وما خرج من بدن الإنسان من غير السيلين مثل القئ والرعاف، أو دم فصاد أو دمل فلا وضوء فيه، كما لا وضوء في الجشاء المتغير، والقهقهة. وما أشبه ذلك وبه قال ربيعة والحسن، والشافعي، وداود، وهو قول جماعة من الصحابة.
[ ٢ / ٥٨٢ ]
وقال أبو حنيفة: الخارج النجس على ثلاث مراتب.
فما كان من السبيلين فظهوره ينقض الوضوء. والخارج من سائر البدن إن كان غير القيئ فإنه إذا سال نقض الوضوء، فأما ظهوره من غير أن يرسل فلا.
وإن كان قيئا فملأ الفم نقض الوضوء، وإن كان دون ذلك لم ينقض الوضوء.
ففرق بين اليسير منه والكثير. فحصل الخلاف معه في الخارج من غير السبيل، فعنده ينقض الوضوء عندنا وعند الشافعي لا ينقضه.
والدليل لقولنا: استصحاب الحال، وهو كونه على جملة الطهارة حتى يقوم دليل على نقضها.
وأيضا فإن إيجاب الوضوء بعد الطهارة المتقدمة يحتاج إلى دليل.
وأيضا قول النبي ﵇: (إذا دخل أحدكم في الصلاة فلا ينصرف
[ ٢ / ٥٨٣ ]
حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا فنهى عن الانصراف منها إلا بوجود هذين النوعين من الحدث، والنهي يفيد التحريف، إلا أن يقوم دليل.
وأيضا ما رواه أبو داود مسندا عن عقيل بن جابر عن جابر في غزوة ذات الرقاع مع النبي ﵇، وأنه قال ﵇: هل من رجل
[ ٢ / ٥٨٤ ]
يكلؤنا؟. فانتدب رجل من المهاجرين ورجل من الأنصار، فأصيب أحدهما بثلاثة أسهم وهو في الصلا، وهو ينزعها والدم يسيل ويصلي حتى ركع ثم جاءا إلى النبي ﷺ فأخبراه، فلم ينكر على المصلي ما فعل، فدل ذلك على أن خروج الدم من غير مخرج الحدث لا ينقض الوضوء.
فإن قيل: فليس فيه أنه أمره بغسله، فقولوا: إنه لا يجب غسله.
قيل: إن تروك النبي ﵇ كالعموم، وكان الظاهر يقتضي ألا
[ ٢ / ٥٨٥ ]
يغسل لولا دليل قام.
وجواب آخر: وهو أنه يجوز أن يكون الدم يزرق ولم يصب بدنه ولا ثوبه.
وجواب أخر: وهو أن إزالة الدم وغسله غير فرض - عندنا - على ما نقوله في إزالة الأنجاس، فلم يأمره بغسله، ليعلمنا أن إزالته ليس بفرض.
فإن قيل: فإن تأولتم أن الدم يرزق فلم يلوثه جاز لنا أن نتأول ذلك على أن سد موضع الدم، فلم يسل عن موضع الجرح، ويجوز أن يكون الدم يسيرا لا حكم له - عندنا - وإنما نوجب الوضوء فيما يسيل على ظاهر البدن.
قيل: قولكم: يحتمل أن يكون سد موضع الدم باطل؛ لأنه روي أن الدم كان يسيل.
وعلى أن الحال لو كانت تختلف لكان ﵇ يسأله عن ذلك حتى يبين له الحكم فيه إذا سال.
وقولكم: يجوز أن يكون يسيرا باطل بما رويناه؛ لأن الراوي لا يخبر بسيلان الدم إلا وقد ظهر على الجرح.
وأيضا ما رواه أنس أن رسول الله ﷺ احتجم فلم يزد على أن غسل أثر محاجمه وصلى ولم
[ ٢ / ٥٨٦ ]
يتوضأ، وهذا نص في موضع الخلاف.
فإن قيل: هذه حكاية عن فعلة كانت منه ﵇ فيجوز أن يكون حصل شرط المحاجم ولم يسل الدم.
قيل: هذا باطل بقوله: وغسل أثر المحاجم، وإنما غسل الدم، ولو لم يسل لما احتاج إلى غسله. على أن هذا دفع المشاهدات في الحجامة.
