ولا يجوز الجمع بين صلاتي فرض بتيمم واحد، سواء كانتا لوقتهما أو كانت إحداهما فائتة والأخرى في وقتها.
واختلفت الرواية عن مالك في الفوائت، فالظاهر المعمول عليه: أنه يتيمم لكل صلاة. وروى عنه: أنه يكفي لها تيمم واحد وبهذه الرواية قال أبو ثور.
ووافقنا الشافعي في أنه لا يجمع بين صلاتي فرض بتيمم واحد، سواء كانتا لوقتهما أو كانتا فائتتين، وبه قال الليث، والأوزاعي، وأحمد بن حنبل.
[ ٣ / ١١٢٧ ]
وهو مذهب علي، وابن عباس وابن عمر.
ومن التابعين وغيرهم سعيد بن المسيب، وعطاء بن أبي رباح، والنخعي، والشعبي، وربيعة، وابن أبي سلمة.
وقال أبو حنيفة: التيمم كالوضوء بالماء، يصلي به من الحدث
[ ٣ / ١١٢٨ ]
إلى الحدث وبه قال الحسن، والثوري.
والدليل لقولنا: قوله: ﴿إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم﴾ إلى قوله: ﴿فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا﴾، وهذا يقتضي أن كل قائم إلى الصلاة تلزمه الطهارة إذا كان واجدا للماء، فإذا عدمه تيمم.
والدليل على أن الظاهر يقتضي ها: أن رسول الله ﷺ حين جمع بطهارة واحدة بين صلوات في عام الفتح، قال له عمر ﵁: فعلت هذا عامدا؟. قال «نعم» فعلم أنهم فهموا من الآية وجوب الطهارة عند كل قيام للصلاة.
فإن قيل: إن هذا لا يلزم من أربعة أوجه.
أحدها: أن الأمر بمجرده لا يقتضي التكرار، وإنما يقتضي فعل مرة واحدة.
قيل: قد اختلف أصحابنا في ذلك، فمن قال: إنه بمجرده [لا] يقتضي التكرار لم يلزمه هذا السؤال.
ومن قال: يقتضي فعل مرة - إليه أذهب - يقول: إنه يقتضي فعل
[ ٣ / ١١٢٩ ]
مرة واحدة إلا أن يقوم دليل، وقد قام الدليل ها هنا على أن المراد التكرار لا مرة واحدة؛ لأن الإجماع قد حصل على أن الطهارة واحدة لا تكفي الإنسان في طول عمره.
قالوا: فإن الله - تعالى - أمر بالطهارة لجنس الصلوات؛ لأن الألف واللام في الصالة للجنس، وهذا يقتضي أنه إذا تطهر فإنما يتطهر للجنس، فإذا تيمم فإنما يتيمم لجنس الصلوات فيصلي الصلوات كلها بالتيمم إلا أن يقوم دليل.
قيل: عنه جوابان:
أحدهما: أن قوله: ﴿إذا قمتم إلى الصلاة﴾ قد عقل منه أنه يحتاج إلى القيام عند كل صلاة، وقيام واحد لا يكفي لكل صلاة، فكذلك الوضوء والتيمم؛ لأنه يفعل عند كل قيام إلى الصلاة.
والجواب الآخر: هو أنه - تعالى - أراد التيمم لهذا الجنس الذي هو الصلاة دون غيره من الأجناس التي ليست بصلاة، وإذا تيمم لصلاة فقد تيمم لهذا الجنس؛ لأن الإجماع به قد حصل على أنه لم يرد التيمم لجميع الصلوات في الدنيا وما عاش.
قالوا: فهذا يقتضي أنه إذا قام إلى الركعة الثانية تيمم لها: لأنه قائم إلى الصلاة.
[ ٣ / ١١٣٠ ]
قيل: القيام إلى الصلاة لا يقلا لمن هو في الصلاة، والله - تعالى - أمر بالتيمم إذا قام إلى الصلاة.
