ولس في قهقهة مصل وضوء، وهي - عندنا - كالكلام لغير إصلاح الصلاة، فتبطل الصلاة ولا تبطل الطهارة.
وبه قال من الصحابة أبو موسى الأشعري وجابر، ومن التابعين عطاء والزهدي ومن الفقهاء الشافعي وأحمد وإسحاق وداود.
[ ٢ / ٦١٠ ]
وقال الحسن والنخغي والأوزاعي وسفيان الثوري وأبو حنيفة وأصحابه: إنها تنقض الصلاة والوضوء جميعا.
وحصل الإجماع في أنها لا تبطل الوضوء في غير الصلاة.
والدليل قولنا: كونه داخلا في الطهارة على الصحة فلا يخرج منها إلا بدليل.
ولنا أيضا قول النبي ﵇: (لا وضوء إلا من صوت أو ريح)
وأيضا ما رواه الأعمش عن أبي سفيان عن جابر أن رسول الله ﷺ قال: (المقهقه في صلاته والمتكلم سواء).
فإن قيل: ليس كلامنا في الضحك، وإنما خلافنا في القهقهة.
[ ٢ / ٦١١ ]
قيل: المراد بالضاحك ههنا المققهقة؛ لأنه ﵇ جعله كالكلام في الصلاة، وما دون القهقهة ليس حكمه حكم الكلام في الصلاة.
وروي أيضا في هذا الحديث أنه ﵇ قال (الضاحك في الصلاة والمفقع أصابعه، والملتفت بمنزلة واحدة)، فأجراه مجرى من لا ينتقض طهره بفعله.
فإن قيل: قوله ﵇: (لا وضوء إلا من صوت الريح) حجة لنا؛ لأن القهقهة صوت.
قيل: إنما أشار إلى صوت على صفة، وقد عقل أن القهقهة لا تدخل فيه.
يبين هذا: ما روي في حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: (لا وضوء إلا من حدث، والحدث أن يفسو أو يضرط).
[ ٢ / ٦١٢ ]
ونقول أيضا: إن كل ما لم يكن حدثا في غير الصلاة لم يكن حدثا في الصلاة كالكلام، عكسه البول والغائط، لما كان حدثا في غير الصلاة كان حدثا في الصلاة.
وأيضا فإن كل معنى لا ينقض قليله الوضوء لم ينقض كثيره، كالمشي والتبسم.
ونقول أيضا: إن القهقهة جنس نطق قد أبيح في غير الصلاة فلم ينقض الطهر إذا حدث خارج الصلاة لم ينقضه إذا حدث في الصلاة. دليله الضحك الذي ليس بقهقهة.
ثم الأصول تشهد لما نقول، وذاك أن كشف العورة في غير الصلاة لا ينقض الوضوء، كذلك مس النجاسة، وكذلك في الصلاة. ووجدنا الغائط والبول واللمس للذكر لشهوة كل ذلك ينقض الوضوء في غير الصلاة وينقضه في الصلاة.
فإن قيل: قد فرقتم بين النوم في الصلاة وغير الصلاة.
فإن قيل: لا فرق بينهما؛ لأن النوم الذي ينقض الوضوء في غير الصلاة ينقضه في الصلاة.
[ ٢ / ٦١٣ ]
فإن قيل: فرؤية الماء قبل الصلاة للمتيمم بخلافه في الصلاة.
قيل: ليس رؤية الماء حدثا، والمتيمم على غير طهر في الصلاة وفي غير الصلاة، وإنما هو مستبيح للصلاة بالتيمم فعليه الوضوء في غير الصلاة؛ إذ الطلب لم يسقط وإنما علمنا أن الذي ينقض الوضوء في غير الصلاة ينقضه في الصلاة، وما لا ينقض الوضوء في غير الصلاة لا ينقضه في الصلاة.
وأيضا فإن القهقهة لا تبلغ حد الكلام المبني على حروف مستقيمة، ويمكن الإنسان ضبطه، ولعل الضحك والقهقهة ربما بدر فلم يمكن الإنسان دفعه، فإذا لم ينقض الكلام الوضوء، فالقهقهة أولى أن لا تنقضه.
فإن قيل: إن الردة بالكلام تنقض الوضوء.
قيل: فقد استوى الحكم فيها قبل الصلاة وفي الصلاة.
على أننا قلنا: إن ما لا ينقض في غير الصلاة من الكلام لا ينقضه في الصلاة. ثم إن الردة لم تنقض نفس الوضوء، وإنما عملت في الأصل
[ ٢ / ٦١٤ ]
فانجر ذلك إلى إحباط أعماله كلها، ويدخل الوضوء في جملتها. ألا ترى أن قذف المحصنات - الذي هو أغلط الكلام ولا ينحبط معه العمل - لما لم ينقض الوضوء في غير الصلاة لم ينقضه في الصلاة، وهو منهي عنه في غير الصلاة وفي الصلاة، حتى إن الحد يتعلق به، فإذا لم ينقض الطهارة في الصلاة - مع غلط أمره - كان القهقهة أولى لا ينقضها.
