ومن تيمم ثم دخل في الصلاة فطلع عليه الماء مضى في صلاته ولم يخرج منها، وبه قال الشافعي، وأحمد، وأبو ثور.
وقال الثوري وأبو حنيفة وصاحباه محمد وأبو يوسف: إنه يلزمه الخروج من الصلاة واستعمال الماء ويبطل تيممه، وبه قال المزني.
غيرا أن أبا حنيفة نقض فقال: لا يلزمه ذلك في صلاة العيدين.
[ ٣ / ١١١٣ ]
ولا في صلاة الجنازة ولا في سؤر الحمار، وذلك أنه قال في سؤر الحمار إذا وجده المتيمم قبل الدخول في الصلاة: لا يجوز له إلا أن يستعمل سؤر الحمار، وإن وجد السؤر وهو في الصلاة لم يلزمه قطعها ولا استعمال السؤر: لأن سؤر الحمار مشكوك فيه - عند أبي حنيفة - لا يدري أطاهر هو أو نجس؟.
وقال الأوزاعي: يخرج من الصلاة ويتطهر، ويضيف إلى الركعة التي صلاها ركعة أخرى إن أن صلى ركعة ويجعلها نافلة، ثم يستأنف الفرض.
والدليل لقولنا: استصحاب الحال؛ وذلك أنه قد وجب عليه الدخول في الصلاة وصح عقده لها، فمن زعم إنها تبطل أو يجب عليه الخروج منها فعليه الدليل.
وأيضا قوله - تعالى -: ﴿أوفوا بالعقود﴾، فهو عموم في كل عقد، وهذا عقد الصلاة، وخروجه منها بعد عقدها ضد الوفاء.
وأيضا قوله - تعالى -: ﴿أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ولا تبطلوا أعمالكم﴾، فأمر بطاعته وطاعة رسوله ﷺ، وهذا قد أطاعهما
[ ٣ / ١١١٤ ]
بدخوله في الصلاة التي هي عمل، ثم نهى عن إبطالها بقوله: ﴿ولا تبطلوا أعمالكم﴾ والخروج منها فيه إبطالها، وهذا عام في كل عمل إلا أن يقوم بدليل.
وأيضا قوله - تعالى -: ﴿إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم أيديكم﴾ إلى قوله: ﴿فلم تجدوا ماء فتيمموا﴾، فأوجب الوضوء عند القيام إلى الصلاة، والمعلق بشرط يزول بزوال الشرط، والشرط هو القيام إلى الصلاة، وقد زال وتقديره: أيها القائمون إلى الصلاة بخلافه؛ لأنه قد زال عنه الشرط الذي هو القيام إلى الصلة.
فإن قيل: فإن الذي دخل في الصلاة مأمور بالقيام إلى باقيها، وهو صلاة، فحكمه حك الابتداء.
قيل: لم يقل: إذا قمتم إلى بضع الصلاة، وإنما قال: ﴿إذا قمتم إلى الصلاة﴾ وهذا حال الابتداء. ثم قوله - تعالى -: ﴿فلم تجدوا ماء﴾ يدل على أنه طلب فلم يجد، وهذه حال الابتداء، وبالدخول في الصلاة قد سقط عنه الطلب.
ومن السنة قول النبي ﵇: «لا وضوء إلا من صوت أو ريح»، فنفى إيجاب الوضوء إلا من هذين، وهذا لم يجد هذين ولا أحدهما.
وأيضا قوله ﵇: «من دخل في صلاة فلا ينصرفن حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا»، وهذا غير واجد لهما ولا لأحدهما، فلا
[ ٣ / ١١١٥ ]
ينصرفن إلا أن يقوم دليل.
وأيضا فإنه إذا دخل في الصلاة بالتيمم صار مخاطبا بإتمامها المضي فيها؛ لسقوط طلب الماء منه، وسقوط استعماله، فكل من سقط عنه طلب الماء سقط عنه استعماله، وكل من وجب عليه الطلب وجب عليه الاستعمال إذا وجده؛ بدليل أن من لم يدخل عليه وقت صلاة فإنه غير مخاطب بطلب الماء، فلم يكن مخاطبا باستعماله، فإذا ثبت ذلك ثبت سقوط استعمال الماء لسقوط طلبه، وقد سقط عن هذا الطلب بدخوله في الصلاة فسقط عنه وجوب استعماله إذا وجده.
