اختلف الرواية عن مالك في مسح اليدين في التيمم.
فروى ابن وهب عنه أنهما تمسحان مع المرافق.
وروى عنه ابن عبد الحكم مثل ذلك، ثم قال: إلا أنه إن تيمم إلى الكوعين أعاد الصلاة في الوقت.
وهذا يدل على أن الإعادة على وجه الاستحباب، وأن المسح إلى المرافق مستحب.
ووافقنا الشافعي في قوله القديم، وأنه يجزئ إلى الكوعين، وهو قول الشافعي في الجديد.
[ ٣ / ١٠٩٧ ]
وبقولنا في الآخر إلى الكوعين قال سعيد بن المسيب، والأوزاعي، وأحمد، وإسحاق، وابن جرير الطبري.
وقال الزهري: يمسحان إلى الآباط.
[ ٣ / ١٠٩٨ ]
وعن علي بن أبي طالب ﵁ أنه إلى الكوعين.
وعن ابن عمر وجابر إلى المرفقين.
[ ٣ / ١٠٩٩ ]
والدليل لقولنا إنه يجزئه إلى الكوعين: قوله - تعالى -: ﴿فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه﴾، فذكر اليد مطلقة فإذا مسح يده إلى الكوعين، قيل: قدي مسح يده.
وأيضا فإن إطلاق اسم اليد يختص بالكفين إلى الكوعين؛ بدليل قوله - تعالى -: ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما﴾، ثم قطع النبي ﵇ والمسلمون بعده من الكوع مع إطلاق اليد في الآية، فثبت بهذا أخص أسماء اليد هو إلى الكوع.
وأيضا فإن قلنا: إن اليد إلى الكوع يتناولها اسم يد حقيقية، ويتناول ما بقي بعد الكوع اسم يد حقيقة جاز، والحكم إذا علق بما هذه صفته تعلق بأول اسميه أو بأخصهما، كالشفق الذي يقع على الحمرة، ويقع على البياض، ومن مذهبنا أن الحكم يتعلق بأول اسميه وأدناهما، وكذلك الأب يقع على الأب الأدنى ويتناول الحد أيضا، فإذا قال لأبوية كذا، ثبت الحكم لأولهما - وهو الأب الأدنى - حتى يقوم دليل.
وأيضا فإن الله - تعالى - ذكر غسل اليدين في الوضوء إلى
[ ٣ / ١١٠٠ ]
المرفقين، وكرره في موضع آخر كذلك، وقد اتفقنا على سقوط ما جاوز المرفقين، فلم يكن التقييد في الوضوء في الموضعين والإطلاق في التيمم في موضعين إلا لفرق بينهما، فإذا سقط مسح ما جاوز المرفقين لم يبق من الفرق بينهما إلا ما نقوله من المسح في التيمم إلى الكوعين؛ إذ لو أراد أن يكون كالغسل لحده في الموضعين أو في أحدهما.
وأيضا ما روه سعيد بن عبد الرحمن بن أبزي عن أبيه عن عمار أن رسول الله ﷺ قال: «التيمم ضربة للوجه والكفين»، وهذا يتناولهما إلى الكوعين.
وبهذا الإسناد عن عمار قال: أجنبت فتمعكت، وأخبرت رسول الله ﷺ فقال: «إنما كان يكفيك هكذا»، وضرب عمار بيديه على الأرض ونفخ فيهما ومسح بهما وجهه وظاهر كفيه.
ونقول أيضا: إن كل حكم علق باليد مطلقا بغير تحديد فإنه يتعلق بهما إلى الكوعين. أصله القطع في السرق.
ونقول أيضا: إن مسح إلى الكوعين فقد حصل ما سحا لما يسمى يدا على الإطلاق.
وإن شئت أن نقول: قد مسح مفصلا من اليد تجب بإصابته الدية كاملة - أعني إذا كان إلى المرفقين -، فالاقتصار على المفصل الذي
[ ٣ / ١١٠١ ]
دونه يجوز: لأن الدية تجب إصابته.
