غسل الجمعة سنة، وبه قال جميع الفقهاء إنه ليس بفرض. إلا ما روي عن كعب الأحبار أنه قال: لو وجدت ماء بدينار لأشتريته وهذا يدل على أنه يذهب إلى وجوبه، به قال داود.
واحتج بما رواه ابن عمر أن النبي ﵇ قال: «من أتى الجمعة
[ ٣ / ١٣٤٩ ]
فليغتسل»، وهذا يقتضي الوجوب.
وروي عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ قال: «غسل الجمعة واجب يوم الجمعة على كل محتلم»، وهذا أشد خبر يحتجون به.
وروت حفصة أنه ﵇ قال: «على كل مسلم أن يروح إلى الجمعة، فمن راح إلى الجمعة فليغتسل».
والدليل لقولنا: ما رواه الثوري عن يزيد الرقاشي عن أنس بن
[ ٣ / ١٣٥٠ ]
مالك أن رسول الله ﷺ قال: «من توضأ فبها نعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل»، والدليل منه من وجهين:
[ ٣ / ١٣٥١ ]
أحدهما: أنه جوز الاقتصار على الوضوء بقوله: «فبها ونعمت»، فلعم به أن الغسل ليس بفرض.
والوجه الآخر: هو أنه أخرج الاغتسال مخرج الفضيلة.
وأيضا: ما رواه صفوان بن عسال المرادي قال: كان رسول الله ﷺ يأمرنا إذا كنا مسافرين ألا ننزع خفافنا إلا من جنابة، لكن من غائط.
[ ٣ / ١٣٥٢ ]
ونوم وبول فأمر ﵇ باستدامة لبس الخف، ذكر نزعه عند الجنابة حسب، فمن زعم أن نزعه يجب لغسل الجمعة خالف ظاهر الخبر، وأوجب ما لم يذكر فيه.
ولنا أيضا ما رواه ابن عباس ﵄ وعائشة - رحمة الله عليها - أن الناس كانا عمال أنفسهم، وكانوا يروحن إلى الجمعة - وعليهم الصوف والمسجد ضيق -، وروي: إن عليهم الجلود، فكانوا يعرقون، ويتأذى بعضهم بروائح بعض، فقال ﵇: «لو اغتسلتم»، أي اغتسلتم لتزول الرائح من العرق، فعلل ﵇ الغسل وبين أنه للتنظيف.
وأيضا ففي المسألة إجماع الصحابة، وذلك ما رواه مالك عن الزهري عن سالم عن عبد الله بن عمر أن عثمان دخل في يوم الجمعة، وعمر ﵁ يخطب، فقال لعثمان: أية ساعة هذه؟. فقال: ما زدت على أن توضأت بعد أن انقلبت من السوق. فقال له: والوضوء أيضا، وقد علمت أن رسول الله ﷺ كان يأمرنا بالغسل، فترك
[ ٣ / ١٣٥٣ ]
عثمان الغسل، ولو كان واجبا ما تركه، ثم إن عمر أقره على ذلك بحضرة الصحابة لم ينكر أحد ذلك، فلو كان واجبا ما أقره على ذلك.
وقول عمر: والوضوء أيضا. يعني أنك تأخرت إلى هذا الوقت ولم تغتسل. وقوله: إن رسول الله ﷺ كان يأمرنا بالغسل. إنما هو على طريق الاستحباب؛ بدليل ما قاله ﵇: «من توضأ فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل»، وبهذا الإجماع.
ما روي أنه قال: «غسل الجمعة واجب»، محمول على وجوب سنة، بما ذكرناه من الدلائل.
ونقول أيضا: هو غسل لأمر مستقبل لم يتقدم سببه فوجب أن يكون غير واجب. أصله الغسل للحج، لأن الغسل الواجب هو ما تقدم سببه.