وأيضا: ما رواه ثوبان عن النبي ﵇ أنه كان صائما في غير رمضان فأصابه غم أذاه، فقاء، ثم عاني بوضوء، فسكبت له وضوءا فتوضأ ثم أفطر، فقلت: يا رسول الله، الوضوء من القيئ واجب؟. فقال: (لو كانواجبا لوجدته في القرآن) قال: ثم صام الغد فسمعته يقول: (هذا مكان إفطاري أمس)، وهذا خبر حسن.
فإن قيل: فقد نجد أشياء واجبة ليست في كتاب الله ﷿.
قيل: مرادنا من ذلك قوله ﵇: ليس بواجب، وعلى أن شيوخنا كانوا يقولون: الفرض ما في كتاب الله نصا أو جملة بينها النبي ﵇،
[ ٢ / ٥٨٧ ]
وما كان من النبي ﵇ ابتداء فهو سنة.
وقد روي هذا الذي ذهبنا إليه عن أربعة من الصحابة ﵃، عن ابن عباس، وابن عمر، وأبي هريرة، وعبد الله بن أبي أوفي.
[ ٢ / ٥٨٨ ]
وروي أيضا عن أنس، ومعاذ، ولا مخالف لهم في الصحابة.
ومن القياس نقول: هو خارج من غير السبيلين فوجب أن لا ينقض الوضوء، أصله الدود إذا خرج من الجراحة على البدن.
ولنا أن نقيسه على الجشاء المتغير بهذه العلة أيضا.
ونقول أيضا: إن كل ما لا ينقض قليله الوضوء لم ينقضه كثيره، دليله الجشاء المتغير.
ونقول أيضا: إن كل خارج لم ينتقض الطهر بظهوره لم يجب الطهر بجريانه وخروجه، كاللعاب والمخاط.
ونقول أيضا: هو خارج من تجب بالخارج من أحد السبيلين فلم تجب تلك الطهارة بالخارج من سائر البدن غيرهما. أصله الطهارة
[ ٢ / ٥٩٠ ]
العليا التي هي الغسل.
فإن قيل: إنما لم يجب الاغتسال بالخارج من سائر البدن، لأن موجب الغسل لا يخرج منه. ألا ترى أن المني والحيض يختص خروجهما بالفرج.
قيل: وكذلك البول والمذي والودي لا يخرج من سائر البدن غير السيلين، وقد نقضتم الطهر بالخارج منه.
فإن قيل: فقد قال تعالى ﴿إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم﴾، فعلى كل قائم إلى الصلاة غسل هذه الأعضاء غلا أن يقوم دليل.
قيل: على هذا أجوبة:
أحدهما: أنكم انتم لا يصح لكم الاستدلال بالآية؛ لأنها - عندكم - غير مستقلة بنفسها؛ لأن المراد منها إذا قمتم من النوم، أو وأنتم محدثون، وما لم يستقل بنفسه إلا بشرط مضاف إليه فإن في حيز المجمل يفتقر إلى البيان، وهكذا يقولون في قوله تعالى ﴿والسارق والسارقة﴾
وجواب آخر: وهو أن قوله تعالى ﴿إذا قمتم إلى الصلاة﴾ الألف واللام اللتان في الصلاة للجنس، فتقديره: إذا قمتم إلى الصلوات
[ ٢ / ٥٩١ ]
فاغسلوا وجوهكم، وهذا أمر يقتضي فعل مرة واحدة من الغسل، وهذا قد غسل وجهه لصلاة مضت، فمن زعم أن عليه أن يغتسل لصلاة ثانية فعليه الدليل.
وجواب آخر: وهو أنه لو ثبت لكان قول النبي ﵇: لا وضوء إلا من صوت أو ريح وقوله: لو كان الوضوء واجبا لوجدته في القرآن، يخصه ويقضي عليه، وكذلك نخصه بالقياس أيضا.
فإن قيل: فقد قال ﵇ للمستحاضة: (أنه دم عرق وليست بحيضة، فتوضئي لكل صلاة) فأمرها بالوضوء منه وعلله بأنه دم عرق، فتعليله يقتضي أن كل موضع يوجد فيه دم عرق أن يكون فيه الوضوء، وهذا عمدة لهم في المسألة.
