عند مالك ﵀ أن من كان معه من الماء ما لا يكفيه لغسله من الجنابة، مثل أن يكفيه لبعض أعضائه، ولا يكفي الباقي فإنه يتيمم ولا يجب عليه استعماله، وكذلك لو كان معه ما يكفي بعض أعضائه في الوضوء، ولا يكفي جميع أعضائه فإنه يتيمم ويترك الماء الذي لا يكفيه.
وبه قال أبو حنيفة، والمزني، والشافعي في أحد قوليه، وهو القديم.
وقال في الحديد: يستعمل الماء في بعض أعضائه ويتيمم للباقي.
[ ٣ / ١١٨٩ ]
والدليل لقولنا: قوله - تعالى -: ﴿إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إلى الكعبين﴾ إلى قوله: ﴿وإن كنتم جنبا فاطهروا﴾، فأمر - تعالى - بغسل الأعضاء وبطهارة جميع البدن في الجنابة، ولم يذكر بأي شيء يغسل ويتطهر، فلما قال: ﴿فلم تجدوا ماء﴾ علمنا أنه أراد غسل جميع ذلك بالماء، وعلمنا أن بعدم ما كيفي غسل ما تقدم ذكر يجب الغسل، ومن معه ماء كفي لبعض ما أمر بغسله فإنه غير واجد لما يكفي ما تقدم ذكره، فوجب عليه التيمم؛ لأنه بدل الماء المقصود به غسل جميع الأعضاء.
فإن قيل: السؤال عليكم من هذه الآية من وجوه:
أحدها: أن الله - تعالى - لو أراد عدم ما يكفي جميع تلك الأعضاء التي قدم ذكرها لعرفه بالألف اللام، فقال: فلم تجدا الماء؛ لأن إعادة المذكور كذا يكون معرفا، فلما قال: ﴿فلم تجدوا ماء﴾ ونكره كان شائعا في كل ماء، قليلا كان أو كثيرا.
والسؤال الثاني: هو أنا لا نخالفكم في وجوب التيمم، وإنما خلافنا في الماء القليل قبل التيمم.
والثالث: أن الآية حجة لنا، والمعنى فيه: فلم تجدوا ماء أصلا، فإنه غير قادر على استعماله أصلا، فلهذا يكون فرضه
[ ٣ / ١١٩٠ ]
التيمم، ليس كذلك في مسألتنا؛ لأنه واجد الماء قادر على استعماله، فكان فرضه استعماله.
قيل: عن هذا أجوبة.
فأما السؤال الأول فساقط؛ لأن الله - تعالى - لم يذكر في أول الآية بأي شيء تغسل، بماء أو غيره. فلم يجر الماء ذكر فيحتاج إلى إعادته بالتعريف فردد منكرا، ونبهنا - تعالى - بذكره أنه أراد غسل الأعضاء بماء دون غيره من المائعات، ولكنه ماء يكفي الأعضاء التي تقدمت. ألا ترى أنه لو صرح فقال: فلم تجدوا ماء يكفيكم لتلك الأعضاء فتيمموا لصح.
وعلى أنه لو ذكر - تعالى - في أول الآية ماء منكرا، ثم قال: فلم تجدوا ماء لم يجب أن يعرف بالألف واللام؛ لأنه لو عرف لصار الأمر مقصورا على ماء بعينه من بين سائر المياه، فأعاد بلفظ منكر؛ ليعلمنا أننا إذا عدمنا ماء من المياه يكفينا لجميع الأعضاء وجب التيمم، ومثل هذا: قوله - تعالى -: ﴿فإن مع العسر يسرا إن مع العسر يسرا﴾ فأراد باليسر الثاني غير ما أراد باليسر الأول، ولها قال ابن عباس ﵁: لن يغلب عسر يسرين.
ومثل هذا من الكلام لو قال قائل لغلامه: اطلب لي خياطا يخيط
[ ٣ / ١١٩١ ]
لي قميصا وجبة وقلنسية، فإن لم تجد خياطا فجئني بكذا. لكان كلاما صحيحا، ولم يجز أن يقول له: فإن لم تجد الخياط؛ لأنه يصير معرفا في إنسان بعينه.
