والأذنان عند مالك ﵀ من الرأس في الطهارة يمسحان معه، ويُستحب أن يُؤخذ لهما ماءٌ جديدٌ.
ومذهبنا مذهب ابن عباس، وأبي موسى الأشعري، وعطاء،
[ ١ / ١٩٧ ]
والحسن، والأوزاعي، وأبي حنيفة، وأحمد بن حنبل.
[ ١ / ١٩٨ ]
وقال الزهري: هما من الوجه يغسل ظاهرهما وباطنهما معًا، وقال الشعبي: والحسن بن صالح، وإسحاق، ما اقلب منهما من الوجه يغسل معه، وما أدبر منهما من الرأس يمسح معه.
ولا خلاف بين الأمة أنه عن اقتصر على مسح الأذنين لم يجزئه، وقال الشافعي: هما سنة على حيالهما، يمسحان بماء جديد بعد الفراغ من مسح الرأس.
[ ١ / ١٩٩ ]
والدليل لقولنا: قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ وقد اتفقنا على أن كل عضو في الوجه هو منه. وليست الأذنان منه فثبت أنهما من الرأس؛ لأننا قد تعبدنا فيهما بحكم من الطهارة بلا خلاف، وقد خرج حكمهما في التعبد من الوجه فوجب أن يكون حكمهما في الرأس؛ إذ لم يذكر الله تعالى مما يقارنهما من الأعضاء غيرهما. فإما أن يكونا في العبادة من الوجه أو من الرأس، فمن أثبت لشيء آخر بين الوجه والرأس حكمًا يخالفهما فعليه الدلالة.
فإن قيل على هذا: أليس الفم والأنف من الوجه وقد سُنَّ لهما سنةٌ غير ما في الوجه، وهي المضمضة والاستنشاق، فكذلك إن كانت الأذنان من الرأس كانت لهما سنةٌ في المسح غير ما في الرأس.
قيل: إن الفم والأنف لما بطن داخلهما سُنت لهما سنةُ المضمضة والاستنشاق. ألا ترى أن ظاهرهما مغسول مع الوجه. ولما كان باطن الأذنين ظاهرًا لم تسن له سنة تخالف مسح الرأس؛ لأن المسح يأتي على الظاهر والباطن منهما مع الرأس.
والدليل أيضًا على أنهما من الرأس: ما رواه ابن عباس وأبو أمامة
[ ١ / ٢٠٠ ]
عن النبي ﷺ قال: «الأذنان من الرأس»، وإذا قيل: هذا الشيء من
[ ١ / ٢٠١ ]
هذا الشيء، فهو بعضه لا محالة.
فإن قيل: فإنَّه ﵇ أراد أنهما تمسحان كما يمسح الرأس، ردًّا على من قال: إنَّهما من الوجه.
قيل: إنَّه إذا قيل لنا: هذا الشيء من هذا الشيء، فهو بعضه، فمسحه داخل في مسح الرأس كدخول بعض من الرأس في باقيه.
ولو أراد ما قلتم لقال: الأذنان تمسحان كمسح الرأس، ولم يجعلهما منه.
فإن قيل: فقد علمنا لأنهما ليسا كالرأس صورة وهيئة، وأن لهما أحكامًا كثيرة تنفرد عن الرأس.
قيل: لا يمنع أن يكونا منه في باب المسح، ألا ترى أن ظاهر الأنف والشفتين تغسل مع الوجه، ولهما حكم في الجنايات يخالف باقي أل وجه، فكذلك الأذنان.
دليل آخر: وهو ما روي أن النبي ﷺ مسحهما مع رأسه، كما
[ ١ / ٢٠٣ ]
غسل مرفقه مع ذراعيه وكعبيه مع رجليه.
وأيضًا ما روى الصُّنَابِحِيّ أن النبي ﷺ قال: «إذا توضأ العبد المؤمن فغسل وجهه خرجت الخطايا من وجهه حتى تخرج من تحت أشفار عينيه، وإذا مسح برأسه خرجت من رأسه حتى تخرج من تحت أذنيه». فعلمنا بهذا أنهما
[ ١ / ٢٠٤ ]
من الرأس، كما علمنا أن العينين من الوجه.
