ويجوز للحاضر إذا تعذر عليه الماء، وخاف فوات الوقت أن يتيمم، مثل أن يعبد منه، أو يكون ي بئر فإلى أن يعالجه تطلع الشمس ولم يكن صلى الصبح فإنه يتيمم يصلي، ولا يعيد الصلاة، وبه قال الأوزاعي.
وقد روي عن مالك أنه يعالجه وإن طلعت الشمس.
وروي عنه أنه يصلي بالتيمم ويعيد الصلاة.
وقال أبو حنيفة، وداود: لا يصلي أصلا، ويتعلق الفرض بذمته إلى أن يقدر على الماء.
وقال الشافعي: يلزمه أن يتيمم ويصلي، وإذا وجد الماء أعاد الصلاة، هذا موافق لإحدى الروايات عن مالك.
[ ٣ / ١١٥١ ]
والدليل لقولنا في أنه التيمم ويصلي ولا يعيد: ما روي عن أبي ذر قال: اجتويت المدينة فانتقلت بأهلي إلى الربذة، وكنت أجنب وأعدم الماء خمسة الأيام والستة. فأتيت رسول الله ﷺ، فقال لي: «الصعيد الطيب وضوء المسلم ولو لم يجد الماء عشر حجج»، والدليل منه على وجهين:
أحدهما: أنه عم بجعل الصعيد الطيب وضوء المسلم فلم يفرق بين حاضر ومسافر.
والثاني: أنه ورد خاصا في المقيم؛ لأن أبا ذر انتقل بأهله إلى الربذة مقيما بها معهم.
وأيضا قول النبي ﷺ: جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا فأين
[ ٣ / ١١٥٢ ]
أدركتني الصلاة تيممت وصليت»، وهذا عام لم يخص سفرا من حضر، فهو على عمومه إلا أن يقوم دليل.
يجوز أن نستدل بقوله - تعالى -: ﴿إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم﴾ إلى قوله: ﴿فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا﴾، وهذا عام فيمن لم يجد الماء وعدمه فإنه يتيمم إلا أن تقوم دلالة.
هذا على أبي حنيفة؛ لأن الشافعي يوافقنا على أنه يتيمم.
فإن قيل: هذه الآية حجة لنا: لأنه - تعالى - أباح التيمم بشرط المرض أو السفر، فلو جعلناه عموما في كل محدث حاضر ومسافر لكان ذكر المرض والسفر لغوا لا فائدة فيه، وإن جعلنا نفس المرض والسفر بمنزلة الحدث كان ساقطا، فعلمنا أن المرض والسفر خصا في جواز التيمم عند عدم الماء.
قيل: هذا فاسد، وإنما ذكر السفر والمرض لمعنى، هو أنه لو لم يذكرهما لجاز أن يظن ظان أن المرض لشدته وما قد أبيح للإنسان فيه من الفطر والجمع بين الصلاتين وأنه يثقل عليه ما لا يثقل على الصحيح، وكذلك مشقة السفر وقلة المياه في غالب الحال ما يجوز مع ذلك سقوط الطهارة جملة، كما سقط عن المسافر نصف الصلاة، فقيل: تيمموا مع عدم الماء سواء كنتم حاضرين أو مسافرين ومرضى تلحقكم المشقة، فإن الطهارة بالماء أو التيمم لا بد منه مع القدرة عليه، ويصير تقدير الآية: قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وإن كنتم
[ ٣ / ١١٥٣ ]
- خطابا لهم أيضا - يا محدثين على حال مرض وسفر فلم تستطيعوا استعمال الماء فتيمموا، فهو خطاب للمحدثين على اختلاف صفاتهم إذا لم يجدوا الماء تيمموا.
