ومن توضأ فغسل إحدى رجليه وأدخلها في الخف، ثم غسل الأخرى وأدخلها في الخف الآخر، ثم أحدث لم يجز له أن يمسح على الخفين حتى يكون طاهرا الطهارة التامة قبل لبسهما، وليس أحدهما.
والجملة له في جواز المسح: أن ينزع الخف الأول ثم يلبسه، فيحصل لبسه حينئذ بعد كمال طهارته.
وبه قال الشافعي، وأحمد، وإسحاق.
وقال أبو حنيفة، والثوري، والمزني: يجوز له المسح عليه، وهو
[ ٣ / ١٢٨٣ ]
قول مطرف من أصحاب مالك. وأبو حنيفة يخالفنا في أعظم من هذا؛ لأنه يعتبر في جواز المسح ورود الحدث على الوضوء، سواء لبس الخفين وهو محدث أو غير محدث؛ لأنه يقول: لو أن محدثا لبس خفيه، ثم غسل باقي أعضائه، ثم أدخل الماء في خفيه حتى انغسلت رجلاه، أو خاض في الماء، ثم أحدث بعد ذلك جاز له المسح.
والدليل لقولنا: كونه محدثا قبل ذلك، فمن زعم أن حدثه قد ارتفع بهذا الفعل فعليه الدليل.
وأيضا كون الصلاة والطهارة في ذمته بيقين، فمن زعم أنهما يسقطان بالمسح المستأنف بعد الطهارة الأولى فعليه الدليل.
وأيضا قوله - تعالى -: ﴿إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم﴾ إلى قوله: ﴿وأرجلكم﴾، فأمر بغسل الرجلين إذا قام إلى الصلاة ولم يخص صلاة من صلاة، فلا يجوز المسح إلا بدليل.
وأيضا قول النبي ﷺ بعد أن توضأ وغسل رجليه: «هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به»، فلا يجوز بغير الغسل حتى يقوم دليل.
وأيضا قوله: «لن تجزئ عبدا صلاته حتى يسبغ الوضوء فيغسل وجهه» إلى أن قال: «ويغسل رجليه»، فهو عموم لا تقبل صلاة عبد
[ ٣ / ١٢٨٤ ]
حتى يغسل رجليه في وضوئه إلا أن يقوم دليل.
وأيضا قوله: «ويل للأعقاب من النار».
وأيضا ما رواه المغيرة بن شعبة من قوله: كنا في غزاة تبوك مع النبي ﵇ فأهويت عند وضوئه أن أنزع خفيه. فقال: «دعهما فإني لبستهما وهما طاهرتان»، فجعل كون العلة في جواز المسح وجود اللبس والرجلان طاهرتان، ولا يكن اللبس وهما طاهرتان إلا بعد غسلهما جميعا، وللبس بعد غسل إحدى الرجلين لا يكون لبسا وهما طاهرتان، وقبول خبر واحد محتمل وقياس على هذا يؤدي إلى إسقاط تعليل النبي ﵇، وما أدى إلى ذلك لم يقبل.
وفي رواية أخرى: «فإني لبستهما على طهر»، وفي حديث: «فإني أدخلتهما وهما طاهرتان»، وهذا في معنى قوله: «لبستهما وهما طاهرتان إنه، وهذا يقتضي أن تكونا طاهرتين قبل إدخالهما، ومن غسل أحدهما، ثم أدخلها في الخف فلم يدخلها طاهرة؛ لأنها لا تحصل طاهرة إلا بطهر الأخرى. ألا ترى أنه لا يجوز له أن يصلي قبل غسل الأخرى، فهو في حكم المحدث حتى يفرغ من غسل الأخرى.
فإن قيل: فنحن نجيز له المسح على الخفين إذا لبسهما وهما طاهرتان، فقد قلنا بموجب الخبر.
قيل: لعمري إنكم تجيزون هذا، ولكنكم تجعلون الشرط في جواز
[ ٣ / ١٢٨٥ ]
المسح ورود الحدث على الطهارة لا وجود اللبس على الطهارة، والنبي ﵇ جعل شرط جوازه ورود اللبس عليهما بعد كونهما طاهرتين.