وأما السؤال الثاني واتفاقنا على التيمم فإن الآية تقتضي أننا إذا عدمنا ماء يكفي جميع الأعضاء التي تقدم ذكرها وجب التيمم، فإذا لم نعدم ماء هذه صفته، وإنما عدمنا وجب أن لا نتيمم، فلما أجمعنا على وجوب التيمم سقط وجوب استعمال الماء الذي لا يكفي.
وأما السؤال الثالث: فإن دليل الخطاب يلزم؛ لأنه قال: فلم تجدوا ماء أصلا فتيمموا، فدليله أنا إذا وجدنا ماء أي ماء كان لا نتيمم، وهذا واجد لماء على ما تذكرون فوجب أن لا يتيمم، فلما قلتم: يتيمم، علمنا أن المراد فلما تجدوا ماء يكفيكم فتيمموا وهذا غير واجد لماء كيفيه فوجب أن يتيمم، ويترك الماء الذي لا يكفيه؛ لأنه إن استعمله وتيمم ترك حكم الآية.
فإن قيل: فإن الله - تعالى - قال: ﴿فاغسلوا وجوهكم﴾، فمن قدر على غسل وجهه توجه الخطاب إليه بالأمر، فينبغي أن يستعمل القدر الذي يتهيأ له من الماء في غسل وجهه فقوله: ﴿فلم تجدوا ماء فتيمموا﴾، أباح التيمم بشرط العدم، والوجود يمنع منه.
[ ٣ / ١١٩٢ ]
قيل: إن الله - تعالى - لم يقتصر على غسل الوجه دون باقي الأعضاء. ألا ترى أنه لم يذكر الماء حتى ذكر غسل الأعضاء كلها، وفرغ من ذكر حكم طهارة الجنابة، ثم قال: ﴿فلم تجدوا ماء﴾، فثبت أنه أراد ماء للحكم الذي تقدم ذكره، فلا فرق بين ذكر الوجه وبين غيره من المذكور؛ لأن حكم الجميع حكم واحد في أن الطهارة لا تتم إلا بجميعه، فهي في حكم العضو الواحد، فعلمنا أنه أباح التيمم عند عدم الماء الذي تعلق الحكم به في الطهارتين جميعا.
وقولكم: إن الوجود يمنع العدم فإننا نقول: إنما الوجود لماء يكفي الطهارة كلها يمنع التيمم، وليس ها هنا ماء هذه صفته، وقد كان أيضا ينبغي على ما تقولون أن لا يجوز التيمم أصلا؛ لأن الوجد الحاصل ينفيه، لما أوجبتم التيمم سقط حكم الماء الموجود.
فإن قيل: إنما أوجبنا التيمم عبد استعمال هذا القدر من الماء في بعض أعضائه، ثم يصير عادما لما يكفي باقي الأعضاء فيجب عليه أن يتيمم.
قيل: هذا لا يلزم من وجهين:
أحدهما: أن الأمر بغسل الأعضاء كلها قد تقدم على فعلنا جملة الطهارة، وذكر كيف الحكم فيها، فلما انقضى ذكرها قال: وإن كنتم يا محدثين مأمورين بالطهارة على غير هذه الصفة في وجود الماء الذي
[ ٣ / ١١٩٣ ]
تتطهرون به فاعدلوا إلى التيمم، ولم يقل: فاغسلوا بماء فإن لم تجدوا بعد ذلك ماء لباقي الأعضاء فتيمموا.
والوجه الثاني: هو أنه كان يجب إذا غسلنا وجوهنا أن نمسح أيدينا حسب بالتيمم، فلما قلتم: إنه يتيمم تيمما تاما علمنا سقوط ما ذكرتم، وأن ذلك الماء لم يفد شيئا؛ لأن التيمم الذي هو بدل في عدم الماء الكافي للأعضاء كلها مقصود بحاله.
ولنا أن نستدل بقول النبي ﵇: «جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، فأينما أدركتني تيممت وصليت»، وهذا عام، سواء وجد ماء أو لم يجده إلا أن تقوم دلالة.
فإن أوردوا الآية فقد تكلم عليها ما تقدم ذكره.
فإن قيل: فقد روي أن النبي ﷺ قال لأبي ذر: «التيمم طهور المسلم ما لم يجد الماء، فإذا وجد الماء فليمسسه بشرته»، ففيه دليلان:
أحدهما: يفيد كونه طهورا بشرط عدم الماء.