وأيضا فإنه لا يمتنع أن يخرج الخطاب على الغالب، يتعذر معه التمكن من الماء وكذلك المريض إذا اشتد مرضه خاف استعمال الماء، فخرج الكلام على الأغلب ويكون غير المريض والمسافر عند تعذر استعمال الماء ودخول وقت الصلاة بمنزلتهما وفي حكمهما؛ لأن المعنى موجود في الجميع، كما ذكر الرهن بشرط السفر؛ لأن الغالب منه عدم الشهود، ثم قد ثبت جواز الرهن في الحضر كجوازه في السفر؛ ولم يبح التيمم الذي هو بدل الماء إلا لمراعاة وقت الصلاة وخوف فواتها عند تعذر استعمال الماء، وهذا المعنى في الحاضر موجود، كما يوجد فيه لو كان مريضا أو مسافرا، وقد قال الله - تعالى -: ﴿وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم﴾ فخرج الكلام على الغالب من أمر الربيبة أنها تكون مع الزوج، ولو لم تكن عنده مع أمها لكانت أيضا محرمة عليه؛ لأن المعنى الموجب للتحريم فيها موجود.
ثم لو ثبت أن المرض والسفر شرطان في إباحة التيمم لم يمتنع أن يلحق بهما غيرهما بالقياس، فنقول: هو غير قادر على استعمال الماء، وقد لزمه فرض الصلاة فوجب أن يلزمها لتيمم، أصله المسافر أو المريض.
أو نقول: المعنى في جواز التيمم للمريض أو المسافر هو توجه
[ ٣ / ١١٥٤ ]
الصلاة عليهما، وخوف فوت وقتها مع العجز عن استعمال الماء، هذا موجود في الحاضر.
هذا قياس يلزم من يمنع التيمم أصلا.
وأما من يلزمه التيمم ويوجب الإعادة فنقول: اتفقنا في المريض والمسافر أنهما إذا تيمما وصليا لم تجب عليهما الإعادة؛ لأنهما قد تيمما على ما أمرا به، هذا مجد في الحاضر؛ لأنه مأمور بالتيمم عند العجز عن استعمال الماء مع خوف فوت القوت وحضوره، فإذا فعل التيمم على ما أمر به لم تلزمه الإعادة؛ لأن كل واجب مجزئ في السفر والحضر؛ إذ قد أدى ما فرض عليه، ولو لزمته الإعادة مع فعله ما فرض عليه لم يكن فرق بين أن يفعل المأمور به فيطيع، أو يفعل المنعي عنه فيعصي، ولا يجزئه في الأمرين جميعا، وهذا فاسد، بل قد رأينا في الشريعة ضد هذا، وهو أن الإنسان ينهي عن فعل شيء فيفعل فيقع موقع الصحيح، ويجزئ عن الفرض، ولا تجب فيه الإعادة، كالصلاة في الدار المغصوبة، والتوضؤ بالماء المغصوب، ولا يجوز أن يفعل الطاعة المأمور بها ابتداء، فيقع موقع الفاسد حتى لا يجزئه، فإذا كان الحاضر قد تعذر عليه استعمال الماء، وخاف فوت الصلاة مأمورا بالتيمم، مطيعا فيه فقد صلى على ما أمر به أطاع، فلا ينبغي أن يقع موقع الفاسد الذي لا يجزئ تجب فيه الإعادة.
فإن قيل: فقد رأينا من يفعل ما افترض عليه، وأمر به، ولا تسقط معه الإعادة، هو موقع موقع الفاسد، مثل من أفسد حجه، وصومه
[ ٣ / ١١٥٥ ]
المفترض، فإنه مأمور بالمضي فيه فرضا عليه، ومع هذا فعليه الإعادة.
قيل: هذه غفلة وسهو؛ لأن القضاء عن الحج والصوم الفاسد إنما جب بالفساد الذي تقدم على المضي في باقيه، وعوقب بالمضي فيه، والحاضر إذا تعذر عليه استعمال الماء وخاف فوات الوقت صار مطيعا بالتيمم والصلاة ابتداء، فاعلا لما أمر به، لم يفسد شيئا يجب عليه معه القضاء. فعروضه في الحج والصوم أن يؤمر قبل الدخول فيها فيهما بالدخول، ويكون مطيعا لم تتقدم منه إفساد فدخل فيهما بالأمر الممتثل مطيعا فيه فلا يجب عليه إعادة، فإن أفسد بعد الدخول وجب القضاء بالإفساد، كما لو أفسد الحاضر ما دخل فيه من الصلاة لوجب عليه القضاء، فصار تيمم الحاضر بمنزلة الليل للصائم، فإن أمر بالدخول في التيمم والصلاة، ولم يطرأ عليه الفساد لم يجب القضاء.