وأيضا ما رواه عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبي بكرة أنه قال: أرخص رسول الله ﷺ للمسافر ثلاثة أيام ولياليهن، وللمقيم يوما وليلة إذا تظهر فلبس خفيه أن يمسح عليهما، وموضع الدليل منه: أنه ذكر الرخصة وذكر شرطها، فقال: «إذا تطهر ولبس خفيه»، وقوله: تطهر عبارة عمن تطهر طهارة كاملة. والفاء بعد ذلك للعقب؛ لأنه قال بعد أن ذكر الطهارة: «فلبس خفيه أن يمسح عليهما»، فصار تقديره: أنه إذا تطهر الطهارة التامة ولبس الخف مسح.
وأيضا ما روي في حديث عمر وأنس أن النبي ﷺ قال: «إذا أدخلت رجليك في خفيك وأنت طاهر فامسح عليهما، وصل فيهما ما لم تنزعهما أو تصبك جنابة»، فجوز المسح عليهما متى لبسهما وهو طاهر، فما عدا هذا الشرط بخلاف، ومن غسل إحدى رجليه وأدخلها في الخف فقد أدخلها وهو محدث؛ لأنه لا يكون متطهرا وقد بقي عليه عضو مأمور بغسله؛ لأنه لا يجوز له أن يصلي.
ونقول: إن لبسه أحد الخفين بغسل إحدى الرجلين مقدم على كمال الطهارة، ولم يصادف تمام العبادة، فصار كمن لبس الخفين ولم يغسل إحدى الرجلين.
[ ٣ / ١٢٨٦ ]
ولك أن تعبر عبارة أخرى فنقول: هو لبس قبل كمال الطهارة فوجب أن لا يجوز له المسح عليه، أصله إذا غسل إحدى رجليه وأدخلها في الخف، وأدخل الأخرى الخف الآخر بغير غسل.
فإن قيل: المعنى فيه أنه لم يغسل إحدى رجليه.
قيل: هذه علة لا تتعدى فلا تصح على أصولكم، وعلى أصولنا نحن، والعلة المتعدية أولى منها.
ونقول أيضا: إن ما تعلق صحته بالطهر استدعى كماله قبل المتأخر مما يقتضى أفعاله، دليله الصلاة لم يصح فعلها والدخول فيها إلا بعد كمال الطهارة.
وأيضا فإن ابتداء اللبس وقع على غير كمال الطهارة الحكمية، فأشبه من لبس الخف وهو محدث.
وأيضا فإن اللبس يقتضي الطهر، وكل ما اقتضى ظهرا حكميا اقتضى كماله قبله، كالصلاة.
فإن قيل: قوله ﵇: «إذا أدخلت رجليك وهما طاهرتان» حجة لنا؛ لأنه إذا غسل إحدى رجليه وأدخلها في الخف، ثم غسل الأخرى وأدخلهما وهما طاهرتان.
قيل: إذا أدخل إحداهما قبل غسل الأخرى أدخلها غير طاهرة، وإذا أدخل الأخرى أدخلها وحدها طاهرة، وبعدهما صارتا طاهرتين، والنبي ﵇ شرط أن تكون طاهرتين قبل لبسهما ولبس أحدهما.
[ ٣ / ١٢٨٧ ]
على أن الطهارة حكم شرعي، ولا يكون كذلك إلا بعد كمالها، ولم يقل: أدخلتهما مغسولتين.
على أن الأحاديث الأخر تدل على ما نقول فلا احتمال، مثل قوله: «فإنني لبستهما على طهر، أو وأنا طاهر»، وفي حديث عمر: «إذا لبستهما وأنت طاهر فامسح عليهما»، وكذلك في حديث أبي بكرة على ما بيناه.
فإن قيل: قوله ﵇: «يمسح المسافر ثلاثة أيام، والمقيم، يوما وليلة» لم يفرق فيه بين أن يكن لبس الخف بعد كمال طهارته أو قبلها، فهو عموم في جواز المسح.
وش ما رواه عروة بن المغيرة عن أبيه المغيرة أنه قال: فأهويت أن أنزع خفيه ﵇ فقال: «دعهما فإنني لبستهما وهما طاهرتان»، وإذا فرق الغسل واللبس فقد حصل لابسا لهما على طهر.
قيل: أما الخبر الأول ففيه رخصة المسح لا شرط الرخصة، وأخبارنا تقتضي شرط الرخصة، وهو موضع الخلاف.
وأما الخبر الثاني فقد جعلناه حجتنا؛ لأن قوله: «لبستهما وهما طاهرتان» يقتضي أن يكونا طاهرتين ثم يلبسهما.
[ ٣ / ١٢٨٨ ]
فإن قيل: فأنتم لا توقتون في المسح فكيف تحتجون بالخير؟.