قالوا: فإن الله - تعالى - قال: ﴿إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم﴾، ثم قال: ﴿فلم تجدوا ماء فتيمموا﴾، وحكم المرتب حكم المرتب عليه، فلما قامت الدلالة على أنه يجوز أن يصلي فرائض كثيرة بطهارة واحدة كان بالتيمم مثله؛ لأنه إذا تغير حكم المرتب عليه تغير حكم المرتب، وهذا خير أسئلتهم.
قيل: عنه جوابان:
أحدهما: أن التيمم غير مرتب على الطهارات، بل هو حكم مستأنف؛ بدليل أن الله - تعالى - لو نسي الطهارة بالماء لم يبطل حكم التيمم، وإن كان التيمم غير مرتب عليه فتغير حكم الطهارة على ما يقتضيه الظاهر لا يوجب تغر حكم التيمم.
والجواب الثاني: هو أن تقدير الآية: يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة وأنتم محدثون فاغسلوا وجوهكم إذا وجدتم الماء، فإن لم تجدوه فتيمموا، فإذا تطهر بالماء عند القيام إلى الصلاة أخرى لم يلزمه أن يتطهر؛ لأنه ليس بمحدث والله - تعالى - أمر المحدث بالطهارة عند القيام إلى الصلاة، والمتيمم محدث عند القيام إلى لصلاة الثانية فوجب أن يتيمم.
وأيضا فقد روى سعيد بن المسيب قال: مضت السنة أن لا يجمع
[ ٣ / ١١٣١ ]
المتيمم بين صلاتي فرض السنة يقتضي سنة النبي ﵇ إلا أن يقم دليل.
وأيضا ففي المسألة إجماع الصحابة؛ لأنه روي عن عي وابن عمر وابن عباس وأنهم قالوا: لا يجمع المتيمم بين صلاتي فرض،
[ ٣ / ١١٣٢ ]
وانتشر ذلك عنهم، ولم ي ظهر لهم مخالف.
وأيضا فإنه لا يجوز له أن يتيمم للصلاة مع استغنائه عن التيمم لها. ألا ترى أنه لو تيمم مع وجد الماء لمي صح، فإذا ثبت ذلك فإنه إذا تيمم لصلاة الظهر، فهو مستغن عن التيمم للعصر، فلم يجز أن يكون هذا التيمم لصلاة العصر.
وإن شئت غيرت العبارة فقلت: إن الصلاة الثانية لم يدخل وقتها.
[ ٣ / ١١٣٣ ]
ولم يفتقر إلى التيمم لها، وكل تيمم مستغنى عنه غير مضطر إليه لم يجز أداء الفرض به. دليله: التيمم مع وجود الماء.
ونقول أيضا: إن التيمم طهارة بدل قد قصرت عن المبدل، فقصرت عنه في الوقت أيضا؛ لأنها لا ترفع الحدث.
وأيضا فإن عليه طلب الماء وهو محدث للصلاة الأولى: فإذا لم يجد الماء بعد الطلب تيمم، فكذلك عليه في الصلاة الثانية مثل ما في الأولى، فإذا لم يجد الماء وجب عليه التيمم؛ لأنهما قد اشتركا في وجود الطلب لهما من أجل الحدث، والمتيمم محدث عند الصلاة الثانية لا محالة.
فإن قيل: لا نسلم أن عليه طلب الماء.
قيل: حقيقة قول القائل لم أجد كذا: معناه طلبت فلم أجد، وإن وقع ذلك على غير طلب فهو مجاز، ويكون معناه: لم أقدر.
على أننا لا نعلم أحدا من الناس يريد الصلاة وهو محدث إلا وهو يطلب الماء سواء كان الماء في رحله أو أبعد منه إلا أن يكون جالسا في الماء فإنه قادر، أو من يسقط عنه استعمال الماء مع وجوده لعذر فإن هذا … أو غير مراد بالآية، وإنما الآية في غير المعذورين.
وأيضا فقد حكى عن أبي حنيفة أن المحدث لا يجوز له التيمم لصلاة المغرب قبل وقتها. فإن ثبت هذا من مذهبه فإنه إذا جمع بين صلاة العصر والمغرب بتيمم واحد فقد صار متيمما لصلاة المغرب قبل
[ ٣ / ١١٣٤ ]
وقتها، فنقض أصله في ذلك.
