ومن كان جنبا وبه حدث أصغر فتيمم معتقدا بتيممه أنه عن الحدث الأدنى لم يجزئه، سواء نسي الجنابة أو كان ذكرا لها.
ذكر ابن عبد الحكم عن مالك أنه صلى بهذا التيمم أعاد الصلاة في الوقت، هذا يدل على عن الإعادة مستحبة وأن التيمم مجزئ.
وقد روى ابن وهب والمدنيون عن مالك أن التيمم مجزئ ولا يعيد الصلاة، به قال محمد بن مسلمة، وهو قول أبي حنيفة، والشافعي.
[ ٣ / ١٠٨٩ ]
وأظنهما يقولان: إنه يجزئ إذا نسى الجنابة، وأما مع العمد فلا يجزئه.
والدليل لقول مالك إنه لا يجزئه: قول النبي عليه الصلام: «إنما لامرئ ما نوى». فدل أن ما لم ينوه لا يكون له، وها لم ينو بتيممه للجنابة.
فإن قيل: قد نوى الصلاة فينبغي أن يكن له ما نواه.
قيل: الصلاة لا تصح إلا بطهارة، إما الماء أو التيمم من أجل أنه محدث، وهذا لم يتيمم من أجل حدث الجنابة، ولا نوى استباحة الصلاة مطلقا؛ لأنه لو نوى بتيممه استباحة الصلاة ولم يصرفها إلى الحدث الأدنى أجزأه.
وأيضا فد ثبت أنه لو قدر على الماء فتوضأ ونوى به الطهارة الصغرى لم يجزئه عن الجنابة، والوضوء يرفع الحدث، ففي التيمم الذي هو أضعف لا يرفع الحدث أولى ألا ينوب عن الجنابة.
[ ٣ / ١٠٩٠ ]
وأيضا فقد ثبت أن للنية تأثيرا في التيمم، وذلك أنه لو نوى بتيممه استباحة صلاة نافلة لم يجز أن يصلي به فريضة، وإن كان يستبيح الصلاة بتيممه، لم تجعل نيته ها هنا ملغاة حتى يحصل مستبيحا للصلاة فيصلي به أي صلاة شاء، عن كانت صورة التيمم واحدة، فإذا صرفه إلى النافلة لم يجزئه عن الفريضة، فيجب إذا صرفه نيته بالتيمم إلى الحدث الأدنى أولى أن لا يجزئه عن الحدث الأعلى.
وأيضا فإن الجنب يخالف المحدث؛ لأن المحدث يتعلق فرضه بأربعة أعضاء، والجنب فرضه بسائر بدنه متعلق، فإذا كان أحدهما مخالفا للآخر فأخطأ في اعتقاده، ونسي الجنابة واعتقد بتيممه الحدث الأدنى لم يجزئه، كما لو نسي ظهر أمسه، فصلى وعنده أن عليه عصر أمسه لم يجزئه؛ لأن العصر وإن كانت صورتها صورة الظهر فإنها مخالفة لها في النية، فإذا أخطأ في اعتقاده منع من صحته، وكذلك إذا كان عليه كفارة من ظهار، فأعتق رقبة وعنده أن عليه كفارة قتل لم يجزئه الرقبة عن الظهار.
فإن قيل: فقد روي أن الني عليه قال لأبي ذر: «الصعيد الطيب وضوء المسلم ولو لم يجد الماء عشر حجج، فإن وجد الماء فليمسسه بشرته»، فجعل ﵇ الصعيد وضوء المسلم، فهو على عمومه في الأحوال كلها، أخطأ في الاعتقاد أو لم يخطئ.
قيل: عنه جوابان:
[ ٣ / ١٠٩١ ]
أحدهما: أنه نبه بقوله: «وضوء المسلم» على أنه نائب عن الوضوء، والوضوء يرفع الحدث الأصغر، وغسل الجنابة غير الوضوء من جهة الاسم الأخص.
