إذا نزع خفيه أو أحدهما بعد أن كان قد مسح عليهما غسل رجليه مكانه، فإن أخر غسل رجليه استأنف الطهارة، وبه قال الليث بن سعد.
وقال أبو حنيفة، والثوري، والشافعي في أحد قوليه، والمزني: إنه يغسل رجليه سوءا طال ذلك أولا، ليس عليه أن يستأنف الطهارة.
ومن قال من أصحابنا: إن الموالاة مستحبة وليست واجبة كذلك يقول.
وقال الشافعي في القديم: يستأنف الطهارة من أولها على كل
[ ٣ / ١٣١٥ ]
حال، وبه قال الأوزاعي، وابن أبي ليلى، والنخعي، الحسن البصري.
وقال داود: إذا نوع خفيه ثم يحتج إلى شيء لا غسل الرجلين ولا استئناف الطهارة، ويصلي كما هو حتى يحدث حدثا مستأنفا.
[ ٣ / ١٣١٦ ]
والدليل على داود: ظاهر قوله - تعالى -: ﴿إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم﴾ إلى قوله: ﴿وأرجلكم إلى الكعبين﴾، فهو عموم في كل صلاة إلا أن يقوم دليل.
وأيضا كون الصلاة في ذمته، فمن زعم إنها تسقط عنه إذا صلاها مكشوف الرجلين من غير غسل فعليه الدليل.
وأيضا عن النبي ﵇ توضأ وغسل رجليه، وقال: «هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به»، فهو عموم في كل صلاة.
وأيضا قوله للأعرابي: «توضأ كما أمرك الله فاغسل وجهك» إلى أن قال: «واغسل رجليك»، فبين أن الذي أمر الله به غسل الرجلين.
وأيضا قوله: «لن تجزئ عبدا صلاته حتى يضع الوضوء موضعه، فيغسل وجهه ويديه» إلى قوله: «ويغسل رجليه»، فنفي الأجزاء عن كل عبد إلا بهذه الصفة، فهو عموم إلا أن يقوم دليل.
وأيضا قوله لأبي ذر: «التيمم طهور المسلم ما لم يجد الماء، فإذا وجد الماء فليمسه بشرته»، والرجل من البشرة، فهو عموم إلا أن يقوم دليل.
[ ٣ / ١٣١٧ ]
فإن قيل: فقد حصل الإجماع على أنه طاهر بعد مسحه على الخفين، وأن الصلاة جائزة له، فمن زعم أن عليه غسل رجليه، أن طهارته تنتقض فعليه الدليل، وإلا فنحن متمسكون بموضع الإجماع.
قيل: إن الإجماع حصل على صفة، وهو كون رجليه في الخفين، فلما نزعهما انحل الإجماع، ألا ترى أن الخلاف حاصل.
وعلى أن الأصل كان عليه غسل رجليه، لأنه محدث فجوز له الإجماع أن يمسح على الخفين ما دامت الرجلان مستترتين بالخف، فإذا نزعهما عاد إلى ما كان عليه من وجوب غسلهما، فلم يبق إجماع.
فإن قيل: هذا كلام في إبطال استصحاب الحال؛ لأننا قلنا: قد حصل الاتفاق على أنه يجوز له الصلاة قبل نزع الخف، فمن زعم أن حكمه يتغير بنزعه فعليه الدليل.
قيل: نحن أيضا نقول باستصحاب الحال، ويجوز الانتقال عنها بالدليل، وقد بينا لأي معنى حصل الإجماع، وهو كونه طاهرا قبل نزع الخف؛ لانستار قدميه في الخف مع وجود المسح عليهما. قد زال هذا المعنى بظهور قدميه، وإذا تعلق الحكم بعلة ثم زالت زال الحكم المتعلق بها.
يدلك على هذا: أن القدمين لو كانا ظاهرين بعد الحدث وقبل كونهما ممسوحين في الخف لوجب غسلهما، ولكن المسح ناب عن الغسل، وصار هذا كالتيمم الذي كان على الإنسان في الأصل أن يستعمل الماء ما دام قادرا على استعماله، فإذا تعذر ذلك جاز له التيمم ما دام على هذا الحال، فإذا زال العذر زال حكم التيمم الذي هو
[ ٣ / ١٣١٨ ]
بدل من الغسل، كذلك هذا كان عليه غسل رجليه بالماء، فإذا أدخلهما في الخف على صفة جاز له بعد الحدث المسح ما دام على هذه الحال، فإذا ظهرت رجلاه زال المعنى الذي من أجله زال المسح على الخف بدلا من غسلهما، ورجع الشيء إلى حكمه الأول من وجوب الغسل بأجل الحدث المتقدم.