وأيضا فإنها صلاة لو وجد سؤر الحمار فيها جاز له المضي فيها، ولم يلزمه استعماله فوجب إذا وجد الماء المطلق أن يجوز له المضي فيها. دليله صلاة العيدين والجنازة.
فإن قيل: المعنى في صلاة العيدين والجنازة هو أنه لو خرج منها واشتغل بالماء لفاتته لا إلا بدل فلهذا جاز له المضي فيها مع وجوده، وليس كذلك سائر الصلوات؛ لأن لها بدلا، هو يقضيها فلم يجز له أن يمضي فيها مع وجود الماء.
قيل: هذا باطل بالحدث؛ لأنه إذا أحدث في صلاة العيدين والجنازة لزمه الخروج منها، ومع هذا فهي تفوته لا إلى بدل، وهو باطل أيضا بصلاة الجمعة فإنها تفوت ولا تقضين وليس صلاة الظهر بدلا منا، بل هي بدل من الظهر، ومن أصحابنا من قال: هي فرض مبتدأ.
[ ٣ / ١١١٦ ]
وقولهم: وسائر الصلوات لا تفوت إلى غير بدل فلهذا لزمه استعمال الماء باطل إذا وجد سؤر الحمار في الصلاة لا يلزمه استعماله وإن كانت لا تفوت.
وأيضا فإنه ماء لو وجده المتيمم في صلاة العيد ينجاز له المضي فيها ولم يبطل فوجب إذا وده في غيرها من الصلوات أن لا يبطل تيممه. دليله سؤر الحمار.
أو نقول: التيمم طهارة لاستباحه الصلاة، فرؤية الماء بعد الشروع فيها لا يوجب الرجوع إلى الماء. دليله … رأى سؤر الحمار لم يجب عليه الخروج من الصلاة إليه.
فإن قيل: سؤر الحمار - عندنا - مشكوك فيه، هل هو طاهر أو نجس؟.
قيل: عنه جوابان:
أحدهما: أنه - عندنا - طاهر متيقن غير مشكوك فيه.
والثاني: أنه لما كان كالماء المطلق في أن المتيمم لا يجوز له أن يستفتح الصلاة إلا بعد استعماله، كذلك أيضا يجب أن يكن كالماء المطلق في خلال الصلاة.
وأيضا فإنه قد عقد تحريمته بصلاة شرعية فوجب أن لا يلزمه الخروج منها عند رؤية الماء وقدرته عليه. أصله كان متطهرا بالماء إلى رآه في خلال الصلاة.
ويجوز أن نقول: رؤية الماء في الصلاة أمر حادث لا يجوب فساد
[ ٣ / ١١١٧ ]
صلاة الجنازة إذا وجد هذا الحادث فيها، ولا الرجوع إلى استعمال الماء فلم تفسد سائر الصلوات، وكذلك سائر ما يوجد منها مما لا ينقض الصلاة والطهارة. دليله الضحك الخفيف لما لم يفسد سائر الصلوات.
فإن قيل: فقد قال الله - تعالى -: ﴿إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم﴾ إلى قوله: ﴿فلم تجدوا ماء فتيمموا﴾، فهو عام في كل واجد للماء، وهذا واجد؛ لأن دليله على أن كل واجد للماء فإنه لا يتمم؛ لأن الشرط في جواز تيممه هو عدم الماء. وهذا واجد له.
قيل: قد بينا أن المراد بالآية التيمم قبل الدخول في الصلاة لا بعد الدخول فيها؛ لأنه - تعالى - خاطب القائمين إلى الصلاة إذا لم يجدوا الماء تيمموا، ومن كان في الصلاة لا يقال له: قم إلى الصلاة، وهو قائم فيها.
ووجه آخر: وهو أنه - تعالى - أمر باستعمال الماء من إذا كان عادما له جاز له أن يتيمم، والمتيمم في الصلاة لعدم الماء لا يجوز له أن يتيمم في خلال الصلاة، فدل على إنها لم تتناول الداخل في الصلاة.
فإن قيل: فقد روي عن أبي ذر أن النبي ﵇ قال: «الصعيد الطيب وضوء المسلم ولو لم يجد الماء عشر حجج، فإذا وجد الماء فليمسه بشرته»، ولم يمض من يجده قبل الصلاة أو في خلالها.