وأيضا فإن الماضي في الحج الفاسد والصوم الفاسد مأموران بذلك، فإذا فعلا ما أمر به أجزأهما في المضي ولا يجزئهما في إسقاط القضاء الواجب بالإفساد الذي هو غير المضي.
فإن قيل: هذا فاسد بالمصلوب، والذي تحت الهدم، والمحبوس في الحش فإنهم مأمورون بالصلاة وعليهم بالإعادة.
قيل: هؤلاء لا تجب عليهم الصلاة إذا لم يقدروا على الماء والتيمم، ولا يجب علهم القضاء، كالحائض والمغمى عليه؛ لأن المنع أتاهم بغير اختيارهم حيث لا يمكنهم دفعه.
[ ٣ / ١١٥٦ ]
ومن قال من أصحابنا: عليهم الإعادة، فمعناه - عندي -: إذا كانوا على طهارة ولم يصلوا بالإيماء وغيره، ومعهم عقولهم، فتصير منزلتهم منزلة من وجب عليه التيمم فتيمم ولم يصل فعليه الإعادة.
ثم هذا بعينه يلزمهم في المسافر إذا تيمم وصلى ينبغي أن تكون عليه الإعادة، وإن كان قد فعل المأمور به، كما ظنوا أنه يلزمنا فيما أورده.
فإن قيل: المسافر والمريض قد أبيح لهما الفطر في رمضان، ففعلا المأمور به ولم يسقط عنهما القضاء، فكذلك الحاضر يفعل التيمم والصلاة، ولا يسقط عنه القضاء.
قيل: أيضا هذا سهو؛ لأن الفطر رخصة ولم يفعلا الصوم، والمتيمم فعل الواجب، وفعل الصلاة، فل رخص له في الخروج من الصلاة كما رخص للمسافر في الفطر لوجب عليه القضاء. ألا ترى أن المصلي لو رأى إنسانا يغرق، أو شيئا له يتلف لخرج منها، وكان عليه القضاء؛ لأنه لم يصل، فسقط ما ذكروه.
وعلى أن هذا نفسه يلزم في المسافر والمريض إذا عدما الماء وتيمما ثم صليا.
فإن قيل: فإن الله - تعالى - لما أباح التيمم بشرط المرض والسفر دل على أن ما عداهما بخلافهما
[ ٣ / ١١٥٧ ]
قيل: عنه جوابان:
أحدهما: أننا قد ذكرنا أن الحكم من نص الآية لم يعلق بشرط المرض والسفر، وإنما خصا بالذكر للمعنى الذي بيناه.
والجواب الثاني: أن لو ثبت حكم دليل الخطاب لم يمتنع أن تقوم دلالة القياس، فيلحق المسكوت عنه بالمنطوق به، وقد ذكرنا دليل القياس.
ونقول: إن كل من لزمه فرض التيمم فتيمم فإنه يسقط فرضه كالمسافر.
وأيضا فإن القادر على استعمال الماء لا يفترق حكه بين أن يكون مقيما أو مسافرا في سقوط الفرض عنه، فكذلك العادم للماء يجب أن لا يفترق حكمهما.
هذا يحتمل أن يلزم أبا حنيفة والشافعي.
ولنا أن نخص كل واحد منهما بلفظ فنقول: لما كان الواجد للماء، القادر على استعماله، وقد حضر وقت الصلاة يجب عليه استعماله، ولم يفترق حكم الحاضر والمسافر في وجوب استعماله، وجب أن يكون العام للماء الذي لا يقدر على استعماله في جب التيمم عليه والصلاة به لا يفترق حكم المسافر والحاضر فيه؛ لأن وقت الصلاة قد حضر، ويخاف فواته. هذا على أبي حنيفة.