والثاني: إيجاب إمساس بشرته بالماء عند الوجود، ولم يفرق بين ماء قليل يكفيه أو لا يكفيه.
[ ٣ / ١١٩٤ ]
قيل: قوله ﵇: «التيمم طهور المسلم ما لم يجد الماء»، فعرف الماء بالألف واللام: لأنه منكر في آية الوضوء، فالمراد به ما يكفي لجملة الوضوء، فلما عرفه بالخبر علمنا أنه مشار به إلى المعهود، وهو الكافي للوضوء أو لغسل الجنابة.
وقوله: «فليمسه بشرته» يدل على ما قلناه أيضا؛ لأنه لم يقل: فليمسه بعض بشرته، فالظاهر منه أنه إذا جد ماء يكفيه لإمساس بشرته كلها استعمله، ودليله أنه إذا وجد ماء يكفي بعض بشرته يستعمله، فسقط ما ذكروه.
ونقول أيضا: إنه لا ي قدر على رفع حدثه بها القدر من الماء فوجب أن يكون فرضه التيمم، كما لم يجد الماء أصلا.
وأيضا فإنه لا يلزمه الجمع بين البدل والمبدل منه جميعا. ألا ترى أن الواجد لبعض الرقبة هو عادم للبعض، فصار كالعادم للكل في أن فرضه الصيام، ولا يعيق بعض الرقبة المقدور عليه، كذلك أيضا العادم لبعض الماء كالعادم للكل.
ونقول أيضا: قد اتفقنا على أنه لو عدم جملة الماء وجب عليه التيمم بدلا عن الأعضاء كلها، وكذلك إذا وجد بعض الماء وجب أن يتيمم عن الأعضاء كلها؛ بعلة أنه حدثه غير مرتفع بهذا التيمم.
فإن قيل: فإنه واجد للماء لا يخاف من استعماله فوجب أن يلزمه استعماله، أصله إذا وجد ما يكفيه.
وأيضا فإن كل جملة صح أن يتيمم عنها صح أن يتيمم عن
[ ٣ / ١١٩٥ ]
بعضها، أصله البدن في الجنابة، فنقيس جواز التيمم للرجل على جواز التيمم للأعضاء الأربعة؛ لأن الرجل هي بعض الأعضاء الأربعة، كما أن الأعضاء هي بعض جميع البدن؛ لأن الجنب حدثه متعلق بجميع البدن، وهو يتيمم فيمسح وجهه ويديه.
قيل: أما إذا وجد ماء يكفيه لجميع أعضائه فإن حدثه يرتفع، وإذا استعمل الماء القليل وتيمم لم يرتفع حدثه، فلم يجز رده إليه، وكان رده إلى من لا يجد الماء أصلا حج لأن التيمم لا يرفع حدثه.
وقيل قولكم: إن كل جملة صح أن يتيمم عنها صح أن يتيمم عن بعضها باطل به إذا لم يجد الماء أصلا، فإنه يصح أن يتيمم عن الأربعة الأعضاء ولا يصح أن يتيمم عن بعضها، وكذلك إذا لم يجد الماء أصلا تيمم عن الجنابة، فيمسح وجهه ويديه، ولا يصح تيممه عن وجهه دون يديه، لو مسح وجهه ويده ونوى به عن يديه حسب لم يجزئه، وإن كان لو نوى به الجميع أجزأه.
فإن قيل: إن حكم كل عضو غير متعلق بعضو آخر، بل لكل عضو حكم نفسه. ألا ترى أنه لو قطع شيء من أعضائه لم ي سقط فرض الطهارة عما لم يقطع من أعضائه، كذلك أيضا العجز عن طهارة بعض الأعضاء لا يكون عجزا عن طهارة جميع الأعضاء.
قيل: عن هذا أجوبة:
أحدها: أن قطع العضو يسقط حكمه في التيمم والطهارة بالماء جميعا، ولم يجز إذا وجد ماء لجميع بدنه أن يجمع بين استعمال الماء
[ ٣ / ١١٩٦ ]
وبين التيمم؛ لأن الماء يرفع الحدث، فإذا وجد بعض الماء الذي لا يرتفع معه الحدث صار في حكم من لا يجده أصلا.
