إذا انقطع دم الحائض لم يجز وطؤها حتى تغتسل، سواء انقطع قبل تناهي حيضها أو بعد أكثره، وهو مذهب الشافعي، وأكثر الفقهاء.
وقال أبو حنيفة: إن انقطع لأكثر الحيض - الذي هو عنده عشرة أيام - جاز وطؤها قبل غسلها، وإن انقطع لدون أكثر حيضها في دن العشر لم يجز وطؤها حتى تغتسل، أو يمر عليها وقت صلاة؛ لأن الصلاة تجب - عنده - بآخر الوقت، فإذا مضى آخر الوقت جبت عليها الصلاة، فعلم أن الحيض قد زال؛ لأن الحائض لا تجب عليها الصلاة.
وقال الأوزاعي: إن غسلت فرجها جاز وطؤها، وإن لم تغسله لم
[ ٣ / ١٣٨٩ ]
يجز وبه قالت طائفة من أصحاب الحديث.
واحتجوا بقوله - تعالى: ﴿ولا تربوهن حتى يطهرن﴾؛ أي ينقطع دمهن، فمنع - تعالى - من قربان الحائض، وجعل للمنع غاية هي انقطاع الدم، فعلم أن الحكم بعد الغاية بخلافة قبلها.
قالوا: ولأنها أمنت من معاودة دم الحيض فجاز وطؤها، كما لو اغتسلت، أو لأن الصوم قد حل لها فجب أن يحل لها فوجب أن يحل وطؤها، كما لو اغتسلت.
قالوا: وأيضا فإن الحكم إذا وجب لعلة زال بزوالها، كذلك ها هنا إنما كان المنع لأجل الحيض - وقد زال - فوجب أن يزول المنع.
قالوا: ولأن الحيض قد زال إنما بقي عليها استحقاق الغسل، استحقاق الغسل لا يمنع من الوطء كالجنابة.
والدليل لقولنا: قوله - تعالى -: ﴿ولا تقربوهن حتى يطهرن فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله﴾، والاستدلال من هذه الآية من وجهين.
أحدهما: إنها قد قرئت بقرائتين ﴿حتى يطهرن﴾ مخففة،
[ ٣ / ١٣٩٠ ]
و﴿حتى يطهرن﴾ مشددة، أي يتطهرن بالماء، فأراد انقطاع دمهن وتطهرهن بالماء وإلا تناقض.
والدليل الثاني منها: (أنه - تعالى - قال: ﴿فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله﴾، أي يفعلن الطهارة، فأضاف فعل التطهر إليهن، وانقطاع الدم ليس إليهن فعله، فعلم أنه أراد التطهر بالماء. ثم إنه - تعالى - أثنى على من فعل هذه الطهارة فقال: ﴿إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين﴾، الثناء لا يقع إلا على فعل يصدر من جهتهن، وانقطاع الدم ليس من جهة المرأة فلا يقع الثناء عليه. قال الله - تعالى -: ﴿ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا﴾، فإذا تقرر أن المرد به فعل الطهارة بالماء صار كأنه - تعالى - قال: ولا تقربوهن حتى يطرهن، أي ينقطع دمهن، ويتطهرن بالماء، لأنه قال: ﴿فإذا تطهرن فأتوهن﴾ أي تطهرن بالماء، وهذا كقوله: لا تعط زيادا شيئا حتى يدخل الدار فإذا دخل الدار وقعد فأعطه درهما يقتضي آن لا يستحق الدرهم إلا بوجود الشرطين، هما دخول الدار من غير قعود فلا يستحق به شيئا.
فإن قيل: هذا غلط في اللغة، وخلاف موجبها؛ لأن قله: ﴿حتى يطهرن﴾ شرط، وقوله: ﴿فإذا تطهرن﴾ جواب الشرط، وجواب الشرط يتعلق بما يتعلق به الشرط، فقوله - تعالى -: ﴿فإذا تطهرن﴾
[ ٣ / ١٣٩١ ]
أي انقطع دمهن؛ حتى يكونا جوابا لقوله: ﴿حتى يطهرن﴾؛ إذ لا يصح أن يجعل جوابه فإذا اغتسلن؛ لأنه خلاف اللغة، كقولهم: لا تعط زيدا حتى يدخل الدار فإنه دخل الدار فأعطه، فقوله: فإذا دخل يقتضي أن يكون الدخول هو الدخول المشرط لا صفة أخرى.