ونقول للشافعي: لما كان واجدا للماء إذا استعمله عل ما أمر به لم يفترق حكم المقيم والمسافر فيه وجب أن يكون لعام له يستوي فيه
[ ٣ / ١١٥٨ ]
المقيم والمسافر في أنه إذا فعله لم يجب عليه القضاء، كواجد الماء سواء.
فإن قيل: فإن قوله - تعالى -: ﴿وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا﴾، فشرط - تعالى - في جواز التيمم السفر، فلا يخلو أن يكون شرطا في جواز التيمم، أو شرطا في سقوط الفرض بذلك التيمم، فبطل أن يكون شرطا في جواز التيمم؛ لأن المقيم - عندنا وعندكم - يتيمم، فدل أنه شرط في سقوط الفرض بذلك التيمم، ولم يوجد ها هنا سفر فلم يسقط فرضه.
قيل: عن هذا جوابان:
أحدهما: أننا قد ذكرنا أنه ليس بشرط وإنما خص المرض والسفر بالذكر لما بيناه، على أن يكون شرطا يتعلق بالحكم به لا يجزئ مع عدمه.
والجواب الآخر: هو أن ظاهره شرط في جواز التيمم، ثم قامت دلالة على جواز التيمم ووجوبه مع عدم السفر، فسقط أن يكون شرطا في الجواز، إذا سقط أن يكون شرطا في إباحة التيمم - وقد وجب التيمم - سقط الفرض على ما شرحناه.
ثم لا يمتنع مع هذا أن تقوم دلالة تسقط الفرض [كما أسقطت مع التيمم]، وقد ذكرنا قياسا يوجب ذلك.
[ ٣ / ١١٥٩ ]
فإن قيل: فإنه مقيم صحيح فوجب أن لا يسقط فرضه بالتيمم. أصله إذا كان واجدا للماء.
وأيضا: فإن عدم الماء في الحضر عذر نادر لا يدوم؛ لأن الأوطان والبنيان لا تبنى على غير مياه، والأعذار النادرة لا تسقط الفرض، وإنما يسقطه الأعذار العامة السائدة ألا ترى أنه إذا لم يجد ماء ولا ترابا يصلي ويعيد، وكذلك إذا صلى وعلى ثوبه أو بدنه نجاسه [و] سقط فرضها؛ لأنه عام يدوم، وكذلك سلس البول، وكذلك السفر، وكذلك الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؛ لأنه لا تحلقها المشقة في قضاء الصوم؛ لأنه في السنة مرة، والصلاة تتكرر في كل يوم وليلة خمس مرات فتلحقها المشقة في قضائها، وكذلك نكتتهم.
والجواب أما قولهم: إنه مقيم صحيح فوجب أن لا يسقط فرضه بالتيمم، كواجد الماء غلط؛ لأن واجد الماء، القادر على استعماله منهي عن التيمم، فإذا تيمم لم يجزئ في حضر ولا سفر، وعادم الماء مأمور بالتيمم، حتى إن لم يفعله عصى، فوجب أن يسقط فرضه، كالمسافر إذا عدم الماء، وهذا أولى من قياسهم؛ لأن رد المأمور بالتيمم إلى مثله أولى من رد المأمور بالتيمم إلى المنهي عن التيمم.
أما قولهم: إن عدم الماء في الحضر عذر نادر لا يدوم إلى آخر الفصل فعنه جوابان:
أحدهما: أن واجد الماء في السفر العام نادر، كما أن عادم الماء في الحضر عذر نادر، فلما ردوا واجد الماء في السفر إلى الغالب من
[ ٣ / ١١٦٠ ]
حكم الحضر، لزم أن يرد نادر، وواجد الماء في السفر نادر.
وعلى أن المسافر ربما احتاطوا في جميع الماء خوفا أن يقطع بهم أكثر من احتياطهم في الحضر، ومع هذا فقد جوز لمن عدمه التيمم، فكذلك الحاضر.
على أن هذا يستمر لمن لا يوجب على الحاضر التيمم، فأما من يوجبه عليه كما يوجبه على المسافر فينبغي أن يسقط رضه كالمسافر.