والجواب الآخر: هو أن لكل عضو حكما في نفسه في باب الغسل الذي هو الفعل، ولكن الطهارة لا تتم به دون غيره. ألا ترى أنه لو بقي عليه عضو واحد لم يغسله مع قدرته لم تعم الطهارة، وكذلك لو مسح وجهه في التيمم دون يديه مع القدرة لم يستبح الصلاة، ثم لو قطعت إحدى يديه أو رجليه وغسل الباقي ارتفع حدثه.
وكذلك لو قطعت إحدى يديه وعدم الماء فمسح وجهه ويده الباقية لاستباح الصلاة، وهو مع وجود اليد المقطوعة بخلاف ذلك، وإنما كلامنا في أن لا يجتمع الغسل والتيمم في حال واحدة؛ لأن استعمال الماء القليل في بعض الأعضاء لا يرفع الحدث، ولا بد معه من التيمم، فلم يستفد باستعمال الماء شيئا؛ لأن التيمم الذي هو بدل عن جميع الأعضاء لا بد منه؛ لأن حدثه غير مرتفع، بمنزلته لو لم يجد الماء أصلا.
والجواب الآخر: هو إذا غسل وجهه بالماء القليل وتيمم ومسح وجهه ويديه فقد حصل وجهه مغسولا ممسوحا عن كان للوجه حكم نفسه، فيكفي فيه غسله، لا يحتاج إلى مسحه بالتراب؛ لأن حكم نفسه بالغسل قد زال ومضى، فينبغي أن يكون المسح فيما لم يغسل، فيكون للمغسول حكم نفسه، وللممسوح حكم نفسه. فلما قلتم: يمسح الوجه بالتراب بعد غسله علمنا أنكم لم تجعلوا له حكما في نفسه في إحدى الحالين، بل جمعتم له حكمين: أحدهما: الغسل، والآخر: المسح
[ ٣ / ١١٩٧ ]
- الذي هو حكم اليدين - ولا يجوز أن يجمع في عضو واحد المبدل والبدل؛ إذ لو جاز في واحد من الأعضاء لجاز في جميعها، ليس جمع الغسل والمسح في الوجه - والحد لا يرتفع - بأولى من أن يجمع في اليدين تيممين والحدث غير مرتفع، فبان سقوط ما ذكروه.
فإن قيل: فإننا ما ألزمناه الجمع ين المبدل البدل، إنما يتيمم عن الرجل التي سقط عنها الغسل، ولا يتيمم عن الذي غسله، كما نقول: إذا كان جنبا تيمم عن جميع البدن بأن يمسح وجهه ويديه، وإن كان محدثا فحدثه متعلق ببعض تلك الجملة - أعني البدن في الجنابة، ثم يتيمم فيمسح وجهه يديه، فجاز له أن يتيمم لبعض جملة البدن، كما جاز لجملة البدن، كذلك لما جاز التيمم للأعضاء الأربعة جاز التيمم لبعضها، وهو الرجل.
قيل: إن الجنب إذا لم يجد الماء تيمم فمسح وجهه ويديه سقط حكم باقي بدنه فلم يجتمع فيه غسل ومحس، بل سقط جملة، فناب عنه مسح الوجه واليدين. فوزان هذا أن لا يجتمع ي عضو واحد من الأربعة الأعضاء يتيمم فيمسح وجهه ويديه، يسقط حكم رأسه رجليه، ليس كذل إذا غسل وجهه ثم تيمم، يمسح وجهه ويديه، لأنه يجتمع في الوجه الغسل المسح جميعا، وهذا مبدل وبدل في عضو واحد فلم يلزم.
[ ٣ / ١١٩٨ ]
ما ذكرتموه من وجد بعض الرقبة في الكفارة وعدم البعض لا يلزمنا؛ لأنه دعوى بلا دليل.
على أن الفرق بينهما من وجهين:
أحدهما: أن صيام الشهرين - اللذين هما بدل عن الرقبة في الكفارة - لما لم يجز أن يكونا عدلا عن بعض الرقبة لم يلزمه أن يأتي ببعض الرقبة وبالصوم، لما جاز التيمم - الذي هو بدل عن جميع البدن - أن يكن بدلا عن بعض البدن، كذلك أيضا جاز أن يقع عن بعض الأعضاء الأربعة، وهو الرجل.
