اختلف أصحاب مالك ﵀ وإياهم - في المهدوم عليه والمربوط على خشبة تحضرهم الصلاة.
فذكر ابن القاسم أن عليهم إعادة الصلاة. وهذا يدل أنهم يصلون في الوقت بالإيماء، ويعيدون إذا قدروا؛ لأنه لم يقل يقضون، وإنما قال: يعيدون.
وأيضا يعيد من قد صلى، وظاهر قوله يعيدون واجبا.
وقال أشهب: لا إعادة عليهم:، وظاهر هذا يدل على أنهم يصلون في الوقت، فيحتمل أن يصلوا واجبا، ولا إعادة، ويحتمل أن يريد يصلون استحبابا ولا إعادة عليهم.
وعندي أنهم إن كانا على طهارة فغنهم يقدرون على الصلاة إيماء، فيجب عليهم أن يصلوا على حسب قدرتهم، كالمريض والمسايف، وعلى هذا ينبغي أن يحمل قول ابن القاسم في الإعادة أنها مستحبة، وإن لم يقدروا على استعمال الماء ولا التيمم لم يصلوا ولا إعادة عليهم.
ويحمل قول أشهب على أنهم يصلون استحبابا ولا إعادة عليهم، ويحتمل أن يصلوا واجبا ولا إعادة عليهم.
وحكي عن أبي حنيفة أنهم لا يصلون ولا إعادة عليهم، وهذا الذي اختاره.
[ ٣ / ١٢٢٥ ]
واختلف قول الشافعي في هل يصلون في الوقت على طريق الوجوب أو الاستحباب، ولم يختلف قوله في أن عليهم الإعادة.
وقال المزني: يصلون واجبا ولا إعادة عليهم.
وقد يحتمل قول أشهب مثل هذا.
ووجه القول أنه لا تجب عليهم الصلاة ولا القضاء: لقول النبي ﵇: «لا قبل الله صلاة بغير طهور»، وهذا دليل على سقوط حكمها إذا صلى بغير طهور، وإذا سقط عنه أن يصلي بغير طهور،
[ ٣ / ١٢٢٦ ]
وعقله معه، وهو ذاكر غير ناس لم يجب القضاء، كالمراهق والحائض.
وكذلك قوله ﵇: «لن تجزئ عبدا صلاته حتى يضع الوضوء مواضعه» وهذا غير قادر على ذلك.
وقوله ﵇ لعمار: «إنما كان يكفيه هكذا» في التيمم حين لم يقدر على استعمال الماء، فيدل أن غير ذلك لا يكفيه جملة، ولم يقل: إنما كان يكفيك أن تصلي إن لم تقدر على الماء والتيمم.
وأيضا فإنه ممن معه عقله، وقد عجز عن استعمال الماء والتيمم بأمر لا يمكنه دفعه، فأشبه الحائض.
فإن قيل: الحائض مع قدرتها على الماء لا تصلي، وليس كذلك هذا، فالحائض ليست عاجزة.
قيل: عجزها عن استعمال الماء بالشرع، وعجز ذلك بعدم القدرة، ولا يخرجهما أن يكونا عاجزين، وإن افترق وجه عجزهما.
ويجوز أن يستدل باستصحاب الحال، فإن ذمته بريئة من وجوب شيء حتى يقوم دليل.
وأيضا فلو وجب عليه ابتداء الدخول أن تسقط فرضه، فلما قالوا: لا تسقط فرضه لم يجب عليه كالنوافل.
وأيضا فلو وجب عليه أن يبتدئ الصلاة حتى يتمها ويقضي،
[ ٣ / ١٢٢٧ ]
لأوجبنا عليه صلاتي فرض من جنس واحد، في يوم واحد، كظهرين وعصرين، وهذا لا يجوز، فكيف وقد النبي ﷺ: «لا ظهرين في يوم» يعني واجبتين.
ووجه قول المزني الذي يحتمله قول أشهب: هو أن كل من أدى الفرض على ما كلفه لم يلزمه قضاؤه، كالمستحاضة، ومن به سلس البول، والعاجز عن أركان الصلاة يصلي على حسب حاله، وكذلك المسايف والمسافر يحبس الماء خوفا على نفسه العطش يتيمم، كل هؤلاء إذا صلوا على حسب تمكنهم لم تجب عليهم الإعادة.
