وأكثر الحيض عند مالك ﵀ خمسة عشر يوما، وبه قال الشافعي.
وقال أبو حنيفة: عشرة أيام.
والدليل لقولنا: قوله - تعالى -: ﴿ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض﴾، ولم يفرق بين حك الدم في العشرة وبعدها، فهو عموم إلا أن يقم دليل.
فإن قيل: بينوا أن ما بعد العشرة حيض حتى نسلم ما تقولون.
[ ٣ / ١٤٠١ ]
قيل: قد تكلمنا على هذا، وبينا أن النبي ﵇ قال: «دم الحيض أسود ثخين له رائحة»، وبينا أيضا أنه قال - تعالى -: ﴿هو أذى﴾ أي ما تتأذون به، فكل دم تتأذى به المرأة فهو حيض حتى يقوم الدليل.
ولنا قوله - تعالى -: ﴿ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن﴾، فأطلق ولم يخص دما من دم.
وأيضا ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: «ميقات حيض النساء وطهرهن شهرا»، فظاهر هذا أنه نصفان نصف للحيض ونصف الطهر.
وما روي أنه قال في المرأة: «إنها ناقصة العقل والدين»، وبين أن نقصن دينها أن تصلي نصف دهرها، وفي حديث: نصف عمرها، وشطر عمرها.
[ ٣ / ١٤٠٢ ]
وأيضا قوله ﵇ لفاطمة بين أبي حبيش: «إذا أقبلت الحيضة فعي الصلاة فإنه دم أسود يعرفن وإذا أدربت فا غسلي عنك الدم وصلي»، فأحالها على إقباله وإدباره، ولم يقل إذا مضت عشرة أيام، فهو عام.
وقوله أيضا للأخرى: «لتنظر عدد الأيام والليالي التي كانت تحيضهن»، ولم يقل: إلا أن تزيد على عشرة أيام.
[ ٣ / ١٤٠٣ ]
وقوله ﵇: «دم الحيض أسود ثخين له رائحة» فاعلم أن الحكم يتعلق بدم هذه صفته، لم يقيده بمدة عشرة أيام ولا غيرها فلا ينتقل عن حكمه إلا بدليل.
أيضا فإن ل وقت من الشهر أبقى لأقل الطهر وقتا جاز أن يكون ذلك الوقت كله حيضا، دليله العشرة الأيام لما كانت تبقي من الشهر ما يجوز أن يكون وقتا لأقل الطهر فالعشرة كلها حيض، كذلك الخمسة عشر لما أبقت من الشهر وقتا لأقل الطهر جاز أن تكون كلها حيضا.
[ ٣ / ١٤٠٤ ]
وأيضا فإن كان شفع من العدد قد حكم له بحكم الحيض، فالاتفاق إذا أضيف إليه نصف صار به وترا جاز أو يكون بمجموعه حيضا، دليل ذلك: الستة الأيام لما أضيف إليها نصفها فصارت شفعا وهي وتر وتكون حيضا، كذلك العشر تكون حيضا باتفاق، فإذا أضيف إليها نصفها صارت به وترا جاز أن تكون كلها حيضا.
وأيضا فإن العشرة الأيام موجودة في النساء في العرف والعادة، وجبلة وخلقة فيجوز أن يكون على تلك العادة زيادة في الحيض أصله الستة الأيام والسبعة والثمانية.
فإن قيل: فإن الصلاة في الأصل قبل الحيض عليها بيقين فلا تسقط عنها إلا بيقين، قد تيقنا سقوطها عنها بالعشر، ولم يتيقن فيما بعد.
قيل: بإزاء هذا مثله، وهو أننا تقينا سقوط الصلاة عنها في العشر فلا ينتقل عن هذا اليقين حتى نوجب عليها بعدا شيئا إلا بيقين، والصلاة وإن كانت عليها في الأصل بيقين فإنها تسقط بإقبال الحيض بيقين؛ لأننا لا نقطع على يقين ما تعلق عليها من حكم الحيض، لأنها قد تحيض وتطهر قبل العشر فلا يتحقق الوقت الذي ينقطع فيه فلا ينبغي أن ننتقل عن حكمه إذا أقبل إلا بيقين، ولسنا نتيقن على العشرة أنها أكثر لأن الخلاف قائم فيها.
فإن قيل: فقد قال - تعالى -: ﴿حافظوا على الصلوات﴾، فتجب عليها المحافظة في كل وقت إلا في الوقت الذي حصل بالاتفاق أنه.
[ ٣ / ١٤٠٥ ]
حيض، وقد اتفقنا في العشرة أنها حيض.
قيل: إنما تجب المحافظة على من عليه الصلاة بيقين، وقد تيقنا سقوطها عنها بالحيض ولم نتيقن وجوبها عليها بعد العشرة.
على أنه لو ثبت العموم لكان مخصوصا ببعض ذكرناه.
فإن قيل: قد قال ﵇: «تحيضي في علم الله ستا أو سبعا».
[ ٣ / ١٤٠٦ ]
فلا يجوز الزيادة عليها إلا بدليل، قد قام دليل العشرة، فنحن عليه حتى يقوم دليل بالزيادة.
