قال مالك ﵀: ويستمتع من الحائض بما فوق إزارها، ولا يقرب أسلفها، فأما الاستمتاع بما دون الإزار، هو ما بين السرة والركبة إلى الفرج فظاهر قوله أنه محرم، به قال أبو حنيفة وأبو يوسف فيما حكاه الطحاوي عنهم، وهو ظاهر قول الشافعي.
وقال محمد بن الحسن: يجوز فيما دون الفرج، وبه قال بعض أصحاب الشافعي، وحكى أن الشافعي قد أشار إليه.
[ ٣ / ١٣٧٧ ]
قالوا: لما روى أيوب عن عكرمة عن بعض زوجات النبي ﵇ أن رسول الله ﷺ كان إذا أراد أن يباشر امرأته هي حائض أمرها أن تلقي على فرجها ثوبا، والثوب على الفجر لا يحول بينه وبين ما عداه، فدل على جوازه.
وأيضا: فقد قال ﵇ لعائشة ﵂: «ناوليني الخمرة من المسجد»، فقالت: إني حائض. فقال: «ليست الحيضة في يدك»، فبين أن كل موضع لا يكون موضعا للحيض لم يتعلق به حكم الحيض، قالوا: وهذا نص.
قالوا: ولأنه لما منع من الإيلاج في الموضع المكروه - وهو الدبر - لم يمنع مما قاربه، وكذلك الفرج في حال الحيض لما منع منه لم يمنه مما قاربه.
والدليل لقولنا: ما روي عن عائشة ﵂ أنها قالت: كنت مع النبي ﷺ في الفراش، فحضت، فقال: «مال لعلك قد
[ ٣ / ١٣٧٨ ]
حضت؟». فقلت: نعم. فقال: «ائتزري وارجعي»، فأمرها أن تأتزر لتحول بينه وبين ذلك الموضع، فعلم أن مباشرة ذلك الموضع - اعني ما دون الإزار - محرم.
ولنا من الظاهر قوله - تعالى -: ﴿فاعتزلوا النساء في المحيض﴾، فأمر باعتزالهن جملة في المحيض، لم يقل: فاعتزلوا موضع لحيض.
فإن قيل: قوله: ﴿المحيض﴾ هو موضع الحيض، فكأنه قال: فاعتزلوهن في موضع الحيض، وكذا نقول.
قيل: المحيض كناية عن الحيض، فالمارد زمان الحيض الذي يصح أن يكون ظرفا لما يقع الاعتزال فيه، وهو زمان يطرأ فيه الحيض، قد تقدم، وهو ظرف لنا نحن أيضا فيه نعتزلهن، والرحم ظرفا لنا، فالمقصود الزمان الذي هو ظرف لنا وللنساء وللحيض جميعا، ولو أراد - تعالى - موضع الدم لقال: فاعتزلوا موضع الدم، وقد أكد ذلك - تعالى بقوله: ﴿ولا تقربوهن حتى يطهرن﴾، وهذا يقتضي أن لا نقربهن جملة، ولكن لما سئل النبي ﵇ فقال له السائل: ماذا يحل لي من امرأتي وهي حائض؟. فقال: «لتشد عليها إزارها، وشأنك
[ ٣ / ١٣٧٩ ]
بأعلاها، فأعلمنا أن ما فوق الإزار يجوز أن يقرب، وهو حلال، ودل على أن أسفل الإزار حرام؛ لأنه قال له: ماذا يحل لي من امرأتي، فلما أحل له الفوقاني دل على أن السفلاني حرام، وبقوله - تعالى - ﴿ولا تقربوهن حتى يطهرن﴾.
وهذا الخبر يصلح أن يكون دليلا مبتدأ في هذه المسألة إذا رتب هذا الترتيب.
ثم مع هذا فنحن نعلم أن النبي ﵇ كان أملك لإربه من كل أحد عن المحارم، فلو كان الممنوع منه هو موضع الدم لم يقل النبي ﵇.
[ ٣ / ١٣٨٠ ]
لعائشة ﵂: «شدي عليك إزارك»، لأنه لا يخاف منه التعرض لمكان الدم الممنوع منه، ولكنه امتنع مما قارب الموضع؛ لأنه من دواعيه فامتنع منه لذلك، وقد وقع الامتناع في الشريعة من دواعي الشيء المحرم لغلظه، من ذلك: الخطبة في العدة، ونكاح المحرم وتطيبه؛ لأن ذلك يدعو إلى شهوة الجماع المفسد للحج.
وأيضا فقد روي عن علي ﵁، رسول الله ﷺ سئل فقيل له: ما يحرم على الرجل من امرأته وهي حائض؟. فقال: «ما تحت الإزار»، فهذا نص.
فإن قيل: الإزار عبارة عن المئزر، وعبارة عن الجماع والفرج؛ بدليل حديث سعد فكشفنا عن مؤتزرهم، فمن أنبت قتلناه، ومن لم ينبت جعلناه في الذراري.
[ ٣ / ١٣٨١ ]
ومما يدل: على أن الإزار كناية عن الجماع قول الشاعر:
قوم إذا حاربوا شدوا مآزرهم … دون النساء لو كانت بأطهار
أراد يشدون مآزرهم، أي يمتنعون من الجماع.