فإن قيل: ليستا من الرأس؛ لأنهما لا تنبتان الشعر.
قيل: هذا غلط؛ لأن الشعر ينبت فيهما، ولو لم ينبت لما دل ذلك على ما تقولون، لأنَّ الجَلَخَة لا يكون عليها شعر وهي من الرأس، وليس إذا لم ينبت في موضع شعر لم يكن من ذلك الشيء، ونحن نعلم أن في الوجه مواضع يقل الشعر فيها ولا ينبت أيضًا، ولا يدل على أنها ليست من الوجه.
فإن قيل: الخط الدائر وراء الأذنين لما لم يكن من الرأس وهو إليه أقرب، والأذنان منه أبعد فهما أولى أن لا يكونا منه.
قيل: الخط الدائر - عندنا - من الرأس فسقط ما قلت.
فإن قيل: عندكم أنهما لو سقطتا في الطهارة على طريق النسيان لم يكن عليه إعادة الصلاة، ولو سقط موضع من الرأس بيقين لأعاد الصلاة.
[ ١ / ٢٠٥ ]
قيل: اليسير من الرأس الذي لا يعرف بعينه قد تركه ناسيًا فعليه الإعادة على ظاهر قول مالك، وكذلك يجب في الأذنين بحق القياس، إلاَّ أننا نفرق بينهما بفرق، وهو: أن الأذنين في قد وقع الخلاف فيهما هل هما من الرأس أو لا؟ ولم يقع الخالف في بعض من أبعاض الرأس هل هو منه أو لا؟ فيجوز إذا نسي مسح أذنيه أن لا يعيد الصلاة؛ للخلاف فيما هل هما من الرأس أو لا؟
وإن قلنا أيضًا: إنه إن نسي شيئًا يسيرًا من موضع بعينه من رأسه لم يُعد الصلاة جاز؛ لوقوع الخلاف في مسح جميعه، وإلى هذا ذهب محمد بن مسلمة ومن تابعه في ترك الثلث، ولكن لا يجوز أن يتعمد ذلك.
فإن قيل: لو كانتا من الرأس لأجزأ المحرمَ حلقهما أو تقصيرُهما.
قيل: لو ترك ما لا يختلف فيه أنه من الرأس لم يجزئه؛ لأن عليه استيفاء الحلق أو القصر في جميعه، فكيف يجزئ الاقتصار على الأذنين؟ وإنما يلزم هذا أصحاب أبي حنيفة؛ لأنه لا يتممون بهما ربع الرأس.
[ ١ / ٢٠٦ ]
فإن قيل: فإنه لا يجب على المحرم في تغطيتهما الفدية.
قيل: الدليل على أنهما ليسا من الرأس ما روي أن النبي ﷺ مسح برأسه ثم بأذنيه، وثم للتراخي.
وما روي أنه ﷺ أخذ لهما ماء جديدًا.
قيل: هذا لا يدل على ما قلت؛ لأنَّه يحتمل أن يكون بدأ من مقدم رأسه، فلما فرغ من جميع مسح أذنيه، فأعلمنا أن البداءة وقعت بغير الأذنين؛ لأنَّه لو قال: غسل كفيه ثم ذراعيه لكان كذلك.
وأيضًا: إذا ثبت أنَّهما من الرأس بما ذكرناه فقوله: مسح برأسهن قد دخلتا فيه، ثم بأذنيه، أعلمنا أنه أخذ لهما ماء جديدًا على وجه الاستحباب بعد أن مسحهما مع الرأس لأنها معه.
[ ١ / ٢٠٧ ]
فإن قيل: فما الفائدة في تجديد الماء لأذنيه وقد دخلتا في مسح الرأس؟ ولم اختص الأذنين بذلك؟
قيل: لما كانت الأذنان منفصلتين منه في الانتشار استحب ذلك فيهما؛ لجواز أن لا يستوعب المسح في المرة الواحدة ظاهرهما وباطنهما.