الفرق الثاني: هو أنه لا يستفيد بعتق بعض الرقبة إذا أتى بصوم شهرين شيئا، لا في هذ … هـ الكفارة ولا كفارة أخرى؛ لأنه إذا وجد تمام الرقبة في كفارة أخرى لم يبن على البعض الذي مضى في الكفارة الأولى، فلهذا لم يلزمه عتق بعض الرقبة، فكان فرضه الصيام أو الإطعام، وليس كذلك في الماء؛ لأنه يستفيد باستعمال الماء الذي وجده، وهو أنه إذا وجد الماء الذي يتمم به غسل باقي الأعضاء غسل به العضو الذي لم يغسله وبني عليه، وارتفع حدثه فلهذا لزمه.
قيل: أما ما ذكرتموه أنه دعوى بلا دليل فمحال؛ لأننا قلنا: إن البدل والمبدل لا يجتمعان، كما أن بعض الرقبة هو مبدل فلا يجتمع معه الصيام، كذلك غسل الوجه بالماء القليل لا يجتمع معه التيمم؛ لأن الماء القليل مبدل، والتيمم بدله.
[ ٣ / ١١٩٩ ]
وأما الفرق الأول فليس بشيء؛ لأنه لم يجز أن يجتمع في الكفارة عتق هو مبدل، وصيام هو بدل، بل يسقط حكم بعض الرقبة أصلا، وعدل إلى البدل الذي هو الصيام، كذلك يجب أن يسقط حكم الماء القليل في الطهارة، يعدل إلى التيمم الذي هو بدل، ولا يجتمع في الوجه غسل هو مبدل مع مسح هو بدل، وقد ذكرنا أن التيمم في الجنابة يسقط حكم سائر البدن أصلا فلا يجتمع فيه غسل ومسح، لأن الخلاف فيه واحد، فكذلك يسقط حكم الماء القليل أصلا في الوجه، ويعدل إلى التيمم الذي هو البدل، ولا يجتمع في الوجه غسل في الوضوء ومسح في التيمم.
وأما الفرق الثاني فليس بشيء أيضا؛ لأن الذي استعمل الماء القليل في بعض الأعضاء، ويتيمم لتلك الصلاة لو وجد عند صلاة أخرى ماء قليلا يكفي باقي أعضائه التي لم يغسلها في الصلاة الأولى لم يبن؛ لأن تفرقة الوضوء - عندنا - لا يجوز في صلاة واحدة فكيف في صلاتين، وحدثه قائم في الأولى بالتيمم الذي كان منه، فلا هو يستفيد بالأولى شيئا إذا تيمم، ولا في الثانية، وهو يتيمم، لأن حدثه باق كما كان.
فإن قيل: إن الطهارة شرط من شرائط الصلاة لا تصح دونه، فوجب أن يكون العجز في بعضها لا يسقط الفرض في باقيها كتسر العورة.
[ ٣ / ١٢٠٠ ]
قيل: عن هذا جوابان:
أحدهما: أن ستر العورة ليس من شرائط الصلاة التي تختصها، فإنما هو فرض في الجملة يستر عورته عن أعين المخلوقين، والطهارة من فروض الصلاة تختصها.
وأيضا فإنه إذا صلى بعض الصلاة بغير سترة، ثم وجد السترة في خلالها استتر وبنى على صلاته، فعروض هذا أن يتيمم ويصلي بعض الصلاة ثم يجد الماء فينبغي أن يستعمله لباقي صلاته، - ونحن وأنتم - لا نقول هذا.
وإن استعمل الماء وتيمم ثم دخل في الصلاة ثم وجد ماء يكفيه لما بقي من أعضائه يجب أن يستعمله ويبني على صلاته، وأنتم لا تقولون هذا أيضا.
فإن قيل: فإن الطهارة عبادة على البدن، يؤتى بها جزءا فجزءا، لا تجمع أفعالا متغايرة، فوجب أن يكون العدل إلى البدل عن الأصل فيه لا يصح إلا عند العجز عن كمال الأصل. دليل ذلك: الصلاة لا يسقط عنه ما قدر عليه من الركوع والسجود لعجزه عن القيام، ولا يسقط القيام لعجزه عن الركوع.
