اتفق العلماء - مالك منهم - على جاز المسح على الخفين.
ورويت عن مالك ﵀ فيه روايات، والذي استقر عليه مذهبه ومذ … هب أصحابه جوازه.
ومذهب الخوارج أنه لا يجوز أصلا؛ لأن القرآن لم يرد به.
وقالت الشيعة: لا يجوز؛ لأن عليا ﵁ امتنع منه.
والدليل لقول الفقهاء: ما روي عنه عن رسول الله ﷺ من الطرق
[ ٣ / ١٢٣٣ ]
التي اشتهرت وظهرت، وعن الصحابة الذين كانوا لا يفارقونه في الحضر والسفر.
فممن نقل ذلك عنه ﵇: عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وسعد بن أبي وقاص، وخزيمة بن ثابت،
[ ٣ / ١٢٣٤ ]
والمغيرة بن شعبة، وصفوان بن عسال، وأبو بكر ة،
[ ٣ / ١٢٣٥ ]
وأبي بن عمارة ﵃ وقد صلى النبي ﵇ في بيته
[ ٣ / ١٢٣٦ ]
القبلتين، وبلال - خادم النبي ﷺ، جرير بن عبد الله، وأنس بن
[ ٣ / ١٢٣٧ ]
مالك - وهو خادم النبي ﷺ قد كان صبيا، وغير هذه الطائفة ممن يكثر عددهم، حتى قال الحسن البصري: إنه روي المسح على الخفين عن النبي ﷺ سبعون نفسا، فنقلوه فعلا منه ﵇، وقولا، وأمرا لغيره في الحضر والسفر، في أحوال مفترقة، وبألفاظ
[ ٣ / ١٢٣٨ ]
مختلفة. منها ما بدأ هو بفعله، ومنها أجوبة عن أسئلة سائلين، حتى جرى ذلك مجرى التواتر، وخرج عن طريق خبر الواحد.
ثم عملت الصحابة ﵃ بذلك في حياته وبعد وفاته، وهو قول أبي بكر، وعمر،
[ ٣ / ١٢٣٩ ]
وعثمان، وعلي، وابن عباس،
[ ٣ / ١٢٤٠ ]
وعائشة، وسعد، وزيد بن ثابت، والصحابة كلهم،
[ ٣ / ١٢٤١ ]
ولم يرد بعضهم على بعض ذلك، بل كان من لم يسافر معه ﵇ يحيل على من سافر، كقول عائشة للسائل: ائت عليا فإنه كان يسافر مع رسول الله ﷺ فيعلم كيف المسح.
ومنهم من كان يسافر معه ﵇، ثم يبعد عنه، فحيل على من قرب منه، مثل علي وبلال وأنس والمغيرة، فإن هؤلاء ممن كان يختصه لفطانته وخدمته، ولم ينقل عن أحد منهم إنكار ذلك.
فإن قيل: فقد قال الله - تعالى -: ﴿وأرجلكم إلى الكعبين﴾، فنصبها عطفا على غسل الوجه واليدين، فوجب أن يكون الفرض فيه الغسل.
وأيضا فإن المسح في ظاهر القرآن ورد في الرجلين حسب دون الخفين بقوله: ﴿وأرجلكم﴾، بالخفض عطفا على الرأس.
قيل: الجواب عن السؤال الأول في الآية من وجهين:
أحدهما: إنها قرئت بالنصب، وقرئت بالخفض، فيحمل النصب على غسل الرجلين، والخفض على المسح على الخفين؛ لأن الآية تقتضي المسح.
والجواب الثاني: أن قوله: ﴿وأرجلكم﴾ منصوب عام فيمن كان لابسا للخف ومن لا خف له، فنحمله على من ليس بلابس للخف.
[ ٣ / ١٢٤٢ ]
وأما السؤال الثاني عن كان في الآية ذكر الرجلين إلا ذكر الخفين، فإنه لا يمتنع أن يرد القرآن ذكر شيء، ترد السنة بجواز الشيء آخر.
فيكون بيانا للمراد بظاهر الآية، فيصير تقدير القراءة بالخفض: وامسحوا برؤوسكم وخفافكم، ويجو أن يعبر عن الخف إذا كانت الرجل فيه بالرجل، كقوله - تعالى -: ﴿وقرآن الفجر﴾، أراد صلاة الفجر، فعبر عن الصلاة بالقرآن؛ لأنه يكون فيها.
ويجوز أن يكون تقدير الآية أيضا: وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إن اخترتم مباشرتها بالماء، وإن اخترتم فامسحوا على الفخين؛ بدليل مسح النبي ﵇ على خفيه، وأمره بذلك.
