عند مالط ﵀ أن المسح على الرأس لا يجوز في الطهارة إلا بمباشرة، وأن مسح على العمامة دونه لغير عذر لم يجزئه، وكذلك عند أبي حنيفة والشافعي.
وحُكي عن الثوري، وأحمد بن حنبل،
[ ١ / ١٧٧ ]
وغيرهما أنه يجوز المسح على العمامة دون الراس لعذر وغير عذر.
والدليل لقولنا: قوله -تعالى - ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾، كما قال: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾، فأمر بمسح الرأس، كما أمر بغسل الروجه، فمن مسح على العمامة لم يمسح على الرأس حقيقة.
فإن قيل: فإنه رأس وإن كانت عليه العمامة.
قيل: هو رأس حقيقة، ولكن المسح لم يقع عليه، وإنما وقع على العمامة التي هي غير الرأس.
فإن قيل: فقد قال -تعالى -: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾، فجوزتم المسح على الخفين وليسا برجلين.
قيل: صدقتم إذا مسحنا على الخفين فلم نمسح على الرجلين، كما أن المسح على العمامة ليس مسحًا على الرأس، ولكننا جوزنا المسح على الخفين بدلالة، ولا دلالة في العمامة.
فإن قيل: فقد روي عن النبي ﷺ أنه مسح على عمامته.
قيل: هذا حديث رواه قيس عن
[ ١ / ١٧٨ ]
هزيل عن المغيرة بن شعبة،
[ ١ / ١٧٩ ]
ورواه مطرف، عن ابن المغيرة عن المغيرة،
[ ١ / ١٨٠ ]
وهو حديث مضطرب اضطرابًا شديدًا، ليس بمعتمد عليه.
وقد قيل فيه: مسح بناصيته وعلى عمامته.
وإن صح فلفظه لفظ فعل، وهو لفعلة واحدة لا يجوز أن تقع على وجهين مختلفين في حال واحدة، ولا يدعي فيها العموم.
ويجوز أن يكون ذلك لعذر منعه من كشف رأسه، أو يكون مجددًا لوضوئه، فإذا احتمل هذا واحتمل هذا واحتمل ما تقولون لم يكن صرفه إلى ما تذكرونه أول من صرفه ما نقوله، فتعارضا ونرجع إلى ظاهر الآية.
فإن قيل: لو كان له عذر منع من كشف رأسه لنقل إلينا، والتجديد أيضًا إنما يكون مثل المجدد لا ناقصًا عنه. ألا ترى أن
[ ١ / ١٨١ ]
الإنسان إذا جدد ثوبه أتى بمثل ما كان له أولًا.
قيل: أنا قولكم: إنه كان هناك عذر لنقل فليس كل عذر لنقل فليس كل عذر ينقل، ولكن إذا كان هناك دليل أن مسح العمامة لا يجوز، وورد أنها مسحت مرة واحدة حمل على ذلك.
على أنه قد نقل، وهو ما رواه ثوبان، قال: بعث رسول الله ﷺ سرية، فأصابهم البرد، فلما قدموا عليه أمرهم أن يمسحوا على العصائب والتساخين، والعصائب:
[ ١ / ١٨٢ ]
العمائم. والتساخين: الخفاف.
فعلمنا أنه أمرهم بذلك للعذر، وهو البرد الذي وجدوه، فلو كان المسح لغير ذلك جائزًا لم يكن في ذلك فائدة؛ لأنه يكون قد أمرهم بشيء علموا أنه جائز في غير البرد، فلما أمرهم به عند هذا العذر علم أن هذا العذر هو السبب في جواز ذلك، وعلى أن عمائم العرب كانت صغارًا تسمى العصائب، فهي خفاف لعل المسح بالماء يصل منها إلى الرأس فيصير ممسوحًا بالماء.
وأما ما ذكروه من التجديد والمثل الذي ضربوه له بأن فلانًا جدد ثوبه إذا لبس ثوبًا جديدًا مستأنفًا، فقد يجوز أن يكون مثل الأول أو
[ ١ / ١٨٣ ]
دونه أو فوقه؛ لأن الأول قد يكون صفيقا، والثاني خفيفًا، وإن كان جديدًا، فهذا تجديد الوضوء يكون دون الأول؛ آلأنه لو لم يفعله لما احتاج إليه، ونحن نعلم أن الإنسان إذا توضأ فغسل وجهه مرة ثم ثم أعاد الثانية أنها دون الأولى لا محالة، وأنه ربما تساهل فيها؛ لأنه لو لم يفعلها لأجزأته الأولى.