قيل: هذا وارد في امرأة بعينها مبتدأة اتصل بها الدم، ولم يكن لها تمييز ولا أيام ترجع إليها، فردها إلى عادة النساء سواها. ألا تراه كيف قال لفاطمة بن أبي حبيش - وهي مميزة -: «إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة وإذا ذهب قدرها فاغتسلي وصلي».
وعلى أنه لما لم يدل على أنها لا تحيض عشرة أيام لما قامت من الأدلة - عندكم - فكذلك لا يدل على أنها لا تحيض خمسة عشر يما لما ذكرناه من الأدلة.
فإن قيل: قد روي أنه قال: «اقعدي أيام أقرائك»، وقال «لتنظر عدد الأيام والليالي»، وهذه عبارة عما دون العشرة.
[ ٣ / ١٤٠٧ ]
قيل: هذا غلط؛ لأننا نقول: أيام أبي بكر، وأيام عمر، فتكون عبارة عما هو أكثر من عشرة بكثير. وقد قال - تعالى -: ﴿فعدة من أيام أخر﴾، وقال: ﴿وذكرهم بأيام الله﴾ وقوله: ﴿وتلك الأيام نداولها بين الناسء، ولم يقل: إلا أن تزيد على عشرة، ولو أراد الأيام الأقل الذي هو ثلاثة لم يمنع أن تقوم الدلالة على الزيادة إلى خمسة عشر، كما قامت لكم الدلالة في الزيادة إلى عشرة أيام.
وعلى أن الخبرين وردا على امرأة اشتهبت عليها حال حيضتها لا أنها عرفت أيامها.
فإن قيل: قد روي عن النبي ﵇ أنه قال: «أكثر الحيض عشرة أيام».
قيل: هذا لم يصح - عندنا -، ولو صح لكان محمولا على ما تأولناه أنه قضية في امرأة بعينها.
[ ٣ / ١٤٠٨ ]
ولنا أن نقول: إن ها دم ترخيه الرحم يسقط الصلاة والصوم فجاز أن يحكم له بحكم الحيض في الخمسة عشر يوما، دليله دم النفاس.
وأيضا فكل حم استوفى فيه تسعة أيام ولم تبلغ به العشرين اقتصر على خمسة عشر، دليله: أقل الطهر ولم تبلغ بأقل العشرين اقتصر فيه على خمسة عشر يوما.
ونقول أيضا: إنه حك معلق على الأيام يجوز أن يستوفي به عشرة أيام فيجوز أن يستوفي فيه خمسة عشر، كالطهارة.
وأيضا فإنه زوج من العدد لا يزيد على العقد، نصفه يوتره فجاز أن يكون هو مضموما إليه نصف حيض، دليله الست.
فقد ثبت صحة ما قلناه بالظواهر والاستدلالات والقياسات، ثم الحكم بشهادة الأصول، وذلك أن الله - تعالى - جعل الأشهر الثلاثة بإزاء الأقراء الثلاثة في التي لم تحض التي قد يئست من المحيض، فكان كل شهر بإزاء قرء، فدل على أن الشهر يجمع الحيض الطهر جمعيا، فإذا ثبت أن الشهر بإزاء القرء فلا يخلو من أحد أمور:
إما أن يكون يجمع أقل الطهر وأقل الحيض، وإما أن يجمع أكثرهما، وإما أن يجمع أكثر الطهر وأقل الحيض، وإما أن يجمع أكثر الحيض وأقل الطهر، فلا يخلو من هذه الأقسام الأربعة.
فتبطل منها الثلاثة الأول، فيبطل أن يجمع الأقلين؛ لأنهما ينقصان عن الشهر، وهو يزيد عليهما.
[ ٣ / ١٤٠٩ ]
ويبطل أيضا أن يجمع الأكثرين؛ لأنه ليس لأكثر الطهر حد، فهما يزيدان على الشهر.
ويبطل أيضا أن يجمع أكثر الطهر وأقل الحيض؛ لما ذكرناه في أكثر الطهر.
فإذا بطلت هذه الأقسام لم يبق إلا أنه يجمع أكثر الحيض وأقل الطهر، فإذا كان أقل الطهر خمسة عشري يوما ثبت أن أكثر الحيض خمسة عشر يوما.
وإن عبرنا عن هذا الترجيح بعبارة أخرى أخصر من ذلك قلنا: إن الشهر في الحكم يجمع طهرا وحيضا، فحصل ظرفا لهما، فوجب أن يحوي أقصى أحد النوعين وأدنى النوع الآخر، ثم قد حصل الاتفاق على أن أقل الطهر خمسة عشر يوما فوجب أن يكون أكثر الحيض خمسة عشر يوما؛ ليتم بها الشهر، كما أن الثلاثين شهرا حوت مدة
[ ٣ / ١٤١٠ ]
الفصال والحمل، وجلت ظرفا لهما، ثم كان أقصى مدة الفصال حولين بالقرآن ثم كان مدة أدنى الحمل ستة أشهر لتستوفي الثلاثون شهرا المدتين جميعا، وبالله التوفيق.
[ ٣ / ١٤١١ ]