ولنا أن نقول: إن هذا الغسل مأمور به لأجل الجمعة أو لصلاة جماعة لا لحدث، فأشبه الغسل لصلاة العيدين والاستسقاء وغير ذلك من الحج، فلما لم يكن الغسل لجميع ذلك فرض … أو لما ذكرناه فكذلك للجمعة.
[ ٣ / ١٣٥٤ ]
فإن قيل كفقد روي أنه ﵇ قال: «غسل الجمعة»، وروي أنه قال: «غسل الجمعة واجب كغسل الجنابة» وهذا آكد ما يكون في كونه فرضا.
والأخبار التي رويتموها فهي عن أنس وسمرة.
وأما يزيد الرقاشي عن أنس فضعيف الحديث، وقد يرويه بعضهم عن الحسن عن سمرة، وليس بالوجه الواضح.
وما رويتموه عن عثمان مع عمر ﵀ عليهما، فإنه لم يأمره بالخروج والغسل؛ لأن الوقت كان قد ضاق فيما ذكرتموه.
قيل: أما الخبر الذي قال فيه: «غسل الجمعة فريضة» فالفرض: هو التقدير في الموضع، كقوله - تعالى -: ﴿سورة أنزلناها وفرضناها﴾، ومثله يقال: فرض القاضي النفقة، أي قدرها، ولم يرد الفرض الذي هو في الشريعة من تركه فقد عصى؛ بدليل ما روي
[ ٣ / ١٣٥٥ ]
عنه أنه قال: «غسل الجمعة سنة»، وبدليل الأخبار التي … ذكرناها.
وقولكم: إن يزيد الرقاشي ضعيف فليس كذلك؛ لأن الأعلام الثقات قد رووا عنه.
وأما حديث سمرة، أنه روى بعضهم عن السحن عن سمرة فلا يضر مثل هذا في الحديث إذا أرسل أو أسند.
وأما حديث عثمان مع عمر ﵄، فإن كان لم يأمره بالخروج والغسل لضيق في الوقت فذلك أقوى دليل على أنه ليس بفرض؛ إذ لو كان فرضا لكان أولى من استماع الخطبة، ولا يسقط فرض في الجمعة لضيق الوقت، ولم يكن دخل في الصلاة بعد فيقال: تفوته الصلاة. مع أنه لو كان شرطا في صحة الجمعة لم يجز أن يدخل فيها بغير شرطها، والغسل كالخطبة التي يختص بأدائها الإمام وحده؛ لأن الغسل على ما يزعمون مفترض على كل إنسان في نفسه، فلما لم يخرج عثمان، وقد ترك الغسل عامدا، ولم يأمره عمر ﵁ بالخروج والغسل، ولم ينكر أحد من الصحابة، دل ذلك على سقوط فرضه، وعلم أن نكير عمر على عثمان ﵄ بالخروج إنما هو لتركه سنة مؤكدة، ولكن السنن إذا ضاق الوقت وحصل استماع الخطبة الذي هو واجب. خاصة مع استماع الحاضر خطبة الإمام صارت السنن ما قد فات وقتها، فيتشاغل عنها بالأهم.
[ ٣ / ١٣٥٦ ]
وقوله ﵇: «غسل الجمعة واجب كغسل الجنابة»، فإنه ﵇ أراد وجوب سنة، وهو في صفته كغسل الجنابة بالدلائل التي تقدمت، وبالله التوفيق.
[ ٣ / ١٣٥٧ ]
فصل
وينبغي أن يكون الجمعة متصلا بالرواح، وهذا هو المستحب والمسنون، وبه قال أبو حنيفة، والشافعي.
وقال قوم: إنه إن اغتسل قبل الفجر أجزأه.
قالوا: إنه لا خلاف أنه لو اغتسل للعيد قبل الفجر أجزأه واعتد به، فكذلك الجمعة؛ لأنه غسل عيد.
والدليل لقولنا: ما رواه ابن عمر أن النبي ﷺ قال كمم من جاء إلى الجمعة فليغتسل»، وفي خبر: «من راح إلى الجمعة»، «من أتى إلى الجمعة»، فقرن الغسل بالمجيء والرواح، المجيء والرواح قرنا بالغسل أيضا.