وعلى أننا قد إذا … كرنا استصحاب حال هي أولى مما ذكرتم، وقلنا: الصلاة في ذمته بيقين.
فإن قيل: إن التيمم لم يرتفع حدثه وإنما استباح الصلاة بالتيمم وهو محدث، وماسح الخفين مع غسل باقي الأعضاء قد ارتفع حدثه، فلا يصير محدثا بنزعه الخفين.
قيل: إنما نقول: إن حكم حدثه ارتفع على صفة، وهو أنه ما دامت رجلاه في الخف بدلا من الغسل فهو تابع للأعضاء المغسولة، فإذا ظهرت الرجلان حتى حضرت صلاة أخرى زال حكم المسح الذي هو بدل عن غسلهما لا بدلا عن جميع الأعضاء، فيجب غسل الرجلين.
فإن قيل: فإن الإنسان إذا كان أصلع أو أمرد وجب عليه في الضوء غسل وجهه ومسح رأسه، ثم لو نبتت لحيته وشعر رأسه جاز له غسل الشعر ومسحه على الرأس، فلو أنه غسل ظاهر لحيته ومسح شعر رأسه ثم حلق ذلك لم تجب عليه إعادة الغسل والمسح، وجاز له أن يصلي قبل أن يحدث، فكذلك في مسألتنا في الخف.
قيل: هذا التشبيه غلط؛ لأن الشعر ليس ببدل وهو من نفس الخلقة، وغسله ومسحه عزيمة كما لو لم يكن، وليس كذلك الخف؛ لأنه في الأصل منفصل ليس من الخلقة في شيء. ألا ترى أنه لو قال
[ ٣ / ١٣١٩ ]
لزوجته: شعرك طالق. طلقت. فلو قال لها: خفكي طالق. ولم تطلق، فصار مسح الخف بالتيمم أشبه؛ لأنه بدل كالتيمم.
فإن قيل: قد نجد في الأصول أن يكون الشيء له حكم في الأصل، ثم يحدث له حكم آخر، ثم يعود إلى مثل الحال الأولى فلا يعود حكمه إلى الأول ولا يتغير حكمه عما قد حصل عليه.
من ذلك: عقد التزويج لو وقع في الإحرام لقبح - عندنا وعندكم، وكذلك في العدة، ثم لو عقد في غير الإحرام بشرائطه لكان صحيحا، ثم لو طرأ عليه الإحرام لم يقدح في صحته، ولم يبطل حكم النكاح، وكذلك لو طرأت العدة على زوجته، مثل أن توطأ بشبهة لم يبطل حكم عقده، وإن كانت هذه الحال لو وجدت في الابتداء لم يصح العقد، وكذلك لا يؤثر نزع الخف في صحة الطهارة المتقدمة، وإن كانت الرجلان لو كانتا في الابتداء ظاهرتين لم يكن بد من الغسل.
[ ٣ / ١٣٢٠ ]
قيل: إن التشبيهة أيضا غير صحيحة، وعروض مسألتنا: أن يكون في الابتداء محرما، محدثا ظاهر الرجلين، فهذا لا يجوز له المسح على رجليه لا إدخالهما في الخف إلا بعد الغسل، والمحرم لا يجوز له العقد، فإذا غسل هذا رجليه وأدخلهما في الخف صار بمنزلة من عقد وهو غير محرم في أنه فعل ماله أن يفعل، والآخر أدخل رجليه في الخفين ففعل ماله أن يفعل. فطرق المسح عليه لا يبطل فعله، وطرق الإحرام على الآخر لا يبطل فعله المتقدم وهو العقد، فإذا نزع هذا خفه بعد الحدث والمسح، فهو بمنزلة المحرم يطلق في حال إحرامه، فإنه يعد إلى حالته الأولى في الابتداء في أنه لا يصح منه التزويج الذي كان يصح منه، ورجلاه في الخف بل عاد إلى حالة الابتداء من أنه لا بد من غسل رجليه، كما كان في الأول قبل إدخالهما في الخف، كما عاد المحرم بعد إطلاقه إلى الحال التي لو كان عليها في الابتداء من الإحرام لم يجز له عقد التزويج.
وعلى أن المحرم إذا طرأ عليه الإحرام بعد تقدم عقده فهو ممنوع من الوطء، كما لو عقد النكاح وه محرم، والذي أدخل رجليه في الخفين هو غير ممنوع من المسح ما دام على حاله، فبان بهذا أن التشبيه أيضا غير صحيح.
وقد أجاب أصحابنا عن هذا السؤال بأن قالوا: العلل على ضربين:
فضرب الابتداء والانتهاء، وضرب لابتداء دون الانتهاء.
فالضرب للابتداء والانتهاء، وضرب للابتداء دون الانتهاء.