ومن الدليل على صحة قولنا: ما رواه سفليان عن الأعمش عن إبراهيم النخعي عن همام عن جرير بن عبد الله البجلي أنه توضأ ومسح على الخفين. فقيل له أو تفعل ل؟ فقال كيف قد رأيت رسول الله ﷺ فعل ذلك؟. فقيل له: قبل المائدة أو بعدها؟. فقال
[ ٣ / ١٢٤٣ ]
سبحان الله، وهل أسلمت إلا بعد المائدة، هذا نص: لأن سائر أخبارنا يحملونها على أن مسحه كان قبل نزول المائدة، وأن الآية نسخت ذلك، هذا بعد المائدة.
وأيضا فإن حديث المغيرة بن شعبة الثابت الذي لا يتداخله شك أنه كان مع النبي ﷺ في غزوة غزاها النبي ﷺ فذهب النبي ﷺ لحاجته، فاتبعه المغيرة بماء، فسكب عليه فتوضأ ومسح على خفيه.
[ ٣ / ١٢٤٤ ]
رواه الزهري عن عباد ابن زياد من ولد المغيرة عن المغيرة.
ورواه الزهري أيضا وغيره عن حمزة بن المغيرة عن المغيرة.
[ ٣ / ١٢٤٥ ]
ورواه الشعبي عن عروة بن المغيرة عن المغيرة.
ورواه نافع بن جبير بن مطعم عن عروة بن المغيرة عن المغيرة.
[ ٣ / ١٢٤٦ ]
ورواه الأشعث بن سليمان عن الأسود بن هلال عن المغيرة.
فتفقت الروايات وغيرها مما لم نذكره عن المغيرة عنه ﵇ بالمسح على الخفين في غزوة تبوك، وهي آخر الغزوات، فيسقط بهذا قول من يقول: إن آية الوضوء مدنية، والمسح منسوخ بها؛ لأنه متقدم؛ لأن غزوة تبوك آخر غزاة كانت بالمدينة، والمائدة نزلت بالمدينة قبل هذه الغزاة.
[ ٣ / ١٢٤٧ ]
فإن قيل: إن إجماع الصحابة معنا.
فروي عن علي أنه ابن القاسم: ما أبالي أمسح على الخفين أو على ظهر عير بالفلاة.
وروي عن أبي هريرة أنه كره ذلك.
وروي عن عائشة - رحمها الله - إنها قلت: لأن تقطع رجلاي
[ ٣ / ١٢٤٨ ]
أحب إلي من المسح على الخفين.
وروي عن ابن عبسا أنه قال كسبق كتبا الله المسح على الخفين.
وروي أن أبا مسعود البدري: قال مسح رسول الله ﷺ على
[ ٣ / ١٢٤٩ ]
الخفين. فقال له علي ﵇: قبل المائدة أو بعدها؟ فسكت أبو مسعد، فدل علي أن الخبر منسوخ بقوله: ﴿وأرجلكم إلى الكعبين﴾؛ لأنه في المائدة، وبين علي أن المسح قبلها.
قيل: عن هذا جوابان:
أحدهما: أنه لم ينقل عن أحد منهم نقلا صحيحا أنه قال: لا يجوز.
والجواب الآخر: أننا نسلم ما حكي عنهم، ولكنهم رجعوا عنه، لأننا قد روينا فعلهم وفعل الأئمة منهم عبد النبي ﵇، والمسح بعد النبي ﷺ لا يكون، وكيف يمتنعون منه وقد روينا عنهم ذلك، ولكن المسح على الخفين كان بالمدينة قليلا؛ لقلة حاجتهم إليه؛ لأن أرض الحجاز يقل فيها الرد الذي يحتاج معه إلى لبس الخفاف، ولهذا قالت عائشة ﵂ للسائل ائت عليا فإنه أن يسافر مع رسول الله ﷺ، فكان أكثر مسحه ومسحهم على الخفاف إنما هو
[ ٣ / ١٢٥٠ ]
في الأسفار التي يحتاج فيها إلى لبس الخفاف، كما روي أن الطائفة التي اشتد عليهم البرد في سفرهم فأمرهم ﵇ بالمسح على العصائب والتساخين.
والعصائب: العمائم، التساخين: الخفاف.
وكذلك أنكر ابن عمر على سعد بالكوفة، فلما عرف ذلك مسح بعد ذلك بالمدينة.
وأيضا فإن السائل لما قالت له عائشة: ائت عليا فاسأله، فقال علي للسائل: قال النبي ﵇: «يمسح المسافر ثلاثة أيام ولياليهن، والمقيم يوما وليلة».
وروي عن علي ﵁ أنه قال: لو كان الدين بالقياس لكان مسح أسفل الخف أولى من أعلاه، ولكني رأيت رسول الله ﷺ يمسح على ظاهر الخف.
[ ٣ / ١٢٥١ ]
وأما حديث أبي هريرة فقد روي عنه أنه قال: مسح النبي ﵇ على الخفين.
[ ٣ / ١٢٥٢ ]
وروي أنه هو مسح على الخفين.