قيل: … هذا غلط؛ لأننا قد بينا أن عجزه عن الماء المأمور به لجملة الطهارة يدخل تحت شرط العدم.
وأيضا فإن العاجز في الصلاة عهن ركن من أركانها يأتي بدله حسب مع عجزه عنه، ولا يحتاج إلى بدل لما لم يعجز عنه، وأنتم
[ ٣ / ١٢٠١ ]
توجبون على هذا تيمما كاملا مع استعمال الماء في وجهه، فيجتمع في وجهه غسل ومسح، ولم يكن عاجزا عن غسل الوجه وقد غسله، فكان ينبغي أن يبقى عليه بدل غسل يديه حسب، فلما أوجبتم عليه التيمم الكلي الذي هو بدل عن غسل جميع الأعضاء علمنا أن غسل وجهه لم يفده شيئا.
وعلى أن هذا ينعكس عليكم بوجود بعض الرقبة في الكفارة؛ لأنه ينبغي أن لا يسقط حكم ما وجده من الرقبة وقدر عليه من أجل مالا يقدر عليه، كما قلتم في الصلاة.
ولنا أن نقول: إن التيمم بدل عن الماء، وعدم بعض الأصل كعدم الأصل. دليل ذلك: الرقبة في الكفارة إذا ملك بعضها ولم يقدر على الباقي صار حكم ما قدر عيه مها في حكم عدم الكل، فوجب العدول إلى البدل وترك استعمال ما يجده منها.
فإن قيل: إنما عدل إلى الصوم في الكفارة مع وجود بعض الرقبة؛ لأن اسم رقبة لا يتناول بعض رقبة، والماء القليل يتناوله اسم ماء كما يتناول الكثير.
قيل: إن أردت اسم ماء يكفي لعضوين يقع على اسم ماء يكفي لأربعة أعضاء، فإن ها محلا، وقد بينا أن المارد بقوله: ﴿فلم تجدوا ماء﴾ يكفي للوضوء وللجنابة، والكلام معكم في الحكم، فالتفرقة بالأسماء لا معنى له. ألا ترى أنه - تعالى - قال في الكفارة: ﴿فمن لم يد فصيام شهرين متتابعين﴾، فأصناف اسم جنس الصيام
[ ٣ / ١٢٠٢ ]
إلى الأصل المذكور، فل قال قائل: أنا إذا صمت يوما أو شهرا فإنه يقع عليه اسم صوم، كما يقع على صوم شهرين اسم صن فأجوز بعض الصيام إذا قدر عليه واستعمل الإطعام عن الباقي، وأفرق بينه وبين الرقبة؛ لأن بعضها لا يتناوله اسم رقبة، وصوم يوم من شهرين يتناوله اسم صوم لكان قوله ساقطا؛ لأننا نقول له: إذا … أضيف اسم الجنس إلى شيء فالمقصود الاسم على الصفة التي وصف عليه، فكذلك قوله: ﴿فلم تجدوا ماء﴾، أي ماء يكفي الوضوء فتيمموا، فالمقصود أنه دم ماء هذه صفته.
وعلى أن ذلك الخاطب يقتضي أن لا يتيمم مع وجود الماء القليل، فإن قام دليل جواز التيمم زيادة على الماء جاز على أن يقوم دليل على إسقاط الماء. والاكتفاء بالتيمم؛ إذ حدثه لا يرتفع مع استعمال الماء والتيمم.
فإن قيل: فقد روي عن رسول الله ﷺ في الرجل الذي أصابته شجة واحتلم، فسال بعض الصحابة: هلي من رخصة؟. فلم يرخص له في المسح فاغتسل فمات. . الحدث إلى قول النبي ﵇: «إنما كان يكفيه أن يتيمم أو يعصب على جرحه خرقة ثم يمسح عليها، ويغسل سائر جسده»، فأخبر النبي ﵇ عن الجمع بين التيمم والغسل بالماء لما قدر عليه، والمسح على ما عجز عنه.