قيل: قد يقع اسم الغزار على ما ذكرتم على طريق المجاز والكناية، وإنما يحمل الخبر عليه إذا احتمله، والخبر لا يحتمله؛ لأنه لم يقل شدي على فرجك، وإنما قال: «شدي عليك إزارك»، وقال: «سيحرم ما تحت الإزار»، والذي تحته الفرج وما قاربه، ولا يجوز أن يكون أراد به الجماع؛ لأنه لا يكني عنه بقوله: «شدي عليك إزارك».
وأيضا فإن الإيلاج في الفرج في حال الحيض محرم لأجل الأذى، قال الله - تعالى -: ﴿ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض﴾، فإذا ثبت المنع من الرج للأذى وجب أن يكون ممنوعا مما قاربه؛ لأنه في الغالب يصيبه الأذى؛ إذ دم الحيض يسيل باختياره ويستمسك باختياره.
[ ٣ / ١٣٨٢ ]
فإن قيل: علة الفرج دائمة؛ لأن الأذى فيه قائم دائم، والذي يقاربه يجوز أن يصيبه أذى ويجوز أن لا يصيبه.
قيل: لا فرق بينهما؛ لأن الأذى ليس بدائم في الفرج، وإنما ينصب من الرحم إلى الفرج، فتارة يكثر وتارة يقل، وتارة يمسك، فإذا خرج فالغالب منه ملاقاة ما قاربه.
فإن قيل: دم الحيض إنما منع ملاقاته في محله وموضعه، فأما إذا زايل موضعه لم يمنه من ملاقاته في محله وموضعه، فأما إذا زايل موضعه لم يمنع من ملاقاة وجهها؛ لأن الدم ليس في محله، كذلك لا يمنع من ملاقاة ما قارب لفرج وإن أصابه دم الحيض.
قيل: وعن ها جوابان:
أحدهما: أنه يمنع من ملاقاة دم الحيض إذا كان جاريا، فكذلك إذا كان على الوجه منع منه؛ لأن مباشرة النجاسة لا تجوز.
والجواب الثاني: أن دم الحيض إنما يمنه من ملاقاته إذا سأل من محله جرى من موضعه، وعلى ما يقارب الفجر يسيل من موضعه، فأما على وجهها فلا يسيل من موضعه، فلم يثبت حكم المنع من ملاقاته.
وعلى أن ما يقارب الشيء قد يكون في حكمه، ويفارق ما بعد منه.
فأما حديث أيوب عن عكرمة فهو حجة لنا، لأنه ﵇ أمرها بأن تلقي الثوب على فرجها، وقد علم أن الثوب إذا حصل على الفرج
[ ٣ / ١٣٨٣ ]
غطاه وغطى غيره مما يقاربه، فصار كالمئزر.
وأما قوله لعائشة ﵂: «ليست الحيضة في يديك»، فنما كان كذلك؛ لأن ما يصيبه من سيلان الجم من الفرج فهو في حكمه.
على أن الذي قال لها هذا هو الذي قال لها: «شدي عليك إزارك وعودي إلى مضجعك»، وقال للرجال: «شأنك بأعلاها»، وقال: «ما تحت الإزار حرام».
فإن قيل: فإنما منه من وطئها من أجل الدم هو الحيض فوجب أن يكون المنع مقصورا على موضعه.
قيل: لو وجب هذا لوجب أن يكون الغسل مقصورا على ذلك الموضع؛ لأن الغسل وجب لأجل الدم، فلما وجب غسل جميع البدن دل على أن الدم قد أحدث في جميع البدن حكما، وأوجب منه الوطء في
[ ٣ / ١٣٨٤ ]
الموضع ما قاربه خوف الذريعة، كما قال ﵇: «ومن رتع حول الحمى يوشك أن يواقعه»، وقال في الفأرة تقع في السمن: «تطرح وما حولها»، فحكم لها قاربه بحكمه.
وقد روى عمير - مولى لعمر بن الخطاب ﵁ أنه سأل النبي ﷺ فقال: «ما يحل لي من امرأتي وهي حائض؟. فقال: «لك منها ما فوق الإزار، وليس لك ما تحته».
[ ٣ / ١٣٨٥ ]
فإن قيل: قد روي عن عائشة ﵂ أن النبي ﵇ كان يباشر نساءه وهن حيض في إزار واحد.
وروي أنها قالت: كل شيء منها له حلال إلا الجماع.
وعن أنس مثله.
[ ٣ / ١٣٨٦ ]
قيل: لا دلالة في هذا؛ لأنه ﵇ كان يقسم لنسائه لا يأتي إحداهن في يوم الأخرى، فإن أرادات أنه كان يباشر كل امرأة في إزار واحد وعليها مئزرها، فليس فيه أنه يستمتع بما دون الإزار، وقد ثبت عنه تحريم ما دون الإزار. وأما قلها: كل شيء منها حلال إلا الجماع، فهو حجتنا: لأن الجماع يكن في الفرج وخارجه وما قاربه، فكأنها قالت: كلها حلال إلا ما تحت الإزار، وهو موضع الجماع، ويصلح له بدلالة ما ذكرناه، وبالدلائل الأخرى.
وأيضا فقول النبي ﷺ أولى من قول الصحابي.
وأيضا فإنه يحظر وخبر الصحابي يبيح، فالحظر أولى، والله الموفق.
[ ٣ / ١٣٨٧ ]