وإن شئت حررته على غير هذا اللفظ فقلت: قد اتفقنا أنه … إذا مسح إلى المرفقين أجزأه فكذلك إلى الكوعين، العلة فيه: أنه ماسح لمفصل من اليد تجب الدية كمالا بإصابته.
فإن قيل: فقد قال الله - تعالى -: ﴿فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه﴾، وإطلاق اليد يقتضى إلى المناكب؛ بدليل حديث عمار، وقوله: فمسحنا أيدينا إلى المناكب والآباط، وهم كانوا أهل لسان ولغة، ففهموا من الآية الاستيعاب، وأن إطلاق اليد يتناولها إلى المنكب.
وأيضا ما رواه الأعرج عن ابن الصمة وهو أبو جهيم أن
[ ٣ / ١١٠٢ ]
رسول الله ﷺ تيمم فمسح وجهه وذراعيه.
وروى نافع قال: مررت مع عبد الله بن عمر إلى عبد الله بن عباس ﵄ فكان من حديثه أن قال: بال رسول الله ﷺ، فأتاه رجل فسلم عليه فام يرد حتى ضرب بيديه إلى الحائط.
[ ٣ / ١١٠٣ ]
ومسح بهما وجهه، ثم ضرب بهما ثانية ومسح ذراعيه.
وروى ربيع بن بدر عن أبيه عن جدة عن أسلع قال: أصابتني جنابة فقال رسول الله ﷺ: «يا أسلع قم فارحل». فقلت: إني جنب، فكست ثم نزلت آية التيمم، فقال: «إنما يكفيك هذا، وضرب بيديه على الأرض ونفضهما ومسح بهما وجهه، ثم ضرب بهما
[ ٣ / ١١٠٤ ]
الأرض ثانيا ومسح بهما ذراعيه ظاهرهما وباطنهما»، قالوا: وهذا نص.
قيل: أما ظاهر الآية في قوله - تعالى -: ﴿فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه﴾ فإننا نقول: اسم اليد الأخص هو إلى الكوعين ما بعد ذلك مجاز؛ بدليل قوله - تعالى -: ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما، فعقل ﵇ إلى الكوع، وعقل المسلمون معه ذلك.
وأما حديث عمار وقوله: مسحنا إلى المناكب، فيحتمل أن يكونوا استظهروا فمسحوا ما تناوله الاسم حقيقة وزادوا عليه مسح
[ ٣ / ١١٠٥ ]
المجاز. ألا ترى أن عمارا روى أن النبي ﵇ قال: «يكفيك أن تضرب بيديك الأرض، فتمسح بهما وجهك وكفيك»، عبارة عن الإجزاء، فإنه ﵇ بين له أن المراد هذا دون ما مسحتموه إلى المناكب. ويحتمل أيضا أن يكون اسم اليد حقيقة إلى الكوعين، وما بعده يتناوله السم يد حقيقة، فلما نزلت الآية حملوها على الحقيقة في جميع ذلك، فأعمله النبي ﵇ أنه يكفيه مسح أدنى الحقائق وهو إلى الكوعين، قد قلنا: إن الحكم - عندنا - إذا أطلق يتعلق بأول الاسمين، وأولهما هو إلى الكوعين كما قلنا في الشفق.
وأما ما روي عنه ﵇ أنه مسح الذراعين، فنحمله على طريق الاستحباب، ومسح اليدين إلى الكوعين هو الواجب؛ بدليل تعليمه ﵇ لعمار بدليل قوله: «التيمم ضربتان: ضربة للوجه وضربة للكفين»، وروى: «ضربة للوجه والكفين»، وموضع التعليم يفيد افرض والواجب.