على أن قوله: مسح. حكاية عن فعلة وقعت، فيحتمل أن يكون فَنِي الماء الذي مسح به رأسه وجف فأخذ للأذنين ماء؛ لأنهما من الرأس، ويجب - عندنا - استيفاء الجميع.
فإن قيل: فقد قال ﵇: «عشر من الفطرة، خمس منها في الرأس». فذكر من جملتها مسح الأذنين، والفطرة هي السنة، وقد أضاف إلى السنن أيضًا المضمضة والاستنشاق.
قيل: معنى ذلك أنهما من فطرة الإسلام، ويكون في فطرة الإسلام الفرض والسنة. ألا ترى أنه قد … ذكر فيها الختان وهو - عندكم - فرض، فكأنه أراد أنَّ مَسْحَ الأذنين - لأنهما من الرأس -
[ ١ / ٢٠٨ ]
فرضٌ؛ لئلا يظن ظان كما ظننتم وأنه لو تركهما عامدًا لأجزأه كما لو ترك بعض رأسه.
وينبغي أن يحمل قول أبي زيد في كتابه: وسنَّ ﷺ مَسْحَ الأذنين، على تجديد الماء لهما.
فإن قيل: فإن الأصول تشهد بما نقول؛ وذلك أننا وجدنا أعضاء الطهارة كل واحد منها قد استلحق موضعًا مسنونًا، ثم وجدنا تلك الأعضاء المسنونة اللاحقة بالمواضع المفروضة على ضربين:
ضرب من جنس الموضع وجودًا وحكمًا واجتزئ في أداء السنة بالماء المأخوذ للمفروض، وهما ما وراء المرفقين والكعبين.
وضرب من غير جنس الموضع المفروض وجودًا وحكمًا فأخذ له ماء جديد سوى ماء المفروض، وهو المضمضة والاستنشاق، ووجدنا
[ ١ / ٢٠٩ ]
الأذنين من غير جنس الموضع المفروض وجودًا وحكمًا، فونجب أن يؤخذ لهما ماء جديد.
قيل: هذا غلط؛ لأن ما وراء المرفقين واجب غسله، وكذلك ما وراء الكعبين؛ لأنه لما كان مقارنًا لما دونه حتى لا ينفك منه، ولا يكن الاقتصار في الغسل على ما دونه جعل في حكمه، وليسا بمسنونين، فلما صارا واجبين كوجوب ما دونهما وجب غسلهما بماء واحد.
على أننا نعلم أن ما وراء الكعبين ليس من جنس الكعبين وما دونهما لا وجودًا ولا حكمًا؛ لأنه في الوجود على هيئة وصورة تخالفانه، وفي الحكم قد فرق بينهما، وذلك أن الله تعالى لما أوجب قطع رجل المحارب وجب القطع من المفصل، وهو أسفل الكعبين، ولا تدخل الكعبان في القطع، فقد علمنا أيضًا أنهما ليسا من جنس الرجل في الحكم.
ثم مع هذا فقد غسل ما وراء الكعبين بماء الرجل وهي المفروضة على ما قلتم، وكذلك يكون للأذنين حكم وصورة تخالفان الرأس ويكون مسحهما بماء الرأس على حسب ما قلتموه فيما وراء الكعبين والمرفقين.
وكذلك أيضًا ما وراء المرفقين يخالف جنس ما قبلهما في الهيئة والصورة، والمفصل منه دون المرفقين، ومع هذا فقد غسل بماء الذراعين.