فإن قيل: فإذا كنتم تستعملون الأخبار كلها مع الإمكان، وتجعلون لكل خبر فائدة، فقد روي أنه ﵇ مسح بجميع رأسه، وروي أنه مسح بناصيته، وروي مسح بناصيته وعمامته، وروي مسح على عمامته، فقولوا كما نقول: إن ذلك كله جائز.
قيل: الصحيح من الأخبار مسح بجميع رأسه، والباقية
[ ١ / ١٨٤ ]
ضعاف، وإنما نستعملها إذا تساوت في الصحة.
على أننا قد استعملنا وقلنا: إذا جاءت هذه الأخبار بفعل وقع شاذا في بعض الأوقات حملناها على مل نقدم ذكره من العذر أو التجديد، ولولاها لأوجبنا على من فعل ذلك مع العذر الإعادة، فهذا ضرب من الاستعمال، وقد كلن يجوز أن يكلف مع العذر الإعادة فاستفدنا بها الجواز وسقوط القضاء، ألا ترى أن الناس قد اختلفوا في المسح على الجبائر فجوزناه عند العذر: للخبر الذي ورد فيه.
[ ١ / ١٨٥ ]
دليل آخر: وهو استصحاب الحال؛ وذلك أن الصلاة عليه بيقين، وكذلك الطهارة، فمن زعم أنه إذا مسح على العمامة وصلى فقد سقط عنه حكم الطهارة والصلاة فعليه الدليل.
فإن قيل: نحن نقول: إنَّه ما تعلق حكم الطهارة إلا على جواز المسح عليها.
قيل: قد ذكرنا أن الحكم تعلق عليه بالآية، فإذا تنازعنا ذلك لم يسقط اليقين بهذا المحتمل.
دليل من القياس: اتفقنا على أن البرقع والقفازين لا يجوز المسح عليهما من غير علة، والمعنى في ذلك: أنه ماسح على حائل دون العضو المأمور بغسله، والممسوح ليس بخف.
فإن قا سوا مسح العمامة على الخفين: لعلة أنه عضو يسقط في التيمم فكل عض ويسقط في التيمم جاز أن ي مسح الحائل دونه، وهذا المعنى موجود في الرأس.
قيل: هذا ينتقض في الجنابة؛ لأن الرجل والرأس يسقطان في التيمم عنها، ولا يجوز غسل الحائل دونهما.
وعلى أننا نقول: ليس المعنى ما ذكرتم، ولكن المعنى أنه عضو يلحق في نزع الخف عنه مشقة غالبة؛ لأنه يتكلف نزعه، ولعله ينقطع عن شغله وسفره ورفقته، وليس عليه مش قة غالبة في إدخال يده تحت
[ ١ / ١٨٦ ]
عمامته، وقد كان للنبي ﷺ عمامة قِطْرية، فادخل يده ومسح ما تحتها، ألا ترى أن القفازين أشد ضرورة من العمامة، لأنه قد يشتد البرد على قوم ويكون غسلهم في الشوك ثم لا يجوز أن يمسح عليهما فبطل ما ذكروه.
وعلى أننا قد ذكرنا قياسًا آخر على البرقع والقفازين وليس الرد إلى أحدهما باولى من رده إلى الآخر.
فأما سقوطهما في التيمم؛ فلأن طرح التراب على الرأس ومسحه بعد مس الأرض - التي لا تخلو في غالب الحال من شيء يكون عليها -فربما تطيَّر به الناس، وتجافته نفوسهم، ولعلهم لو كلفوه لم يفعلوه، والرِّجل فمن عادتها في الغالب ملاقاة التراب فنهوا عن
[ ١ / ١٨٧ ]
مسحها في التيمم لذلك، فكان الجمع بين الفقازين وبين العمامة في اعتبار حكم المشقة الأولى.
وجواب آخر: وهو أن الرأس قد لحقته رخصة، وهي كونه ممسوحًا لا مغسولًا، فلم ينقل من رخصة إلى بدل، وليس كذلك الرجل؛ لأنها مغسولة فجاز أن تنقل فجاز إلى رخصة، هي المسح على الخف، والله أعلم.
[ ١ / ١٨٨ ]