[ ٣ / ١١٠٦ ]
فإن قيل: فقد قال لأسلع: «إنما يكفيك هذا، وضرب بيديه على الأرض ونفضهما مسح بهما وجهه، ثم ضرب بهما الأرض ومسح بذراعيه»، ويكفيك عبارة عن الإجزاء كما ذكرتم في حديث عمار.
قيل: قوله لأسلع: «يكفيك» في الواجب والمستحب، هذا حتى لا تجاوز إلى المناكب، وقوله لعمار: «يكفيك» في الواجب حسب.
فإن قيل: التيمم رخصة، والرخص لا يطلب فيها الاستحباب والكمال.
قيل: هذا غلط؛ لأن مسح الخفين رخصة، ونحن نستحب فيه الكمال نمسح أعلاه وأسفله، وصلاة التطوع القيام فيها أفضل من الجلوس ولو صلى جالسا أجزأه.
فإن قيل: فإنه بدل يقع في محل مبدله فوجب أن يكون في الاستيعاب كمبدله، أصله الوجه في التيمم.
قيل: الوجه يتناوله الاسم حقيقة على وجه واحد. ألا ترى - تعالى - ذكر غسل الوجه في الوضوء، وذكر مسحه في التيمم على وجه أحد، وليس كذلك اليد؛ لأن اسمها حقيقة يتناول إلى الكوعين. ألا ترى - تعالى - فرق بينهما في الذكر، فقيدهما في الوضوء بالمرفقين، وأطلقهما في التيمم، وكذلك علق النبي ﵇ وأصحابه معه من أن القطع من الكوعين، وقال ﵇ عمار في التيمم: «إنما تكفيك
[ ٣ / ١١٠٧ ]
ضربة للوجه الكفين» إن كان قد ذكر أيضا الذراعين، فقد فرق بينهما في الخبرين، ولم يفرق بين الوجه في الوضوء والتيمم بوجه.
على أننا قد ذكرنا قياسا بإزاء هذا فهو أولى: لاستناده إلى استعمال الأخبار. وإلى بيان الحقيقة في اليدين.
فإن قاسوا مسح اليدين في التيمم على غسلهما في الوضوء بعلة يذكرونها.
قيل: التيمم مبني على التخفيف. ألا ترى أنه يسقط عن الجنب مسح جميع بدنه ألا وجهه ويديه فالاقتصار في اليدين على الكوعين مع تناول الاسم له [اسم يدله] حقيقة أولى - وقياسنا يستند إلى التخفيف الذي قد حصل في أصل التيمم فهو أولى من قياسهم الذي يؤدي إلى التشديد.
فإن قيل: فإن الله - تعالى - قيد غسل اليدين في الوضوء بالمرفقين، وأطلق في التيمم اكتفاء بتقييده في الوضوء، كما أطلق الشاهدة في موضع اكتفاء بما قيده بالعدالة في موضع آخر، وكذلك قيد الرقبة بالإيمان في القتل، وأطلقها في موضع آخر اكتفاء بما قيده في القتل.
قيل: عنه جوابان "
[ ٣ / ١١٠٨ ]
أحدهما: أنه لا يبنى المطلق على المقيد إلا بدليل، وإنما علمنا ذلك في الشهادة؛ لأن الغرض مناه التوثق الذي يقع الحكم به، لا يحكم بغير العدل فلذلك اعتبرت العدالة. وأما الرقبة المؤمنة في كفارة القتل شرطت في مواضع التكفير فوجب أن تكون كل كفارة كذلك، ألا ترى أن الإطعام في الكفارة لا يجوز وضعه إلا في مؤمن، وكذلك العتق لا يوقع إلا في مؤمن.