وأيضا فما رواه ابن جريج عن ابيه عن ابن أبي مليكة عن
[ ٢ / ٥٩٢ ]
عائشة أن رسول الله ﷺ قال: (من قاء أو رعف في صلاته فلينفتل عن صلاته وليتوضأ وبين على صلاته) فأمر بالخروج من الصلاة بالقيئ والرعاف، ثم أمر بالوضوء أمرا يقتضي الوجوب، وبالبناء على صلاته.
[ ٢ / ٥٩٣ ]
قيل: أما حديث المستحاضة فعنه أجوبة:
أحدهما: أن النبي ﵇ علل الدم الخارج من مخرج الحيض، ألا ترى أنه قال: (إنه) وهذه الهاء ضمير له. وقال (ليست بالحيضة) والتعليل إذا كان في شيء مخصوص كان تعليلا فيه وفي نظائره من كل دم يخرج من مخرج الحيض، وفي كل امرأة يصيبها ذلك في العرق المخصوص.
وجواب آخر: وهو أن النبي ﵇ علل إسقاط الغسل الذي يجب بدم الحيض، ولم يعلل لإيجاب الوضوء؛ بدليل قوله: وليست بالحيضة ولو كان التعليل يوجب الوضوء لم يقل: وليست بالحيضة؛ لأن الحيضة توجب الوضوء.
وجواب آخر: وهو أن الذي حكي أنه ﵇ قال إنه دم عرق لا تعرف هذه اللفظة في خبر صحيح أصلا، ولم توجد في الكتب، وإنما الخبر الصحيح هو قوله للمستحاضة: توضئي لكل صلاة.
وجواب آخر: وهو أننا نقول: تتوضأ على الاستحباب.
[ ٢ / ٥٩٤ ]
وقد تكلمنا على أن الأحداث التي تخرج عن العادة لا تنقض الوضوء، وأن استئناف الوضوء لها مستحب، فلم يلزمها هذا.
وأما حديث عائشة وقوله ﵇: من قاء أو رعف في صلاته فقد قيل: إن الحديث في كتاب ابن جريج عن أبيه فقط موقوفا عليه.
[ ٢ / ٥٩٥ ]
وقد قيل: إن الحجاج بن أرطأة أيضا رواه، وهو ضعيف.
فإن صح جاز أن يحمل على الوضوء اللغوي، وهو غسل موضع القيئ والرعاف، كما روي عن معاذ بن جبل أنه قال: ليبس الوضوء من الرعاف والقيئ ومس الذكر وما مسته النار بواجب. فقيل له: إن أناسا يقولون: أن رسول الله ﷺ قال: الوضوء مما مسته النار، فقال معاذ:
[ ٢ / ٥٩٦ ]
إن قوما سمعوا ولم يعو، كما يسمى غسل الفم واليدين وضوءا وليس بواجب، وإنما أمر النبي ﷺ المؤمنين أن يغسلوا أيديهم وأفواههم مما مست النار وليس بواجب، وهذا تفسير منه للوضوء من القيئ والرعاف.
وعلى أن الحديث مطلق، ولم يفرق فيه بين القليل والكثير، فمهما أجبتم به في القليل فهو جوابنا في الكثير.
فإن قيل: إذا قلتم: إنه ﵇ أراد الوضوء للغوي لزمكم القول به في مس الذكر؛ لأنه مذكور في الخبر.
قيل: نحمله عليه إذا مسه لغير شهوة. وقد روينا في مس الذكر: يتوضأ وضوءه للصلاة.
فإن قيل: فقد روي أن سلمان رعف بحضرة النبي ﵇ فقال له: يا سلمان، أحدث وضوءا، وهذا أمر يقتضي الوجوب.
[ ٢ / ٥٩٧ ]
وأيضا فإن هذا القول قد روي عن علي وابن عباس ﵄.
فأما علي فكان يرى الوضوء من القلس.
وعن ابن عباس قال: الحدث حدثان: حدث من فيك، وحدث من فرجك.
قيل: أما قول النبي ﵇ لسلمان ﵁: أحدث وضوءا محمول على الوضوء اللغوي، أو على الاستحباب بما ذكرناه.