فالضرب الذي للابتداء حسب، كالإحرام والعدة كما ذكرتموه.
والضرب الذي يستوي حكم ابتدائه وانتهائه كالرضاع والردة.
[ ٣ / ١٣٢١ ]
وملك أحد الزوجين صاحبه. فأدني ما في ذلك ألا تكونوا فيما ذكرتموه من اعتبار ما تنازعناه بأسعد منه باعتباره بما ذكرناه من علل الابتداء الانتهاء؛ لأن العقد مع وجود الردة والرضاع لا يجوز، ولو طرأ بعد العقد لأبطله، كما كان يبطله في الابتداء، ووجب أن يغلب الأقوى من الاعتبارين، فكان اعتبارنا أولى؛ لأن مسح الخفين نائب عن الغسل لا محالة؛ لأنه إحدى الطهارتين، ولا تصح نيابته عنه إلا على صفة، وهي أن يكون العضو الذي هو الأصل غير ظاهر؛ لأنه متى ظهر كان الخف أجنبيا منه لا يكن من المسح بسبيل، فإذا ظهر القدم فقد زال حكم المسح؛ لأن الأصل الذي من أجله صار هذا نائبا عنه قد حضر، فوجب أن يكون على الأصل الذي كان عليه.
يدل على صحة هذا: التيمم على ما تقدم ذكره، ولهذا نظائر كثيرة في الأصول منها: أن شهود الأصل لو كانوا حضورا غير مرضى ولا مسافرين، أو فسقوا لم يجز لشهود الفرع أو يؤدوا الشهادة التي على شهادتهم؛ لأن شهادتهم تجوز على صفة هي غيبة شهود الأصل، أو تخلفهم لعذر، ولكونهم عدولا.
ومنها: أن الميتة مباحة للمضطر إليها، ثم لو حضر من الحلال ما ينب منه بها ارتفعت الإباحة، وعاد إلى الأصل الذي كان عليه من حضرها لعدم ضرورة.
فإن قيل: فلنا نحن شواهد في الأصول. منها: إن عدم الطول
[ ٣ / ١٣٢٢ ]
وخوف العنت يبيح التزويج بالأمة المؤمنة، فإذا تزوج ثم وجد الطول، وزال خوف العنت لم يبطل حكم عقده على الأمة، وإن كان قد صار إلى حالة لو كان عليها في الابتداء لم يجز له العقد، وكذلك ما تنازعناه.
قيل: عروض مسألتنا في نزعه خفيه هو أن يطلق هذا هذه الأمة، فيحصل على الحالة التي لا يجوز معها ابتداء العقد، فيتغير حكنه لا محالة، كما أن نازع الخف قد تغير حكمه، وعاد إلى ما لو أن عليه في الابتدء لم يجز له الصلاة إلا بغسل رجليه.
وأجاب أصحابنا عن هذا السؤال بأن اعتبار مَسْأَلَة الخلاف أولى؛ لأنه من بابه والمسح إليه أقرب، وله أشبه.
وأيضا فإن عروض ما إذا … ذكروه الصلاة التي أديت في حال المسح وهي صحيحة، وليس أمرها مراعى أو موقوفا، وكذلك النكاح ليس أمره مراعى، وقد مضى سليما.
وأيضا فإن النكاح لا يبطله مضي زمان من غير فعل مؤثر، والمسح يزول حكمه - عندكم - بمضي مدة المقيم ومدة المسافر.
[ ٣ / ١٣٢٣ ]
ويقوي ما نقوله في المسألة: أن من عليه رقبة من ظهار أو قتل، إذا كان واجدا لها لم يجز له الصوم، فلو لم يجدها ثم دخل في الصوم، ثم جد الرقبة فإنه يمضي على صيامه ما دام على حاله، فلو أفسد صيام التتابع بغير عذر أو لعذر - وهو واجد للرقبة - عاد إلى حكم الرقبة التي لا يجوز له مع وجودها في الابتداء العدول إلى الصوم، فصارت الأبدال على طريقة واحدة.
ومثل ذلك، هدي القرآن والتمتع وغيرها إذا عدمها حتى دخل في صيام العشرة الأيام، ثم وجد الهدي فإنه يمضي على صيامه، فلو أفسده رجع إلى الهدي الذي في ملكه، فقد استمر هذا في الأصول، وبالله الموفق.
واعتبارنا أولى؛ لاه يؤدي إلى إسقاط الصلاة بيقين.
فأما الكلام في غسل الرجلين عند نوع الخفين دون استئناف الطهارة من أولها، فمبني على جواز تفرقة الوضوء لعذر، فإن أخر غسل رجليه استأنف الطهارة من أولها.