ومع هذا فإن المطلق يبني على المقيد في الأوصاف والشروط، فأما في زيادة أحكام فلا يجب إلا من حيث الدليل. ألا ترى أن الله - تعالى - ذكر غسل الأربعة الأعضاء في الوضوء، وأمسك عن ذكر عضوين منها في التيمم، ثم لم يجب أن يبني حكم التيمم على الغسل، فكذلك لا يبني حكم الذراعين في التيمم على تقييدهما بالمرفقين في الغسل؛ لأنه زيادة عضو، كما أن الرأس والرجلين زيادة عضوين في الوضوء، وكذلك لما اختلف العدد في باب الشهادات، فطلب في الزنا أربعة وفي غيره اثنان بني الشرط في العدالة على المطلق والمقيد، لم بين المطلق على المقيد في العدد؛ لأنه زيادة حكم مستأنف ولا في نقصانه، وإنما ينبغي أن يكون الشاهد عدلا، ولا يزاد على العدد، فعرض العدد الذارع الزائد على الكف، وكذلك شرط في كفارة القتل الإيمان وأطلقت في كفارة الظهار، فبني المطلق على المقيد من صفة الرقبة فأضيف إليها الإيمان، ولم تبن إحداهما على الأخرى في دخول
[ ٣ / ١١٠٩ ]
الإطعام المذكور في الظهار؛ لأنه زيادة حكم مستأنف.
فإن قيل: لما كان الوضوء طهارة تجب عن حدث أو تنتقض بالحدث وجب أن يكون التيمم كذلك، فيستوفي حكم اليد فيه كما استوفي في الوضوء.
قيل: لو وجب هذا لوجب أن يمسح الرأس والرجلان كما يغسلان في الوضوء، فلما سقط مسح الرأس والرجلين في التيمم - وإن كان طهارة تنتقض بالحدث - كذلك في مسح الذراعين.
ويجوز أن نقول: إن غسل اليدين في الوضوء لما اقتصر فيه على المرفقين دون ما يطلق عليه من اسم اليد إلى المنكب تحقيقا؛ لأن الاسم يصلح له جاز أن يقتصر في التيمم على الكفين؛ لأنه أخف من الغسل، والاسم يصلح فيه.
فإن قيل: لما كانت اليدان كالوجه في أنهما لا يسقطان في العذر وغير العذر مع القدرة على الكل وجب أن يكونا كركعتي المسافر أنهما لا يسقطان مع العذر وعدمه مع القدرة على الكل، وأن يكنا على صفة واحدة، فكذلك ينبغي أن يستوفي حكم الوجه واليدين في التيمم كما يستوفيان في الغسل، كما وجب استيفاء حكم الركعتين في الحضر والسفر وعلى طريقة واحدة؛ لأنهما عبادتان سقطتا إلى شطرهما في حال العذر.
قيل: ليس العلة في ركعتي السفر ما ذكرتم، وإنما هي أن الركعة
[ ٣ / ١١١٠ ]
لا تقع حقيقة على ما دونها، واسم اليد حقيقة على الكفين الذين هما دون المرفقين.
وأيضا فإن المسافر بالخيار بين القصر والإتمام، وليس كذلك في التيمم لوجهين:
أحدهما: أنه ليس مخيرا بين مسح الأربعة الأعضاء بين العضوين.
والوجه الآخر: وهو أن الصلاة في غير السفر إذا عجز عن القيام والركوع والسجود استوفى فيها العدد بالإيماء، والتيمم عند العجز عن استعمال الماء مع جوده لا يستوفي فيه حكم العدد في الأربعة الأعضاء كما استوفى العدد في الصلاة، فصار التيمم للحاضر والمسافر على طريقة واحدة، فدل على أنه مبني على التخفيف.
ونقول أيضا: إن الله - تعالى - ذكر اليد في موضعين هما المحارب والسارق، فكان القطع فيهما من الركوع، وذكر غسل اليد في موضعين مقيدا بالمرفقين، ذكر التيمم في موضعين مطلقا، وتنازعنا فيه، فكان رده إلى ما له من نظير مطلقا وهو القطع في الشرق والمحاربة أولى، والله الموفق للصواب.
[ ٣ / ١١١١ ]