قيل: عن هذا جوابان:
احدهما: أن جواب الشرط يقتضي أن يكون ما تعلق به الشرط لا صفة أخرى ومعنى آخر كما ذكرتم، ولكنه لا يحتمل أن يكن قوله: ﴿فإذا تطهرن﴾ جواب له أصلا؛ لما ذكرناه من الوجهين، وذلك أنه - تعالى - أضاف الفعل إلى النساء، وأثنى على من فعل ذلك، وهذا لا يحتمل انقطاع الدم، فإذا لم يحتمل أن يكون هذا جوابا له؛ ولا بد للشرط من جواب، علم، جوابه مضمر فكأنه قال: ولا تقربوهن حتى يطهرن فإذا طهرن وتطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله، فلا تحل إلا بوجود شرطين.
والجواب الثاني: هو أن الشرط في الآية الطهارة بالماء بالقراءة التي ذكرناها ﴿حتى يطهرن﴾، [فقوله: ﴿فإذا تطهرن﴾، وهذا يسقط كلامهم أصلا.
فإن قيل: قولكم ﴿فإذا تطهرن﴾، أضاف الفعل إليهن، ولا يجوز أن يعود إلى انقطاع الدم غلط، لأن ﴿يطهرن﴾ بمعنى يفعلن، كما يقال: ينكسر وإن لم يكن هو فعل ذلك فمعنى قوله: ﴿تطهرن﴾ أي طهرن.
[ ٣ / ١٣٩٢ ]
قيل: هذا غلط، لأن الفعل أضيف إلى الحائض لا إلى الدم.
على أن الحقيقة معنا في ذلك فلا ننقله إلى المجاز. ويفيدنا أيضا منع الوطء إلا بيقين؛ لغلظ أمره.
فإن عادوا أدلتهم من الآية، وأن التحريم تعلق بغاية هي انقطاع الدن، والحكم إذا علق بغاية دل على أن ما عداها بخلافها.
قيل: هذا صحيح إذا كانت الغاية واحدة، فأما إذا علق على غايتين وشرطين فإنما يكون الحكم بخلافه بعد وجود الشرطين جميعا لا بعد أحدهما.
فإن قيل: فإننا نستعمل القراءتين جميعا في قوله - تعالى -: ﴿حتى يطهرن﴾، و﴿تطهرن﴾، فنحمل الخفيفة على انقطاع الدم الذي هو أكثر الحيض، ونحمل ﴿تطهرن﴾ على من انقطع دمها في دون العشر فلا يجوز وطؤها حتى تغتسل.
قيل: عن هذا جوابان:
أحدهما: أن القرائتين جميعا لم يتجردا عن قوله: ﴿فإذا تطهرن فأتوهن﴾ أي تفعلن، فحصلت الإباحة في القرائتين بشرط ثان مصرحا ومستدلا عليه بقوله: ﴿حتى يطهرن﴾، لم يتجرد قوله - تعالى -: ﴿حتى يطهرن﴾ فخفف من القراءة الأخرى بالتثقيل، ومعناها غير معنى المخففة، وإنما المثقلة للاغتسال، فينبغي أن يجمعا؛ بين قوله: ﴿يطهرن﴾ و﴿يطهرن﴾، فلا يجوز الوطء إلا بعدهما جميعا؛ لعلة قوله: ﴿فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله﴾، وهذا
[ ٣ / ١٣٩٣ ]
كقوله - تعالى - ﴿فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره﴾، يقتضي عقد النكاح، ثم أضيف إلى العقد الوطء بالدلالة من السنة فإضافة الغسل إلى انقطاع الدم أولى بالدليل المتصل به من القرآن، وهو قوله - تعالى -: ﴿فإذا تطهرن﴾.
فإن قيل: ما قلناه أولى؛ لأنه يفدي حكمين في حالين مختلفين.
قيل: حكمهما على قلتم. . .، لأنه - تعالى - علق الشرطين في جميع ذوات الحيض إذا انقطع عنهن الجم في القراءتين جميعا، فاستعمال أحدهما فيهن جميعا ينفي الشرط الآخر فيهن.
فإن قيل: تحمل القراءة الخفيفة فيهن جميعا على الجواز، والثقيلة على الاستحباب، وهو أن يكون الوطء بعد الغسل.