وقد مضى الكلام في الموالاة في موضعه.
وقد ذكرنا أن أحد قولي الشافعي أنه يستأنف الطهارة من أولها على كل حال.
ويجوز أن ندل على أن عليه غسل رجليه في الحال دون استئناف الطهارة بأن نقول: الأصل ألا شيء عليه قبل نزعهما، ثم قامت دلالة على غسل الرجلين، وبقي الباقي على الأصل.
[ ٣ / ١٣٢٤ ]
وأيضا فإنه بدل بطل حكمه بظهور مبدله فوجب فوجب أن يلزمه غسل ما كان البدل نائبا عنه. دليله التيمم، وذلك أن الإنسان إذا عدم الماء وتيمم فن التيمم نائب عن غسل جميع الأعضاء، فإذا وجد الماء لزمه غسل جميع الأعضاء التي كان التيمم نائبا عنها، كذلك أيضا مسح الخفين بدل عن غسل الرجلين، ونائب عنهما، فإذا بطل حكمه بالنزع لزمه غسل الرجلين؛ لأن المسح عنهما لا عن غيرهما.
فإن قيل: هذا فاسد به إذا أخر غسلهما.
قيل: لا يلزم؛ لأنه ليس علية الاستئناف هي النزع، وإنما العلة لشيء آخر، وهو تأخير غسل الرجلين، وإلا فالواجب بالنزع وهو غسل الرجلين فقط.
وأيضا فإن مسح الخفين في حكم رفع الحدث؛ لأن الحدث حقيقة يرتفع؛ لأن مسح الخفين ليس كغسل الرجلين الذي يرتفع معه الحدث حقيقة.
والدليل على أنه لا يرفع الحدث حقيقة، وإنما هو تابع للأعضاء المغسولة: وهو أن كل طهارة ترفع الحدث لم تبطل قبل وجود الحدث، وكل طهارة لا ترفع الحدث يجوز أن تبطل قبل الحدث، كالتيمم، فلما كان المسح على الخفين يبطل حكمه بنزع الخفين، علم أنه لم يرفع الحدث، فإذا لم يرفع الحدث عن الرجلين، وإنما استباح الصلاة بالمسح، فإذا نزع الخف فقد بطلت الاستباحة، وصار كمن غسل
[ ٣ / ١٣٢٥ ]
الأعضاء الثلاثة وبقي غسل رجليه فيكفيه أن يغسل رجليه.
فإن قيل: قد روى صفوان بن عسال قال: كان رسول الله ﷺ يأمرنا إذا كنا مسافرين أو سفرا ألا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليها إلا من جنابة، لكن من غائط وبول ونوم، ثم نحدث وضوءا بعد ذلك، فأخبرنا أن النبي ﵇ أمر بالوضوء عند نزع الخف، وإطلاق الوضوء يقتضي وضوءا كاملا.
قيل: الخبر يدل على أنه ينزع الخف للجنابة، وإذا كان جنبا أحدث وضوءا كاملا مع غسله، فنقول بموجبه.
فإن قيل: فإنه معنى يبطله الحد فوجب أن يكن انتقاض جزء منه كانتقاض جميعه، أصله الصلاة إذا بطلت ركعة منها بطلت كلها.
وأيضا فإن المسح على الخفين يرفع الحدث؛ بدليل أنها طهارة بالماء، وكل طهارة بالماء فإنها ترفع الحدث كغسل الرجلين. ألا ترى أنه يجمع بالمسح على الخفين بين صلوات كثيرة، وكل طهارة يستباح بها الجمع بين الفرضين فإنها ترفع الحدث، كغسل الأعضاء كلها، عكسه التيمم، فإذا كان يرفع الحدث فالحدث إذا ارتفع لم يبطل إلا بالحدث، فعلم أن نزع الخفين كالحدث، والمتطهر إذا أحدث لم يكفه غسل الرجلين.
قيل: أما القياس على صلاة فليس بصحيح؛ لأن فساد ركعة يفسد الصلاة، فعروضه أن يفسد غسل الرجلين، والرجلان فلم
[ ٣ / ١٣٢٦ ]
يحصل فيهما غسل، وإنما فسد مسح الخفين، والمسح ليس من جنس المغسول، وإذا فسد رجع الفرض إلى غسل القدمين حتى تساوي الأعضاء التي غسلت.
وقولكم: إن مسح الخفين يرفع الحقد فقد قلنا: إنه يصير في معنى رفع الحدث؛ لأنه تابع للأعضاء المغسولة ليس كالغسل حقيقة، وما هو في حكم المغسول فهو أضعف من المغسول، فلهذا لم يكن نزع الخف حدث، وبالله التوفيق.
[ ٣ / ١٣٢٧ ]