[ ١ / ٢١٠ ]
فإن أردتم أن ام اليد والرجل يتناول الجميع منعناكم منه، وقلنا: حقيقة اليد إلى الكوعين -كما قال الله -تعالى - ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾، والقطع من الكوع، وكذلك الرجل فيما دون الكعبين، كما قيل في المحاربين: ﴿أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ﴾، ثم لو انطلق الاسم على الجميع مع خلافه في الصورة لكان منطلقًا في اسم الرأس عليه وعلى الأذنين، وإن كانتا مخالفتين له في الصورة والحكم على ما بيّنه النبي ﷺ بقوله: «الأذنان من الرأس»، فينبغي أن تمسح بماء الرأس، كما قلتم فيما وراء الكعبين إلى المرفقين، والمسنون في اليدين التبدئة من أطراف الأصابع إلى المرفقين، وفي الرجلين كذلك؛ لأن ما وراء المرفقين كذلك، لأن ما وراء المرفقين والكعبين من المسنون بل واجب على ما بيناه.
ويجوز أن نقول: إنه أصل ممسوح بالماء في الطهارة فوجب أن يمسح مع الرأس أصله أبعاض الرأس، ولا يلزم عليه الخف؛ لأنَّه ليس بأصل، وإنما هو بدل.
فإن قيل: إن فعل الوضوء نوعان: غسل ومسح، ثم الغسل منه
[ ١ / ٢١١ ]
واجب ومنه سنة منفردة هي المضمضة والاستنشاق فكذلك المسح لما كان منه واجب وجب أن يكون منه مسنون منفرد، وليس - عندكم - مسنون منفرد في المسح.
قيل: إنما سنت المضمضة والاستنشاق؛ لأن داخل الأنف والفم باطن، والأذنان ظاهرتان، ولم تسن للرأس سنة منفردة في المسح، ألا ترى أن اليدين والرجلين فرضهما الغسل، ولم تسن لهما سنة منفردة لظهورهما ولا باطن فيهما، وبالله التوفيق.
واستدل الزهري بقوله ﵇ في سجوده: «سجد وجهي للذي خلقه وصوره وشق سمعه وبصره». فأضاف السمع إلى الوجه، والمعنى - عندنا - سنجد ذاتي، وقوله: «الأذنان من الرأس». أخص من هذا، وكذلك قوله في حديث الصُّنَابِحِي: «إذا توضأ فغسل وجهه خرجت الخطايا منه حتى تخرج من تحت أذنيه»، فعلمنا بهذا أنهما من الرأس كما علمنا أن العين من الوجه.
واحتج من قال باطنهما من الوجه وظاهرهما من الرأس بقوله تعالى: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾، وباطن الأذنين يواجه به مع الوجه.
وما ذكرناه يقضي عليه، مع أنهما تغطيهما العمامة وغيرها، والمواجهة لا تقع بهما، والله أعلم.
[ ١ / ٢١٢ ]
وقد روى ابن عباس أن رسول الله ﷺ مسح رأسه وأذنيه بماء واحد.
وكذلك روي أنه ﵇ أتي بوضوء فتوضأ فغسل وجهه وكفيه ثلاثًا، ثم غسل ذراعيه ثلاثًا ثم تمضمض واستنشق ثلاثًا، ثم مسح برأسه وأذنيه ظاهرهما وباطنهما، وهذا يفيد مسحًا واحدًا، فلو كان أخذ لهما ماء جديدًا لقال: مسحين، أو كان يفرد أحدهما عن الآخر كإفراده سائر الأعضاء.
وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله ﷺ
[ ١ / ٢١٣ ]
سأله رجل فقال: كيف الطهور. فدعا بماء فغسل كفيه وغسل وجهه ثلاثًا، ثم غسل ذراعيه ثلاثًا، ثم مسح برأسه، فأدخل أصبعيه السبابتين في أذنيه، ومسح بإبهاميه ظاهر أذنيه، ثم غسل رجليه ثلاثًا، ثم قال: «هذا الوضوء، فمن زاد أو نقص فقد أساء وظلم»، وهذا
[ ١ / ٢١٤ ]
خارج على وجه التعليم والبيان لصفة الطهارة وأحكامها، وبالله التوفيق والتسديد.
[ ١ / ٢١٥ ]