ولا يجوز المسح على الجوربين إلا أن يكونا مجلدين، وبه قال أبو حنيفة، والشافعي.
وقال الثوري، وأبو يوسف ومحمد، وأحمد بن حنبل: يجوز المسح عليه.
والدليل لقولنا: قوله - تعالى -: ﴿إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا
[ ٣ / ١٣٠٥ ]
وجوهكم﴾ إلى قوله: ﴿وأرجلكم إلى الكعبين﴾، فأمر كل قائم إلى الصلاة بغسل رجليه عموما. فلا يجوز العدول عن الغسل إلا بدليل.
وما روي أن النبي ﵇ غسل وجهه ويديه ومسح رأسه وغسل رجليه، وقال: «هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به»، فلا يجوز غير غسل الرجلين في كل وضوء إلا بدليل.
وأيضا فإن الطهارة والصلاة في ذمته بيقين فلا تسقطان إلا بدليل.
وأيضا فإنه ستر قدميه بما لا يمكنه متابعة المشي عليه، فلم يجز المسح عليه، أصله إذا لف على رجليه خرقة.
وأيضا فإن المروي عن النبي ﵇ وعن أصحابه ﵃ المسح على الخفين، وهذا الاسم لا يختص بالجوربين فما عدا الخفين بخلافه.
وأيضا فإنما جوز المسح على الخفين؛ لأن حاجة الني عامة تدعو إلى لبسة، وتلحق المشقة في نزعه، وبهم حاجة إلى تتابع المشي فيه في الطرق الطلا والثلوج والأسفار، وهذا المعاني لا توجد في الجوربين، ولا يقاس الخف على الخف؛ لأن معنى غيره لا يوجد فيه، لا يوجد معناه في غيره، ولا تقاس العمامة عليه، لأن حاجة الناس تدعو إلى لبسها، ولكن لا تلحق المشقة في نزعها، أو إدخال اليد تحتها بالمسح.
وأيضا فإن المخصوص بالذكر على ثلاثة أضرب:
[ ٣ / ١٣٠٦ ]
فضرب مخصوص بالذكر لا يعقل معناه، فلا يقاس عليه، مثل الصلوات والطهارات؛ لأنه لم يعلم معناه لم يمكن القياس عليه.
وضرب آخر مخصوص بالذكر عام المعنى فهذا يقاس عليه، كالنص على البر والتمر في الربا يجوز القياس عليه؛ لأن معناه معقول يوجد فيه وفي غيره.
والضرب الثالث مخصوص بالذكر مخصوص المعنى، فلا يقاس عليه، مثل المسح على الخفين.
فإن قيل: قد روي أبو قيس عن هزيل بن شرحبيل عن المغيرة أن النبي ﵇ مسح على الجوربين.
وأيضا فإنه ساتر لقدميه فجاز المسح عليه كالخف.
قيل: أما الخبر فغير صحيح من وجهين:
أحدهما: أن عبد الرحمن بن مهدي قال: هزيل ضعيف، وهو لم يلحق المغيرة أيضا.
على أنه ل صح لم تكن فيه حجة؛ لأنه نقل فعله عن النبي ﵇
[ ٣ / ١٣٠٧ ]
لا نعلم صفتها، ولا كيف هي، والفعلة الواحدة لا يدعي فيها العموم، فيحتمل أن يكو [كان] الجورب مجلدا يمكن متابعة الشيء فيه.
وقياسهم باطل به إذا لف على رجليه خرقة.
على أنه لو سلم من النقض لم يجز القياس على الخف؛ لأنه مخصوص المعنى.
ثم إننا قد ذكرنا قياسا على الخرقة فيسقطه، ويرجع عليه بالاحتياط للصلاة، وإسقاط الفرض بيقين، والله أعلم.
[ ٣ / ١٣٠٨ ]