ويجوز أن يقال له: كل متيمم قبل وقت الصلاة لا يجوز له ذلك، دليله صلاة المغرب.
وأيضا فإن أبا حنيفة يقول: إن المستحاضة تتوضأ لوقت كل صلاة، فنقول: إذا توضأت لوقت الظهر وصلت الظهر ثم دخل وقت العصر وجب عليها أن تتوضأ أيضا لوقت العصر، ولا يجوز أن تصلي العصر بطهارة الظهر بل المستحاضة - عنده - تصلي الفوائت بطهارة واحدة. وعندي أن المستحاضة إذا لم يكن دمها متصلا، وكانت صلاتها تسلم بالوضوء توضأت. فإذا ثبت إنها لا تجمع بين الصلاتين بوضوء واحد قلنا: هما صلاتا فرض فوجب أن لا يجوز الجمع بينهما بطهارة ضرورة، فكذلك في التيمم؛ لأنها طهارة ضرورة فلا يجمع بها بين صلاتي فرض.
ونقول أيضا: إن التيمم بدل عن مبدل فيجب أن لا يجوز قبل وجوبه، ولا يجوز إلا بعد دخول الوقت. دليله سائر الأبدال التي لا تجوز قبل وجوبها.
فإن قيل: فقد روي في حدث أبي ذر أن النبي ﵇ قال: «الصعيد الطيب بوضوء المسلم ولو لم يجد الماء عشر حجج "، فجعله وضوءا له أبدا.
[ ٣ / ١١٣٥ ]
وأيضا فإنه طهارة يؤدي بها النفل فجاز أن يؤدي بها الفرض.
أصله الطهارة بالماء.
قيل: عن الخبر جوابان:
أحدهما: أنه يقتضي أن الصعيد وضوء ومما يتطهر به، نحن نقول بذلك، وهل يفعله عن كل صلاة أم لا؟. ليس فيه.
ولجواب الآخر: هو أن الصعيد اسم للجنس، والوضوء للجنس، فصار جنس الصعيد كجنس الوضوء، فينبغي أن يستوفى جنس التيمم بجنس الصلاة، وإذا تيمم مرة واحدة للصلوات كلها فهو بعض جنس التيمم لا كله.
وكذلك إن استدلوا بقوله: «التيمم طهور المسلم وغم لم يجد الماء عشر حجج»، فإن التيمم اسم لجنس التيمم فينبغي أن يستوفي كل التيمم لكل الصلات فيصير لكل صلاة تيمم، وهو أيضا دليلنا؛ لأن التيمم هو القصد والفعل، ونحن نأمر به عند كل صلاة فريضة حتى يستوفى جنسه لجنس الفرائض.
وأما قياسهم على الطهارة بالماء فإنه فاسد الموضع؛ لأنه لا يجز اعتبار الفرض بالنفل. ألا ترى أنه يجوز أن يترك في النفل ما لا يجوز تركه في الفرض؛ لأن النفل أخفض رتبة من الفرض فيجوز أن يصلي النفل جالسا مع قدرته على القيام، ويجوز ترك القبلة في النفل في السفر مع القدرة، ولا يجوز ذلك في الفرض، فكذلك يجوز أن يجمع في التيمم بين صلاتي نفل، ولا يجوز الجمع به بين صلاتي فرض.
[ ٣ / ١١٣٦ ]
وعلى أن المعنى في الطهارة بالماء أنه يرفع الحدث، فلهذا يصلي به ما شاء، وليس كذلك التيمم؛ لاه لا يفع الحدث، وإنما يستباح به فعل الصلاة، ولأنها طهارة ضرورة فلا يجوز أن يستباح بها ما يستباح بالطهارة، كطهارة المستحاضة.