[ ٣ / ١١١٨ ]
قيل: عنه جوابان:
أحدهما: أنه لا حجة فيه في موضع الخلاف؛ لاه يقتضي أن الصعيد وضوء المسلم وأنه يقع به التطهير كما يقع بالماء، ونحن كذلك نقول.
ثم وجود الماء يلزمه استعماله في الموضع الذي يجوز له أن يبتدئ التيمم مع عدمه، وفي الصلاة لا يجوز له ابتداد التيمم، فإنما أراد - تعالى - وجده في الموضع الذي يمكن فيه استعماله، ولم يرد وجود الماء في العالم؛ لأنه لا يفقد في العالم، فإذ كان المراد وجوده الذي يقدر معه على استعماله فلا فرق بين عدم القدرة على استعماله من جهة بلية به، أو من جهة الشرع، وهو غير قادر عليه من جهة الشرع؛ لأن الصلاة المدخول فيها بحكم الشرع تمنعه منه.
والدليل من جهة الشرع: هو إجماع المسلمين على صحة دخوله في الصلاة، ولزوم المضي فيها.
وعلى أنه عام فيه قبل الصلاة وفي الصلاة، وخبرنا في قول النبي ﵇ في المصلي: «لا ينصرفن حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا» أخص منه؛ لأنه يتناول من هو في الصلاة.
فإن قيل: خبركم هو أورد فيمن يحلقه الشك وهو في الصلاة هل أحدث أو لا؟ لأنه قال: «إن الشيطان يأتي أحدكم وهو في الصلاة بين أليتيه، فلا ينصرفن حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا».
[ ٣ / ١١١٩ ]
قيل: التعلق بعموم قول النبي ﷺ: «فلا ينصرفن» إلا السبب. فإن قيل: فإن هذا متيقن للحدث؛ إذ التيمم لا يرفعه.
قيل: ومع وجود الحدث منه أمرا بالتيمم واستباحة الصلاة، ووجب عليه المضي فيها، فلا ينقض عليه ما دخل فيه واستباحه بحدوث الماء في خلالها.
فإن قيل: فإنه قد وجد ماء متيقنا مقدورا على استعماله طاهرا فوجب أن يلزمه استعماله، كما لو وجده قبل الدخول في الصلاة.
وأيضا فإنها طهارة ضرورة فوجب أن ينقطع حكمها بزوال الضرورة كطهارة المستحاضة؛ لأن المستحاضة تتطهر للصلاة، وتصلي ودمها سائل، ثم لو انقطع الدم لما رأت الضرورة لزمها أن تتوضأ وتغسل أثر الدم.
وأيضا فإن كان ماء بقدر عليه قبل التلبس بالصلاة لزمه المصير إليه، فإنه إذا قدر عليه بعد التلبس بها لزمه المصير إليه، كالقدرة على القيام، والقدرة على القراءة، والقدرة على ستر العورة؛ لأنه قبل أن يدخل في الصلاة لو كان قادرا على أن يصلي قائما لم يجز أن يصلي قاعدا، ثم لو كان عاجزا عن القيام فاستفتح الصلاة قاعدا، ثم قدر على القيام لزمه أن يقوم، وكذلك لو كان يحسن أن يقرأ لم يجز له أن يصلي بغير قراءة ثم لو كان لا يحسن القراءة فدخل في الصلاة ثم قدر على القراءة، مثل أن يكون أميا فيدخل في الصلاة ويلقن آية من
[ ٣ / ١١٢٠ ]
القرآن لزمه أن يقرأ، وكذلك لو كان قادرا على ستر عورته لم يجز له أن يدخل في الصلاة مكشوف العورة، ثم لو كان عاجزا عن ذلك فاستفتح الصلاة ثم قدر على سترتها لزمها أن يسترها، كذلك الماء في التيمم مثل ذلك.
قيل: أما قياسكم عليه لو جده قبل الدخول في الصلاة فإنه غير صحيح؛ لأن قولكم: طاهر متيقن لا تأثير له إذا وجده قبل الدخول فيه؛ لأن المتيقن والمشكوك فيه من سؤر الحمار بمنزلة واحدة في أنه يلزمه استعماله، ولا يستفتح الصلاة قبل استعماله.
على أنه ينتقض بصلاة العيدين والجنازة.