ويجوز أن نقول: هو مقهقهة فلم ينقض وضوؤه، أصله إذا قهقه في غير الصلاة.
وأيضا فإنه قهقه في صلاة فلم ينتقض وضوؤه أصله إذا قهقه في صلاة الجنازة.
فإن قيل: ليس من شرط الجنازة - عندنا - الوضوء؛ لأنه يجوز أن يصليها بالتيمم على وجه مع القدرة الماء.
قيل: لابد من الطهارة إما بالماء أو بالتيمم ولو أحدث ببول أو غائط خرج من الصلاة.
فإن قيل: القياس يوجب ما ذكرتم، وإنما صرنا إلى هذا؛ لما روى أبو هريرة وعمران بن حصين أن رسول الله ﷺ قال: (من قهقه في صلاته فليعد الصلاة والوضوء) وهذا نص.
[ ٢ / ٦١٥ ]
وروى أبو العالية أن النبي ﵇ كان يصلي بقوم فأقبل رجل ضرير، فتردى في حفرة في المسجد، فضحك طائفة خلف النبي ﵇. فلما فرغ أمر الطائفة التي ضحكت بإعادة الصلاة والوضوء.
[ ٢ / ٦١٦ ]
قيل: أكثره ما روي في القهقهة ضعيف ومرسل.
وأما أبو العالية فهو ضعيف من وجوه.
أحدها: أنه قيل فيه: أبو العالية الرياحي عندي حديثه كالرياح.
وأيضا فإن علي بن المديني ناظر عبد الرحمن بن مهدي فيه
[ ٢ / ٦١٧ ]
وراجعه فيه، فلم يثبت بينهما فيه سند صحيح - وهما إمامان في عصرهما -.
وأيضا فإننا روينا حديث مس الذكر فذكرتم أن يحيى بن معين وأحمد بن حنبل قالا: أربعة أحاديث لا تصح، منها مس الذكر والقهقهة. فكيف يجوز أن توردوا هذه الحكاية في القهقهة وقد
[ ٢ / ٦١٨ ]
ألزمتموناها في مس الذكر؟. فإن تأولتم أن في حديث مس الذكر يجوز أن يكون أمذى، كما تأوله ابن البلخي جاز لنا أن نتأول حديث القهقهة على أنه يجوز أن يكون كان معها ريح لها صوت، فسمع النبي ﵇ فأمر بالوضوء.
على أننا روينا ما يعارضه في حديث جابر أن النبي ﵇ قال: (يعيد صلاته ولا يعيد الوضوء) وخبرنا زائد؛ لأن
[ ٢ / ٦١٩ ]
فيه (ولا يعيد الوضوء).
ويجوز أن تكون هذه الزيادة ذهبت على ألئك؛ لأنه يجوز أن ينسوها، وراوينا لم ينسها.
وعلى أننا نحمل خبرهم في الوضوء على الاستحباب، وخبرنا على نفي الإيجاب وجواتز تركه.
وعلى أنه لم يطعن على حديث أبي العالية في الضرير لما صح متنه؛ لأن الله - تعالى وصف الصحابة ﵃ بالرأفة والرحمة فقال: ﴿رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا﴾ فإذا كانوا بهذه الصفة لم يجز أن يضحكوا في مثل هذا؛ لأنه موضع بكاء لا موضع ضحك، وقد جوزنا حمله على الاستحباب.
على أن مذهبكم أن من قهقه في صلاته خرج فتوضأ وبنى. وفي هذا الحديث أنه ﵇ أمرهم بإعادة الصلاة، فعلم أن للحديث وجها غير ما ذهبتم إليه.
ويجوز أيضا أن يكون ذلك خصوصا لأولئك الذين ضحكوا خلف النبي ﵇ من أعمى تردى في بئر؛ لأن لحضور النبي ﵇ ما ليس لغيرها. وقد روي هذا التأويل عن جابر بن عبد الله، وأنه قال: ليس على من ضحك في الصلاة وضوء، وإنما كان ذلك لأنهم ضحكوا خلف
[ ٢ / ٦٢٠ ]
رسول الله ﷺ، ومن مذهبنا الرجوع إلى تفسير الراوي، وجابر روى حديث الضرير.
ومع ذلك فهذا التأويل غير منكر في الأصول. ألا ترى أن طائفة ذهبت إلى من زنى بحضرة النبي ﵇ فهو كافر؛ لأنه مستخف بالشرع والدين، ولو زنى بحضرة غيره لم يكن كافرا.
فإن قيل: فينبغي أن يكفر الذين ضحكوا بحضرة النبي ﵇.
قيل: إن ذلك يترتب، فإذا فعلوا كبيرة بحضرته متعمدين وجب لهم حكم الكفر، ولو فعلوها بحضرة غيره لوجب تعنيفهم، فإذا فعلوا صغيرة بحضرته ﵇ انخفضت العقوبة، ولو فعلوها بخضرة غيره لم يجب عليهم شيء.