قيل: هذا كلام في مَسْأَلَة أخرى خارجة عن مسألتنا؛ وذلك أنه إن كان قادرا على غسل أكثر بدنه عاجزا عن غسل أقله، فإنه يمسح
[ ٣ / ١٢٠٣ ]
على ما يعجز عن غسله، ويغسل الأكثر، ويصير في حكم المغتسل لزوال حدثه، فلا يكن لتيممه معنى؛ لأن لا يرتفع الحدث، وما مسح عليه وغسل الباقي قد ارتفع حدثه بذلك، كما لو مسح على خفيه مع غسل بعض أعضائه لم يحتج معه إلى تيمم؛ لأن حدثه قد ارتفع. ولو كان أكثر بدنه جريحا لا يستطيع غسله، ولم يبق منه إلا يد أو رجل صحيحة فإنه يتيمم حسب لا يلزمه غير ذلك، فثبت أن الحديث لم يرد لما ظننتموه.
على أنه قد روي فيه: «إنما كان يكفيه أن يتيمم أو يعصب على جرحه خرقة، ثم يمسح عليها ويغسل سائر جسده»، فأفرد التيمم عن المسح والغسل، لا دلالة لكم في الخبر؛ لأننا نقول: إنه لا يجمع بينهما.
فإن قيل: وجدنا الأبدان على ضربين: ضرب منها يتبعض، وضرب لا يتبعض، والماء مما يتبعض في الاستعمال في العرف والدين، والرقبة لا تتبعض، فوجد الجزء من المتبعض في منع بدله كوجود الكل. يدل على ذلك: أن من وجد شيئا من طعام حلال يقع موقعا لكنه لا يشبع، ولا لكل الجوع يدفع، فإنه بالإجماع يبدأ بالحلال فيتناوله، ثم يصله بما قد أبيح للضرورة إن دامت حاجته إليه، كذلك في مسألتنا.
قيل: هذا غير صحيح في التشبيه؛ وذلك أنه قد استوى في سد
[ ٣ / ١٢٠٤ ]
الرمق الحلال والحرام. ألا ترى أن الماء النجس والماء الطاهر في شربهما للضرورة على منزلة واحدة، وقد اختلف حكمهما في الطهارة حتى جعل بدل الماء النجس التيمم إذا عدم الماء الطاهر، ولم يجز استعمال الماء الطاهر والماء النجس في الطهارة.
ثم إن ها ينقلب عليكم في الوضوء والتيمم جميعا؛ لأنه مع استعمال الماء الذي يكفي لغسل وجهه لا يتمه بالتيمم الذي هو بلد عند الضرورة، وإنما يأتي بالتيمم الكامل على صفته لو لم يجد ماء أصلا.
وأيضا فإن التراب - عندكم - شرط في التيمم، وهو مما يتبعض، ولو لم يقدر منه على ما يمسح به وجه فقط، مثل أن يكون في بحر ولا يقدر على ماء، ولا يجد من التراب ولا ما يكفيه لضربة واحدة لوجهه فإنه لا يجب عليه استعمال الضربة لوجهه؛ لأنها لا تفيده شيئا، وهذا هو بدل مما يتبعض وهو عبادة على البدن.
وأيضا فإن ما ذكرتموه على الإطلاق يتبعض في الصوم؛ لأن صوم التتابع في الشهرين هو بدل على البدن، وهو يتبعض في الشهرين؛ لأن صيام يوم ويومين هو بعض الشهرين، كما أن غسل الوجه بماء كيفيه هو بعض ما يكفي الكلم، وهو أيضا بعض الأعضاء، فإذا لم يكن واجد الماء القليل في حكم من عدم الكل لزم الذي يقدر على الكل، فيلزمه صيام ما قدر عيه وأن يتمه بالإطعام، وبكل الإطعام أيضا في كفارة الظهار، فلما لم يجب ذلك فكذلك في مسألتنا.
[ ٣ / ١٢٠٥ ]
فإن قيل: لما كانت المعتدة متى قاربت حد الإياس، وقد اعتدت بقرء، ثم خرجت بعده من الحيضة إلى الإياس فإنها تعتد بالأشهر، فتكون جامعة بين البدل والمبدل منه فكلك لا يمتنع أن يكون الذي يجد بعض ما يكفيه لوضوئه جامعا بين البدل والمبدل منه.