والجواب الآخر: أنه ساقط من " ب ": بمن لم يجد ما يستر عورته، فصلى عريانا فإنه نادر ويسقط فرضه إذا صلى، وكذلك الخائف من عدو وسبع وأفعى وغيره، وهذا كله نادر.
فأما من صلى وعليه نجاسة فلا إعادة عليه؛ لأن إزالتها ليست بفرض - عندنا -، وقد قلنا: إن من لم يجد ترابا ولا ماء فإن الصلاة تسقط عنه، ولو صلى لم تجب عليه الإعادة.
أما من سلس مذيه وبوله فإن طهارته لا تنتقض، وليس عليه أن يتوضأ لكل صلاة، وكذلك المستحاضة ليست بمحدثة - عندنا -.
ثم لو أوجبنا على هؤلاء الطهارة لم يكن هذا عاما بل هو نادر؛ لأن العادة جارية بالحيض لا بالاستحاضة، فهي نادرة، وكذلك سلس
[ ٣ / ١١٦١ ]
البول والمذي نادر، فإذا توضأ أو تيمم وصلى سقط فرضه وإن كان نادرا لولا ذلك لم يجب عليه التيمم.
وقد ثبت أيضا أن التيمم يجب لمراعاة الوقت، والصلاة في وقتها بالتيمم الذي هو طهارة ناقصة أولى من الصلاة في غير وقتها بطهارة تامة، فإذا وجب التيمم لمراعاة الوقت لم تجب الإعادة في غير الوقت بالطهارة الكاملة؛ لأنها قد مضت في وقتها، كما مضت في السفر بالتيمم.
وأما قضاء الحائض الصوم ولا تقضي الصلاة فهو حجة عليكم؛ لأن الصلاة لما كانت تتكرر ثم سقط قضاؤها فيجب إذا صلى من لزمه التيمم ألا يكون عليه قضاؤها؛ لأنه قد أداها على ما أمر به، فهو أولى بسقوط القضاء عنه من الحائض، وهو كالمسافر إذا تيمم. ألا ترى أن الحائض غير مخاطبة بالصلاة ولا بالصوم، ولوصلت وصامت لم يصح منها، وعادم الماء في الحضر مخاطب بالتيمم والصلاة، وإن تركهما عصى كالمسافر سواء، فدق استيا ففي وجوب التيمم والصلاة فوجب أن يستويا في سقوط الفرض، كما استويا في فعل الصوم إذا صاما، وافترقهما في أن المسافر مرخص له في الفطر ولم يرخص للحاضر لا يضر في الجمع بينهما في الصلاة؛ لأن كل واحد منهما غير مرخص له في ترك التيمم والصلاة. ألا ترى أنهما قد استويا في الاجتهاد في القبلة، وكلفا طلبها، ووجب عليهما الصلاة إلى حيث يغلب على ظنهما؛ لمراعاة الوقت، وكذلك الخائف مسافرا كان أو حاضرا يجتهد في القبلة، فيصلي إليها مع القدرة ويصلي إلى غير القبلة مع عدم القدرة، وإن كانا يعلمان جهتها إذا لم يتمكنا من الصلاة إليها، وهذا كله لمراعاة وقتها، إذا فعل ذلك على ما أمر به سقط فرضه في
[ ٣ / ١١٦٢ ]
الباب كله مستمر - عندنا -؛ لأن الصلاة في وقتها بالتيمم أولى منها في غير وقتها بالوضوء.
فإن قل: فجوزوا للحاضر أن يتمم ويصلي الجمعة إذا خاف فواتها مع الإمام إلى أن يفرغ من الوضوء بالماء؛ لأنه إن تشاغل بطلب الماء فاتته الجمعة مع الإمام، وكذلك يجب أن تجوز له الصلاة على الجنازة في الحضر بالتيمم إذا خاف فاتها.