ثم إن المعنى أن الأصل هو أنه قادر على الماء في وقت الطهارة، ألا ترى أنه تلزمه المسألة والطلب ممن يظن معه ماء وأنه يعطيه، فلهذا لزمه استعماله، وليس كذلك إذا وجده بعد الدخول في الصلاة؛ لأنه وجده بعد فوات وقت الطهارة؛ لأن فرض المسألة قد سقط عنه، وسقط الطلب فلم يلزمه استعماله، مثل ما لو وجده بعد الفراغ من الصلاة.
وأما قياسكم: على المستحاضة فغلط؛ لأن طهارتها قبل الدخول في الصلاة ليست بواجبة - عندنا -، وإذا انقطع دمها في الصلاة مضت على صلاتها ولم تخرج.
على أنه منتقض بصلاة العيدين والجنازة.
على أن الفرق بين الموضعين هو أنه إذا انقطع دمها وهي في
[ ٣ / ١١٢١ ]
الصلاة فإن عليها نجاسة مقدورا على إزالتها، وهو أثر الدم، ولم تأت ببدل على تلك النجاسة، فلهذا لم يجز لها أن تمضي على صلاتها حتى تتطهر، قبل انقطاع الدم فهي نجاسة لا يقدر على إزالتها؛ لأن الدم سائل فعفي لها عنه، وجازت صلاتها، وليس كذلك المتيمم إذا وجد الماء في الصلاة؛ لأنه قد أتى بالبدل الذي هو التيمم على الطهارة فجاز له أن يمضي في صلاته.
وما ذكرتموه من القيام والقراءة وستر العورة فإنه باطل بسؤر الحمار.
وعلى أن المعنى في هذه الأشياء هو أن استعمالها والمصير إليها لا يبطل عليه شيئا قد مضى من صلاته فلم يلزم ما ذكرتموه؛ لأن المتيمم إذا وجد الماء في خلال الصلاة بطل عيه ما مضى من صلاته ولم يبن عليه
فإن قيل: فإن التيمم بدل عن الطهارة كما أن المسح على الخفين بدل عن غسل الرجلين، ثم لو مسح على خفيه ودخل في الصلاة، ثم انفتق خفه وظهرت رجله لزمه أن يغسلها ويخرج من الصلاة؛ لأن المبدل قد ظهر، كذلك إذا تيمم ثم وجد الماء في الصلاة لزمه أن يعود إلى الأصل وهو المبدل.
قيل: هذا باطل بصلاة العيدين والجنازة؛ لأنه لو مسح على خفيه ودخل في الصلاة - أعني العيدين والجنازة - وانشق خفه وظهر قدمه لزمه أن يغسل رجليه ولم تصح صلاته إلا بذلك، ولو وجد الماء لم يلزمه استعماله ولا الخروج من صلاته.
[ ٣ / ١١٢٢ ]
وعلى أن إسقاط فرض الصلاة بالتيمم مع وجود الماء أوسع. ألا ترى أنه إذا كان واجدا للماء واحتاج إلى تبقيته لعطشه فإنه يتيمم ويصلي مع قدرته على استعمال الماء، وسقط عنه الفرض، ولا يسقط فرضه أصلا إذا ظهرت رجله بعد أن مسح على خفيه.
فإن قيل: فإن المرأة إذا كانت من ذوات الأقراء لم يجز لها أن تعتد بالشهور، والشهور بدل من الأقراء، ثم لو كانت من أهل الشهور مثل الصغيرة التي لم تحض فاعتدت بالشهور إلا ي ما، ثم رأت الدم وصارت من ذوات الأقراء لزمها أن ترجع إلى الأقراء وتعتد بها، ولم يجز لها أن تكمل العدة بالشهور؛ لوجود المبدل، فكذلك المتيمم إذا قدر على الماء في الصلاة لم يجز له أن يكمل الصلاة، بل يلزمه أن يستعمل الماء ويخرج من الصلاة.
وأيضا فإن رؤية الماء بعد التيمم حدث كسائر الأحداث؛ بدليل أن رجلين محدثين لا يجد أحدهما الماء فتيمم، ووجد الآخر الماء فتطهر، ثم لو أحدث المتطهر منهما قبل الصلاة بطل حكم طهارته، ولم يجز له أن يصلي بها، ولو رأى المتيمم منهما الماء قبل الدخول في الصلاة لم يجز له أن يصلي بالتيمم. فما كانت رؤية الماء كالحدث قبل الصلاة فكذلك في الصلاة. هذا والذي قبله سؤال المزني.