ما ذكروه عن عائشة ﵂ فعنه جوابان:
أحدهما: أنه قد روي عنها أنها قالت: مسح رسول الله ﷺ على الخفين إلى أن مات.
وقالت لشريح بن هانئ:
[ ٣ / ١٢٥٣ ]
سل عليا.
والجواب الثاني: فإنه يجوز أنها كانت تكره المسح على الخفين وتقول: غسل رجلي أسهل في نفسي، والإنسان قد يختار العزائم على الرخص؛ لقوته في الدين، ولم تقل: إنه لا جوز.
وأما حديث ابن عباس ﵁، فقد روي عن عطاء قال سألت ابن عباس عن المسح على الخفين فقال: مسح النبي ﵇ على الخفين.
فقلت له: إن عكرمة روى عنك أنك تقول: سبق القرآن المسح على الخفين. فقال: كذب عكرمة. يعني غلط.
وأما قل علي ﵁ لأبي مسعود، فإنما قال له ذلك؛ لأن أبا مسعود البدري كان قعد عن بيعة علي، فأراد أن يبين للناس ضعف
[ ٣ / ١٢٥٤ ]
علمه وقلته، أنه لا يعلم الناسخ والمنسوخ، لم يقصد به أن الخبر منسوخ؛ بدليل ما رويناه عن علي ﵁ في المسح.
فإن قيل: فإنها طهارة من حدث فلا يجوز فيها المسح على الخفين كالجنابة.
وأيضا فإنه حائل منفصل عن العضو فوجب أن لا يجوز المسح عليه لغير عذر كالعمامة، وقولهم: منفصل؛ احتراز من الشعر.
قيل: أما القياس على الجنابة فعنه جوابان:
أحداهما: أن القياس إذا أدى إلى إسقاط السنن سقط، وقد ذكرنا عن النبي ﵇ جوز المسح.
والجواب الآخر: هو أن الجنابة أغلظ من الوضوء حتى إنه يسقط مسح الرأس بالماء ويصير غسلا، ويجب غسل جميع البدن الذي كان يسقط في الوضوء، فلم يجز المسح فيه على الخفين. وكيف يجوز أن يغتسل ويغسل ساقيه إلى حد الكعبين وهو لابس للخف؟. فبان بهذا مخالفة أمر الجنابة للوضوء المبني على التخفيف، وسقط فيه غسل أكثر البدن، وجوز فيه مسح الرأس دون غسله فلم يشتبها.
وأما القياس على محس العمامة فهو أيضا فاسد؛ لأن فيه إسقاط جواز المسح الثابت بالسنة.
على أننا نفرق بينهما فنقول: لما كانت الرجلان يقع السعي عليهما، وظهورهما أكثر من ظهور الرأس اليدين في غالب الحال، والوجه أكثر صبرا على البرد والحر منهما؛ لكثرة مباشرة ذلك بالوجه
[ ٣ / ١٢٥٥ ]
وجرى العادة به فجازت الرخصة في الرجلين للمشقة التي تلحق في نزع الخفين عند كل طهارة، والحاجة إليه أكثر؛ لأن نزعه يؤدي إلى التخلف عن رفقته، والانقطاع عن العجلة في السفر، الذي قال النبي ﷺ فيه: «إنه قطعة من العذاب، فإذا قضى أحدكم نهمته فليعجل الأوبة إلى أهله»، والعمامة لا تلحق المشقة في أن يدخل يده تحتها فيمسح رأسه، فكان الفرض فيه مسح الرأس دون العمامة.
فإن استدلوا بأصحاب الحال، وأن الصلاة في ذمته، فمن زعم أنها تسقط بطهارة فيها المسح على الخفين فعليه الدليل.
وبما روي أن النبي ﷺ توضأ وغسل رجليه، وقال: «هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به»، فدليله إنها لا تقبل بالمسح على الخفين.
قيل: أما استصحاب الحال فلنا مثله؛ لأن أصل الذمة بريئة من وجوب الطهارة على الصفة التي تذكرونها دون جواز المسح على الخفين، ولا نسلم لكم أن الصلاة في ذمته إلا على جواز المسح على
[ ٣ / ١٢٥٦ ]
الخفين في الطهارة.
ثم لو ثبت لكم ذلك لكان مسح النبي ﵇ على الخفين، والصلاة بذلك تدل على سقوط الصلاة من ذمته.
وأما احتجاجكم بالخبر فإن الحديث الصحيح روي أنه توضأ مرة مرة وقال: «هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به»، ومن مسح على خفيه فقد توضأ.
ثم لو ثبت الحديث على ما ذكرتم لم يتمنع أن يكون قوله ﵇ متوجها إلى من أظهر رجليه ولم يلبس الخف، فإما من سترهما بالخف فإنه يجوز له المسح؛ بدليل الأخبار المروية في جواز المسح، حتى نستعمل سنته وأقواله كلها، ولا نسقط بعضها، وبالله التوفيق.
[ ٣ / ١٢٥٧ ]