فإن قيل: فإن الأصول موضوعة على أن حكم الأبدال حكم المبدلات، فكل ما يستباح بالمبدل يستباح بالبدل، كالصوم في الكفارة، كذلك أيضا التيمم لما كان بدلا عن الماء وجب أن يستباح به من الصلاة ما يستباح بمبدله.
وأيضا فلو أوجبنا التيمم لكل صلاة لأوجبنا من حدث واحد طهارتين من جنس واحد، وهذا لا يوجد في الأصول. ألا ترى أنه لو أحدث لم يوجب طهارتين من جنس واحد.
قيل: أما قولكم: إن حكم الأبدال حكم المبدلات فإنه باطل على مذهبكم بالمسح على الخفين، هو بدل من غسل الرجلين، ولا يستباح به ما يستباح به إذا غسل الرجلين؛ لأنه إذا غسل رجليه صلى لغير توقيت، وفي مسح الخفين توقيت.
وقولكم: إننا نجب طهارتين من جنس واحد من حدث واحد، فإننا نقول: قد يجوز مثل هذا. ألا ترى أنه ل لم يجد الماء فتيمم ثم وجد الماء قبل دخوله في الصلاة، ثم انقلب الماء قبل استعماله فإن عليه أن يتيمم دفعة أخرى، وهما تيممان لحدث واحد، فسقط ما قلتموه بمحدث لا يزول حدثه، فإذا تيمم لصلاة وصلاها انتقض حكم
[ ٣ / ١١٣٧ ]
تيممه، فهو كما يتوضأ ويصلي ثم يحدث فإنه يتوضأ للصلاة الأخرى.
فإن قيل: هذا يمنع من الجمع بين الصلاتين؛ لأنه إذا صلى صلاة بالتيمم، وأراد أن يجمع بينهما وبين الأخرى، مثل صلاة الظهر والعصر في وقت الظهر، فتشاغله بطلب الماء للثانية فإن لم يجده تيمم يخرجه عن الجمع بين الصلاتين، وقد أبيح له الجمع بينهما لعذر السفر أو المرض، وصورة الجمع أن تكن الصلاة الثانية تالية للأولى لا فصل.
قيل: عن هذا جوابان:
أحدهما: أن صورة الجمع تقديم الثانية إلى وقت الأولى، وإن انفصل ينهما بركعتين تنفل جاز، فلا يمنعه الفصل القريب.
والجواب الثاني: هو أن يمنع من الفصل بينهما إذا كان الفصل لا لأجل أسباب الصلاة، فأما إذا كان بأسباب الصلاة لم يمنع.
ألا ترى أنه قد يفرغ من الصلاة الأولى ثم يجوز أن يؤذن الثانية ويقيم، ولم يمنع هذا من الجمع، لأن الأذان والإقامة من شعار الصلاة، فهو كالشروع فيها، فكذلك طلب الماء والتيمم من شعار الصلاة فهو كالشروع فيها، وكذلك لو جب عليه صلاتان فائتان على ظهر الروايتين عن مالك ﵀.
ونقول أيضا: إنه قد صارت الصلاة علة في وجوب الطهارة، كما
[ ٣ / ١١٣٨ ]
أن السهو فيها علة في وجب سجده، فكل مصل تجب عليه الطهارة، كما أن كل ساه يجب عليه سجود السهو، فإذا صلى صلوات بوضوء واحد حصل طاهرا في كل صلاة، وإذا صلى صلوات بتيمم واحد لم يحصل طاهرا ارتفع حدثه في كل صلاة، وإنما يحصل مستبيحا للصلاة بالتيمم، وه محدث.
فإن احتجوا بحديث عبد الرحمن بن عوف وأنه ابتغى يوما ماء فلم يجده فتمسح بالتراب ثم صلى، ثم أدركته السبحة فصلاها ولم يتوضأ، وقال: أنا طاهر ولو أدركني وقت صلاة أخرى لم أبال أن أصلي بتمسحي من التراب الذي تمسحت به إلا إن أحدثت شيئا فأتوضأ.
[ ٣ / ١١٣٩ ]
وبما رواه هشام بن حسان عن الحسن قال: التيمم بمنزلة الوضوء، إذا تيممت فأنت على وضوء حتى تحدث.
