ولا يمسح على جرموقين. الجرموق هو الخف فوق الخف، وبه قال الشافعي في الجديد.
وقد روي عن مالك جوازه، وبه قال أبو حنيفة، والشافعي في قوله القديم.
وهذا ينبغي أن يكون الخف الأسفل مما [ينبغي] إذا انفرد جاز المسح عليه، ويكون الفوقاني كذلك، فأما إن كان التحتاني مما لا يجز المسح عليه الو انفرد، مثل أن يكون مخرقا خرقا فاحشا أو ضعيفا
[ ٣ / ١٣٠٩ ]
لا يمكن متابعة المشي عليه، فلا يختلف القول في جواز المسح على الأعلى، ويكون الأسفل كالجورب، وكذلك إن كان الأعلى بهذه الصفة، الأسفل صحيحا لم يجز المسح على الأعلى بلا خلاف على هذا المذهب.
الدليل لقوله لا يجوز المسح على الأعلى على كل حال: كون الطهارة والصلاة في الذمة فلا تسقطان إلا بدليل.
وأيضا قول النبي ﵇ وقد تطهر وغسل رجليه: «هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به»، فه عموم في كل صلاة؛ لأن الألف واللام في الصلاة للجنس.
وكذلك قوله ﵇: «لن تجزئ عبدا صلاته حتى يسبغ الوضوء فيغسل وجهه» أن قال: «ويغسل رجليه»، فنفي الإجزاء عن كل عبد إلا على هذه الصفة، فما عداها بخلافها إلا أن يقوم دليل.
فإن قيل: قد اشتهرت الرواية عن النبي ﵇ وعن الصحابة ﵃ بجواز المسح على الخفين، فسواء كانا تحت أو فوق.
قيل: إذا أطلق المسح على الخفين اقتضى لابس الخفين؛ لأن من لبس أربعة.
[ ٣ / ١٣١٠ ]
على أنه لو كان عاما جاز أن يخص، فنقول: إن رخصة المسح لا تزول بزوال الجرموق على الشيء الذي هو منفصل عنه، فوجب ألا يجوز المسح. أصله إذا لف على الخف الأسفل خرقة مكان الجرموق.
وقولنا: منفصل عنه؛ احتراز عن طبقتي الخف؛ لأنها غير منفصلة عنه، وعكس ما ذكرناه الخف الواحد لما زالت الرخصة بزواله جاز المسح عليه، وكذلك إذا كان التحتاني مخرقا جاز المسح على الأعلى؛ لأن الرخصة تزول بزواله.
وأيضا فإنما جاز المسح على الخف الواحد للحاجة العامة إلى لبسه، ولحوق المشقة في نزعه، وهذا لا يوجد في الجرموق؛ لأنه لا تدعو عوام الناس إلى لبسه، ولا تلحق المشقة في نزعه فلم يجز المسح عليه.
فإن قيل: فإنه خف يلي الماسح فجاز المسح عليه، أصله إذا كان خفا واحدا، أو كان التحتاني مخرقا خرقا فاحشا بحيث لا يجوز المسح عليه.
وأيضا فإن المعنى الذي لأجله جاز المسح على الخف هو كون الحاجة إلى لبسه، ولحوق المشقة في نزعه، وهذا موجود في الخف الأعلى.
قيل: أما القياس الأول فالمعنى فيه زال الرخصة في المسح بزواله، فلهذا جاز المسح عليه.
وأما قولهم: إن الحاجة تدع إليه فقد ذكرنا أن الأمر بخلافه، والحاجة إليه لست عامة، هي عامة في الخف الواحد، والمشقة
[ ٣ / ١٣١١ ]
تلحق في نزع الخف الواحد، ولا تلحق في نزع الأعلى؛ لأن الأسفل باق.
ونقول أيضا: إن ما تحت الجرموق يجوز المسح عليه، وهو الخف الأسفل؛ فالمغطي لما يجوز المسح عليه لا يجوز أن يقصد بالمسح عليه.
دليله العمامة لا يجوز المسح عليها؛ لأن ما تحتها مما يمسح.
فإن قيل: فقد روي أن النبي ﵇ كان يمسح على الموق، وروي:
[ ٣ / ١٣١٢ ]
الجرموقين، رواه الحارث بن معاوية عن بلال عنه ﵇.
قيل: إن الموق غير لجرموق؛ لأنه خف يلبس وحده، أما مسحه على الجرموق فإن صح فلنا به، ولكننا لا نعرف.
ويحتمل أن يكون ﵇ فعل ذلك؛ لأنه كان على طهر ولم ينتقض، فجدد وضوءه ومسح عليه، ولو كان يجوز على ما تقولون لاشتهرت الرواية فيه وظهرت عنه ﵇، أو عن أحد من أصحابه ﵃، وليس يجوز أن ينتقل عن فرض وغسل القدمين إلا بأمر ظاهر، كالمسح على الخف الأسفل.
وأيضا فإن المسح على الخف رخصة وليس بعزيمة، والرخص لا يجوز القياس عليها عند كثير من أصحابنا، ويجوز عند بعضهم إذا عرف معناها، وليس في الخف الأسفل معنى يجمع به بينه وبين
[ ٣ / ١٣١٣ ]
الجرموق؛ لأن الحاجة تعم في الخف الأسفل، وتلحق في نزعه المشقة، وقد بينا أيضا أنه ممسوح فلا ينوب عنه ممسوح مع القدرة عليه، فلم يسلم فيه معنى يجمع به بينه وبين الجرموقين.
وأيضا عن مسح الخف بدل من غسل الرجلين فهو كالتيمم بدلا من الوضوء، فلما لم يكن للتيمم بدل مع القدرة عليه لم يكن للمسح على الخف بدل مع القدرة عليه.
فإن قيل: قد يكون للبدل بدل يقوم مقامه. ألا ترى أن من لا يقدر أن يمسح لشجة فيه فإنه جوز له أن يمسح على العمامة والعصابة، وكذلك الوجه في التيمم قد يمسح على الحائل إذا كان هناك مانع من المسح عليه.
قيل: هذا لا يلزم: لأننا لا نجوز ذلك مع القدرة على البدل، وأنتم تجيزون المسح على الجرموق مع القدرة على مسح الخف.
ووجه قول مالك ﵀ إن المسح يجوز: هو ما ذكرناه من الأسئلة على هذه الرواية.
وأيضا فإن الحاجة تدعو إلى لبس الجرموق في المواضع الباردة، ومواضع الثلوج وإن لم يكن ذلك عاما في جميع الناس، كما أن لبس الخف ليس تدعو الحاجة إليه في جميع الناس، والله أعلم.
[ ٣ / ١٣١٤ ]