وما روي عن علي وابن عباس، فقد روي عن ابن عباس خلافه
[ ٢ / ٥٩٨ ]
فقد عارضناهم بأكثر من ذلك عن الصحابة، وينبغي أن نستعمل أقوالهم حتى لا تتنافى، فقول من قال: فيه الوضوء. محمول على الاستحباب، وقول من خالف محمول على نفي الإيجاب، وهذا يجب في استعمال الأخبار عن النبي ﵇ إذا تعارضت.
فإن قيل: فلنا قياس بإزاء قياسكم، وهو أن هذا نجس خرج بنفسه من البدن إلى موضع يلحقه حكم التطهير، فوجب أن يوجب الوضوء، أصله الخارج من السبيلين.
وقولنا بنفسه، احترازا من القيئ القليل.
وأيضا فإن الخارج من البدن ينقض الطهر، كما أن الواصل إلى الجوف ينقض الصوم، ثم قد نقول: إنه لا فرق بين أن يخرج من أحد السبيلين أو من سائر البدن في نقص الصوم، فذلك أيضا لا فرق بين أن يخرج من أحد السبيلين أو من سائر البدن نقض الطهر.
قيل: أما القياس الأول ففاسد من وجوه.
أحدهما: أنه لا يستمر على أصلنا؛ لأن سلس البول والمذي والمني - عندنا - لا ينقض الطهر.
[ ٢ / ٥٩٩ ]
والثاني: أنه لا تأثير له أيضا؛ لأن البول سواء خرج بنفسه أو بخارج فإنه ينقض - عندكم -: لأنه إن سلس البول خرج بنفسه، وإن استدعاه خرج وعليه الوضوء.
وقولكم: إنه خرج إلى موضع يلحقه حكم التطهير لا تأثير له أيضا؛ لأن الوضوء ينتقض بظهور البول وإن لم يخرج إلى موضع يلحقه حم التطهير؛ لأنه قد يزرقه ولا يصيب ما عدا مخرجه.
وعلى أنه منتقض بالقيئ القليل فإن المعنى فيه المعنى فيه موجود، ولا ينقض الوضوء.
فإن قيل: القليل منه لا يخرج بنفسه، وإنما يخرج بالعلاج؛ لأن السيالة طبعها النزول.
قيل: لا فرق بينهما؛ لأن الكثير منه غنما يخرج بدفع الطبيعة له ولا يخرج بنفسه، وقد يستدعي الإنسان القيئ فيخرج تارة قليلا، وتارة كثيرا، وقد يخرج بنفسه تارة قليلا، وتارة كثيرا.
وعلى أن المعنى في الخارج من السبيلين هو أن قليله المعتاد ينقض كما ينقض كثيره المعتاد، وخروج الريح أيضا منه ينقض فكذلك غير الريح، وليس كذلك في القيئ؛ لأن خروج الريح المقارنة له لا ينقض فلم ينقض هو أيضا.
وأما ما ذكروه من الصوم فهو قياس الداخل إلى البدن على الخارج
[ ٢ / ٦٠٠ ]
منه، وهذا قياس الضد، ومن أصحابنا من لا يقول به.
ومع هذا فإنها دعوى لا على أصل بعلة.
ثم لو سلمناه لكان مع ذلك فاسدا بأشياء في الأصل والفرع.
فأما في الفرع، فالبلغم وقليل القئ وقليل الدم وبالدورة اليابسة وبالدواء إذا خرج من الجرح على جهته.
وأما في الأصل فقد زعموا أنه إذا داوى جرحه بدواء يابس لم يفسد صومه ولو احتقن بدواء يابس أفسد صومه.
ثم إننا نتطوع بالفصل بين الصوم والطهارة، فنقول: إن الريح تبطل الطهارة، ولا يبطل بخروج الريح منه، والصوم لا يبطل بالغلبة في القئ، والوضوء يبطل بالغلبة فيه - عندكم -.
على أن المعنى في الناقض للصوم هو أن قليله ينقض الصوم فكذلك كثيره، ولما كان قليل القئ لا ينقض الوضوء لم ينقضه كثيره.
ثم نرجح قياسا بأشياء، منها: أن سائر الأصول تشهد له من استواء حكم القليل والكثير في الموضع الذي ينقض الوضوء، وفي الموضع الذي لا ينقض، والكثير في الموضع الذي ينقض الوضوء، وفي الموضع الذي لا ينقض، من البصاق والبلغم والجشاء المتغير والعرق
[ ٢ / ٦٠١ ]
والدموع، ومن الغائط والبول والمني والمذي على غير وجه العادة.