فإن قيل: الدليل على أنهم تلزمهم الصلاة في وقتها والقضاء إذا
[ ٣ / ١٢٢٨ ]
قدروا: قوله - تعالى -: ﴿أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل﴾، وهو عام في كل أحد، إلا أن الفرض لا يسقط؛ لقوله ﵇: «أو صلاة إلا بطهور».
قيل: هذا الخبر يقضي على الآية، فصار تقدير قوله - تعالى -: ﴿أقم الصلاة لدلوك الشمس﴾ إذا كنت طاهرا، وقوله ﵇: «لا صلاة إلا بطهور»، أي لا يصلي بغير طهر، وإن أراد لا حكم لصلاة فلا حكم لها في أن تبتدأ ولا تجزئ.
فإن قيل: فإنه مكلف أدرك الوقت فوجب أن تلزمه إقامة فرض الوقت، كالمريض والمعذور ومن عجز عن القيام والقراءة وغيره لمرض
قيل: إن أردتم أنه مكلف لهذه الصلاة على هذا الوجه ففيه اختلفنا، وإن أردتم عن علقه معه، فقولكم: تلزمه إقامة فرض الوقت فإنه لا فرض عليه في هذا الوقت إلا أن يقدر على الضوء أو التيمم، وفي هذا أيضا اختلفنا. فأما المريض العاجز عن القيام وغيرهم فإنما لزمهم أن يصلوا إن كانوا على طهارة، فأما لو لم يقدروا على الوضوء والتيمم فإن حكمهم حكم المربوط الذي تحت الهدم.
فإن قيل: إن المربوط قادر على الركوع والسجود وإنما الحائل منعه منه.
[ ٣ / ١٢٢٩ ]
قيل: كلامنا فيه إذا لم يقدر على لطهارة أصلا، فإن كان المربوط والذي تحت الهدم على طهارة أو يمكنه الوضوء والتيمم فواجب عليهم أن يصلوا في الوقت ولا إعادة عليهم كالمسايف.
ووجه قول ابن القاسم على ما خرجناه من وجوب الإعادة: هو أن الله - تعالى - قد أوجب على العاقل البالغ من المسلمين الصلاة لوقتها فلا تسقط عنه إلا بدليل، وعجزه عن الطهارتين جميعا ومعه عقله، وليس ممن يحيض لا يسقط عنه حكم الصلاة؛ لأنه إذا عجز عن فرض الصلاة وعقله معه لم يسقط عنه حكمها، فعجزه عن شرط أخذ عليه الصلاة.
قيل: الدخول فيها أولى أن لا يسقط حكم الصلاة. ألا ترى أن المريض إذا لم يقدر على القيام والمسايف وغيره ممن لا يقدر على الركوع والسجود لا يسقط عنهم أحكام الصلاة.
وأيضا فإن النائم قد غاب عقله حتى خرج وقت الصلاة لم يسقط عنه حكمها، فمن معه عقله وهو ممن يصح منه أداؤها في الحال لو كان على طهر أولى أن لا يسقط عنه حكم الصلاة، والله أعلم.
فإن قيل: على الوجه الأول إن قولكم: لو كان يلزمه الدخول فيها لوجب أن يسقط فرضه باطل بمن أدرك الإمام في السجود، وبمن أفسد حجه يلزمه المضي ولا يسقط فرضه.
قيل: هذا لا يدخل في على ما ذكرناه؛ لأنه لا يجب عليه أن يدخل مع الإمام في السجود، ولو دخل معه لم يكن هذا القدر مما يعتد به لو كان على طهارة؛ والصلاة كلها إذا دخل فيها يعتد بها لو كان طاهرا.
[ ٣ / ١٢٣٠ ]
والذي أفسد حجه لو كان في الابتداء لم يدخل فيه، وهذا توجبون عليه أن يدخل في الصلاة مع إنها لا تجزئه فلم يشتبها.
فإن قيل: إن قولكم: هذا يؤدي إلى إيجاب ظهرين في يوم فإننا نقول: هذا غير ممتنع، كما إذا فاتته صلاة من خمس صلوات ونسيها فإنه يصلي خمس صلوات.
قيل: هذا يصلي خمس صلوات مختلفة حتى يصيب تلك الصلاة، وفي مسألتنا توجبون عيه أن يصلي الظهر على أنه يعيدها بعينها واجبا، وهذا إيجاب ظهرين في يوم واحد فلا يجب، والله الموفق.
[ ٣ / ١٢٣١ ]