والجواب الثاني: أنه عموم يخصه ما ذكرناه، ألا ترى أن الوضوء بالماء وينوب تطوعه عن فرضه، حتى لو توضأ لصلاة نافلة جاز أن يصلي به فريضة، ولو نوى بتيممه صلاة نافلة لم يجز أن يصلي به فريضة، فالتيمم للحدث الأدنى أولى أن لا ينوب عن الحدث الأعلى.
فإن قيل: فإنهما طهارتان نيتهما واحدة فوجب أن يمنع الخطأ في تعيينهما من صحتهما، أصله إذا كان عليها غسل من حيض فاعتقدت أن عليها غسلا من جنابة فاغتسلت للجنابة، أو كان عليها غسل من جنابة فاغتسلت معتقدة أن عليها غسلا من حيض، لا خلاف أنه يجزئها، فكذلك إذا تيممت وأخطأت في الاعتقاد، فأعتقدت عن غسل الجنابة ونسيت الحيض، أو اعتقدت بالتيمم عن الحيض ونسيت الجنابة فإنه يجزئها.
وقولنا: نيتهما واحدة معناه إنها تنوي في التيمم من الجنابة والتيمم من الحدث استباحة الصلاة في الحدث الأصغر والأعلى كما هو في الحيض والجنابة.
قيل: إذا كان عليها غسل من حيض وغسل من جنابة فإن حكمهما واحد في غسل جميع البدن، فهما كالحدثين الأصغرين حكمهما واحد، فصرف النية إلى أحدهما [في الغسل والحكم] في الغسل والوضوء مجزئ، وكذلك في تيمم الحيض والجنابة يجوز صرف النية
[ ٣ / ١٠٩٢ ]
إلى أحدهما فينوب عن الآخر، وكذلك في الحدثين الأصغرين، وأما الوضوء من الحدث الأدنى والغسل من الحدث الأعلى فهما مختلفان، فلا تنوب نية الأصغر عن الأعلى في الماء ولا في التيمم. ألا ترى أنه لو توضأ فغسل الأربعة الأعضاء ونوى ها الجنابة لم يجزئه، وكذلك لو اغتسل وهو جنب ونوى بغسله رفع الحدث الأدنى لم يجزئه، فكذلك في التيمم.
وقولكم: إنه ينوي في الأمرين بالتيمم استباحة الصلاة فإننا نقول: إن نوى بتيممه استباحة الصلاة ولم يصرفاه ويعينا عن الحدث الأصغر فإنه يجزئه، وإنما الكلام إذا عين النية وقال: أستبيها من أجل الحدث الأصغر، فهو كما ينوي بتيممه استباحة صلاة نفل، ولا يجزئ أن يصلي به الفرض، فلو أطلق النية فقال: أتيمم لأستبيح الصلاة الفرض جاز أن يصلي به الفرض أو النفل، وكذلك إذا نوى بتيممه استباحة الصلاة من أجل الجنابة التي به، وهو محدث أيضا بالحدث الأصغر سحنون تيممه، ودخل الأدنى في الأعلى، كما لو اغتسل لجنابة وبه حدث آخر، ونوى بغسله الجنابة أجزأه.
فإن قيل: فإن التيمم للحدث كالتيمم للجنابة فعلا ونية مع الذكر والنسيان لا يختلف بوجه؛ لأن المحدث يتيمم فيمسح وجهه ويديه، وينوي استباحة الصلاة، والجنب يتيمم فيسمح وجهه ويديه، وينوي استباحة الصلاة، فإذا كان التيمم عن الحدث كهو عن الجنابة فعلا ونية مع الذكر والنسيان صح وإن أخطأ في الاعتقاد ونفي؛ لأنه لو كان ذاكرا لم يفعل أكثر من هذا، فلم يترك من الفرض شيئا؛ لأنه لو … ذكر الجنابة لم يكن عليه أكثر من التيمم.