قيل: أما الجمعة فليس فيها نلب مالك، قد قال بعض أصحابنا: إن القياس يوجب ذلك، فعلى هذا لا يلزم السؤال، وينبغي أن يكن هذا سؤالا لأصحاب الشافعي؛ لأننا ألزمناهم في الموضع الذي يوجبون فيه التيمم والصلاة كما نوجبه فقلنا: كل من وجب عليه التيمم والصلاة سقط فرضه، كالمريض والمسافر، ونحن هم نقل: لا يجب عليهم التيمم للجمعة وإن خافوا فوات الجماعة والماء موجود؛ لأن الظهر هي الأصل، فإن فاته فرض الجماعة فليس يفوته وقت الظهر وهو قادر على استعمال الماء، ووقت الظهر باق، فمن كان قادرا على الماء وخاف إن تشاغل به فاته الجمعة مع الإمام فإنه لا يتيمم - عندنا وعند الشافعي -. فإن كان عادما للماء ووجب عليه التيمم فلا فرق ين الجمعة وغيرها في أن فرضها يسقط بصلاته بالتيمم إن خاف فوات الوقت المضيق؛ لأن التيمم قد وجب عليه كلف الصلاة، فلما وجب
[ ٣ / ١١٦٣ ]
عليه أن يتيمم ويصلي فعل ذلك سقط فرضه، وليس الكلام في هذه المسألة فيمن يقدر على الماء يخاف إن تشاغل به فات الوقت، وإنما الكلام في عادم الماء ولا يعرف له موضعا فيجب عليه التيمم والصلاة، فإذا فعل ذلك قلنا: سقط فرضه.
فأما الذي يجد الماء في الحضر أو السفر فيخاف إن استعمله فات الوقت فإننا نقول: إن خاف فوات الوقت المضيق بتشاغله بالماء فإنه - عندنا - يتيمم ويصلي، والمخالف يقول: لا يتيمم مع جوده إلا أن يخاف على نفسه التلف باستعماله وإن خاف فوات الوقت، وقد قال مالك ﵀: فيمن جاء ماء وخاف إن عالجه طلعت الشمس وفاتته صلاة الصبح فإنه يتيمم ويصلي.
وقد ذكرت اختلاف الرواية عنه فيه. فعلى هذا ينبغي أن يفصل، فإن كان عادما للماء أصلا فإنه إذا خاف فوات الوقت المختار يتيمم لكل صلاة جمعة كانت أو غيرها، في سفر أو حضر. وإن كان واجدا للماء يخاف بتشاغله أن يفوته الوقت المضيق فإنه - عندنا - يتيمم ويصلي ويسقط فرضه؛ لأن التيمم جعل لمراعاة الوقت، إما المختار وإما المضيق.
وقد يجوز أن ي فرق بين صلاة الجمعة وغيرها فنقول: إن الحاضر الذي عليه صلاة الجمعة إذا عدم الماء وخاف فوتها مع الإمام فإنه لا يتيمم ويصبر حتى يجد الماء إلا أن يخاف فوات الوقت المضيق، مثل أن لا يصلوا الجمعة حتى بقى من لانهار قدر ثلاث ركعات ثم تغيب
[ ٣ / ١١٦٤ ]
الشمس فإنهم يصلون الجمعة، فإن خاف فاتها تيمم وصلى، سواء كان عادما للماء أصلا أو واجدا له يخاف إن اشتغل به فاتته الجمعة، فأما إن صلاها الإمام في الوقت الأول أو الأوسط فإن المأموم لا يصليها بالتيمم؛ لأن الظهر هي الأصل. ألا ترى إنها تجب على الحاضر والمسافر والعبد والمرأة، والجمعة لا تجب إلا على الحاضر الحر الذكر، فإن فاته الجمعة مع الإمام فإنما تفوته الجماعة، والوقت - الذي هو الظهر - باق لم يفته، وينتظر حتى يأس من الماء إلا أن يخاف أن يفوته الظهر المختار فيتيمم، وكذلك إن صلاها الإمام في آخر الوقت المختار لم يجد المأموم ماء فإنه يتيمم يصلي معه.