قيل: إن التي اعتدت بالشهور ثم رأت الدم في آخرها فإنها تنتقل إلى الأقراء، ولكن ما مضى لها من الشهور لا تبطل ويحسب لها
[ ٣ / ١١٢٣ ]
به قروءا، ولو جنبا على المتيمم في الصلاة الرجوع إلى الماء بطل عليه ما مضى منها؛ لأنه لا شيء عليه ويستأنف الصلاة. فقد بأن الفرق بين الموضعين.
وأما السؤال الثاني فإننا نقول: لو كانت رؤية الماء حدثا لم يفترق حكم طهارة المتيمم المحدث ولا حكم الطهارة الميمم الجنب؛ لأنه حدث واحد، والحدث الواحد لا يوجب الطهارة العليا والطهارة الأدنى جميعا، فلما اتقنا أن المتيمم الجنب إذا وجد الماء اغتسل لجنابته، والمتيمم المحدث إذا … وجد الماء غسل أربعة أعضائه دون سائر بدنه علمنا أن رؤية الماء ليس بحدث في نفسه.
وعلى أن رؤية الماء في الصلاة لو كان حدثا لوجب إذا رأى الماء وهو محتاج إليه لعطشه أن ينتقض تيممه؛ لأنه لا فرق بين الأحداث
[ ٣ / ١١٢٤ ]
إذا وجدت مع الضرورة أو غير الضرورة فإنها تنقض الطهارة، فلما اتفقنا على أنه يصلي بتيممه إذا وجد الماء وهو محتاج إليه للعطش سقط أن يكون في نفسه حدثا، وهو خلاف الجماع.
ولنا أن نقلو: إن الصلاة هي المقصود بالتيمم، والتيمم لا يراد لنفسه، فحصول المقصود الشروع فيه بالبدل يمنع من إيجاب العد إلى المبدل. دليله: إذا شرع في صوم التمتع فإنه يمنع من العود إلى المبدل الذي هو الهدى … إذا وجده.
وأيضا فإننا لو أوجبنا عليه الخروج من الصلاة واستعمال الماء لجاز أن يفوته وقت الصلاة المضيق، ومراعاة الوقت بطهارة غير كاملة أولى من أدائها في غير الوقت بطهارة كاملة، الدليل على ذلك: عادم الماء والمريض الذي لا يقدر على استعماله، ومن معه ماء يخاف العطش على نفسه فغنهم يتيممون لمراعاة الوقت، ولا ينتظرن خروج الوقت حتى يقدروا على استعمال الماء. فصار قياسنا أولى من قياسهم؛ لأنه يؤدي إلى وقوع الصلاة في وقتها بالتيمم الذي لا ينافيه وجود الماء في حال ما.
فإن قيل: اعتبار وجود الماء بعد الدخول في الصلاة بوجوده قبل الصلاة أولى، فتكون العلة في الابتداء والانتهاء واحدة؛ لشهادة الأصول لها. ألا ترى أن وجود الردة بعد عقد النكاح يرفع حكمه، كما لو كان موجودا قبل النكاح لم يجز أن يبتدأ، وكذلك الرضاع وملك أحد الزوجين صاحبه، فيستوي حك ابتدائه وانتهائه، فكذلك المتيمم إذا وجد الماء في الابتداء قبل دخوله في الصلاة منع منه، فكذلك مذ ورد في انتهائها.
[ ٣ / ١١٢٥ ]
قيل: عنه جوابان:
أحدهما: أنه ينتقض بصلاة العيدين والجنازة، وبسؤر الحمار.
والجواب الثاني: هو أن العلل على ضربين، فعلة للابتداء دون الانتهاء، وعلة الابتداء والانتهاء.
فأما علة الابتداء دون الانتهاء فهي مثل الإحرام [لم] يمنع ابتداء النكاح، ولو طرأ على النكاح لم يبطله، وكلك في وجود الطول وخوف العنت يمنعان من صحة عقد نكاح الأمة، ولو عقد عند عدم الطول وخوف العنت، ثم وجد الطول وزال العنت لم يؤثر في صحة ذلك، فهذه علل الابتداء لا الانتهاء.
وأما علل الابتداء والانتهار فهي كالرضاع والردة وملك أحد الزوجين صاحبه على ما ذكرتم، فلم يجز اعتبار وجد الماء بعد الدخول في الصلاة بوجوده قبل الدخول فيها بما ذكرتموه دون اعتباره بما ذكرناه.
[ ٣ / ١١٢٦ ]