فإن قيل: هذا مع أنه دعوى منتقض بالذي يقدر على نصف رقبة ولا يقدر على باقيها؛ فإنه لا يلزمه عتق نصف رقبة وصيام شهر، وكذلك لو عجز عن الرقبة وقدر على إطعام ثلاثين مسكينا وعلى صيام شرهي لم يلزمه الجمع بينهما.
ومع هذا فإن العدة بالشهور ليست بدلا، بل هي أصل في نفسها، والحيض أصل في نفسه، والوضع من الحمل أصل في نفسه. فالعدة بالأقراء لمن عادتها الحيض، والعدة ثلاثة أشهر لمن لم تحض واليائسة من الحيض، والوضع للحامل، وأربعة أشهر وعشرة أيام للمتوفى عنها زوجها، وليست واحدة من ذلك بدلا عن الأخرى.
وعلى أن التي حاضت حيضة لم تقطع على عدتها في الابتداء، ولو تيقنت عدتها لعملت عليها، فهي تعمل على الظاهر، ولا تقطع على حقيقة ذلك إلا بعد انقضائه. فعروض مسألتنا أن يكون من معه ماء قليل يغلب علة ظنه أنه يكفيه، ثم لا يكون كذلك فإنه يعدل إلى التيمم الذي هو بدل، ولو تحقق من أول أمرة أنه لا يكفيه لم يجب عليه استعماله ووجب التيمم الذي هو بدل.
[ ٣ / ١٢٠٦ ]
فإن قيل: فيجب استعماله لعله إلى أن يستعمله يقدر على ما يتمم به طهارته فيبني عليه.
قيل: هذا يلزم في واجد بعض الرقبة فإنه يعتقها، ثم يجوز، يملك الباقي فيبني عليه، وكذلك يلزم في الصيام لبعض الشهرين والإطعام، وبالله التوفيق.
[ ٣ / ١٢٠٧ ]
فصل
إذا كان أكثر بدنه جريحا لا يقدر على استعمال الماء عليه، ولم تبق له إلا يد ورجل فإنه يسقط عنه غسل ذلك ويتيمم، وبه قال أبو حنيفة.
وقال الشافعي: يغسل الصحيح منه ويتيمم.
والأصل في هذا الفصل ما قدمنا ذكره في المسألة التي تقدمت إذا كان معه ماء قليل لا يكفيه لطهارته فإنه لا يلزمه استعماله ويتيمم؛ لأن استعماله لا يفيده شيئا، إذ لا بد له من التيمم الذي قد جعل بدلا عن الكل، فلا يجمع شيء من المبدل مع البدل.
فإن قيل: فقد قال الله - تعالى - ﴿إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم﴾ إلى آخر الآية، فلا يسقط فرض ما قدر عليه من أجل ما عجز عنه.
[ ٣ / ١٢٠٩ ]
قيل: لم يذكر الله - تعالى - في الآية الجمع بين استعمال الماء والتيمم، إنما ذكر الماء إذا قدر عليه أو التيمم مع عدمه وتعذر استعماله، وهذا ممن قد تعذر عليه استعماله في جملة الأعضاء أو أكثرها، فصار من أهل التيمم لا من أهل الماء.
ولنا أن نقول: إن التيمم بدل عن الطهارة بالماء، فلا يجوز الجمع بين الأصل والبدل الذي مناب جملته مفردا، كالرقبة في كفارة الظهار.
فإن قيل: هو منتقض بالمسح على الخفين والجبائر مع غسل الباقي.
قيل: هذا لا يلزم على اعتلالنا؛ لأننا قلنا: لا يجوز جمع الأصل مع البدل الذي ينوب مناب جملته مفردا، والمسح على الخفين والجبيرة ليس هما بدلا ينوب في الإفراد عن جميع الأصل.
وأيضا فإن الخفين بدل من غسل الرجلين اللتين تحتهما، لا بدلا عن جملة الأعضاء، فالحدث يرتفع وإن مسح على الخفين والجبيرة، وليس كذلك التيمم؛ لأنه بدل عن الجملة، ألا ترى أنه لو لم يجد ماء أصلا كان هذا التيمم هو البدل والحدث غير مرتفع.
وأسئلة هذه المسألة هي أسئلة المسألة التي تقدمت فتنقل الأجوبة هناك إلى الأسئلة ها هنا، وبالله التوفيق.
[ ٣ / ١٢١٠ ]