[ ٣ / ١٠٩٣ ]
ويفارق هذا الظهر الفائتة والعصر الفائتة؛ لأنه إذا فاتته ظهر أمس فعليه أن ينوي ويعين نية الظهر. فإذا ظهر نوى عصر أمسه فلم يأت بالنية التي أخذت عليه، وفي التيمم لو كان ذاكرا للجنابة فإنه يأتي بالنية التي يأتي بها إذا كان ناسيا لها وهو استباحة الصلاة، وكذلك الكفارة إذا كان عليه كفارة من ظهار فعليه أن يعين أن ذلك عن ظهار، وإذا نوى بها عن القتل فقد ترك النية التي أخذ عليه إتيانها فلم يجزئ.
وفرق آخر بين الظهار والصلاة والكفارة، وهو أن الطهارة أوسع في باب التداخل. ألا ترى أن الطهارات إذا ترادفت تداخلت فعلا، والصلوات الكفارات إذا ترادفت لم تتداخل فعلا، فلا يجوز أيضا أن تتداخل في النية.
قيل: أما قولكم: إن التيمم للحدث كالتيمم للجنابة فعلا ونية فهو غلط، وفيه اختلفنا، وإنما يصح ذلك لو نوى بتيممه استباحة الصلاة حسب، ولم يصرف نيته إلى الحدث الأصغر، فأما إذا صرفها إلى الحدث الأصغر فإنه لا يجزئ، وقد بينا أن للنية تأثيرا في التيمم؛ بدليل أنه لو صرف نيته في التيمم إلى صلاة نافلة أو نذر لم يصح أن يصلي به فريضة، ولو صرفها إلى صلاة فريضة جاز أن يصلي به نافلة، فإذا كانت صورة التيمم في النفل والفرض واحدة - وقد اختلفتا في النية - فكذلك صورة التيمم للحدث الأصغر والأعلى واحدة
[ ٣ / ١٠٩٤ ]
ويختلفان في النية. وهذا كما قلناه في صلاة الظهر الفائتة صورتها صورة صلاة العصر، وهو لو صرف النية إلى إحداهما لم تنب عن الأخرى المنسية، وهو لو أطلق النية فقال: هذه قضاء عن الصلاة التي نسيت صح، فإذا صرفها إلى غيرها لم يجزئه.
وقولكم: إن الطهارات أوسع في باب التداخل فإننا نقول: إنما يتداخل … إذا كان الجنس واحدا، فأما اختلفت لم يتداخل فعلا ولا نية. ألا ترى أنه لو كان محدثا جنبا فتوضأ للحدث ولم ينو الجنابة لم يجزئه، ولو اغتسل ونوى بغسله رفع الحدث الأدنى لم يرتفع حكم الجنابة، فبان بهذا سقوط ما ذكرتموه، وكذ … لك في كفارة الظهار، ولو أعتق وقال: هذه عن الكفارة التي على أجزأه، ولو نسي فأعتقها عن قتل لم يجزئه عن الظهار، وليس عليه تعيين النية للكفارة أيضا؛ لأنه لو كانت عليه كفارات من ظهار وقتل وكفارة صيام فأعتق رقبة وقال: هذه على إحدى الكفارات التي على أجزأه، ولم يكن عليه أن يعين، حتى لو أعتق ثلاث رقاب وقال: هذه عن الكفارات التي علي، لم يكن عليه أن يعين رقبة دون رقبة عن كفارة دون كفارة، ولكنه إذا كانت عليه كفارة قتل فأعتق رقبة، وقال: هذه عن الكفارة التي على أجزأه، سوءا ذكر وجه تلك الكفارة أو نسيها، ومثله إذا تيمم وقال: أستبيح الصلاة فإنه يجزئه، فإذا عينه عن الحدث الأصغر لم يجزئه وإن نشي الجنابة، كما لو نسي كفارة الظهار فأعتق عن القتل لم يجزئه، والله أعلم
[ ٣ / ١٠٩٥ ]