قيل: لا يمتنع أن يتضمن الخبر شيئين يقوم الدليل على إسقاط أحدهما ويثبت الآخر، وحديث أبي بكرة عن النبي ﵇ تضمن التوقيت وتضمن شرط الرخصة في المسح، فقام الدليل على إسقاط التوقيت في المسح، ولم يقم دليل على إسقاط شرط الرخصة المسح، وعلى أي وجه يجوز.
فإن قيل: قد قال صفوان بن عسال: أمرنا أن لا ننزع خفافنا ثلاثة أيام إلا من جنابة، لكن من غائط ونوم وبول، وهذا عام سواء لبسه على الوجه الذي تقولون، انو على ما نقول.
قيل: عن هذا أجوبة:
أحدها: أنه ﵇ أراد أن يعلمهم زمان المسح الذي سألوا عنه، ثم كيف يمسحون، على أي وجه يلبسون معلوم من الأخبار الأخر.
وجه آخر: وهو أن صفوان قال: أمرنا. ولم يذكر من أمرهم حتى نعلم من الآمر، صاحب الشريعة أو غيره، فنلزم قول صاحب
[ ٣ / ١٢٨٩ ]
الشريعة، وننظر في أمر غيره.
وأيضا فإنهم لا ينزعون خفافهم إذا كانوا قد لبسوا على الوجه الذي بيناه بالأخبار الأخر.
فإن قيل: فإنه حدث ورد على طهر كامل فجاز له المسح. أصله إذا لبسهما بعد غسل رجليه وكمال طهارته.
وأيضا فإن لنزع الخف تأثيرا في منع المسح لا في إباحته وجوازه؛ بدليل أنه ل تطهر ولبس خفيه، ثم أحدث وهو لابس للخفين جاز له مسحهما، ولو أحدث ونزع الخف لم يجز له المسح عليه، فإذا كان كذلك، وأنتم تقولون: لو نزع الخف من الرجل الأولى ثم لبسه أباح له المسح بعد ذلك، وقد قلنا: إن نزعه يؤثر في منع المسح، وأنتم جعلتموه مؤثرا في إباحة المسح، لعم أن المسح كان جائزا له قبل النزع.
قيل: أما القياس الأول فالمعنى في جواز المسح هو أنه لبسه بعد كال طهارته فلهذا جاز.
فإن قيل: علتنا متعدية فهي أولى.
قيل: قد ذكرنا قياسا يعارض هذا فهو أولى؛ لأنه يؤدي إلى الاحتياط، وسقوط حكم الصلاة والطهارة بيقين بإجماع.
وأما الفصل الثاني وقولكم: إن للنزع تأثيرا في المنع على ما ذكرتم فإننا نقول: لنزعه تأثيرا في المنع من المسح إذا كان بعد الحديث، فأما إذا كان قبل الحدث فلا يمنع أصلا. ألا ترى أنه لو تطهر ثم لبس
[ ٣ / ١٢٩٠ ]
خفيه ونزعهما قبل أن أحدث، ثم لبسهما أيضا ثم نزعهما ثم لبسهما، ولو مائة مرة وهو على طهارته، ثم أحدث بعد لبسهما في المرة الأخيرة جاز له أن يمسح عليهما.
وجواب آخر: وهو أنا لم ندع أن الشرع أباح المسح إلا بعد وجود اللبس بعد كمال الطهارة.
فإن قيل: (فإن) لا فائدة في أن ينزع الخف الأول ويلبسه في الحال، فلما لم تكن فيه فائدة علم أن عدم نزعه لا يمنع المسح عليه.
قيل: فائدته أنه يحصل لا بسا له بعد كمال طهارته.
على أن هذا يلزمكم إذا اصطاد المحرم صيدا في حلا إحرامه، ثم حل من إحرامه فإنه يلزمه إرساله، ثم له أن يأخذه في الحال فيما الفائدة في إرساله؟
فإن قيل: فائدته أنه يصير ممسكا للصيد باصطياد مباح، ولو لم يرسله كان ممسكا له باصطياد محظور.
قيل: وكذلك أيضا إذا نزع الخف ولبسه يصير لابسا له بعد كمال طهارته، وقبل نزعه يكون لابسا له قبل كمال طهارته. ومثل هذا قلتم في عبد كافر تحته أربع نسوة، ثم أسلم وعتق، فإنه يلزمه أن يفارق اثنتين ثم يتزوجهما في الحال، فما الفائدة في تخليتهما ثم يتزوجهما؟.