قيل: إنما يجوز ذلك لو تجردت القراءتان من قوله - تعالى -: ﴿فإذا تطهرن فأتوهن﴾، فأما وقد جعل شرط الإباحة هو الاغتسال بقوله: ﴿فإذا تطهرن فأتوهن﴾ فلا يجوز أن يحمل على غير الوجوب.
ويجوز أن نقول: إن بقاء حكم حدث الحيض يمنه من وطئها حتى
[ ٣ / ١٣٩٤ ]
تغتسل، كما إذا انقطع دمها قبل العشر، لما تغتسل ولم يمر عليها وقت صلاة.
فإن قيل: هو منتقض بها إذا انقطع دمها ولم تجد الماء فتيممت فإن حكم دم الحيض باق؛ لأن حدثها لا يرتفع وهو باق، ومع هذا فيجوز وطؤها قبل أن تغتسل.
قيل: هذا غلط علينا، لا يجوز له وطؤها بالتيمم؛ لأنه حين يولج ينتقض حكم تيممها فتكون في حكم الحيض كما كانت قبل التيمم.
ويجوز أن نقول: هي ممنوعة من الصلاة بحكم الحيض مع قدرتها على الغسل فلم جز وطؤها، أصله ما ذكرناه من انقطاع الدم قبل العشر وقبل مضى وقت صلاة.
[ ٣ / ١٣٩٥ ]
فإن قيل: العلة الأولى منتقضة بالكتابية تحت المسلم إذا انقطع دمها ثم اغتسلت فإن حدثها لا يرتفع؛ لأنه لا نية لها صحيحة في العبادة، ومع هذا فإن زوجها يطؤها.
قيل: عن هذا جوابان:
أحدهما: أن حدثها بالحيض قد ارتفع بغسلها، عن كانت ممنوعة من الصلاة؛ لأنه لا يمتنع أن يكون الغسل لمعنيين: أحدهما: استباحة الزوج الوطء، والأخر: للصلاة، فيرتفع منع الزوج وبقى المنع من الصلاة. ألا ترى أن الزوج يطأ الجنب المحدثة بغير الحيض، وهي لا تصلي.
فإن قيل: المعنى في المنع من وطئها قبل العشر إذا انقطع دمها هو: أنها لا تأمن معادة الدم الذي هو حيض فلهذا لا يجوز وطؤها حتى تغتسل أو يمضي عليها وقت صلاة.
قيل: هذا باطل به إذا اغتسلت أو مر عليها وقت صلاة فإنها لا تأمن معاودة الدم، وقد جاز وطؤها فسقط هذا.
ونقول أيضا: هذه مسلمة يجب الاغتسال عليها عن حيض سابق فلا يجوز وطؤها حتى تغتسل، دليله إذا انقطع دون العشر. وإنما احترزت بقولي: مسلمة؛ لا اختلاف الراوية عن مالك ﵀ في الكتابية فإنه قال: لا تجبر الذمية على الغسل من الحيض ويطؤها زوجها.
[ ٣ / ١٣٩٦ ]
ونقول أيضا: كل معنى حرم الوطء وغيره فإن الوطء لا يحل مع بقاء شيء مما حرم معه، أصله الحج والصوم؛ لأن الإحرام بالحج يمنع الوطء القبلة واللباس المطيب والمباشرة، ثم لا يحل الوطء مع بقاء شيء من هذه المحرمات، وكذلك الصوم.
وأيضا فإن كل موضع حرم الوطء وغيره ساوى ما حرم معه فيه في وجوب الكفارة وانفرد هو بالإفساد، وكذلك الصوم لما حرم معه فيه في وجوب الكفارة وانفرد هو بالإفساد، وكذلك الصوم لما رحم فيه الوطء وغيره من الأكل والشرب ساوى الوطء فيه سائر ما حرم عليه وانفرد الوطء بالكفارة عند بعض الفقهاء، وكذلك من طلق امرأته ثلاثا حرم عليه وطؤها وقبلتها والتلذذ بها، ثم ساوى الوطء ما حرم معه في الحكم، وانفرد الوطء بتحليلها للزوج الأول، فكذلك الحيض لما منع الوطء والصلاة والصوم فإن لم تكن للوطء مزية على غيره مما حرم معه فلا يحل إلا بعد أن تحل الصلاة مع رفع الحد أو يكون مثلها.
فأما ما احتجوا به من الآية فقد جعلناها حجة لنا من الوجه التي ذكرناها. وأما قياسهم فدق عبروا عنه بعبارتين.