[ ٣ / ١٣٥٩ ]
وكذلك في حديث حفصة أنه ﵇ قال: «على كل مسلم أن يروح إلى الجمعة فمن راح إلى الجمعة فليغتسل»، فجعل وقته وقت الرواح خلاف التغليس والبكور.
وأيضا قد روى أبو سيعد الخدري أن الني ﵇ قال: «الغسل واجب على كل محتلم يوم الجمعة»، ففيه دلالة على أنه لا يجزئ قبل الفجر؛ لأنه قال: «يوم الجمعة»، وقبل الفجر ليس من يوم الجمعة.
فإن قيل: ففي هذا دلالة عليكم؛ لأنه جعل جميع النهار وقتا له.
قيل: كل النهار ليس وقتا للجمعة؛ لأن غسل الجمعة هو قبلها، فعلم أنه أراد قبل الزوال لا قبل الفجر.
فإن قيل: قد علمنا أنه ﵇ لم يرد الغسل بعد الرواح والمجيء وإنما معناه: من أراد المجيء والرواح فليغتسل، وهذا قبل الفجر وبعده يريد الرواح فيغتسل.
قيل: فينبغي إذا عزم وأراد المجيء إلى الجمعة يوم الخميس أو ليلة الجمعة أن يغتسل، وهذا مثل قوله - تعالى -: ﴿إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم﴾، أي إذا أردتم القيام إلى الصلاة فاغسلوا عند القيام، كذلك هذا يغتسل عند الرواح، ولولا أن دلالة قامت في جواز تقديم الوضوء لما زلنا عن الظاهر وهو وجوب الوضوء عند القيام إلى الصلاة.
[ ٣ / ١٣٦٠ ]
وأيضا فإنه غسل للجمعة قبل يومها فوجب ألا يعتد به، كما لو اغتسل يوم الخميس.
وقال الشافعي: إنه [إن] غسل في يوم الجمة لها قبل فعلها فوجب أن يعتد به، أصله إذا اغتسل قبل الرواح.
قيل: هو معتد به، وإنما الاستحباب ما قلناه. ثم لو قلنا: إنه لا يعتدد به من السنة إذا تأخر مضيه إلى الجمعة؛ لأننا قد عرفنا المعنى الذي من أجله أمروا بالغسل فينبغي أن يكون متصلا بالرواح؛ ليكون رواحه متصلا بالنظافة وقطع الروائح من العرق وغيره؛ لأنه بعد رواحه ينتظر الصلاة، ولعله يعرق، وتفوح له رائحة فكل ما كان غسله متصلا برواحه كان أقطع لما يحدث منه بعد الرواح.
يقوي هذا: أنه لا يجزئه الغسل قبل الفجر؛ لبعده عن المعنى المراعى.
يقوي هذا: ما روي أن الناس كانوا عملا أنفسهن، فكانا يروحون بهيئتهم، فتفوح روائحهم، قيل: «لو اغتسلتم».
ويجوز أن نقول: قد اتفقنا أنه لو اغتسل لها قبل الفجر لم يجز؛ بعلة أنه غسل سن لأجل الاجتماع للجمعة، ولقطع الروائح عنهم، فلما لم يتصل ذلك بالرواح لم يجزئه من غسل الجمعة، كذلك هذا؛ لأن غير متصل بالرواح.
[ ٣ / ١٣٦١ ]
ونقول أيضا: لو جاز تقدمة الغسل ويكون هو المسنون إذا لم يتعقبه المجيء إلى الجمعة عن كان مشترطا بالمجيء ليجوز تقدمة الغسل قبل يوم الجمعة وإن كان مشترطا في الجمعة، فلما لم يجز ذلك؛ لأنه خلاف الشرط المأمور به كذلك في مسألتنا، وبالله التوفيق.
[ ٣ / ١٣٦٢ ]
ومن كتاب الحيض