فإن قيل: ليس يخلو من أن يكون الحكم متعلقا بالخارج أو بالمخرج، فيبطل أن يتعلق الحكم بالموضع؛ لأننا وجدنا أحكام الموضع مختلفة، فتارة يخرج البول فيوجب الوضوء، وتارة يخرج المني فيوجب الغسل، والحيض مثل ذلك، فصح أن الاعتبار بالخارج.
قيل: هذا يبطل على مذهبكم؛ لأنكم تقولون: لو احتقن بشيء نجس فخرج على جهته انتقض وضوءه، ولو داوى جرحه بشيء نجس فخرج على جهته لم ينتقض الوضوء، فقد اعتبرتهم المخرج دون الخارج، وهو أيضا باطل بما ذكرناه من الدودة اليابسة وبقليل القيئ ثم نقول: أليس قد انتقض الوضوء بالتقاء الختانين؟.
على أننا نقول: قد استوت هذه الأشياء كلها في الخروج، واختلفت في الأحكام، فلا ينبغي أن يراعي خروجها حسب.
فإن قيل: قد اتقنا على أنه إذا خرج من البدن وجبت فيه طهارة وهي إزالته عن البدن والثوب، فكذلك يجب فيه الوضوء الذي هو طهارة قياسا على ما يخرج من السبيلين.
قيل: هذا لا يلزمنا من وجهين:
أحدهما: أن الذي يخرج من السبيل على غير العادة لا تجب فيه الطهارة.
والوجه الثاني: هو أن إزالة النجاسة ليست بفرض - عندنا - على ما ذكرناه.
[ ٢ / ٦٠٢ ]
على أنه لو صح القياس على أصولنا منتقضا بالقليل من القئ الرعاف؛ لأن قليل ما يخرج من السبيل ينقض الوضوء، ويوجب الإزالة، وقليل الدم والقئ يوجب الإزالة ولا ينقض الوضوء.
وعلى أنه يصيب بدن الإنسان وثوبه نجاسه من غيره، مثل الدم والبول فيجب - عندهم - إزالته ولا يجب منه الوضوء على من أصابه.
ويبطل أيضا على مذهبهم؛ لأنه لو كان الخارج أقل من دورهم نقض الوضوء ولم تجب إزالته.
فإن قيل: فقد روي في خبر عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: ليس في القطرة والقطرتين من الدم وضوء حتى يكون دما سائلا، وظاهر هذا يفيد إيجاب الوضوء فيه إذا كان سائلا.
قيل: هذه حجة لنا؛ لأنه نفى الوضوء في القطرة والقطرتين، وأنتم توجبون الوضوء في مثل هذا، فعلم أنه أراد غسل ذلك، وهو اسم وضوء في اللغة.
فإن قيل: فقد روي جابر عن رسول الله ﷺ أنه قال: (إذا كان الرعاف مما يقطر في الأرض ففيه الوضوء)
[ ٢ / ٦٠٣ ]
قيل: أراد الوضوء اللغوي من غسله، أو نحمله على الشرعي استحبابا بما ذكرناه من الأخبار المعارضة له، وبالقياس المرجح أيضا.
فإن قيل: فإنه خارج من جنس ما يوجب الإزالة فجاز أن تتعلق بجنسه الطهارة. دليله الخارج من السبيلين.
قيل: لا نسلم وجوب الإزالة على أصولنا في إزالة الأنجاس فلم تسلم العلة.
على أننا قد عارضناه بقياس آخر، ثم بينا العلة في الخارج من السبيلين، وأن قليله يوجب ما يوجب كثيره، وأن الريح المقارنة تعمل عمله في نقض الوضوء.
وقد رد محمد بن الحسن هذه المسألة على مالك ﵀ وقال: كيف تركتم ما رويتم عن عبد الله بن عمر أنه كان إذا رعف انصرف فتوضأ ثم رجع فبنى على صلاته ولم يتكلم؟، ورويتم أن
[ ٢ / ٦٠٤ ]
عبد الله بن عباس كان يرعف فيخرج فيتوضأ ثم يرجع فيبني على ما صلى؟، ورويتم عن عبد الله بن قسيط الليثي أنه رأى سعيد بن المسيب رعف وهو يصلي فأتى حجرة أم سلمة زوج النبي ﵇ فأتي بوضوء فتوضأ، ثم رجع فبنى على صلاته؟. فتركتم هذه الأحاديث اليت رويتموها، وعدلتم إلى أن تقولوا: أن يغسل الدم ويستأنف الصلاة. فتركتم البناء والوضوء، وعدلتم إلى غسل الدم واستئناف الصلاة.