إحداهما أن قالوا: يجوز لها أن تصوم فجاز أن توطأ، وهذا ينتقض بها إذا انقطع دمها في دون العشر وقبل الفجر فإنها تصوم إذا طلع الفجر الثاني ثم لا يحل وطؤها حتى تغتسل أو تطلع الشمس؛ لأن وقت الصلاة يمضى ويفوت إذا طلعت الشمس.
والعبارة الأخرى: أنها أمنت معاودة الدم إذا انقطع بعد العشر فنقول: لا تأثير لهذه العلة؛ إذا اغتسلت فسواء أمنت من معادة الدم أو لم تأمن فإن وطأها يجوز. ألا ترى أن الدم إذا انقطع قبل العشر ثم
[ ٣ / ١٣٩٧ ]
اغتسلت فإنه يطؤها؛ وهي لا تأمن من معاودة الدم. على أن المعنى في الأصل إنها اغتسلت عند انقطاع دمها، يشهد لذلك غسلها قبل العشر.
وقولهم: إن الحكم إذا وجب العلة زال بزوالها فإننا نقول: العلة قد تزول تخلفها علة أخرى، كما تقولون في النجس يزال بالبول، وكما نقول جميعا: إن الصائمة لا يجوز وطؤها لأجل الصوم، ثم لو حاضت في خلال الصوم زال حكم الصوم، وانتقل منع الوطء بالصوم فصار ممنوعا بالحيض، فكذلك أيضا يكن ممنوعا من وطء الحائض لأجل الحيض، ثم يزول الحيض، وصار المنع باقيا لأجل الغسل.
وجواب آخر: وهو أجود من الأول - هو أن العلة المانعة - عندنا - هي بقاء حكم الحدث الحيض وهذا لا يزول إلا بالغسل له.
وقولهم: إن استحقاق الغسل لا يمنع الوطء كالجنابة عنه جوابان:
أحدهما: أن الذي يمنع الوطء هو بقاء حكم حدث الحيض.
والجواب الآخر: هو أن الجنابة حجة لنا؛ لأن الوطء لا يمنع الوطء فكذلك أيضا حدثه لا منع الوطء، وحدثه هو الجنابة، ولما كان الحيض يمنع الوطء جاز أن يكون حدثه مانعا من الوطء، والله أعلم.
وعلى أن اعتبارنا أولى؛ لأن رد الوطء إلى الوطء أولى، ولأنه يصح فيه الوجود والسلب، ويرجع إلى الاحتياط في باب الفروج، ويستند إلى ما قبله من استصحاب الحال في المنع من الوطء قبل انقطاع الدم،
[ ٣ / ١٣٩٨ ]
وإلى ظاهر القرآن.
ثم نقول: إنهم لو اعتبروا الاعتبار الصحيح لكان ينبغي أن يجري الأمر على خلاف ما رتبوه؛ لأنه إذا انقطع دمها فيما دون العشر فلا يخلو أن يون الذي يحل وطأها هو انقطاعه الدم، أو مجيء وقت صلاة يبيح الوطء وإن لم تغتسل؛ لأن مجيء الوقت ليس إليها ولا يمكنها فعله، والله - تعالى - علق إباحة الوطء بشرط أن تفعله هي وهو التطهير بقوله: ﴿فإذا تطهرن﴾، ولم يقل: فإذا جاء وقت صلاة، ولقد كان ينبغي أن يكون ممنوعا من وطئها إذا جاء وقت صلاة ولم تغتسل أشد من منعه قبل ذلك؛ لأنها قبل مجيء وقت الصلاة لا تكون عاصية بترك الغسل؛ لأن الصلاة لا تلزمها، وإذا حضر وقت صلاة ولم تغتسل كانت عاصية فكان ينبغي أن تكون بمنع الوطء أولى، فثبت بهذا أن الذي يبيح وطأها هو الغسل بعد انقطاع الدم، سواء انقطع قبل العشر أو بعده، حضر وقت صلاة أو لم يحضر.
وقد قال مجاهد وعكرمة في تفسير قوله - تعالى -: ﴿فإذا تطهرن﴾ قالا: يغتسلن بالماء. وكذلك ابن القاسم سلام ابن عبد الله، وعطاء، وسليمان بن بيسار،
[ ٣ / ١٣٩٩ ]
والقاسم والليث بن سعد، والزهري، وغيرهم: إنه لا يجوز وطؤها حتى تغتسل، وبالله التوفيق.
[ ٣ / ١٤٠٠ ]