فأما صلاة الجنازة فإن كان الحاضر واجدا للماء غير أنه إن توضأ فاتته صلاة الجنازة فإنه لا يصلي بالتيمم؛ لأنه ليس بها مخاطبا في عينه؛ لأن غيره ينوب عنه، وليست الجمعة والظهر كذلك؛ لأن كل إنسان مخاطب بها في نفسه، وليست على الكفاية كصلاة الجنازة، وإن كان عادما للماء أصلا هو ممن يلزمه التيمم لصلاة الفرض جاز له - عندي - أن يصلي على الجنازة كالمسافر. هذا هو القياس.
وفرق مالك ﵀ بين الحضر والسفر في صلاة الجنازة، فقال: المسافر إذا عدم الماء ووجب عليه التيمم للفرض جاز أن يصلي على الجنازة بالتيمم، وأما الحاضر فإنه يتيمم للفرض ولا يصلي على
[ ٣ / ١١٦٥ ]
الجنازة؛ لأن الفرض يتعين عليه في الحضر والسفر، وله وقت مخصوص يخاف فواته فهو آكد، وقد دخلت الرخص في السفر بخلاف الحضر، فيجوز أن يصلي على الجنازة في السفر بالتيمم، ولأجل خلاف الناس في صلاة الفرض في الحضر بالتيمم.
فإن قيل: فما تقول إن تعينت عليه الصلاة على الجنازة في الحضر ولم يكن غيره، وخاف التغير على الميت ولا يقدر على الماء؟.
قيل: قد ذكرت أن القياس يوجب الصلاة عليه.
ويحتمل أن لا يصلي عليها؛ لأن من الناس من يجز الصلاة على القبر، وقدر روي ذلك عن مالك، فيدفن الميت، ثم إذا وجد الماء توضأ وصلى على القبر هو أو غيره.
ويحتمل أن يصلي عليه … إذا لم يكن غيره من يحمل الميت إلا من هو مثله في عدم الماء، وهذا هو القياس كالمسافر إذا عدم الماء.
وقد جمعت في هذه المسألة الكلام على أبي حنيفة في أن
[ ٣ / ١١٦٦ ]
الحاضر إذا عدم الماء فإنه - عندنا - يتيمم ويصلي الفرض، وعنده - لا يتيمم ولا يصلي، ويكون الفرض في ذمته، والكلام على الشافعي في أنه يجب عليه أن يتيمم ويصلي كما نقول، وأن فره لا يسقط - عنده -، - وعندنا - يسقط. وذكرت الفرق بين الفرض وصلاة الجنازة، والتيمم في الحضر فاستغنيت عن إفراد المسائل في ذلك.
ووجه قول مالك إنه يعالج الماء ويبلغ إليه وإن طلعت الشمس يوافق قول أي حنيفة، والحجة له هي حجة أي حنيفة.
ووجه قوله يصلي بالتيمم ويعيد هو قول الشافعي، فما ذكرته من حجتهم هو حجه لهذه الراية، والله الموفق للصواب.
[ ٣ / ١١٦٧ ]
فصل
فإن سئلنا على مذهب أبي حنيفة والثوري في صلاة الجنازة بالتيمم في الحضر إذا خاف فوتها مع وجود الماء مَسْأَلَة مبتدأة. قلنا: لا يجوز، وبه قال الشافعي وأحمد.
والدليل لقولنا: الظاهر من قوله - تعالى -: ﴿وإن كنتم مضى أو على سفر﴾ إلى قوله: ﴿فلم تجدوا ماء﴾، فعل التيمم بشرط المرض والسفر وعدم الماء، وهذا ليس بواحد منهم.
ونورد أسئلتهم التي سألونا عنها في الحاضر يصلي الفرض بالتيمم.
فإن قاسوا ذلك على الفرض فهم لا يقولون به في الفرض، وإن
[ ٣ / ١١٦٩ ]
ألزمونا ذلك على أصلنا فقد فرقنا بينهما بما تقدم.