[ ٢ / ٦٢١ ]
فإن قيل قولكم: إنهم رحماء كما ذكر الله - تعالى - فيجوز أن يكونوا فعلوا ذلك بغير علم، ثم شرع النبي ﵇ لهم يعملون عليه. ألا ترى إلى قول الله - تعالى -: ﴿وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها وتركوك قائما﴾، فليس هذا بمستحيل، وقد كان أيضا بحضرته ﵇ منافقون وأعراب لا علم لهم، مثل الذي بال في المسجد.
قيل: أما التجارة واللهو الذي انفضوا إليه فإن التجارة مما يجوز أن يفعلها الإنسان، وإنما يقبح فعلها مع ترك الصلاة من حيث الشرع، وقد كان جائزا فعل ذلك، ثم ورد النهي عنه، وكذلك اللهو إنما كان بالأصوات والفرح الذي يتابشرون عند ورود تجارتهم من المواضع. وذا شيء تدعو إليه النفس. ثم حظر عليهم، وليس كذلك الضحك من مثل هذا؛ لأنه أمر لا تستحسنه إسلامي ولا جاهلي، ويقبح قبل
[ ٢ / ٦٢٢ ]
المشرع، وكذلك فعل الأعرابي في المسجد إنما قبح بالشرع.
وقولكم: قد كان خلف النبي ﷺ منافقون، فإننا نقول: الظاهر في الصلاة غير ذلك، ولو كان كذلك لم يجز أن يقول الراوي: إن طوائف من أصحاب النبي ﵇ ضحكوا؛ لأن هؤلاء ليسوا من الصحابة والراوي قطع أنهم من الصحابة.
وأيضا فإن من مذهبهم أن أخبار الآحاد إذا وردت عرضت على الأصول، فإن دفعتها لم يقولوا بها.
من ذلك ما قالوا في مس الذكر، وفي اليمين مع الشاهد، وخبر القرعة في حديث عمران بن حصين، وحديث أي هريرة في المصراة، وهذا الحديث إذا عرضوه على الأصول دفعته، فلزمهم أن
[ ٢ / ٦٢٣ ]
يردوه ويحملوه على وجه الندب، فأحسن أحوالهم أن نسلم لهم ظاهر الحديث ونحمله على الاستحباب، أو على أنه سمع من بعضهم صوت ريح إن لم يدفعه ما رويناه من الأحاديث فنخصه بالقياس الذي ذكرناه.
فإن قيل: إن كان فعل يحدث باختياره تارة، وتارة بغير اختياره فهو حدث، كالبول والريح وغير ذلك.
قيل: هذا باطل بأكثر الأشياء وبالحركة؛ لأن الإنسان يتحرك تارة باختياره، وكل هذا ليس بحدث، وينتقض بها في غير الصلاة فإنها ليست بحدث إجماعا.
وعلى أن المعنى في البول وغيره هو أنه لما أبطل الوضوء في غير الصلاة، ولما لم تبطل الوضوء القهقهة في غير الصلاة لم تبطله في الصلاة.
وعلى أنهم أرادوا أن البول يخرج بغير اختياره، ويعنون إذا سلس
[ ٢ / ٦٢٤ ]
بوله فإنه - عندنا - لا ينقض الوضوء قبل الصلاة ولا فيها، فسقط ما ذكروه.
ونقول لهم أيضا: قد زعمتم أن لو جلس قدر التشهد في آخر صلاته، ثم قهقه، كانت صلاته ماضية وبطلت طهارته، فلا يخلو من أحد أمرين: إما أن يكون في صلاة فيجب - عندكم أن تبطل صلاته وطهارته جميعا، وإن لم يكن في صلاة فلا يجب أن تبطل طهارته؛ لأن من قهقه في غير صلاة لم تبطل طهارته، وهذا من مذهبكم متناقض.
فإن قيل: القياس يوجب أن لا ينقض الوضوء في الصلاة، ولكن لا نعترض بالقياس على الأخبار، كما قلتم في مس الذكر وفي المصراة، كذلك نحن أيضا قلنا هذا الخبر.
قيل: عن هذا أجوبة.
أحدهما: أن القياس - عندنا - مقدم على خبر الواحد إذا نافاه.
وجواب آخر: وهو أننا نحن قد دللنا على القياس يوجب مبانية
[ ٢ / ٦٢٥ ]
الذكر لسائر الأعضاء في أحكام منها: إيجاب الحد بإيلاجه، وتكملة المهر، والحصانة، والغسل، وإفساد الصوم والحج، وغير ذلك، ومعنا أيضا في المصراة قياس نذكره في موضعه، وبينا أن الأصول تدفع حديث القهقهة.
وجواب آخر: وهو أننا قد روينا من الأخبار ما يعارض خبركم وذاد عليه، ثم استعملناه على وجه الاستحباب، والقياس يوجب نفي وجوب الوضوء حتى لا يتلاقى القياس والخبر.
فإن قيل: فإنه قهقه في صلاة فرض فانتقض وضوؤه، دليله إذا قهقه وأحدث.
قيل: معناه وجود الحدث؛ بدليل أنه لو قهقه وأحدث في غير صلاة كان كذلك.
[ ٢ / ٦٢٦ ]