قيل: أما حديث عبد الرحمن فإن راويه إسماعيل بن عياش، وهو ضعيف جدا.
وأيضا فإن هذا مذهب عبد الرحمن، وقد عارضه ما هو أقوى منه، وه ما ذكرناه عن علي وابن عباس، وابن عمر فإنهم كانوا
[ ٣ / ١١٤٠ ]
يتيممون لكل صلاة، وقول الجماعة، وفيهم علي ﵁ وهو إمام - أولى من قول عبد الرحمن بن عوف.
على أن قول عبد الرحمن ذلك يدل على أنه كان يتيمم مع وجود الماء؛ لأنه قال: إلا أن أحدث شيئا فأتوضأ، ولم يقل: فأتيمم، وهذا لا يجوز.
وما روي عن الحسن فقد عارضه ما رواه حارث العكلي عن إبراهيم النخعي قال: يتمم لكل صلاة،
[ ٣ / ١١٤١ ]
وقد ذكرنا ذلك عن جملة من التابعين.
وعلى أن قول علي وابن عباس وابن عمر أولى: لأنه كإجماع الصحابة.
وقد قيل: إن الوضوء كان واجبا في أول الإسلام على الناس كل صلاة، سواء كانوا محدثين أو متطهرين، فلما صلى النبي ﵇ صلوات بطهر واحد علم أن ذلك قد نسخ، وبقي على ذلك علي ابن مسعود وابن عمر إلى أن ماتوا ﵃، فعلم أنهم كان يستحبون ذلك، وبقي المتيمم على أصله؛ لأنه بدل الوضوء الذي كان واجبا لكل صلاة لم ينسخ، لا يجوز نسخه بقياس خاصة وعلي وابن عباس وابن مسعود وابن عمر على ذلك.
وقد قيل: إن الوضوء لكل صلاة مخصوص بفعل النبي ﷺ حين جمع الصلوات عام الفتح بوضوء واحد، وهذا كله يدل على أن المفهوم من قوله - تعالى -: ﴿إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم﴾ الوضوء عند كل قيام إلى الصلاة، والله أعلم.
[ ٣ / ١١٤٢ ]
فصل
ويجوز للمتيمم أن يصلي بالمتيممين والمتطهرين جميعا، وبه قال أبو حنيفة والشافعي.
وحكي عن ربيعة محمد بن الحسن أنه لا يجوز أن يصلي بالمتطهرين، ويصلي بالمتيممين.
قال: محمد: بلغنا ذلك عن علي - رضوان الله عليه -.
[ ٣ / ١١٤٣ ]
والدليل لقولنا: ما روي عن ابن عباس ﵁ أنه كان متيمما جنبا فصلى بعمار وآخرين كانوا معه من الصحابة، وهم متطهرون.
وأيضا ما روي عن عمر بن العاص - حيث كان واليا - قال: فتيممت وصليت بالناس، ولم يفرق.
[ ٣ / ١١٤٤ ]
وأيضا فإن كل من جاز له أن يصلي بالمتيممين جاز له أن يصلي بالمتوضئين، أصله المتطهر بالماء.
[ ٣ / ١١٤٥ ]
فأما ما ذكروه عن علي فإنه لا يصح عنه، ولو صح لكان قول الأكثر من الصحابة - رضوان الله عليهم - أولى.
ويجوز أن يكون كرهه، ونحن نكرهه، وجوازه بالقياس، وبقول ابن عباس وعمرو بن العاص.
[ ٣ / ١١٤٦ ]
فصل
قد مضى الكلام على أنه لا يجمع بين صلاتي فرض بتيمم واحد، وتضمن أنه لا يجوز قبل الوقت، ورأيت أن أجرد الكلام في أنه لا يجوز التيمم قبل وقت الصلاة، وأن من شرطه دخول الوقت، وبه قال الشافعي.
وقال أبو حنيفة: يجوز التيمم قبل دخول الوقت.
قالوا: لأن كل طهارة صح أن يؤتى بها بعد الوقت صح أن يؤتى بها قبله، كالطهارة بالماء.