وعلى أنكم لا تنفصلون ممن يقلب هذا عليكم فيقول: ولبس الخف لا يحدث طهارة، فلا معنى للبسهما على طهارة، وكذلك لا
[ ٣ / ١٢٩١ ]
ينفصلون ممن يقول: لا معنى لنزعهما بعد المسح عليهما ثم لبسهما.
فلما كان لهذا كله تأثيرا علم أن حكم الطهارة يتغير باللبس والنزع على ما ورد به الشرع.
فإن قيل: فإن الطهر لما انتقض بظهور إحدى الرجلين بعد المسح على الخفين وجب أن يثبت حكم اللبس بلبس أحد الخفين.
قيل: هذه دعوى، لم وجب هذا؟.
على أنه قياس الضد، ومنا من لا يقول به.
وعلى أنه يلزمكم على هذا أن تقتصروا على طهر رجل واحدة، كما قلتم في جواز المسح وسقوط المسح.
وعلى أن المعنى في الظهور أنه إذا ظهر شيء من رجل واحدة وهو شيء كبير انتقض طهر الرجلين جميعا. وليس كذلك اللبس؛ لأنه لا يصير بلبس بعض الرجل الواحدة لابسا على الرجلين جميعا، ولا يغسل بعض الرجل الواحدة غاسلا للرجلين.
فإن قيل: فإن استدامة اللبس كابتدائه. ألا ترى أنه لو حلف إلا يلبس ثوبا فإنه يحنث إن أدام على لبسه.
قيل هذا باطل؛ لأنه لو أحدث بعد اللبس جاز له أن يمسح عليهما، ولو نزعهما ولبسهما ثم مسح عليهما، وكذلك إذا لبسهما
[ ٣ / ١٢٩٢ ]
على كمال طهارته فله أن يمسح عيهما، ثم لو انقضت مدة المسح - عندكم - لم يجز له أن يمسح، فعلمنا من هذين الوجهين أن الانتهاء في باب اللبس ليس كالابتداء.
فإن قيل: فإن الحدث طرأ على لبس كامل بعد طهر شامل فجاز له أن يمسح. دليله إذا لبسهما بعد كمال الطهارة.
قيل: قد تكلمنا على هذا، على أننا لا نسلم أنه كان على طهر كامل على الإطلاق؛ لأن اللبس طرأ على طهر غير كامل، فطرأ الحدث على لبس قبل كمال الطهارة.
وعلى أننا قد ذكرنا أن المعنى فيه: أنه ل سه وه ممن تجز له الصلاة، وليس كذلك إذا لبس أحدهما قبل كمال الطهارة.
وعلى أننا قد عارضنا بقياس مرجح على هذا باستناده إلى الظواهر والنصوص التي ذكرناها، وفيه احتياط للفرض، ولأن قياس الطهارة على الصلاة أولى؛ لأنها أحد أركانها.
وأيضا فإن الأصول مبنية على أن حك الإجازة والمنع إذا التقيا في حكم الرجل كانت الغلبة للمنه. ألا ترى أنه لو نزع أحد الخفين بعد المسح صار إلى حكم الغسل، فكذلك لبس أحدهما والحدث في الأخرى قائم صار إلى حكم المنع.
وأيضا فإننا وجدنا المسح يقتضي لبسا، واللبس يستدعي طهرا، ورأينا الأصول مبنية على أن كل موضع يستدعي صحته طهرا
[ ٣ / ١٢٩٣ ]
استدعى طهرا كاملا، كالصلاة لما استدعت طهرا استدعته كاملا قبلها، فصار قولنا لهذه الوجوه أولى.
ويجوز أن نعبر بعبارة أخرى فنقول: كل شيء يفتقر الجزء منه إلى الطهارة فإن جميعه يفتقر إليها، كالصلاة والطواف.
وبيان هذا هو أن أبا حنيفة يقول: إذا لبس خفه بالغداة على غير طهارة، واستدامه إلى الزوال وأحدث لم يجز له المسح عليه، ولو تطهر قبل الزوال وأحدث جاز له المسح عليه، فيعتبر أن يصادف الحدث بعض اللبس على طهارة، وهو اللبس الذي يتعقبه الحدث، واعتبرنا نحن جميع لبسه على الطهارة، والله أعلم.
[ ٣ / ١٢٩٤ ]