وإن قاسوه على المسافر لزمهم الفروض في الحضر؛ لأن في عدم الماء يجوز التيمم للفروض في السفر وللمسنون وللمستحب، والحكم في الحضر يختلف - عندهم -، ولا يجيزون التيمم للفروض لا للتطوع ويجوزونه لصلاة الجنازة إذا خاف فواتها. فإذا لم يجوزوا التيمم للفروض التي قد روعي فيها الوقت وهي متعينة على كل أحد ففي صلاة لجنازة أولى أن لا يصلي بالتيمم في الحضر.
فإن قيل: إن لصلاة الجنازة فضيلة على سائر النوافل، حتى إنه قد اختلف فيها، فقيل: هي فرض على الكفاية، وقيل: سنة مؤكدة، فإذا خيف عيها الفوات واستدراك فضيلتها جاز التيمم لها.
[ ٣ / ١١٧٠ ]
قيل: إن الجمعة آكد منها، وهو إذا أدرك الركعة الآخرة مع الإمام خاف فوتها، ولم يجز له أن يتيمم - عندكم -، فإذا يجز مع خوف فوات الأوكد كان في الأضعف أولى أن لا يجوز.
مع أننا قلنا: إنه لا وقت لها يفوت فيجوز أن يصلي على القبر.
فإن قيل: فقد قيل: قال النبي ﷺ: «جعلت علي الأرض مسجدا وطهورا فأينما أدركتني الصلاة تيممت وصليت»، وهذا عام فقي جنس الصلوات، وفي الحضر والسفر، وصلاة الجنازة من جنس الصلوات فقد تناولها ظاهر الخبر.
قيل: المقصود من الخبر بيان الفضيلة التي خص ﵇ بها. ألا تراه قد قال: «أوتيت خمسا لم يؤتهن أحد قبلي»، فذكر هذا منها.
على أنه لو ثبت العموم فهو مرتب على قوله ﵇: «التراب طهور المسلم ما لم يجد الماء»، هذا واجد له، وعلى قوله - تعالى -: ﴿فلم تجدوا ماء فتيمموا﴾، وهذا واجد للماء.
فإن قيل: إن صلاة الجنازة تترك لا إلى بدل، فيجوز أداؤها في الحضر بالتيمم كرد السلام. ق
قيل: صلاة الجنازة لا تفوت؛ لأن لا على - قلوكم - بدلين، إما
[ ٣ / ١١٧١ ]
الصلاة عليها أو على قبرها.
ثم لو كانت كرد السلام لجازت بغير طهارة أصلا، كما يجوز في رد السلام، فإذا أن قد شدد في صلاة الجنازة حتى حصل من شرطها أن تصلى بطهارة جاز أن تستوفي بشرطها. على أن هذا منتقض به إذا لم يخف فوتها.
فإن قيل: فهو دعاء، فجاز أن تصلي بالتيمم.
قيل: هو فاسد به إذا لم يخف فوتها، وهذا واجد للماء.
وعلى أنه يلزم أن تجز بغير طهارة أصلا، ومستقبل القبلة ومستدبرها، وبغير سترة، كما يجوز في الدعاء.
ثم نقلو: إن التيمم طهارة ضرورة، وصلاة الجنازة لا ضرورة بالإنسان إليها؛ لأنه لا يخلو إما أن يكون وحده فيتوضأ ويصلي، أو يكون مع غيره ممن هو على [غير] وضوء، فإن ذلك الغير إذا صلى عليها كفى وسط من غيره.
ونقول أيضا: هي صلاة تفتقر إلى القبلة مع القدرة، ولا وقت لها معين يخاف فواته، وهو واجد للماء لا يخاف استعماله فلم تجز بالتيمم، أصله صلاة الخسوف والاستسقاء، وغيرهما.
ونقول: كل من لا يجوز له أن يصلي غير صلاة الجناة والعيدين لم تجز له صلاة الجنازة والعيدين، أصله إذا لم يتيمم
[ ٣ / ١١٧٢ ]
وهذه الأدلة تلزم الطبري.
وأيضا فإن النبي ﵇ صلى علا الجنائز فسميت صلاة، وقد قال: «لا صلاة إلا بطهور».
وأيضا فإنها مفتقرة إلى التوجه والتكبير فهي كغيرها.
[ ٣ / ١١٧٣ ]