والدليل لقولنا: ما تقدم ذكره من قوله - تعالى -: ﴿إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم﴾ إلى قوله: ﴿فلم تجدوا ماء فتيمموا﴾، فأباح
[ ٣ / ١١٤٧ ]
التيمم إذا لم يجد الماء بشرط أن نكون قياما إلى الصلاة، وقبل الدخول الوقت لا نكن قائمين إلى الصلاة.
وأيضا فإنه يكون متيمما للفرض في وقت هو مستغن عن التيمم فيه فوجب أن لا يصح له ذلك، أصله إذا تيمم مع وجود الماء وقدرته على استعماله. ولا يلزم على هذا التيمم للنفل قبل وقته؛ لأنه غير مستغن عنه للنفل؛ إذ لا وقت له معين.
فإن قيل: هو منتقض به إذا تيمم في أول الوقت فإنه يصح أن يصلي به الفرض وإن كان مستغنيا عنه؛ لأنه يجوز له أن صلي به في آخر الوقت.
قيل: إذا … دخل الوقت فقد لزمه الفرض، ومن لزمه الفرض لا يقال: إنه مستغن عن أداء فرضه.
وأيضا فإن التيمم أبيح الضرورة على وجه الرخصة؛ بدليل أنه لا يتيمم مع قدرته على استعمال الماء، وما أبيح للضرورة والحاجة لا يستباح قبل وقت الحاجة ووجودها، مثل أكل الميتة وغيرها، ومثل طهارة المستحاضة.
فأما قياسهم على الطهارة بالماء فنقول: المعنى في ذلك أنها أبيحت لا لضرورة، ما جاز من غير ضرورة وحاجة جاز أن يؤتى به من غير حاجة، كسائر المآكل المباحة، وما أبيح لحاجة وضرورة فلا بد فيه من وجود الضرورة والحاجة كما ذكرنا في أكل الميتة، والله أعلم.
[ ٣ / ١١٤٨ ]
فصل
وطلب الماء من شرط صحة التيمم عندنا، وعند الشافعي.
وقال أبو حنيفة وصاحبناه: لا يفتقر إلى طلب الماء؛ لقوله: - تعالى -: ﴿فلم تجدا ماء فتيمموا صعيدا طيبا﴾، من عدمه من غير طلبه فهو غير واجد له.
ولأنه إذا كان واجدا للرقبة في الكفارة لزمه أن يعتقها، لم ل لم يجدها لم يلزمه أن يطلبها في المواضع، بل يجوز له الانتقال إلى الصوم، كذلك الماء.
والدليل لقولنا: ما ذكروه من دليلهم من قوله -
[ ٣ / ١١٤٩ ]
تعالى -: ﴿فلم تجدوا ماء فتيمموا﴾، وحقيقة هذا: أنه لا يقال لمن لم يطلب الشيء: إنه لم يجده، وإنما يقال: ليس هو عندي، فإذا وجده من غير طلب لا يقال: إنه وجده، بل يقال: أصابه إن كان عنده.
وأما عتق الرقبة في الكفارة فإنه لا خلاف أنه لا يجوز له الانتقال إلى الصوم إلا بعد أن يطلب الرقبة أو يطلب ثمنها في كله، فإن وجد الثمن طلب الرقبة للشراء، فأما قبل الطلب في ملكه فلا يجوز له، كذلك الماء يطلبه أو ثمنه ليبتاعه، والعلة فيه: أنه بدل عن مبدل مر بت فوجب أن لا يجوز له الانتقال إليه إلا بعد طلب المبدل في الموضع الذي يطلب مثله فيه، أصله طلب الرقبة أو ثمنها في الملك، وطلب الماء في المواضع، مثل الآبار والحياض والرفقة، ومواضع بيعه.
واحترزنا بقولنا: " مرتب " من مواضع التخيير في جزاء الصيد، وما أشبهه؛ لأنه ليس بمرتب، وبالله التوفيق.
[ ٣ / ١١٥٠ ]