال الأخبار واجب، ولا يطرح بعضها إذا أمكن الجمع لكثرة الفوائد. فقد روينا حديث الذي قال للنبي ﵇: إني نلت من امرأة كل ما ينال الرجل من امرأته إلا الجمع، فأمره النبي ﵇ بالوضوء، فإن قلنا: إن المسألة لم تقع إلا عن شيء التذ به، فهو ودجه صحيح؛ لأن الغالب أنه لا يشكل عليه أنه إن ضربها أو داواها، أو قبل رأسها رحمة لها أن هذا مما لا يقارب حكم الجماع، فيحتاج إلى المسألة عنه، وإنما سأل عما يداعب الرجل
[ ٢ / ٥٥٣ ]
به امرأته، ويتعرض لها مما يقارب معنى الجماع. آلا ترى أنه قال: إلا أني لم أجامعها. أي قاربت على ذلك.
ولو سلمنا أنه لذلك ولغيره لعارضه ما روي عن عائشة - رضي اله عنها - في وقوع يدها على أخمص قدميه، وحديث حمله لأمامة بنت زينب في الصلاة، فنستعمل الأحاديث كلها، ونجعل الموضع الذي أوجب فيه الوضوء إذا كان لشهوة، والموضع الذي لا وضوء فيه إذا كان لغير شهوة.
ويكون استعمالنا أولى من استعمالهم؛ لأنه يطرد في وجوب الوضوء في كل ملتذ، ويسقط الوضوء لفي كل من لا يلتذ، سواء كان لامسا أو ملموسا، صغيرا مكان الملموس أو كبيرا، إذا محرم أو غيره، من تحت حائل أو من فوقه، بباطن اليد وظاهرها، وهذا ترجيح قوي لترجيحنا العلة التي هذه سبيلها.
فإن قاسوه على المس بعلة أنه لمس من رجل لامرأته من غير حائل.
قيل: المعنى أنه لغير شهوة.
فإن قيل: هذه علة لا تتعدى، والمتعدية أولى منها.
قيل: هي تتعدى إلى الملموس واللامس، والحائل وغير الحائل، وأنتم لا تعدون علتكم إلى هذه الفروع.
على أننا نستخرج من أصله فنقول: اتفقنا أنه لو مسها من فوق حائل، أو مس شعرها، أو صغيرة ذات محرم على أحد القولين لم يكن
[ ٢ / ٥٥٤ ]
عليه وضوء، والمعنى فيه أنه لمس لغير شهوة.
فإن عارضوا بعلة أخرى.
قيل: إنها لا تتعدى، وعلتنا متعدية، كما قالوا في معرضتنا لعلتهم في أصلهم.
فإن رجحوا قياسهم بشيء.
فترجيحنا أولى باستمرار العلة في الإطراد والعكس، وفي الصغار والكبار، وذات المحارم وغيرهن، والحائل وغير الحائل، وهذا أقوى ما يكون من ترجيح العلل.
فإن قيل: إن شعر المرأة من جنس لا يلتذ به، فلاينبغي أن يجعل أصلا.
قيل: هو فيها منزلة عضو منها، ولستم تراعون اللذة، وإنما تراعون مسها في نفسها، وشعرها منها.
وعلى أن الشعر الحسن يلتذ بمسه والنظر إليه، في ثمن المملوكة كما يزيد في ذلك سمنها وغيره، حتى ربما ردت الجارية بالعيب في شعرها كما ترد بعيب في بدنها، ولو قال لها: شعرك طالق لطلقت، كما لو قال لها: يدك طالق.
[ ٢ / ٥٥٥ ]
ويقوي اعتبارنا في التفريق بين المس والقبلة لشهوة وبين عدم الشهوة: ما نقوله في القبلة لشهوة إنها تحرم الربيبة، ولو كان لغير شهوة لم تحرمها، وهم يوافقوننا على ذلك، فقد صارت القبلة لشهوة تعمل عمل الجماع في التحريم.
ونقول أيضا: هو لمس لم تقصد به الشهوة فلم ينقض الوضوء. أصله مس الرجل للرج، والمرأة للمرأة.
فإن قيل: إن ما ينقض الطهر لا فرق فيه بين أن يوجد على وجه الشهوة أو غير وجه الشهوة، ألا ترى أن خروج المني لما نقض الطهر، لا فرق بين أن يخرج لشهوة، وهو عند الجماع، أو لغير شهوة وهو أن تكون به علة، أو يكون مغمى عليه، وكذلك البول والغائط، لما نقض الطهر لم يفترق الحكم بين خروجه لشهوة أو غيرها؛ لأن الإنسان إذا كان حاقنا بشدة البول التذ بخروجه، وكذلك لو سلس بوله فخرج لغير لذة.
قيل: أما ما ذكرتموه من المني فغلط؛ لأن الغسل لا يجب - عندنا - إلا في المني الذي تقارنه اللذة، فأما إن خرج لعلة ولم تقارنه لذة لم يجب فيه الغسل، فقد افترق الحكم.
وأما المغمى عليه فذلك كالنائم يجد اللذة ولكنه لا يعقل بها.
وأما والغائط فعنه جوابان:
[ ٢ / ٥٥٦ ]
أحدهما: أنه لا يلتذ به الجماع، ونحن نراعي في القبلة والمس لذة الجماع، كما راعيناه جميعا في تحريم الربيبة.
والجواب الآخر: هو أنه إذا خرج منه البول المعتاد نقض الطهر، وإذا سلس بوله وخرج من المعتاد لم ينقض الوضوء، وقد سبق الكلام على هذا، فسقط السؤال وبالله التوفيق.
فإن قيل المعنى في مس الرجل والمرأة هو أنه لمس من ليس له في مسه شهوة، ألا ترى أنه لو لمسه لشهوة لم يجب عليه الوضوء، وكذلك المرأة مع المرأة.
قيل: هذا غلط؛ لأن الرجل يلتذ بمس الغلام، ويجب عليه الوضوء - عندنا - إذا التذ، وكذلك المرأة مع المرأة.
[ ٢ / ٥٥٧ ]