قال: والعجب ممن يقول: إن أهل المدينة يقولون بالآثار، وهم يروونها ثم يتركونها عيانا، ثم يتأولون ذلك، ويشبهون القيئ والرعاف والريق والمخاط، والقيئ والدم نجسان، والريق والمخاط طاهران.
[ ٢ / ٦٠٥ ]
وأجابه القاضي إسماعيل ﵀ عن ذلك بأن قال: الذي رواه مالك عن عبد الرحمن بن حرملة أنه رأى سعيد بن المسيب يرعف فيخرج منه الدم حتى يختضب أصابعه من الدم يخرج من أنفه، ثم يصلي ولا يتوضأ. وهذا يدل على أنه لا يرى في ذلك وضوء.
[ ٢ / ٦٠٦ ]
وأنه إنما انصرف حين رعف في الصلاة، لأنه لم يمكنه أن يصلي وهو يرعف، ولما أصابه ذلك وهو في غير الصلاة نحاه عنه، ثم صلى ولم يتوضأ.
قال: وعلى هذا تأول أمر ابن عمر؛ لما روي عنه أنه كان يخرج منه قيح أو دم فلم يتوضأ، وروي عنه عطاء أنه زاحم على الحجر حتى أدمى أنفه، ثم ذهب فغسله صم عاد. فذكر عنه غسله، ولم يرو عنه توضأ، والطائف بالبيت في صلاته، عليه أن يتوضأ إذا انتقض وضوؤه.
قال: والوضوء من الدم فيما نوى غسله ليس وضوء الصلاة.
قال: وقد جاء عن عمر ﵁ أنه كان يتوضأ بالماء لما تحت الإزار. فعلم أنه غسل الأذى، فلو كان الرعاف ينقض الوضوء لا ينتقض الصلاة؛ لأنه يكون فيها وهو على غير وضوء، وإنما جاز أن يغسل ويبني؛ لأنه على غير وضوء. ولو أن رجلا رعف فلم يجد
[ ٢ / ٦٠٧ ]
الماء إلا بعيدا من مكانه لم ينبغ له أن يبني؛ لأنه جاء عن سعيد أنه غسل الدم في حجرة أم سلمة، وقد رخص للذي ينسى السلام أن يرجع إذا كان قريبا فيتشهد وسلم، وقد قال مالك ﵀: لو كان الرعاف عند ابن عمر ينقض الوضوء لما بنى على صلاته.
قال القاضي إسماعيل: والوضوء قد عني به التطهير للصلاة وقد يعني به غسل الأذى. فإذا لم يكن الأذى دل اللفظ بالوضوء على وضوء الصلاة الذي يطهر الذنوب. وإذا كان الأذى دل على تطهير النجاسة. وقد روى قتادة عن سعيد بن المسيب أنه قال: من مس لحما نيا فليتوضأ. فقيل لقتادة: فلو مسست دما هل كان إلا أغسل ذلك الدم؟. قال قتادة: لا أدري لعل الوضوء هو ذاك.
وقد روي عن أبي هريرة أنه أدخل أصبعه في أنفه وأخرجها متلطخة بالدم وصلى.
وكان سعيد يختضب أصابعه من الدم من أنفه ثم يصلي.
وروي عن أبي أمامة أنه كان يقول: الوضوء فيما
[ ٢ / ٦٠٨ ]
خرج من النصف الأسفل.
وقد روي عن خلق من التابعين أنهم قالوا: لا وضوء في الرعاف وخروج الدم من غير السبيل.
وتكلم إسماعيل على محمد بن الحسن في قوله: إن الدم نجس، والريق طاهر، وإن كل خارج من البدن نجس ينقض الطاهرة، وناقضه بالقليل منه تفرقته بين ذلك وبين قليل ما يخرج من السبيل، وبالله التوفيق.
[ ٢ / ٦٠٩ ]